تحقيق: حكومة الأسد نقلت سراً مقبرة جماعية للتستر على جرائم قتل

الرئيس السوري السابق بشار الأسد (رويترز)
الرئيس السوري السابق بشار الأسد (رويترز)
TT

تحقيق: حكومة الأسد نقلت سراً مقبرة جماعية للتستر على جرائم قتل

الرئيس السوري السابق بشار الأسد (رويترز)
الرئيس السوري السابق بشار الأسد (رويترز)

خلص تحقيق أجرته «رويترز» إلى أن الحكومة في عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد نفذت على مدى عامين عملية سرية لنقل آلاف الجثث من مقبرة جماعية كبيرة معروفة في سوريا إلى موقع سري يبعد أكثر من ساعة بالسيارة في الصحراء النائية.

ولم يُعلن سابقاً عن قيام الجيش في عهد بشار بحفر المقبرة الجماعية في القطيفة وحفر ثانية ضخمة في الصحراء خارج بلدة الضمير.

ومن أجل الكشف عن موقع مقبرة الضمير والحصول على تفاصيل موسعة، تحدثت «رويترز» إلى 13 شخصاً على دراية مباشرة بالعملية التي استمرت عامين لنقل الجثث وراجعت وثائق أعدها مسؤولون معنيون، وحللت المئات من صور الأقمار الاصطناعية المأخوذة على مدى سنوات عدة لموقعي المقبرتين.

«عملية نقل الأتربة»

أُطلق على عملية نقل الجثث من القطيفة إلى موقع آخر سري على بُعد عشرات الكيلومترات اسم «عملية نقل الأتربة»، واستمرت من 2019 حتى 2021.

وقال الشهود إن الهدف من العملية كان التستر على جرائم حكومة الأسد والمساعدة في تحسين صورتها.

وأبلغت «رويترز» الحكومة السورية الحالية بنتائج هذا التحقيق اليوم الثلاثاء. ولم ترد الحكومة بعد على أسئلة عن هذا التقرير.

ولم تفصح «رويترز» في تحقيقها عن موقع المقبرة الدقيق، لتقليل احتمال عبث المتسللين بها. وستصدر «رويترز» قريباً تقريراً خاصاً يشرح بالتفصيل كيفية تنفيذ حكومة الأسد العملية السرية وكيف كشف الصحافيون عنها.

واكتشفت «رويترز» أن المقبرة الجماعية الواقعة في صحراء الضمير تضم ما لا يقل عن 34 خندقاً بطول كيلومترين لتكون من أوسع المقابر التي حُفرت خلال الحرب الأهلية السورية.

وتشير روايات الشهود وأبعاد الموقع الجديد إلى احتمال دفن عشرات الآلاف من الأشخاص هناك.

بدأت حكومة الأسد دفن الموتى بالقطيفة في 2012 تقريباً، في بدايات الحرب الأهلية. وقال الشهود إن المقبرة الجماعية ضمت جثث جنود وسجناء لقوا حتفهم في سجون الأسد ومستشفياته العسكرية.

ونشر ناشط سوري في مجال حقوق الإنسان صوراً لوسائل إعلام محلية عام 2014 كشفت عن وجود مقبرة القطيفة وموقعها العام على مشارف دمشق. وقد تحدد موقعها الدقيق بعد بضع سنوات من خلال شهادات في المحاكم وتقارير إعلامية أخرى.

وقال شهود شاركوا في العملية إنه في الفترة من فبراير (شباط) 2019 إلى أبريل (نيسان) 2012، كانت تتحرك من القطيفة إلى موقع الضمير في الصحراء من ست إلى ثماني شاحنات محملة بالتراب والرفات البشري، وذلك على مدار أربع ليال تقريباً كل أسبوع.

ولم تتمكن «رويترز» من تأكيد ما إذا كانت جثث من أماكن أخرى قد وصلت أيضاً إلى الموقع السري، ولم تعثر على أي وثائق تشير إلى عملية «نقل الأتربة» أو المقابر الجماعية بشكل عام.

وقال جميع من شاركوا بشكل مباشر في العملية إنهم يتذكرون الرائحة الكريهة بوضوح، ومن بينهم سائقان وثلاثة من فنيي إصلاح السيارات وسائق جرافة وضابط سابق من الحرس الجمهوري التابع للأسد شاركوا فيها منذ بدايتها.

ولم يتسن الوصول إلى الأسد، الذي يعيش في روسيا، ولا إلى عدد من المسؤولين العسكريين ممن أكد الشهود على أن لهم أدواراً رئيسية في العملية، للحصول على تعليقات. وبعد سقوط النظام أواخر العام الماضي، هرب الأسد وعدد من مساعديه من سوريا.

وقال الضابط السابق من الحرس الجمهوري إن فكرة نقل آلاف الجثث وردت في أواخر 2018، عندما اقترب الأسد من تحقيق النصر في الحرب الأهلية السورية. وأضاف الضابط أن الأسد كان يأمل في استعادة الاعتراف الدولي بعد تهميش لسنوات جراء العقوبات ومزاعم الوحشية.

وفي ذلك الوقت، توجهت أصابع الاتهام للأسد باحتجاز آلاف السوريين. لكن لم تسطع أي جماعة سورية مستقلة أو منظمة دولية الوصول إلى السجون أو المقابر الجماعية.

وقال السائقان والضابط لـ«رويترز» إن القادة العسكريين أبلغوهم بأن مغزى عملية النقل هو تطهير مقبرة القطيفة الجماعية وإخفاء أدلة على عمليات قتل جماعي.

وبحلول الوقت الذي سقط فيه نظام الأسد، كانت كل الخنادق الـ16 التي وثقتها «رويترز» في القطيفة قد أخليت.

160 ألف شخص اختفوا

قالت منظمات حقوقية سورية إن ما يربو على 160 ألف شخص اختفوا في ظل جهاز الأمن الضخم للرئيس السوري المخلوع، ويُعتقد أنهم مدفونون في عشرات المقابر الجماعية التي أمر بحفرها. ويمكن أن يقدم التنقيب المنظم وتحليل الحمض النووي تفاصيل عما تعرض له هؤلاء الأشخاص، مما يخفف من وطأة أحد أكثر الأحداث إيلاماً في تاريخ سوريا.

ولكن في ظل نقص الموارد في سوريا، فإنه حتى المقابر الجماعية المعروفة غالباً ما تكون غير محمية ولم ينقب عنها أحد. ولم يصدر قادة البلاد الجدد، الذين أطاحوا بالأسد في ديسمبر (كانون الأول)، أي وثائق تتعلق بالأفراد المدفونين هناك، رغم المطالبات المستمرة من عائلات المفقودين.

وقال محمد رضا جلخي، رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين التابعة للحكومة: «التحدي الآخر أننا نتعامل مع عدد كبير من المفقودين غير محدود لكن قد يتجاوز عشرات الآلاف، والحاجة اليوم إلى تأهيل كوادر متخصصة لأننا نتعامل مع ملف علمي يحتاج إلى كوادر متخصصة في الطب الشرعي والبصمة الوراثية، وهذا يحتاج إلى وقت لبناء هذه الكوادر».

من جهته أكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح لصحيفة «الوطن» في أواخر أغسطس (آب): «هناك جرح نازف طالما هناك أمهات ينتظرن إيجاد قبور أبنائهن وزوجات ينتظرن أيضاً إيجاد قبور أزواجهن وكذلك الأطفال الذين ينتظرون قبور آبائهم».

وقال محمد العبد الله، المدير التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة»، وهي منظمة سورية معنية بتتبع المفقودين والتحقيق في جرائم الحرب، إن وقع نقل الجثث عشوائياً مثل ما حدث من القطيفة إلى الضمير كان كارثياً على عائلات القتلى.

وأضاف العبد الله بعد اطّلاعه على نتائج «رويترز»: «تجميع هذه الجثث معاً حتى يتسنى إرجاع الرفات كاملاً إلى العائلات سيكون أمراً معقداً للغاية»، ووصف إنشاء لجنة المفقودين بأنه خطوة إيجابية من الحكومة الجديدة.

واستطرد أن اللجنة تحظى بدعم سياسي، لكنها لا تزال بحاجة إلى الموارد والخبراء.

وقال سائقون وفنيو إصلاح سيارات وغيرهم ممن شاركوا في عملية النقل إن إفشاء أمر العملية السرية كان يعني موتاً حتمياً.

وقال أحد السائقين: «ما في حد يقدر يخالف الأوامر، وإلا أنت نفسك تنتهي في الحفر».


مقالات ذات صلة

قائد «قسد»: بحثت مع وزير خارجية فرنسا اتفاق 29 يناير ومكافحة «داعش»

المشرق العربي قائد «قسد» مظلوم عبدي في مقابلة مع وكالة «رويترز» بالحسكة 19 ديسمبر 2024 (رويترز)

قائد «قسد»: بحثت مع وزير خارجية فرنسا اتفاق 29 يناير ومكافحة «داعش»

قال قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مظلوم عبدي، إنه بحث مع وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، سبل تنفيذ الاتفاق الموقع مع الحكومة السورية ومكافحة تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي إردوغان يتحدث للصحافيين على متن الطائرة خلال عودته الأربعاء من زيارة إلى السعودية ومصر (أناضول)

إردوغان: اتفاق دمشق و«قسد» يدعم السلام مع «الكردستاني» في تركيا

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ​إن الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد» يدعم السلام مع حزب «العمال الكردستاني» في تركيا.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
المشرق العربي وزيرا خارجية سوريا وفرنسا أسعد الشيباني وجان نويل بارو في القصر الرئاسي في دمشق الخميس (أ.ف.ب)

أولوية فرنسا في سوريا محاربة الإرهاب والضمانات للأكراد

وزير الخارجية الفرنسي في دمشق، وعين باريس على محاربة «داعش» وتوفير الضمانات لأكراد سوريا، وتؤكد استعدادها لإنجاح المشروع الحكومي السوري

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي جنديان من الجيش اللبناني بموقع عسكري بقرية علما الشعب جنوب لبنان في نوفمبر 2025 يراقبان موقع حانيتا الإسرائيلي وموقع لبونة إحدى التلال الخمس التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية منذ أكثر من عام (أ.ب)

«الأورومتوسطي»: رشُّ إسرائيل مواد كيميائية في سوريا ولبنان «جريمة حرب»

اعتبر المرصد الأورومتوسطي أن رش إسرائيل مواد كيميائية في سوريا ولبنان يعدّ جريمة حرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

غارات إسرائيلية في عمق قطاع غزة تستهدف ورش صناعة أسلحة

فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
TT

غارات إسرائيلية في عمق قطاع غزة تستهدف ورش صناعة أسلحة

فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

بدأ الجيش الإسرائيلي في اتخاذ إجراءات عسكرية فعلية لنزع سلاح حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، في تطور جديد للهجمات التي تنفذها في عمق مناطق سيطرة الحركة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وخلال أقل من أسبوع، استهدفت طائرات إسرائيلية، ورشتي حدادة (مخرطتان) الأولى في مدينة غزة، والأخرى في خان يونس جنوب القطاع. ويبدو أن الجيش الإسرائيلي يشتبه بأنهما تستخدمان في صناعة الأسلحة من قبل الفصائل الفلسطينية.

ودمرت طائرات حربية إسرائيلية مبنى مكوناً منطبقات عدة، ما بين وسط وغرب خان يونس جنوب قطاع غزة، يعود لعائلة أبو حطب، التي تلقت اتصالاً بعد منتصف ليل الخميس - الجمعة، بإخلائه بالكامل، قبل أن يتم تدميره؛ لوجود ورشة حدادة أسفله «مخرطة».

فلسطينيون يعاينون الدمار الذي سببته غارة إسرائيلية استهدفت مبنى من 5 طبقات في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

قبل ذلك بستة أيام، دمرت طائرات منزلاً مكوناً من طابقين في حي النصر، غرب مدينة غزة، بعد وقت قصير من استهدافها ورشة تقع أسفل المنزل ذاته؛ ما أدى إلى مقتل 3 فلسطينيين من عائلة رزق، وهم أصحاب المنزل والورشة «المخرطة».

وقال الجيش الإسرائيلي عن الهجوم الأول في مدينة غزة، في بيان أصدره حينها، إنه هاجم موقع إنتاج أسلحة، في حين قال عن الآخر بخان يونس، صباح الجمعة، إنه هاجم بنية تحتية «إرهابية».

وتقول مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن لا أحد من أفراد من عائلة أبو حطب التي دُمّر منزلها في خان يونس، ينتمي إلى أي فصيل فلسطيني، ويبدو أن العملية تهدف بشكل أساسي إلى تدمير جميع ورش الحدادة (المخارط) التي ما زالت موجودة في القطاع؛ منعاً لاستخدامها لتصنيع أي أسلحة.

وأوضحت المصادر، أن الورشة أسفل منزل عائلة أبو حطب، كان يستخدمها أصحابها عملاً تجارياً لكسب قوتهم، ولم يُعرَف أنها استُخدم فيها أي نشاط غير عادي.

وعن الورشة الأولى بمدينة غزة، أكدت المصادر أن أحد الذين قُتلوا على بابها عند استهدافها كان ناشطاً في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، من دون أن توضح فيما إذا كانت فعلاً تستخدم من الكتائب لأي أنشطة عسكرية.

ولفتت المصادر إلى أن ورشة الحدادة (المخرطة) أسفل المنزل تعود لشقيق القتيل، وهو ناشط بارز في وحدة التصنيع العسكري في «كتائب القسام»، لكنه لم يكن في المكان لحظة استهداف الورشة قبل أن تدمر الطائرات الإسرائيلية المنزل بأكمله لاحقاً بعد إخلائه ومحيطه.

وتشير هذه التحركات الإسرائيلية الجديدة إلى خطة عمل جديدة داخل قطاع غزة؛ ما ينذر بأن الهجمات المقبلة قد تشمل ليس فقط الاغتيالات، وإنما عمليات بحجة بدء نزع سلاح «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى.

صورة ملتقطة من الجانب الإسرائيلي للحدود تظهر أبنية دمرها القصف في قطاع غزة (أ.ف.ب)

وخلال التصعيد الإسرائيلي الذي وقع قبل 6 أيام وأدى إلى مقتل عشرات الفلسطينيين، استهدفت بعض الهجمات نشطاء يعملون في مجال الصناعات العسكرية مثل الصواريخ وغيره؛ ما أدى إلى مقتل اثنين منهم، أحدهما من «الجهاد الإسلامي» والآخر من «حماس»، وذلك في غارتين منفصلتين، بينما نجا 3 آخرون من هجمات مماثلة.

وفي الأيام الأخيرة، قالت صحيفة «هآرتس» العبرية، إن إسرائيل تأمل في أن يقوم الجيش الإسرائيلي بنزع سلاح «حماس» بنفسه؛ ما يمهد الطريق إلى «النصر الساحق والكامل» كما يرى مؤيدو الحكومة الإسرائيلية. وذكرت في تقرير آخر لها، أن الجيش الإسرائيلي أقام نقاطاً لتسلم أسلحة «حماس» قبل نقلها إلى إسرائيل لتدميرها.

وتستعد الولايات المتحدة في الأيام المقبلة لتقديم وثيقة لحركة «حماس» تتعلق ببدء عملية نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، كما ذكرت «القناة 13» العبرية.

وقال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، مساء الخميس، إن «حماس» وافقت على التخلي عن سلاحها ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، وإنه حان عليها تنفيذ ذلك، وإلا فلن يكون لها وجود. في حين قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مؤخراً، إن نزع سلاح «حماس» سيتم إما بالطريقة السهلة أو الصعبة، مشدداً على أنه سيتم نزع كل أسلحتها، بما في ذلك 60 ألف قطعة كلاشنكوف تحتفظ بها الحركة.


الضغوط الأميركية تضعف قدرة «التنسيقي» على التمسك بالمالكي

رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (د.ب.أ)
رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (د.ب.أ)
TT

الضغوط الأميركية تضعف قدرة «التنسيقي» على التمسك بالمالكي

رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (د.ب.أ)
رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (د.ب.أ)

تتزايد الشكوك حول قدرة «الإطار التنسيقي» على التمسك أكثر بترشيح زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي لرئاسة الوزراء، مع تصاعد الضغوط الأميركية التي أعقبت تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب حذر فيها صراحة من عواقب تعيين المالكي في المنصب.

ورغم تحدي المالكي وعدد من حلفائه ما وصفوه بـ«التدخل الأميركي في الشأن العراقي»، مع إبداء استعداد للتعامل مع «المخاوف الأميركية» وفق ما جاء في تصريحات تلفزيونية أخيرة، فإن المواقف الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، إلى جانب جولات القائم بالأعمال الأميركي في العراق جوشوا هاريس، ورسائل موازية لأطراف مختلفة، عكست أن الأمر تجاوز كونه تغريدة عابرة، كما وصفها المالكي والناطقون باسمه إلى ضغط أميركي مباشر ومتصاعد.

تزامن هذا الضغط مع تراجع حاد في الموقف الكردي الداعم للمالكي، لا سيما من جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، إضافة إلى الموقف السني الحاسم الرافض لترشيحه، الذي عبّر عنه زعيم الأغلبية السنية في البرلمان محمد الحلبوسي.

ونتيجة لذلك، بدأت دائرة القبول بالمالكي داخل قوى «الإطار التنسيقي» بالتقلص، مع إعادة حسابات من أطراف كانت تدعم توليه المنصب، بمن فيهم فصائل مسلحة لم تعلن موقفاً جديداً بشكل علني.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وإلى يساره في الصورة نوري المالكي (أ.ف.ب)

أوراق المالكي

في السياق نفسه، حاول المالكي، في اللقاء الصحافي ذاته، ترميم علاقته مع الفصائل المسلحة، واصفاً عناصرها بأنهم «أبناؤه»، في وقت تتصاعد فيه المطالبات الداخلية والخارجية بحل هذه الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة.

غير أن مصدراً سياسياً رأى أن المالكي «كشف أوراقه مبكراً، في وقت لا يوجد فيه إجماع عليه داخل قوى الإطار التنسيقي».

وقال المصدر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» طالباً عدم الكشف عن اسمه، إن «المالكي، بقدر ما سعى إلى إصلاح منظومة علاقاته الخارجية، ولا سيما مع الولايات المتحدة بعد تغريدة ترمب، فإنه لم يتحسب لردود الفعل الداخلية، خصوصاً داخل الأوساط التي تبنت خطابه ذاته قبل تكليفه برئاسة الوزراء، وكانت من أبرز المدافعين عن ترشيحه».

وأضاف المصدر أن «الضغوط على المالكي اتسعت بعد تصريحاته التلفزيونية، التي لم تحرج حلفاءه داخل الإطار فحسب، بل منحت دفعة قوية للأطراف المناوئة لتوليه المنصب من داخل الإطار نفسه». وأشار في هذا السياق إلى تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وحركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، وائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي، إلى جانب قوى أخرى كانت مواقفها متذبذبة، لكنها اتجهت بعد التصريحات الأخيرة إلى التحفظ على إعادة طرح ترشيح المالكي.

وكشف المصدر عن «وجود نية لدى المالكي للانسحاب من سباق الترشح، لكنه يشترط أن يكون البديل من داخل ائتلافه (دولة القانون)»، وهو ما يضع، بحسب المصدر، زعيم تحالف «الإعمار والتنمية» محمد شياع السوداني، الحاصل على أعلى الأصوات، أمام إعادة النظر في موقفه الداعم للمالكي.

وأوضح أن «السوداني كان قد اشترط على المالكي التنازل له شخصياً، وفي حال عدم تمكن المالكي من تأمين إجماع داخل الإطار، فإن السوداني قد يعاود طرح نفسه مرشحاً لرئاسة الوزراء بصفته الفائز الأول».

وتتضارب الروايات حول تنازل السوداني عن الولاية الثانية. إذ ينفي المالكي أن يكون تنازله مشروطاً بإعادة الترشيح إليه. وكان مصدر قيادي في «الإطار التنسيقي» قد أبلغ «الشرق الأوسط» أن «تمسك المالكي بالترشيح لا يهدف إلى العودة الفعلية إلى رئاسة الوزراء، بقدر ما يسعى إلى منع السوداني من الوصول إلى المنصب».

«النفوذ الخبيث»

في موازاة ذلك، التقى القائم بالأعمال الأميركي جوشوا هاريس محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق، وسط أنباء عن ضغوط مالية أميركية متزايدة على العراق في حال تشكلت حكومة موالية لإيران، وفق ما أوردته «بلومبرغ». وأظهر البيانان الصادران عن البنك المركزي العراقي والسفارة الأميركية تبايناً في المقاربات، رغم اتفاقهما على دعم الاستقرار النقدي.

ففي حين أكد الجانبان أهمية الاستقرار المالي، أشار بيان السفارة الأميركية، نقلاً عن هاريس، إلى حرص واشنطن على تخليص العراق مما وصفه بـ«النفوذ الخبيث»، في إشارة واضحة إلى إيران.

في المقابل، شدد البيان العراقي على أن اللقاء بحث «آفاق تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، والتأكيد على أهمية دعم الاستقرار النقدي والاقتصادي، بما ينسجم مع متطلبات الاستقرار السياسي والأمني في العراق».

وأكد هاريس، بحسب البيان، «حرص الولايات المتحدة على تعزيز علاقاتها مع العراق، ودعم كل ما من شأنه ترسيخ الاستقرار وإبعاد البلاد عن أي عوامل قد تسهم في زعزعة أوضاعه»، مشيداً بـ«التطورات الإصلاحية الكبيرة التي ينتهجها البنك المركزي العراقي، وبالعلاقات المتميزة والمنتجة التي تربطه بوزارة الخزانة الأميركية والاحتياطي الفيدرالي».

من جانبه، أعرب العلاق عن شكره لـ«الدعم المتواصل الذي تقدمه الولايات المتحدة، ولا سيما خلال الاجتماعات الربع سنوية»، مستعرضاً خطة الإصلاح المصرفي، والتقدم في استقرار عمليات التحويل الخارجي وتنظيم بيع الدولار وفق المعايير الدولية.

أرشيفية لرئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني مستقبلاً القائم بالأعمال الأميركي جوشوا هاريس (إعلام رئاسة الوزراء)

تحذير أميركي

وفي موقف لافت، عبّرت وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، عن لهجة حازمة تجاه خريطة التحالفات السياسية المقبلة في العراق، مؤكدة أن إدارة ترمب مستعدة لاستخدام «مجموعة كاملة من الأدوات» لضمان تنفيذ رؤيتها للملف العراقي. وقالت الوزارة إن السياسة الأميركية «تشترط وجود حكومة عراقية قادرة على العمل بفاعلية واحترام مع الولايات المتحدة».

ونقل التصريح تحذيراً مباشراً من الرئيس ترمب جاء فيه: «في المرة الأخيرة التي كان فيها المالكي في السلطة، انزلقت البلاد نحو الفقر والفوضى العارمة، ولا ينبغي السماح بحدوث ذلك مرة أخرى».


وزير خارجية فرنسا يدعو لتزويد الجيش اللبناني بإمكانات لاستكمال نزع سلاح «حزب الله»

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل - بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل - بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزير خارجية فرنسا يدعو لتزويد الجيش اللبناني بإمكانات لاستكمال نزع سلاح «حزب الله»

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل - بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل - بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شدّد وزير الخارجية الفرنسي جان - نويل بارو، الجمعة، قبل وصوله إلى بيروت، على أهمية تزويد الجيش اللبناني بإمكانات لمواصلة مهامه في نزع سلاح «حزب الله»، على وقع ضغوط أميركية وإسرائيلية لتسريع إنجاز هذه المهمة.

وقال بارو في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية في مطار أربيل قبل إقلاع طائرته إلى بيروت: «رؤية فرنسا للبنان هي أنه دولة قوية وذات سيادة، تمتلك احتكار السلاح»، موضحاً أن «الخطوة الأولى لإنجاز هذه المهمة هي بتزويد القوات المسلحة اللبنانية بالإمكانات اللازمة لمواصلة عملية نزع سلاح (حزب الله)».