استطلاع إسرائيلي مكثف فوق لبنان يثير المخاوف من التصعيد

نائب لبناني: وتيرة الانتهاكات تزايدت خلال الأيام الأخيرة

مشيعون يسيرون خلف جنازات لخمسة مدنيين قتلوا بضربة إسرائيلية في مدينة بنت جبيل الحدودية الأحد (رويترز)
مشيعون يسيرون خلف جنازات لخمسة مدنيين قتلوا بضربة إسرائيلية في مدينة بنت جبيل الحدودية الأحد (رويترز)
TT

استطلاع إسرائيلي مكثف فوق لبنان يثير المخاوف من التصعيد

مشيعون يسيرون خلف جنازات لخمسة مدنيين قتلوا بضربة إسرائيلية في مدينة بنت جبيل الحدودية الأحد (رويترز)
مشيعون يسيرون خلف جنازات لخمسة مدنيين قتلوا بضربة إسرائيلية في مدينة بنت جبيل الحدودية الأحد (رويترز)

كثف الجيش الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة حركة طيرانه المسيّر في الأجواء اللبنانية، إذ تكاد سماء البقاع والجنوب وضاحية بيروت الجنوبية والعاصمة نفسها تشهد حركة مستمرة لمسيّرات استطلاع على علو منخفض، تخترق الأجواء بلا انقطاع، ما يثير المخاوف من أن تكون إسرائيل تجمع بنك أهداف جديدة لاستهدافها في أي حرب مقبلة.

وتحدثت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية الأربعاء عن طلعات فوق غالبية المناطق اللبنانية، تشي بمرحلة تتجاوز المراقبة الروتينية، بحسب ما يقول خبراء.

ضغط نفسي وتحديث بنك الأهداف

يقول خبراء إن المسيّرات الإسرائيلية اليوم لا تؤدي وظيفة واحدة؛ فمن جهة، تمارس ضغطاً نفسياً على اللبنانيين بإبراز السيطرة على أجوائهم، ومن جهة أخرى، تعمل على تحديث بنك الأهداف الإسرائيلي، على غرار ما كانت تقوم به خلال الحرب الأخيرة، بما يسمح لها بجمع صور وبيانات آنية عن مواقع، وبنى تحتية، ومراكز انتشار.

وازداد المشهد الميداني تعقيداً مع إعلان المتحدثة باسم «اليونيفيل» كانديس آرديل سقوط مسيّرة إسرائيلية داخل المقر العام للقوة الدولية في الناقورة. ورغم تأكيدها أنها لم تكن مسلحة، بل مزودة بكاميرا، شددت على أن الحادثة «انتهاك واضح للقرار 1701، ولسيادة لبنان»، مؤكدة أن البعثة ستقدّم احتجاجاً رسمياً.

تزايد وتيرة التصعيد

وأشار عضو كتلة «التنمية والتحرير» (كتلة حركة أمل) النائب محمد خواجة في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن وتيرة التصعيد الإسرائيلي في الجنوب «تصاعدت بشكل ملحوظ خلال الأيام العشرة الأخيرة»، مشيراً إلى أن هذا التصعيد «تجلّى في ارتكاب سلسلة من الجرائم بحق المدنيين، أبرزها استهداف محيط مستشفى تبنين الذي أدى إلى وقوع ضحايا، إضافة إلى المجزرة التي وقعت قبل يومين في بلدة بنت جبيل، وراح ضحيتها أفراد عائلة كاملة بينهم أطفال».

نساء يحملن صور أطفال ووالدهم قتلوا بضربة إسرائيلية في بنت جبيل في الجنوب خلال تشييعهم الثلاثاء (رويترز)

وأوضح خواجة أن «هذه الجرائم تأتي في سياق الضغط الإسرائيلي المتواصل على لبنان، وهي ترافق وصول المبعوثة الأميركية الأخيرة التي لم يلمس اللبنانيون أي أثر جدي لدورها، وكذلك مع التصريحات السلبية الصادرة عن المبعوث الأميركي توم براك الذي حمّل الدولة اللبنانية وجيشها مسؤوليات باطلة، بما يشجع الجيش الإسرائيلي على المضي في عدوانيته».

وكان المبعوث الأميركي توم براك حمّل الدولة اللبنانية والجيش مسؤوليات إضافية، بينما سرّبت تقارير إعلامية عن مصادر دبلوماسية أنه أعرب في لقاءات على هامش اجتماعات نيويورك عن قلقه الجدي من عودة الحرب الإسرائيلية إلى لبنان.

وأكد خواجة أن «السياسة الأميركية لم تعد تحمل أي تمايز بين إدارة وأخرى، بل باتت تنتهج تبنياً كاملاً للمشروع الإسرائيلي، سواء في لبنان أو فلسطين أو غيرهما، الأمر الذي يفتح الباب أمام إسرائيل للتفكير بخيارات أكثر خطورة تتجاوز حدود التصعيد القائم».

وعن طبيعة هذا التصعيد، قال خواجة: «اليوم نحن أمام تكثيف في الضربات والاستهدافات، وفي ظل غياب قوة رادعة وانحياز الوسيط الأميركي، يصبح احتمال توسع العدوان قائماً».

سيناريوهات مفتوحة

وترفع تلك التصريحات والتحركات الإسرائيلية من وتيرة المخاوف من تصعيد إسرائيلي جديد. ويقول الخبير العسكري العميد المتقاعد خالد حمادة إن «المؤشرات توحي بأن إسرائيل تسعى إلى إبقاء خيار الحرب مطروحاً عبر تحديث بنك أهدافها، وإشعار لبنان بأن المواجهة قد تندلع في أي لحظة»، مضيفاً أن «الخيار الإسرائيلي اليوم يقوم على الحرب الدائمة، فإسرائيل ترى أن الخروج من المأزق الذي عجزت عن تجاوزه بعد الحرب على غزة، وفشلها في تحقيق تهجير الشعب الفلسطيني أو ضم غزة، وفرض واقع جديد على المنطقة يمر عبر ترجمة هذه الحرب المفتوحة في الساحة اللبنانية».

عناصر وضباط في «اليونيفيل» خلال إحياء الذكرى الـ47 لتأسيس البعثة (أرشيفية - أ.ب)

واعتبر حمادة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحكومة اللبنانية تتعثر في تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، وإيجاد سقف زمني لخطة تُمكّنها من تسلم سلاح (حزب الله)، وهو ما يجعل الضغط يتزايد». وأضاف: «خلال الأيام العشرة الماضية شهدنا تصعيداً كبيراً في كل مكان، وأعلنت إسرائيل بوضوح أنها ستتعامل مع أي تهديد أو بوادر تهديد من الحزب، سواء بأسلحة تقليدية، أو غير تقليدية، من دون أن تنتظر تحوّل هذا التهديد إلى خطر فعلي».

ولفت حمادة إلى أن «الكثافة في استخدام المسيّرات اليوم تأتي استكمالاً لكثافة العمليات العسكرية». وأضاف: «بات لبنان أكثر ترشيحاً لأن يكون الساحة المقبلة لعملية عسكرية واسعة». وتابع: «نحن اليوم أمام مرحلة يتزايد فيها منسوب المخاطرة، مع احتمال كبير لحرب قد تشبه إلى حد بعيد ما جرى في غزة تكون قائمة على تدمير للتجمعات السكانية، ولبنية (حزب الله) الاجتماعية، في محاولة لإنهاك هذه البيئة، ومعها إنهاك الدولة اللبنانية التي ستُدفع إلى موقع العاجز عن اتخاذ أي مبادرة».


مقالات ذات صلة

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

المشرق العربي حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

عاد أمن مرفأ بيروت إلى واجهة الاهتمام الدولي، من زاوية التكنولوجيا، والأمن، وضبط الإيرادات، بما يعكس تحوّلاً في المقاربة الدولية تجاه لبنان.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تسابق الجيش اللبناني بقصف مواقع مستهدفة بالإنذارات قبل تفتيشها

نفذ الجيش الإسرائيلي، الخميس، تهديداته بقصف أربعة مبانٍ تلقت إنذارات بإخلائها، رغم تحرك الجيش اللبناني للكشف عليها

نذير رضا (بيروت)
تحليل إخباري أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

تحليل إخباري حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

سأل مصدر وزاري: ما الذي تبدّل وأملى على الحزب تنظيم حملة إعلامية تستهدف عون؟

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

الأردن يؤكد دعمه لسيادة لبنان وجهود بناء مؤسساته

جدد رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان تأكيده على دعم بلاده للبنان وأمنه واستقراره وسيادته، وللجهود الكبيرة التي تُبذل لبناء مؤسساته.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي مناطق جنوب لبنان تتعرض بشكل دائم لقصف إسرائيلي رغم اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي: نقصف أهدافاً لـ«حزب الله» في مناطق مختلفة من لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الخميس، أنه بدأ قصف أهداف لجماعة «حزب الله» في مناطق مختلفة من لبنان. 

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
TT

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)

عاد أمن مرفأ بيروت إلى واجهة الاهتمام الدولي، من زاوية التكنولوجيا، والأمن، وضبط الإيرادات، بما يعكس تحوّلاً في المقاربة الدولية تجاه لبنان يقوم على دعم مؤسسات الدولة لاستعادة السيطرة الفعلية على مرافقها الحيوية، وفي مقدّمتها المرافئ والمعابر الحدودية.

يأتي الاهتمام الدولي بموازاة تدابير لبنانية لتعزيز التجهيزات الأمنية في المعابر الحدودية؛ وذلك لمكافحة التهريب ومكافحة التهرب الضريبي أيضاً. وكشف مصدر وزاري، لـ«الشرق الأوسط»، أنّ الحكومة اللبنانية «تعمل على تركيب أجهزة كشف متطوّرة تعمل بالذكاء الاصطناعي في المرافئ، قادرة على التدقيق الشامل في محتوى جميع الحاويات، ورصد حجم حمولتها بدقة، وتحديد طبيعة المواد المستوردة والمصدّرة».

وأوضح المصدر أنّ «هذه الأنظمة، إلى جانب دورها الأمني، ستمنع أي تلاعب في التصاريح الجمركية أو في تقدير الأحجام والقِيم، ما يضع حدّاً للهدر في التحصيل الضريبي والرسوم الجمركية العائدة للدولة، ويشكّل خطوة أساسية في مسار استعادة السيطرة المالية والإدارية على أحد أهم شرايين الاقتصاد اللبناني».

السفير الأميركي في المرفأ

وجالَ سفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى، في مرفأ بيروت، مُطّلعاً على الإجراءات والتجهيزات التقنية التي أُدخلت حديثاً المرفأ، ولا سيما أجهزة المسح الضوئي (السكانر).

وصرّح عيسى، في ختام الزيارة، بأن الجولة كانت مَدعاة للفخر، وعَدَّ أن ما لمسه من تنظيم في العمل وأساليب الإدارة «يضاهي المعايير المعتمَدة في الولايات المتحدة».

وقال إن «الإدارة الجديدة والعاملين في المرفأ قدَّموا نموذجاً مُشرِّفاً في الأداء»، مؤكداً أن بلاده ستدعم كل ما يحتاج إليه المرفأ نظراً للوتيرة السريعة التي يسير بها العمل، ولا سيما فيما يتعلق بموضوع آلات الكشف التي ستسهم في تسهيل الإجراءات وتسريع حركة العمل». وأكد أن «المرفأ يجب أن يكون تحت سلطة الدولة، ما يعني أن عائداته يجب أن تعود إلى الدولة اللبنانية».

السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى إلى جانب وزير الأشغال فايز رسامني خلال جولته في مرفأ بيروت (المركزية)

وعايَنَ عيسى سير العمل والإجراءات التشغيلية المتبَعة في محطة الحاويات، قبل الانتقال إلى موقع أجهزة السكانرز (scanners) الموضوعة حالياً في مراحلها التجريبية، استعداداً لانطلاق تشغيلها، حيث قُدمت للوفد شروحات تقنية حول آلية عمل هذه الكاشفات ودورها في تعزيز الشفافية، وتشديد الرقابة على البضائع، والحد من التهريب، وتسريع وتيرة العمل بما يتوافق مع المعايير الدولية.

وأكد عيسى أن الدعم للبنان لم يتوقف قط، وأن زيارته تندرج في إطار الاطلاع على سَير العمل والتطورات الحاصلة، لافتاً إلى أن الجميع كان ينتظر وصول «السكانرز»؛ لما لها من دور أساسي في تعزيز أداء المرفأ إلى مستوى عالمي.

دعم أوروبي

بالتوازي مع الحراك الأميركي، أعلنت بعثة الاتحاد الأوروبي أنّ الاتحاد الأوروبي وقّع مع الحكومة اللبنانية ستة اتفاقات تمويل جديدة بقيمة 110.5 مليون يورو على شكل هِبات مخصّصة لدعم قطاع الأمن، والتعافي في المناطق المتضرّرة من النزاع، إضافة إلى أولويات الإصلاح الأساسية.

وجرى توقيع الاتفاقات مع وزير المالية ياسين جابر، في خطوة تعكس إعادة تفعيل قنوات التعاون المؤسساتي بين لبنان والاتحاد الأوروبي بعد فترة من الجمود.

وزير المالية اللبناني ياسين جابر وسفيرة الاتحاد الأوروبي ساندرا دي وال يوقّعان الاتفاقيات (الاتحاد الأوروبي)

وأشار البيان الأوروبي إلى أنّ هذه الهِبات تندرج ضمن حزمة دعم بقيمة مليار يورو كانت قد أعلنت عنها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال زيارتها إلى بيروت في مايو (أيار) 2024، مؤكداً التزام الاتحاد الأوروبي بدعم استقرار لبنان وسيادته وأمنه في مرحلة دقيقة من تاريخه السياسي والاقتصادي.

توجّه دولي واضح لتثبيت لبنان

وفي قراءة سياسية لهذه التطورات، قال النائب أشرف ريفي، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «زيارة السفير الأميركي إلى المرفأ، بالتوازي مع صدور بيان عن الاتحاد الأوروبي، اليوم، يتضمّن تخصيص ملايين اليوروهات لضبط المعابر الحدودية ومكافحة التهريب ودعم القرار، تعبّر عن توجّه واضح لدى المجتمعيْن العربي والدولي، الأوروبي والأميركي، لدعم لبنان وتثبيت وضعه».

وعَدَّ ريفي أنّ «هذه الزيارات وهذا الدعم يهدفان إلى تثبيت الوضع في لبنان وتنشيط الدولة، وإخراجه من كونه ساحة توظيف لمشاريع (حزب الله) والواجهة الإيرانية، بدل أن يكون دولة، بكل معنى الكلمة».

وأضاف أنّ «المطلوب، اليوم، هو ضبط المعابر البحرية والجوية والبرية، وضبط التهريب، وتثبيت الوضع الداخلي من خلال الجيش اللبناني والقوى الرسمية حصراً»، مشدداً على أنّ «الدولة يجب أن تكون صاحبة السيادة الوحيدة على كامل الأراضي اللبنانية».

خريطة التمويل

وخُصّصت حزمة الدعم الأوروبية 30 مليون يورو لتعزيز قدرات قوى الأمن الداخلي في مكافحة الجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونية، ودعم الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب وتمويله والتهريب. كما رُصد مبلغ 25 مليون يورو لتعزيز الإدارة المتكاملة للحدود في المعابر البرية والمطارات وتحسين الأمن البحري، إضافة إلى 8 ملايين يورو لتأمين حلول طاقة مستدامة تضمن استمرارية عمل المنشآت الأمنية الحيوية دون انقطاع.


إسرائيل تسابق الجيش اللبناني بقصف مواقع مستهدفة بالإنذارات قبل تفتيشها

الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تسابق الجيش اللبناني بقصف مواقع مستهدفة بالإنذارات قبل تفتيشها

الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)

نفذ الجيش الإسرائيلي، الخميس، تهديداته بقصف أربعة مبانٍ تلقت إنذارات بإخلائها، رغم تحرك الجيش اللبناني للكشف عليها، في واقعة تتكرر أخيراً بعد أن أثبتت كشوفات الجيش اللبناني على مبانٍ سابقة معرضة لإنذارات، بخلوها من أي ذخائر، حسبما قالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط».

ووجّه الجيش الإسرائيلي، الخميس، إنذاراً لسكان سحمر الواقعة في البقاع الغربي في جنوب شرقي لبنان، طالباً إخلاء مبنيين في القرية قبل قصفهما، متهماً «حزب الله» باستخدامه منشأةً عسكرية. وبعد قصف المبنيين، أصدر إنذاراً آخر في بلدة مشغرة الواقعة في البقاع الغربي أيضاً، وهما بلدتان تتعرضان لإنذارات إخلاء للمرة الأولى منذ بدء الحرب في 2023.

إسرائيل تستبق كشوفات الجيش

وتحرّك الجيش اللبناني على الفور باتجاه المباني المستهدفة للإنذارات، وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» إن وحدات الجيش «وصلت إلى المبنى الأول وفتشته، ولم تعثر فيه على أي أسلحة أو وسائل قتالية»، مضيفاً أن وحدات الجيش «لم تستطع أن تفتش المنزل الثاني؛ لأن المهلة كانت قصيرة جداً، وتم استهدافه».

وقال المصدر إن الجيش «لم يقصر بتاتاً في تفتيش المنازل، وينسق مع الميكانيزم (لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار) ويجري اتصالاته سريعاً، لكن إسرائيل لا تستمهل، بدليل أنها في إنذارات الأسبوع الماضي، لم يُسمح لنا بتفتيش المواقع المهددة، وكانت المهلة قصيرة جداً رغم طلبنا من (الميكانيزم) مهلة للتفتيش، مما يمنعنا من الوجود في المبنى المستهدف»، لافتاً إلى أن الجيش «أبلغ قبل عشر دقائق من استهداف موقع تعرض لإنذار في بلدة عين التينة في البقاع الأسبوع الماضي، ليتمكن من إخلاء موقعه العسكري القريب من موقع الاستهداف».

وقال المصدر: «ساهم تحرك الجيش في الأسابيع الماضية، بالكشف عن المنشآت بالتنسيق والمتابعة مع الميكانيزم، في منع استهداف منازل بعدما ثبت خلوها من أي وسائل قتالية، وانكشفت مزاعم إسرائيلية على هذا الصعيد... أعتقد أنه لهذا السبب، لا تمنحنا إسرائيل فرصة لتفتيش المنازل المهددة، وتسارع إلى قصفها».

إنذارات إخلاء

وبعد أربعة أيام على إنذار بإخلاء مواقع حيوية في بلدة كفرحتى في الجنوب، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاري إخلاء متفرقين في بلدتين في البقاع الغربي، في جنوب شرقي لبنان. وكتب الناطق أفيخاي أدرعي إنذاراً في قرية سحمر، مشيراً إلى أن الجيش سيهاجم على المدى الزمني القريب بنى تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، وذلك للتعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة.

ولاحقاً، أصدر إنذار إخلاء أيضاً في بلدة مشغرة، وقال إنها تحتوي على بنى تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، واضعاً الاستهداف ضمن «التعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة».

وسجلت عمليات نزوح من البلدتين بعد تهديدهما، في وقت توجه فيه الجيش اللبناني إلى المبنيين المهددين في سحمر للكشف عليهما. ولاحقاً، استهدفت غارتان المبنيين.

وتأتي الإنذارات بعد أسبوع من إعلان الجيش اللبناني إنجاز نزع سلاح «حزب الله» من المنطقة الممتدة من الحدود الجنوبية مع إسرائيل حتى نهر الليطاني، في خطوة شككت بها الدولة العبرية واعتبرتها «غير كافية».

وقال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو إن «اتفاق وقف إطلاق النار... ينصّ بوضوح على أنه يجب نزع سلاح (حزب الله) بالكامل»، معتبراً أن الجهود اللبنانية في هذا المجال «تُعد بداية مشجعة، لكنها غير كافية».

وواصلت إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. وشنّت إسرائيل، الأحد، «سلسلة غارات جوية عنيفة» على مناطق في جنوب لبنان هي: جزين والمحمودية والدمشقية والبريج، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام».

انتهاكات متكررة

والخميس، سجّل قضاء مرجعيون خلال ساعات الليل سلسلة عمليات للجيش الإسرائيلي في عدد من بلدات القضاء. ففي بليدا، استهدف أجهزة إرسال للإنترنت مثبتة على سطحي منزلين ما أدى إلى تدميرهما. وفي كفركلا، أقدم على تفجير أحد المباني وسط البلدة.

ونسف منزلين في العديسة. ولاحقاً، استهدفت محلقة إسرائيلية حي المسارب في العديسة بقنبلة صوتية في أثناء قيام الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» الدولية بتفكيك العبوات التي تم تفخيخ المنزلين بهما.


حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
TT

حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

أثارت ردود «حزب الله» على دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون له «بالتعقّل» على خلفية أن «السلاح صار عبئاً على بيئته ولبنان كله»، تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء مبادرة عدد من مسؤوليه لتنظيم حملة إعلامية تجاوزتهم لتشمل ناشطين يدورون في فلكه أفرغوا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما في جعبتهم من انتقادات عالية السقف.

وسأل مصدر وزاري: ما الذي تبدّل وأملى على الحزب تنظيم حملة إعلامية تستهدف عون؟ وهل أخطأ بدعوته الحزب ليقرأ بصورة صحيحة الظروف الإقليمية والدولية من حولنا كأساس لمراجعة مواقفه آخذاً بالتحولات في المنطقة؟ ليرد عليه نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بتلويحه بورقة الحرب الأهلية، مع أنه يدرك سلفاً أنه لن يجد من يستجب لتهديده، ليس لافتقاده القدرة العسكرية فحسب، وإنما لعدم الرغبة باستحضارها مجدداً ولو من باب التهويل.

عون أمهل الحزب

كما سأل المصدر الوزاري، الذي فضّل عدم ذكر اسمه: أين أخطأ عون في تشخيصه للواقع السياسي للحزب، وهو كان أمهله، بحسب قول المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أكثر من عام ليراجع مواقفه ويعيد النظر في حساباته تمهيداً لانخراطه في مشروع الدولة، وأبدى كل انفتاح نحوه لطمأنته، وشرّع الأبواب للدخول معه في حوار تولاه رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد بتكليف من قيادته وبتشجيع من رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي أسهم في تنقية الأجواء وتحضيرها لحوار منتج يتناول القضايا العالقة، وتبادَل الرسائل بواسطة مستشاره العميد المتقاعد أندريه رحال الذي يتواصل مع رعد أو مع فريقه المكلف بمتابعة الحوار؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ولفت إلى أن الحوار لم يحقق الأهداف المرجوّة منه؛ لأن الحزب لا يزال يتصرف كما كان عليه قبل أن يقرر إسناده لغزة، ويرفض الاعتراف بأن نفوذه في الإقليم أخذ يتقلص، وأن دخوله في مواجهة غير محسوبة النتائج مع إسرائيل أفقدته توازن الردع وقواعد الاشتباك والاختلال في ميزان القوى. وقال إن الحزب كان فوّض رئيس مجلس النواب نبيه بري، للتوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية، وبادر إلى تأييده، ووافق بملء إرادته على إخلاء منطقة جنوب الليطاني بما مكّن الجيش من السيطرة على القسم المحرر منها.

حملة منظمة على عون

وأكد أن الحملة المنظّمة التي رعاها الحزب واستهدفت عون، لن تلقى أي رد فعل، لا منه ولا من الذين يدورون في فلكه، وبالتالي يرفض الانجرار لسجال ليس في محله ولا يخدم توحيد الجهود لإنقاذ البلد وتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، وأن أبوابه ما زالت مفتوحة أمام الحوار، شرط أن يقرر الحزب ماذا يريد بعيداً عن الإنكار لما حلّ بلبنان بتفرده بقرار السلم والحرب بإسناده لغزة.

وقال إن أمين عام «حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، لم يكن مضطراً للتأكيد في جميع المناسبات أن الحزب استعاد قدراته العسكرية، وأنه يرفض تسليم سلاحه. وسأل: هل كان مضطراً للتباهي بذلك؟ وهل يخدم بكلامه هذا الحوار؟ وأين تكمن مصلحته في توفير الذرائع لإسرائيل التي تواصل خروقها، مع أنها ليست بحاجتها لمواصلة اعتداءاتها للضغط بالنار على لبنان للتسليم بشروطها؟

الدولة وحدها من يحتكر السلاح

فالمطلوب من «حزب الله»، كما يقول المصدر، أن يتواضع ويقرر الوقوف خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي لإلزام إسرائيل بوقف الأعمال العدائية وانعطافه نحو القوى السياسية لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة ولو من موقع تنظيم الاختلاف، وإنما على قاعدة إقراره بأن الدولة وحدها هي من تحتكر السلاح، وإلا فكيف يوفّق بين مشاركته في الحكومة على أساس بيانها الوزاري الذي نص على حصريته، ويصر الآن على الاحتفاظ بسلاحه؟

وأكد أن عون تعرض لحملات نُظمت ضده في الداخل والخارج على خلفية تساهله وتراخيه ومراعاته للحزب، لكنه لم يأخذ بها وأصر على الحوار، رافضاً استخدام القوة لإرغامه على تسليم سلاحه، وسأل الحزب: ما الفائدة من عدم تجاوبه مع حصرية السلاح التزاماً منه باتفاق «الطائف» وتطبيق الـ1701؟ فيما يسعى لشراء الوقت وهدر الفرص المتاحة لإنقاذ لبنان، رغم أن لا طائل من رهانه على عامل الوقت في حال قرر الدخول في تقييم للأبعاد السياسية والأمنية المترتبة على التحوّلات في المنطقة واستخلاص النتائج وأخذ العبر ليعيد النظر في مواقفه التي لا تراعي المزاج الشيعي، ولا تُصرف لتأمين عودة النازحين لقراهم وإعمار المدمر منها.

تحولات المنطقة

فالتحولات في المنطقة، بحسب المصدر، بدءاً بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، واشتداد الحصار على جماعة الحوثي في اليمن، وتراجع محور الممانعة بقيادة إيران في الإقليم، ألا تشكل جميعها حافزاً للحزب ليراجع حساباته ويدقق في خياراته ويقرر تخليه عن سلاحه الذي فقد قدرته لردع إسرائيل والدفاع عن لبنان، خصوصاً أنه اعترف بقدرة إسرائيل على خرق الحزب من أعلى المستوى إلى أدناه، باغتيالها لأمينه العام الأسبق حسن نصر الله، وخلفه هاشم صفي الدين، وقيادات أمنية وعسكرية؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال استقباله السفير سيمون كرم في قصر بعبدا (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

فـ«حزب الله» اليوم هو غير ما كان عليه قبل إسناده لغزة، وإصراره على تمسكه بسلاحه لا يخدمه، إلا إذا قرر القفز فوق الكوارث التي حلّت بلبنان، وعدم الاعتراف بأنه أخطأ في قراره هذا واضطر بملء إرادته للموافقة على وقف النار، وأن بمزايداته الشعبوية على الحكومة، ظناً منه بأن يحاكي بيئته ويطمئنها باحتفاظه بسلاحه، لن يصمد طويلاً ولن يخدم إعادة إعمار ما دمرته إسرائيل شرط الالتزام بما تعهد به لبنان أمام المجتمع الدولي بحصرية السلاح.

وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي

ولفت المصدر إلى أن ما يطالب به الحزب بوقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل يحظى بمتابعة يومية من عون وسلام، وهذا ما يصر عليه رئيس الوفد اللبناني السفير السابق المحامي سيمون كرم إلى لجنة الـ«ميكانيزم»؛ لأن من شأنهما المساعدة في تسريع الأمور وصولاً لاستكمال تطبيق المرحلة الثانية من حصرية السلاح التي تشمل شمال نهر الليطاني حتى الأولي، على أن يليها ما تبقى من مراحل حددتها قيادة الجيش وتبنتها الحكومة.