في الضفة الغربية... الجرافات الإسرائيلية تسحق آمال إقامة دولة فلسطينية

حفارات توسّع طريقاً يربط المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية (رويترز)
حفارات توسّع طريقاً يربط المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية (رويترز)
TT

في الضفة الغربية... الجرافات الإسرائيلية تسحق آمال إقامة دولة فلسطينية

حفارات توسّع طريقاً يربط المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية (رويترز)
حفارات توسّع طريقاً يربط المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية (رويترز)

في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الأسبوع عن خطة لإنهاء حرب غزة واقترح مساراً محتملاً لإقامة دولة فلسطينية، كان أشرف سمارة في الضفة الغربية يراقب الجرافات حول قريته وهي تساهم في دفن آماله في إقامة دولة مستقبلية.

وتحت أعين حراس الأمن المسلحين جرفت الآليات الإسرائيلية الأرض لشق طرق جديدة تخدم المستوطنات اليهودية وتمزق أوصال الأراضي المحيطة بقرية بيت عور الفوقا التي يقطنها سمارة وتضع عراقيل جديدة أمام حركة الفلسطينيين.

وقال سمارة، وهو عضو في مجلس القرية، لوكالة «رويترز»: «الهدف هو منع المواطنين من الوصول إلى هذه الطرق واستخدامها، وبالتالي حصر القرى والمجمعات السكنية فقط في أماكن سكنهم».

فلسطينيون يحتجون ضد عملية توسّيع الطريق لربط المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية (رويترز)

ومع كل طريق جديد يسهل حركة المستوطنين اليهود، يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية، الذين يُمنعون عادة من استخدام هذه الطرق، عقبات جديدة في الوصول إلى البلدات المجاورة أو أماكن العمل أو الأراضي الزراعية القريبة.

المزيد من الدول تعترف بدولة فلسطينية

في حين انضمت عدة دول أوروبية كبرى، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا، في سبتمبر (أيلول) إلى قائمة متزايدة من الدول التي تعترف بدولة فلسطينية، تتوسع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية بوتيرة متسارعة في ظل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع احتدام حرب غزة.

ويعتبر الفلسطينيون ومعظم الدول المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي. وترفض إسرائيل ذلك.

وقالت هاغيت عوفران، العضو في حركة «السلام الآن» الإسرائيلية، إن الطرق الجديدة التي يتم تجريفها حول بيت عور الفوقا وخارجها هي محاولة من إسرائيل للسيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية. وأضافت: «إنهم يفعلون ذلك من أجل فرض الحقائق على الأرض. بقدر ما يملكون من القوة، سينفقون الأموال».

حفارات توسّع طريقاً يربط المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية (رويترز)

وذكرت أن إسرائيل خصصت سبعة مليارات شيقل (2.11 مليار دولار) لشق الطرق في الضفة الغربية منذ هجمات حركة «حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 التي أشعلت فتيل الحرب في قطاع غزة.

وتمتد المستوطنات الإسرائيلية، التي زاد حجمها وعددها منذ استيلاء إسرائيل على الضفة الغربية في حرب عام 1967، في عمق الضفة، مدعومة بشبكة من الطرق والبنية التحتية الأخرى الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

ووصف مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم)، في تقرير صدر عام 2004، شبكة الطرق والطرق الجانبية المؤدية إلى المستوطنات التي بنيت على مدى عدة عقود بأنها «نظام الطرق التمييزي الإسرائيلي». وقال إن بعض الطرق تهدف إلى تشكيل حاجز فعلي لخنق التنمية الحضرية الفلسطينية.

ولم يرد مكتب نتنياهو والجيش الإسرائيلي حتى الآن على طلبات للتعليق. كما لم يرد مجلس «يشع»، وهو هيئة تمثل مستوطني الضفة الغربية، حتى الآن على طلب للتعقيب.

قبل إعلان خطة ترمب بشأن غزة، قال نتنياهو: «لن تكون هناك دولة فلسطينية أبداً»، وذلك خلال حديثه أثناء موافقته الشهر الماضي على مشروع لتوسيع البناء بين مستوطنة معاليه أدوميم في الضفة الغربية والقدس.

فلسطينيون يحتجون لدى جنود إسرائيليين على عملية توسّيع الطريق لربط المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية (رويترز)

وقال وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عن المشروع نفسه إنه «سيدفن» فكرة الدولة الفلسطينية.

ويقول محللون إن خطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة، التي وافق عليها نتنياهو، تحدد طريقاً محتملاً لإقامة دولة فلسطينية، لكن الشروط التي تضعها لتحقيق ذلك تعني أن مثل هذه النتيجة ليست مضمونة على الإطلاق.

وقالت عوفران إن ما تفعله الحكومة الآن هو تهيئة البنية التحتية لمليون مستوطن يريدون استقطابهم إلى الضفة الغربية.

وأضافت: «من دون الطرق، لا يمكنهم القيام بذلك. إذا كانت هناك طرق، ففي نهاية المطاف، وبشكل طبيعي تقريباً، سيأتي المستوطنون».


مقالات ذات صلة

نتنياهو يعلن عن منع هجوم واسع... ويأمر بـ«إغلاق كامل» للضفة الغربية

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يعلن عن منع هجوم واسع... ويأمر بـ«إغلاق كامل» للضفة الغربية

أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، بفرض إغلاق كامل على الضفة الغربية المحتلة بعد إطلاق نار فيها أسفر عن إصابة خمسة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جنود ومستوطنون إسرائيليون مسلحون في الضفة الغربية المحتلة (أ.ب) p-circle

إسرائيل تطلق سراح المشتبه بهم في هجومين نفّذهما مستوطنون

أفادت شركة ‌محاماة تُمثل مستوطنين بأن تسعة من أصل عشرة مشتبَه بهم، أوقفوا في إطار تحقيق بهجومين شنهما مستوطنون متطرفون على صحافية أميركية ودبلوماسيين أوروبيين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي مستوطن إسرائيلي يراقب عناصر من القوات الإسرائيلية وهم يغلقون طريقاً مانعين الفلسطينيين من الوصول إلى بساتينهم لقطف الزيتون في بلدة ترمسعيا - الضفة الغربية (أ.ب)مستوطنون إسرائيليون يجلسون ببستان زيتون في حين تغلق عناصر من القوات الإسرائيلية طريقاً وتمنع الفلسطينيين من قطف الزيتون في بلدة ترمسعيا - الضفة الغربية (أ.ب)

مستوطنون إسرائيليون يسرقون زيتون الفلسطينيين مع تصاعد الهجمات خلال موسم الحصاد

غلبت الدموع الفلسطيني أحمد سالم وهو يتذكر كيف كان المستوطنون الإسرائيليون يضربون أشجار الزيتون العزيزة على قلبه بالعصي ويهربون ومعهم الثمار.

«الشرق الأوسط» (اللبن الغربي (الضفة الغربية))
المشرق العربي قوات إسرائيلية تصل إلى طريق مغلق يمنع الفلسطينيين من الوصول إلى بساتينهم لقطف الزيتون في بلدة ترمسعيا بالضفة الغربية يوم الأربعاء (أ.ب)

تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية بحق مسؤولين ومتضامنين غربيين

اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي براد لاندر المرشح لعضوية ​الكونغرس الأميركي في انتخابات الشهر ⁠المقبل مع 90 شخصاً آخرين كانوا يرافقون مزارعين فلسطينيين في الضفة

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية براد لاندر المرشح لعضوية الكونغرس الأميركي خلال زيارته للضفة الغربية (حسابه عبر «إكس»)

إسرائيل تحتجز مرشحاً للكونغرس الأميركي في الضفة الغربية

احتجزت السلطات الإسرائيلية براد لاندر، المرشح لعضوية الكونغرس الأميركي، خلال رفقته مزارعين فلسطينيين يحصدون الزيتون في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

تواجه الحكومة العراقية اختباراً لجهودها في حصر السلاح بيد الدولة، مع تزايد المخاوف من تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمال انخراط فصائل مسلحة فيها، بما يهدد مساعي بغداد لإبعاد البلاد عن صراع إقليمي.

تأتي هذه المخاوف في وقت تتحدث فيه تقارير أميركية وإسرائيلية عن إعداد خطط لاستئناف الضربات على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، في ظل تعثر الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار.

ويضع هذا الاحتمال حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام معادلة معقدة؛ منع استخدام الأراضي العراقية في أي مواجهة جديدة، والحفاظ على العلاقات مع واشنطن، في وقت لا تزال فيه فصائل تحتفظ بقدرات عسكرية وقرار عملياتي مستقل عن الحكومة، وفق مراقبين.

كان الزيدي قد عرض، في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» خلال زيارته نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي، خطة مرحلية لحصر السلاح بيد الدولة، تنتهي في 30 يونيو (حزيران) 2027، بعدما كان الموعد السابق المحدد لذلك هو 30 سبتمبر 2026.

وتقوم الخطة، وفق ما أعلنه الزيدي، على مرحلة أولى تمتد 90 يوماً، تمتنع خلالها الفصائل عن مهاجمة المصالح الأميركية أو دول الجوار، مقابل امتناع القوات الأميركية عن استهدافها، قبل الانتقال إلى تسليم الأسلحة تدريجياً خلال الأشهر الستة التالية.

لكن الإعلان عن الجدول الزمني لم ينهِ الخلافات بشأن آليات التنفيذ، خصوصاً مع استمرار رفض فصائل نافذة التخلي عن سلاحها، وربط بعضها ذلك بانتهاء الوجود العسكري الأجنبي. كما أن المواقف المعلنة بشأن حصر السلاح لا تعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم على تسليم الأسلحة الثقيلة أو الصواريخ والطائرات المسيّرة.

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)

احتمالات التصعيد

يقول طالب محمد كريم، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، لـ«الشرق الأوسط»، إن طبيعة الضربة الأميركية ومدى مشاركة إسرائيل فيها سيكونان عاملين حاسمين في تحديد مستوى انخراط الفصائل العراقية.

ويضيف أن اتساع الحرب ليشمل ضربات إسرائيلية مباشرة ضد إيران سيجعل انتقال بعض الفصائل من استهداف المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة إلى استهداف العمق الإسرائيلي «أكثر جدية»، بما قد يفتح الباب أمام عمليات متبادلة وتوسع جغرافي للمواجهة.

ويرى كريم أن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على ضبط الفصائل، بل تشمل منع استخدام الأراضي العراقية في الحرب وحماية السيادة والمصالح الوطنية وفقاً للدستور.

فصائل مرتبطة بالمرشد

من جهته، يرجح غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية، أن يكون تدخل الفصائل، إذا تجددت الحرب، غير مباشر في البداية، عبر استهداف المصالح الأميركية.

ويقول الدعمي لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل أعلنت استعدادها للمشاركة إلى جانب إيران إذا اندلعت الحرب مجدداً، لكنها قد تجد نفسها في «ورطة» إذا اختارت المشاركة الصريحة والمعلنة.

أما عبد الرحمن الجبوري، المتخصص في الشأن الأميركي، فيرى أن حسابات الفصائل لا تتطابق بالضرورة مع حسابات الحكومة العراقية، مشيراً إلى أن «كتائب حزب الله» تعمل وفق عقيدتها المرتبطة بشكل مباشر بالمرشد الإيراني.

ويعتبر الجبوري أن «موقف الزيدي لا يلزم هذه الجماعات، وأن بعضها يؤكد التزامه بالهدنة، لكنه لم يغير نظرته إلى الولايات المتحدة بوصفها عدواً».

الفصائل العراقية تضع شروطاً لحصر السلاح (إكس)

تباين داخل الفصائل

لا يتوقع باسل حسين، رئيس مركز «كلواذا» للدراسات السياسية، أن تتعامل الفصائل العراقية مع أي تجدد للحرب بين واشنطن وطهران بموقف موحد.

ويقول حسين لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل الأوثق صلة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، وفي مقدمتها «كتائب حزب الله» وحركة «النجباء»، قد تربط قرارها بحسابات طهران، وتوسع عملياتها لتشمل المصالح الأميركية ومنشآت الطاقة في المنطقة.

ويرجح حسين أن تنأى بنفسها الفصائل التي أعلنت التزامها بحصر السلاح بيد الدولة، ومنها «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، وإن كان ذلك لا يحسم وحده طبيعة موقفها إذا اتسعت الحرب.

ويضيف أن الاختبار الأصعب سيواجه حكومة الزيدي؛ لأن تجدد المواجهة قد يمنح الفصائل الرافضة للتخلي عن سلاحها ذريعة إضافية للتمسك به، فضلاً عن تعريض العراق لردود أميركية وإقليمية.

من جانبه، يطرح عباس عبود، الباحث والأكاديمي، مسارين محتملين أمام الفصائل: الالتزام بالاتفاق مع الحكومة، الذي يقوم على حصر السلاح أولاً بيد القائد العام للقوات المسلحة، ثم تسليمه على مراحل، أو الانخراط في عمليات تستهدف المصالح الأميركية داخل العراق أو خارجه.

ويحذر عبود من أن المسار الثاني قد ينسف برنامج الحكومة الأساسي، قائلاً إن دخول الفصائل الحرب إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة سيضع بغداد أمام تداعيات أمنية وسياسية كبيرة، وقد يجر البلاد إلى المواجهة «رغماً عنها وعن قرارها السياسي».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

ضغوط اقتصادية وسيادية

وفي المقابل، يرى هاني عاشور، الباحث السياسي، أن «تأكيد الزيدي حصر السلاح بيد الدولة وإسناد قرار الحرب والسلم إلى مؤسساتها الدستورية يعكس الموقف الرسمي العراقي الرامي إلى تجنب الدخول في أي مواجهة إقليمية جديدة».

ويقول عاشور لـ«الشرق الأوسط» إن الحرب الأميركية - الإيرانية تهدد بخلط الأوراق في المنطقة، بينما يحاول العراق النأي بنفسه عنها قدر الإمكان، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها.

ويضيف أن الحكومة لن تسمح، وفق تقديره، بانخراط الفصائل في الحرب تحت أي ذريعة، مشيراً إلى أن عدداً منها أعلن بالفعل حصر سلاحه بيد الدولة.

لكن هذا التقدير يبقى رهناً بقدرة الحكومة على تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات فعلية، في ظل تفاوت مواقف الفصائل بشأن تسليم السلاح، واستمرار الخلاف على توقيت التنفيذ وشروطه.

وفي هذا السياق، يرى فلاح المشعل، الباحث في الشأن السياسي، أن إنذارات الحكومة الموجهة إلى من يروجون للسلاح خارج نطاق الدولة تنسجم مع المنهاج الوزاري للزيدي، مشيراً إلى أن الإجراءات القانونية المتعلقة بالتحريض أو الأفعال الإرهابية قد تصل عقوباتها إلى الإعدام، وفقاً للقوانين النافذة.


لبنان: مذكرات قضائية تُطارد المتورطين في متفجرات «حزب الله»

المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)
المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)
TT

لبنان: مذكرات قضائية تُطارد المتورطين في متفجرات «حزب الله»

المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)
المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)

توسّعت دائرة الملاحقات القضائية في ملف شحنة المتفجرات التابعة لـ«حزب الله»، مع صدور مذكرتي بحث وتحرٍّ بحق شخصين تواريا عن الأنظار بعد استدعائهما للتحقيق، فيما تواصل مخابرات الجيش وشعبة المعلومات تدقيق المعطيات المستخرجة من هواتف مرتبطة بالقضية، وسط استمرار تعذّر إحضار مسؤولين في الحزب سبق أن صدرت بحقهما مذكرتا إحضار، ورفض الحزب تسليم المطلوبين ومطالبته باستعادة الشاحنة وحمولتها.

مذكرتا بحث وتحرٍّ وأسماء جديدة

وتترافق التحقيقات الأولية مع قرارات تتناسب مع مستجداتها، وكشف مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط»، أن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، «سطّر مذكرتي بحث وتحرٍّ بحق زوجة الموقوف هيثم أمهز، وصاحب الشاحنة التي نقلت المتفجرات، بعدما جرى استدعاؤهما للتحقيق أمام مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، لكنهما امتنعا عن الحضور، وتواريا عن الأنظار». وأكد أن التحقيق «شهد تقدماً في مسألة تحديد أسماء جديدة للاشتباه في علاقتها بشحنة المتفجرات».

ويُمثل هذا الإجراء تطوراً جديداً بمسار التحقيق الأمني، الذي لا تزال يلاحق المعلومات المتصلة بالشحنة والأشخاص المرتبطين بنقلها. كما يضيف اسمين إلى دائرة المطلوبين، في وقت لم تُنفذ فيه مذكرتا الإحضار الصادرتان بحق مسؤولين في الحزب يُعرفان باسمَي «ساجد» و«ذو الفقار».

مناصرون لـ«حزب الله» في مسيرة ببيروت اعتراضاً على توقيف الضالعين بنقل المتفجرات (المركزية)

رفض تسليم المطلوبين والمطالبة باستعادة المتفجرات

ورغم التطورات التي تشهدها القضية، لا يزال الحزب يُطالب الدولة بإعادة الشاحنة وحمولتها من المتفجرات، بالتوازي مع رفضه إتاحة مثول مسؤوليه وعناصره المطلوبين أمام التحقيق. ولا يكتفي بهذا الرفض، بل رفع مستوى تحدّيه للدولة اللبنانية، إذ اعتبر أن «أي محاولة لتوقيف مسؤول أو عنصر تابع له سيجري التعامل معها بوصفها عدواناً إسرائيلياً».

في المقابل، أكد المصدر القضائي أن التحقيق الأولي «مستمر في المسارين المعتمدين، أمام مخابرات الجيش اللبناني وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، بما يُشير إلى مواصلة العمل على الملف رغم عدم حضور الأشخاص المستدعين». ولم يربط المصدر استمرار التحقيق بتسليم المطلوبين، بل شدد على أن «الإجراءات لا تزال جارية حتى نهايتها».

تدقيق في الهواتف والاتصالات

وأوضح أن تفريغ هواتف الموقوفين علي الكردي وهيثم أمهز، إضافة إلى هاتف زوجة الأخير «وفّر معلومات يجري التحقق منها ومقاطعتها مع معطيات محددة». وقال: «تبقى هذه المعلومات في إطار التدقيق، من دون إعلان نتائج نهائية بشأنها، أو تحديد ما يمكن أن يترتب عليها من إجراءات لاحقة».

ويكتسب فحص الهواتف أهمية، في ضوء تعذّر الاستماع إلى المطلوبين. وأشار المصدر إلى أن أهميتها «تكمن في مضمون الاتصالات أو طبيعة الصلات التي يبحث فيها المحققون». وأضاف «لا شكّ في أن هناك معلومات مهمة توفرت وهي قيد التدقيق، لتحديد مسؤولية كل شخص له علاقة أو صلة معينة بهذه الشحنة».

أنصار لـ«حزب الله» يلوِّحون بأعلام الجماعة في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم 27 سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)


إحالة متفجرات «حزب الله» إلى «المجلس العدلي» تنتظر انتهاء التحقيقات

مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

إحالة متفجرات «حزب الله» إلى «المجلس العدلي» تنتظر انتهاء التحقيقات

مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

أبقى مجلس الوزراء اللبناني طلب إحالة ملف المتفجرات العائدة إلى «حزب الله» المضبوطة في ضهر البيدر ومنطقة القصر إلى المجلس العدلي قيد البحث، في انتظار تقدم التحقيقات القضائية، فيما تحدث مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» عن تفاهم سياسي بين رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، سبق الجلسة الحكومية وأسهم في التوصل إلى هذا المخرج الذي لم يمنع انسحاب وزراء «القوات اللبنانية»، كما لم يمنع تصاعد الانتقادات السياسية لعدم حسم الإحالة.

وكشف مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» عن أن «تفاهماً سياسياً سبق جلسة مجلس الوزراء، وأسهم في تمرير النقاش بشأن إحالة الملف إلى المجلس العدلي من دون إشكالات»، مشيراً إلى أن «اتصالات ومشاورات جرت بين رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وأفضت إلى توافق على كيفية مقاربة الملف والتعامل معه داخل مجلس الوزراء».

التحقيقات تحسم الإحالة

وأوضح المصدر أن «مجلس الوزراء ارتأى، رغم معارضة وزراء (القوات اللبنانية)، إبقاء التحقيق في عهدة القضاء العسكري الذي يتولى الملف حالياً، على أن يُبنى أي قرار لاحق بشأن إحالته إلى المجلس العدلي على النتائج التي يتوصل إليها التحقيق»، مؤكداً أن «خيار الإحالة إلى المجلس العدلي لم يُلغَ أو يُستبعد من الحسابات، وإنما تُرك مفتوحاً في انتظار اتضاح المعطيات القضائية».

وشدد على أن «التفاهم السياسي الذي حصل لا يعني صرف النظر عن المجلس العدلي، بل يقوم على إعطاء القضاء العسكري المجال لاستكمال تحقيقاته، فإذا أظهرت النتائج ما يستوجب إحالة القضية إلى المجلس العدلي، يُصار إلى اتخاذ القرار المناسب، أما إذا لم تظهر معطيات تستدعي ذلك فسيبقى الملف ضمن مساره القضائي الحالي».

واعتبر مجلس الوزراء أن القضية تهدد أمن البلاد وسلامة المواطنين، وقرر مواصلة التحقيقات وفق القانون، ومتابعة البحث في طلب وزارة العدل إحالتها إلى المجلس العدلي، وفق تقدم التحقيق. وأوضح وزير الإعلام بول مرقص أن الملف لم يُطوَ، مشيراً إلى نقاش قانوني بشأن اكتمال الإجراءات وجدوى الإحالة حالياً.

صورة تُظهر قصر العدل في بيروت (متداول)

صلاحيات استثنائية

ويختص المجلس العدلي، بوصفه هيئة قضائية جزائية استثنائية، بجرائم محددة تمسّ أمن الدولة الداخلي والخارجي وبعض الجرائم الماسّة بالسلامة العامة. وتتم الإحالة إليه بمرسوم يتخذه مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل. ولا تقبل أحكامه طرق المراجعة العادية وغير العادية، باستثناء الاعتراض وإعادة المحاكمة، وفقاً للمادة «366» من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

ويتألّف المجلس من الرئيس الأول لمحكمة التمييز وأربعة قضاة من المحكمة نفسها يُعيّنون بمرسوم حكومي باقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى. ويتولى الادعاء النائب العام التمييزي أو أحد معاونيه، في حين يتولى التحقيق «المحقق العدلي» الذي يعيّنه وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الأعلى، ويجمع صلاحيات قاضي التحقيق والهيئة الاتهامية، ويصدر القرار الاتهامي مباشرة تمهيداً للمحاكمة، من دون المرور بهيئة اتهامية مستقلة.

مجلس الوزراء اللبناني مجتمعاً في القصر الجمهوري (أرشيفية - أ.ف.ب)

اعتراض «القوات» وتمسّك نصار

وانسحب وزراء «القوات اللبنانية» احتجاجاً على عدم الإحالة الفورية. واعتبر وزير الصناعة جو عيسى الخوري أن انتظار التحقيقات غير مبرر، خصوصاً أن الجهة المعنية أعلنت مسؤوليتها عن المتفجرات.

وعن الاعتراض، استبعد المصدر الوزاري أن «يؤدي هذا الاعتراض إلى تغيير المسار المتفق عليه في المرحلة الراهنة»، موضحاً أن «خيار المجلس العدلي لا يزال قائماً، لكن لا يمكن اتخاذ قرار بالإحالة قبل توافر نتائج التحقيق والمعطيات التي تبرر هذه الخطوة».

وأكد أن «المسألة تبقى مرتبطة بما يتوصل إليه القضاء العسكري، ولا سيما النيابة العامة العسكرية ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، على أن تتحدد الخطوات اللاحقة في ضوء نتائج التحقيق، وبما يتيح لمجلس الوزراء اتخاذ القرار المناسب بشأن الإحالة إلى المجلس العدلي».

وفي المقابل، يتمسّك وزير العدل عادل نصار بالإحالة، لاعتباره أن نقل المتفجرات وتخزينها يمسّان الأمن القومي.

انتقادات سياسية

وانتقد عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب غياث يزبك، عدم الإحالة، وكتب عبر منصة «إكس»: «ما لم تلجأ الحكومة إلى تنفيذ قرار نزع السلاح من حزب إيران (حزب الله)، سيظل لبنان دولة مع وقف التنفيذ أو سيكون مصيره الزوال»، محذراً من أن تراجع الدولة أمام تهديدات الحزب يضعف مؤسساتها ويفسح المجال لشرعيات غير قانونية.

بدوره، أكد عضو كتلة «الكتائب» النائب سليم الصايغ، في حديث تلفزيوني، وجود تأييد شعبي واسع للإحالة، مشيراً إلى أن نصار تقدم بالطلب انطلاقاً من قناعته الشخصية وموقف «الكتائب». ورأى أن تبني «حزب الله» الشحنة وإعلانه تخصيصها لمواجهة إسرائيل يرتّبان مسؤولية سياسية تتجاوز نقل المتفجرات، وتستدعي توسيع التحقيق. ورفض التريث، محذراً من تهديدات الحزب لمعارضيه، وداعياً الحكومة إلى إنهاء النشاط العسكري والأمني خارج سلطتها، ومصارحة المجتمع الدولي إذا عجزت عن بسط سيادتها.

https://x.com/GhayathYazbeck/status/2113507650952397188?s=20

وأعرب عضو تكتل «القوات» النائب غسان حاصباني، في حديث تلفزيوني، عن أسفه لعدم حسم الإحالة رغم وعود سابقة، مشيراً إلى أن رئيسَي الجمهورية والحكومة طلبا مواصلة البحث دون تحديد موعد للإحالة. وأكد إمكان استمرار التحقيقات بعد الإحالة. وتساءل عما إذا كانت الحكومة تعرّضت لضغوط من «حزب الله» و«الثنائي الشيعي»، معتبراً انسحاب وزراء «القوات» خطوة اعتراض أولى قد تتبعها خطوات أخرى. وطالب بترجمة قرار الحكومة الصادر في مارس (آذار) بشأن عدم قانونية العمليات العسكرية للحزب إلى إجراءات عملية.

«حزب الله»... تريث محمود

وفي المقابل، رحّبت كتلة «الوفاء للمقاومة» النيابية بقرار الحكومة تأجيل إحالة ملف سيارة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، معتبرةً، في بيان عقب اجتماعها الدوري، أن «قرار الحكومة بالأمس تأجيل إحالة ملف سيارة ضهر البيدر إلى المجلس العدلي تريث محمود بانتظار استكمال معالجته في الاتجاه الصحيح».

ورأت الكتلة أن ثمة «استهدافاً سياسياً فاضحاً» لا تستطيع القرارات والإجراءات تغطيته أو تبرير أهدافه، معتبرةً أنه لا يخدم الاستقرار الداخلي. ودعت الحكومة والقوى السياسية إلى تخفيف التوترات الداخلية وتحمّل المسؤولية الوطنية، محذّرةً من تداعيات الانقسامات في ظل التطورات الإقليمية.

خلفية القضية

وتعود القضية إلى ضبط متفجرات في ضهر البيدر ومنطقة القصر بمحافظة بعلبك الهرمل. وكان النائب حسن فضل الله قد أعلن في 15 أكتوبر (تشرين الأول) أن شاحنة ضهر البيدر تعود إلى «حزب الله»، وأن حمولتها مخصصة لمواجهة إسرائيل، مطالباً بإعادتها والإفراج عن الموقوفين. وجدد رئيس الحكومة نواف سلام خلال الجلسة تأكيد حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، فيما ثمّن الرئيس عون دعوة بري إلى حماية الجيش والحفاظ على السلم الأهلي والحوار.