كثيراً ما تسعى الحكومة المصرية لبث الأمل في نفوس المواطنين بتحسن الأحوال الاقتصادية والنهوض بالمستويات المعيشية، غير أن التحديات لا تزال جساماً والأسعار باتت فوق قدرات المواطن العادي.
وتحدث رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال زيارته الكاتدرائية المرقسية، الأحد، لتهنئة البابا تواضروس الثاني بعيد الميلاد المجيد عن «تحسن ملموس» في أغلب القطاعات، مؤكداً أن الأوضاع أصبحت «أفضل بكثير من ذي قبل»، وأضاف: «أسعى دائماً لبث البشرى في نفوس المصريين جميعاً بأن الأمور تتحسن يوماً بعد يوم، وذلك من خلال رؤيتي على أرض الواقع لما يتم تحقيقه من إنجازات ومشروعات تنموية وخدمية».
وتكررت تصريحات مشابهة خلال الفترة الماضية على لسان مسؤولين، لكن هذا «التحسن الاقتصادي» لا يستشعره كثيرون، مثل طبيب الأسنان الشاب محمد علي الذي شكا من أنه كلما ذهب لشراء تجهيزات لشقة الزوجية، فوجئ بارتفاع جديد للأسعار وتباينها بين تاجر وآخر، «ما يعني عدم وجود ضبط أو رقابة على السوق»، على حد قوله.

ويعتبر علي أن عجزه عن توفير أي سلع كمالية والاكتفاء بالأشياء الأساسية، رغم أن لديه عيادته الخاصة، وأنه ينتمي لطبقة ليست محدودة الدخل، مؤشر على أن الأوضاع «لا تتحسن»، ويتساءل: «إذا كانت هذه حالتي، فكيف يستطيع الموظفون أو من لديهم دخل أقل الوفاء بمتطلبات الحياة؟».
التحديات
ويرى مراقبون أن الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية قريباً تصطدم بالعديد من التحديات القائمة، سواء المتعلقة بحجم الدين، أو العجز في الميزان التجاري، أو توفر العملة الصعبة، فضلاً عن تحديات جذب الاستثمار، وأثر الأوضاع الإقليمية على الاقتصاد.
يقول الباحث والكاتب الاقتصادي الخبير في أسواق المال محمد مهدي عبد النبي: «أفضل ما استطاعت الحكومة تحقيقه حتى الآن هو ثبات القوة الشرائية للمواطن نسبياً بدلاً من تدهورها لسنوات، مع استقرار سعر الصرف، أي أن التحسن مجرد التقاط أنفاس من الزيادات المستمرة، وليس تحسناً بالمعنى الحقيقي».
وقررت الحكومة المصرية في مارس (آذار) 2024 تحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار، ليرتفع في البنوك رسمياً إلى نحو 50 جنيهاً بدلاً من 30 جنيهاً، ما انعكس في القضاء على السوق السوداء واستقرار سوق الصرف، وكان سبباً رئيسياً في زيادة إيرادات المصريين من الخارج، التي اقتربت من 34 مليار دولار خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بزيادة 42.5 في المائة عن عام 2024.
ويحدد عبد النبي التحديات التي تواجه الاقتصاد في «العجز المزمن في الميزان التجاري، وارتفاع فاتورة الاستيراد بشكل كبير، وحجم الدين المرتفع»، وارتباط كل ذلك بـ«توفر العملة الصعبة».
ويتجاوز عجز الميزان التجاري في مصر 30 مليار دولار، وفق تقرير للهيئة العامة للرقابة على الصادرات عن الفترة من يناير إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وذلك بانخفاض نحو 12 في المائة عن الفترة نفسها من عام 2024.

ويتفق الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مع الاعتماد على الخارج لتوفير الغذاء ومستلزمات الإنتاج والأدوية يصعب الحديث عن تحسن، لأن الاستيراد يحتاج دولارات لا نملكها في ظل ديون خارجية أكثر من 160 مليار دولار، وديون محلية أكثر من 8 تريليونات جنيه وتوجيه 65 في المائة من استخدامات الموازنة لسداد الفوائد والأقساط». (الدولار يساوي 47.5 جنيه مصري)
وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 6 مليارات دولار منذ بداية 2025 ليصل إلى 161.2 مليار دولار في يونيو (حزيران) الماضي، وفق بيانات رسمية.
وقال الميرغني: «التحسن يستلزم ارتفاع الإنتاج الزراعي والصناعي وتراجع معدلات الفقر»، ولفت إلى «الارتفاع المتتالي» في أسعار الكهرباء والمياه والغاز والمنتجات البترولية والمواصلات.
التضخم والشارع
وكان رئيس الوزراء قد أشار إلى ارتفاع معدل الفقر «قليلاً» عن نسبة 30 في المائة، وهو آخر معدل رسمي أعلنه الجهاز المركزي للإحصاء في عام 2020، مرجعاً ذلك إلى «التغيرات الاقتصادية»، مؤكداً سعي الحكومة إلى تخفيف معاناة المواطن عبر زيادة الرواتب وخفض الأسعار.
ويبدي عضو لجنة الاقتصاد في مجلس النواب السابق محمود الصعيدي تفاؤلاً، قائلاً: «حديث الحكومة عن تحسن الأوضاع يستند إلى مؤشرات اقتصادية حقيقية، ويبقى العمل على أن يشعر المواطن بهذا التحسن». واستند في هذا التفاؤل على زيادة موارد الدولة الدولارية، سواء من تحويلات المصريين في الخارج، أو من السياحة أو التصدير أو جذب الاستثمارات، أو قناة السويس، رغم التحديات الإقليمية القائمة.
وأعلنت هيئة قناة السويس ارتفاع إيراداتها إلى 1.97 مليار دولار خلال الفترة من يوليو حتى ديسمبر 2025 مقارنة مع 1.68 مليار دولار عن الفترة نفسها من عام 2024.
وبينما يلفت الصعيدي إلى التضخم وتراجع نسبته، الذي يعد مؤشراً مهماً عن التحسن المرتقب في الأوضاع، يتساءل الخبير الاقتصادي رشاد عبده: «كيف نثق في مؤشر التضخم بينما الواقع لا يعكس شعوراً حقيقياً به؟».
وبلغت نسبة التضخم في نوفمبر الماضي 12.3 في المائة نزولاً من 12.5 في المائة في أكتوبر.
واعتبر عبده في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن تصريحات الحكومة ووعودها المتفائلة بتحسن الأوضاع «هي حديث سياسي في ظل فترة من المتوقع فيها حدوث تغييرات حكومية، لكنها لا تعكس تحسناً في الشارع».

