مصر: الدولار يتراجع والاقتصاد يتحسن... والأسعار لا تتجاوب

وسط مطالبات برفع الحد الأدنى للأجور

فوضى بالأسواق المصرية ومغالاة في تحديد هامش الربح (الشرق الأوسط)
فوضى بالأسواق المصرية ومغالاة في تحديد هامش الربح (الشرق الأوسط)
TT

مصر: الدولار يتراجع والاقتصاد يتحسن... والأسعار لا تتجاوب

فوضى بالأسواق المصرية ومغالاة في تحديد هامش الربح (الشرق الأوسط)
فوضى بالأسواق المصرية ومغالاة في تحديد هامش الربح (الشرق الأوسط)

بينما كان ينتظر الموظف الأربعيني، محمد يحيى، انخفاض أسعار السلع الأساسية التي لا يستغنى عنها يومياً مع تراجع الدولار أمام الجنيه، وجد نفسه أمام ارتفاعات جديدة بعد ساعات قليلة من إعلان الحكومة المصرية زيادة أسعار الوقود بنسبة بلغت 13 في المائة، مطلع هذا الأسبوع، ما جعله يتساءل: «متى يمكن أن يشعر بتحسن أوضاعه المعيشية؟»، مع بشائر حكومية متعددة بـ«تجاوز الأزمة الاقتصادية».

ووجد المواطن المصري المقيم بشارع فيصل الشعبي بمحافظة الجيزة، نفسه أمام ارتفاع أسعار الخبز السياحي، وأضحى سعر الرغيف الواحد بـ«2.50» جنيه (الدولار يساوي 47.6 جنيه في البنوك المصرية)، بعد أن كان سعره جنيهين قبل أيام.

وتوقع رئيس شعبة المخابز التابعة لاتحاد الغرف التجارية بالقاهرة، خالد فكري، ارتفاع أسعار المخبوزات والعيش الحر، مشيراً في تصريحات لوسائل إعلام محلية، إلى أنها «ستشهد زيادة تتراوح بين 15 و20 في المائة، متأثرة بارتفاع تكاليف الإنتاج ومصاريف التشغيل بعد زيادة أسعار البنزين».

وأضاف يحيى لـ«الشرق الأوسط»: «سائق التاكسي الذي يقوم بتوصيل اثنين من أبنائي إلى مدرستهما، طالبني بزيادة قدرها 200 جنيه عن كل طفل»، مضيفاً: «تأثرت مباشرة برفع أسعار الوقود، ولا أدري كيف يمكن أن تنعكس مؤشرات الاقتصاد الإيجابية على حياتي اليومية، ولا بد من رفع الحد الأدنى للأجور».

أحد المتاجر المصرية بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

في المقابل، أشار وزير المالية المصري، أحمد كجوك، قبل أيام، إلى أن «الاقتصاد المصري يتحسن وينمو بازدياد ثقة المستثمرين، وأن الإصلاحات الاقتصادية والمالية تؤتي ثمارها في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والمالي ودفع النمو إلى 4.4 في المائة، وكذلك الأداء القوي لقطاعات الصناعة والسياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خلال العام المالي الماضي».

ورفعت الحكومة المصرية، الجمعة، أسعار الوقود بنسب وصلت إلى 13 في المائة، في زيادة هي الثانية خلال العام الحالي، على أن «تقوم بتثبيتها في السوق المحلية لمدة عام على الأقل».

ورغم أن معدلات التضخم في مصر شهدت سلسلة تراجعات متتالية على مدار الأشهر الماضية، لتنخفض من مستويات 16.8 في المائة في مايو (أيار) 2025، إلى 11.7 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضي، غير أن خبراء تحدثوا لوسائل إعلام محلية في مصر، أشاروا إلى أن رفع أسعار الوقود قد يقود لارتفاع معدلاته إلى مستويات تتراوح بين 13 و15 في المائة بنهاية العام.

وتشهد سوق الصرف في مصر منذ عام 2016 تغيرات متسارعة، ليقفز سعر الدولار من 7.8 جنيه في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016، إلى 18.7 جنيه، ثم استمر بالارتفاع عقب قرارات تعويم تالية، ليصل سعره إلى أكثر من 50 جنيهاً في مارس (آذار) الماضي، لكنه انخفض قليلاً مؤخراً، ليصل إلى 47.6 جنيه في البنوك المصرية، وفقاً لأرقام، الاثنين.

وأرجع الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة، عدم استجابة الأسعار لمتغيري تراجع سعر الدولار، وتحسن مؤشرات الاقتصاد، إلى ما وصفه بـ«الأسباب المركبة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الدولار يتراجع بنسب صغيرة، يضيع تأثيرها أمام ارتفاع تكلفة إنتاج معظم السلع، خصوصاً عند زيادة أسعار المحروقات والبنزين، كما أن الحكومة تقوم بزيادة أسعار الخدمات من كهرباء ومياه وغيرهما».

وبحسب العمدة، فإن «ضعف الرقابة على الأسواق، وقيام كل تاجر بزيادة هامش ربحه بما يتناسب مع احتياجاته المادية، وليس على أساس السعر العادل، يؤديان إلى زيادة الأسعار».

وأكد العمدة أنه «يوجد ما يسمى (الحلقات الوسيطة)؛ وهي دورة تجارية تبدأ منذ إنتاج السلعة أو استيرادها إلى أن تصل إلى المستهلك، فإذا كانت السلعة مستوردة، يحدد المستورد سعراً يضع فيه هامش ربح كبيراً، ثم يليه تاجر الجملة، وتاجر نصف الجملة، ثم التاجر، ثم البائع، وكل شخص في هذه السلسلة يضع هامش ربح كبيراً، فتصل السلعة إلى المستهلك بسعر أكبر كثيراً من تكلفة إنتاجها».

وكانت تأكيدات الحكومة المختلفة بتحسن مؤشرات الاقتصاد دون أن يوازيها تغيير ملموس في أسعار السلع المختلفة، وانعكاس ذلك على حياة المواطنين، مثار تندر من جانب مواطنين وأقلام صحافية محلية، ونشرت صحيفة «المصري اليوم» المحلية كاريكاتيراً للفنان عمرو سليم تطرق فيه إلى الأزمة.

استمرار ارتفاع أسعار السلع مثار تندر (المصري اليوم)

وطالبت الإعلامية لميس الحديدي، في برنامجها «الصورة»، السبت، بتوضيحات من الحكومة المصرية عن أسباب زيادة الوقود بتلك النسبة، قائلة: «رئيس الوزراء سبق وقال إنه إذا ظلت أسعار البترول العالمية عند مستويات السبعينات، وبقي سعر الصرف وقت حديثه عند 50 جنيهاً للدولار كما هو، فلن تكون هناك زيادة؛ لكن الحقيقة أن خام برنت انخفض إلى نحو 61 دولاراً للبرميل، وتحسن الجنيه أمام الدولار... نحتاج إلى مبرر واضح توضحه الحكومة: لماذا الزيادة بهذه النسبة؟ نحتاج أن نفهم».

ومؤخراً، أشاد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في «صندوق النقد الدولي»، جهاد أزعور، بتحسن الاقتصاد المصري، وقال في مؤتمر صحافي على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، الجمعة الماضي، إن «مصر شهدت تحسناً ملموساً خلال العامين الماضيين، منذ بدء تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي مع الصندوق».

وخلال المؤتمر الصحافي عقب اجتماع الحكومة الأسبوع الماضي، أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، أن «تحسن المؤشرات الاقتصادية في مصر ليس مجرد أرقام أو تقارير، بل نتيجة حقيقية لجهد كبير على الأرض، من خلال إقامة مشروعات جديدة، وتشغيل مصانع، وجذب استثمارات، وتوفير فرص عمل، مما يؤدي إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي وتحسن مستوى المعيشة»، موضحاً أن «الأجواء إيجابية وتسير في الاتجاه الصحيح».

الحلقات الوسيطة ضمن أسباب ارتفاع أسعار السلع بمصر (الشرق الأوسط)

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأسواق المصرية تعاني فوضى أسعار، فلا توجد رقابة ولا ما يعرف بالسعر العادل للسلعة، وكل أطراف المنظومة التجارية سواء مستوردين أو تجار، أو موردين، كل منهم يضع هامش الربح الذي يريده دون أي ضوابط، ويصل هامش الربح أحياناً عند كل تاجر إلى أكثر من مائة في المائة».

بدورها، طالبت النقابة العامة للعاملين في القطاع الخاص، برفع الحد الأدنى للأجور إلى 9 آلاف جنيه شهرياً، بعد رفع أسعار الوقود، ودعا رئيس النقابة شعبان خليفة إلى مراجعة الحد الأدنى للأجور بالقطاع الخاص.

وناشدت النقابة في تصريحات صحافية، الاثنين، بـ«رفع الحد الأدنى للأجور إلى 9 آلاف جنيه»، بدلاً من 7 آلاف جنيه كما هو مقرر حالياً.


مقالات ذات صلة

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

قال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «اللجنة المركزية لإدارة الأزمات» وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في القاهرة (رويترز)

الحكومة المصرية للسيطرة على الأسواق رغم «تذبذبات الدولار»

تُكثف الحكومة المصرية الجهود للسيطرة على الأسواق رغم «تذبذبات الدولار» أمام الجنيه، بينما أعلنت، الأحد، عن «ضبط أكثر من 6 آلاف مخالفة بالأسواق خلال 3 أشهر».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

مشروعات تنموية متزايدة لترسيخ الاستقرار الأمني في سيناء

تزامناً مع الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، تستهدف الحكومة المصرية التوسع في مشروعات التنمية في شبه جزيرة سيناء، ما يعزز من الاستقرار الأمني

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في القاهرة (رويترز)

تصاعد مطالب المصريين بتعديل مواعيد «الإغلاق المبكر»

مع دخول «التوقيت الصيفي» حيز التنفيذ في مصر بتقديم الساعة 60 دقيقة بدءاً من منتصف ليل الخميس-الجمعة، تصاعدت مطالبات بتعديل مواعيد «الإغلاق المبكر».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

يبدو أن الساحة التشريعية المصرية ستشهد زخماً في الأسابيع المقبلة حول ملفات الأسرة المصرية، بعدما وافقت الحكومة، على مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين.

رحاب عليوة (القاهرة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.