تراجع المشاركة في مظاهرات «حق تقرير المصير» في السويداء

خبير سياسي لا يرى أفقاً لتحقيق مطالب الهجري الانفصالية

من المظاهرة التي خرجت في مدينة شهبا بريف السويداء يطالب فيها المشاركون بحق تقرير المصير (صفحة موقع «الراصد» على «فيسبوك»)
من المظاهرة التي خرجت في مدينة شهبا بريف السويداء يطالب فيها المشاركون بحق تقرير المصير (صفحة موقع «الراصد» على «فيسبوك»)
TT

تراجع المشاركة في مظاهرات «حق تقرير المصير» في السويداء

من المظاهرة التي خرجت في مدينة شهبا بريف السويداء يطالب فيها المشاركون بحق تقرير المصير (صفحة موقع «الراصد» على «فيسبوك»)
من المظاهرة التي خرجت في مدينة شهبا بريف السويداء يطالب فيها المشاركون بحق تقرير المصير (صفحة موقع «الراصد» على «فيسبوك»)

تراجع بشكل ملحوظ زخم المظاهرات التي باتت تخرج تحت عنوان «حق تقرير المصير» كل يوم سبت، في مناطق بمحافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية الواقعة جنوب سوريا.

وأظهرت صور نشرتها مواقع إلكترونية وصفحات على موقع «فيسبوك» تُعنى بنقل أخبار السويداء، خروج عشرات في «ساحة الكرامة» بمدينة السويداء وعشرات آخرين في مدينة شهبا، في مظاهرات تحت عنوان «حق تقرير المصير».

ورفع المشاركون العلم الإسرائيلي إلى جانب راية الطائفة الدرزية، ولافتات كُتب على إحداها «خيارنا الوحيد الاستقلال»، وعلى أخرى «حق تقرير المصير حق مقدس»، مع تذييل لافتات بعبارة «أحرار الباشان» في إشارة إلى الاسم التوراتي لمنطقة جبل العرب.

كما رفع مشاركون صوراً للرئيس الروحي للطائفة الدرزية في فلسطين المحتلة، موفق طريف، الذي يُبدي مواقف داعمة لمطالب الهجري بانفصال السويداء عن الدولة السورية، وفتح معبر بري من إسرائيل إلى المحافظة.

ويُلاحظ في مظاهرات اليوم تراجع عدد المشاركين بعد أن كان يُشارك فيها أعداد أكبر من ذلك منذ خروجها قبل عدة أسابيع تحت شعار «حق تقرير المصير» في أيام السبت، يوم العطلة الرسمية في إسرائيل، في إشارة إلى الارتباط بالأخيرة، وذلك في أعقاب إعلان الهجري عن مطالبه الانفصالية، وفتح معبر للسويداء من إسرائيل.

من المظاهرة التي خرجت في مدينة شهبا بريف السويداء ورفعت خلالها أعلام إسرائيلية (صفحة موقع «الراصد» على «فيسبوك»)

يأتي ذلك بعد تجديد الهجري الخميس الماضي، في كلمة مصورة بثّتها الصفحة الرسمية للرئاسة الروحية للطائفة، مطالبه بالانفصال وتشكيل كيان مستقل، وتمسكه بحق تقرير المصير.

وزعم الهجري، أن «الكفاءات والكوادر المحلية جاهزة لإدارة شؤون المنطقة، بما يضمن الأمن والاستقرار وتحقيق العدالة والتنمية».

وعلى الرغم من عدم صدور موقف من الولايات المتحدة والدول الأوروبية بدعم ما يُطالب به الهجري، جدّد الأخير شكره إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ودول الاتحاد الأوروبي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إضافة إلى الأكراد والعلويين في الساحل السوري على مساندته، داعياً إلى استمرار هذه المساندة والعمل على فتح معابر دولية لفك ما سمّاه «الحصار» المفروض على أبناء السويداء.

وردّ أبناء العشائر المهجّرين قسرياً من السويداء بسبب ممارسات فصائل الهجري في بيان أصدروه أمس على كلمة الهجري، بتأكيد أنّهم أصحاب الحق في الأرض والقرار، وأنهم لن يقبلوا بتقسيم سوريا أو التنازل عن حقوقهم.

من المظاهرة التي خرجت في مدينة شهبا بريف السويداء ويظهر فيها تراجع عدد المشاركين (صفحة موقع «الراصد» على «فيسبوك»)

وجاء في البيان أن «مَن يتباكى على المخطوفين اليوم هو نفسه مَن خطف وقتل وذبح أبناء العشائر، وحرّض على تهجيرهم، وأمر بقتل الأطفال والنساء وكبار السن، ونهب البيوت والأراضي والمواشي، وأحرق الجثث، في جرائم ترقى إلى جرائم حرب مكتملة الأركان».

وأكّد أبناء العشائر أنّ الهجري وميليشياته «يتجاهلون عمداً أنهم هم مَن استولوا على بيوت وقرى وأحياء المهجّرين، وهجّروا ما يقارب 30 في المائة من سكان السويداء، إضافة إلى أبناء الطائفة السنية من باقي المحافظات المقيمين فيها منذ عشرات السنين».

يُذكر أن الهجري، من المرجعيات الدينية الثلاث للطائفة الدرزية في سوريا، قد صعّد من نبرته المناهضة للحكومة في دمشق، وذلك في أعقاب أحداث يوليو (تموز) الماضي، التي أسفرت عن مقتل المئات من المدنيين والمقاتلين من العشائر والفصائل الدرزية، إلى جانب عناصر من الجيش وقوى الأمن الحكومية، خلال محاولتها فضّ الاشتباكات التي اندلعت بين مسلحين من البدو وآخرين من أبناء الطائفة الدرزية.

كما صعّد الهجري، الذي يشكر إسرائيل دائماً على دعمها للدروز في سوريا من دعواته الانفصالية.

جاء ذلك بعدما شكّل الهجري ما يُسمى «الحرس الوطني» في السويداء من فصائل درزية محلية، وما تُسمى «اللجنة القانونية العليا» و«لجان الإدارة المحلية» في المحافظة، كما أعلن في بداية أغسطس (آب) الماضي عن تشكيل مجلس تنفيذي جديد للمحافظة، وتعيين قائد للأمن الداخلي.

المظاهرة في ساحة الكرامة بمدينة السويداء ويظهر فيها تراجع عدد المشاركين (السويداء 24)

ولم يطرأ أي تحسن على الوضع في السويداء بعد الإجراءات التي قام بها الهجري، وفق ما أكده مصدر محلي رفيع في السويداء في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قبل عدة أيام.

رئيس منظمة «مواطنون لأجل أميركا آمنة» في الولايات المتحدة، بكر غبيس، عَدّ أن تجديد الهجري مطالبَه الانفصالية، يأتي في إطار محاولاته المتكررة للفت النظر إلى وجوده بوصفه جهة متكلمة باسم أهالي السويداء، وإغلاق الباب على الأصوات الأخرى في المحافظة، خصوصاً الوطنية الغائبة حالياً، التي تُحاول استيعاب ما حصل في المحافظة بشكل دولي ومحلي، وكذلك هو يُحاول الاستفادة من المرحلة الحالية التي يخرج فيها تقارير محلية ودولية عمّا حدث في سوريا في يوليو، للفت النظر ومحاولة استغلال أي إشارة من أي جهة للحصول على مكاسب سياسية وميدانية.

وأعرب غبيس لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقاده بأنه ليس هناك دعم أميركي لمطالب الهجري، لا من الكونغرس ولا من الإدارة ولا من أي مؤسسات فكرية أو جهات أميركية، مشيراً إلى أن شكره لأميركا هو محاولة استجداء، خصوصاً أنه لا يوجد تواصل أميركي معه.

وأضاف: «التواصل الأميركي فقط مع دمشق أو عبر الشيخ موفق طريف من الطائفة الدرزية الموجودة في إسرائيل، وأعتقد أن هناك تواصلاً مع جميع الأصوات الوطنية الدرزية المختلفة».

ورأى غبيس أنه لا أفق لتحقيق ما يسعى إليه الهجري، لا سيما بعد تصعيده بالمطالبة بالانفصال، واستجدائه لإسرائيل في آخر تصريح له، وتوجيهه الشكر بشكل صريح لنتنياهو.

وأضاف: «لا أرى وجود أفق، سواء على الصعيد الداخلي في سوريا أو على المستوى الدولي... فالمزاج الدولي غير مهيأ لدعم نزعات انفصالية أو إنشاء مجلس معارضة جديد، بل يميل إلى تشجيع الحوار الداخلي وتعزيز تمثيل مختلف مكونات الشعب السوري في حكومة دمشق».

لكن غبيس رأى أن الأفق حالياً مسدود لحل الأزمة في السويداء، بسبب تزعم الهجري الساحة السياسية وإصداره البيانات المتتالية التي تُطالب بالانفصال واختطافه كلمة الأهالي هناك. وبعدما قال غبيس: «لا أعتقد أن الوضع سيذهب بما يريده»، أعرب عن اعتقاده بأنه «سيكون هناك ترتيب أو آلية معينة لتمثيل لأهالي السويداء في مجلس الشعب السوري والحكومة السورية بطريقة أو بأخرى، مع إجراءات داخلية لضبط الوضع الأمني في المحافظة»، مضيفاً: «تحتاج الساحة إلى أصوات أخرى معتدلة وغير انفصالية تكسب ثقة أهل السويداء وثقة باقي أطياف مكونات الشعب السوري، ومن ثم الحكومة السورية للتعاون معها، وحتى نضوج هذا الأمر، وتكوين هذه الجهات لا أعتقد أن هناك مخرجاً من الوضع المتأزم الحالي في السويداء».


مقالات ذات صلة

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

المشرق العربي متزعم ميليشيا الدفاع الوطني في عهد نظام الأسد فادي صقر (سوشيال ميديا)

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليوم، أن فادي صقر متهم بالتورط في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري للمدنيين، في حي التضامن ومناطق أخرى بدمشق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي حمشو يوقع على تسوية مع الحكومة تحت برنامج الإفصاح الطوعي للفاسدين (اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع - حساب «فيسبوك»)

«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

أكد رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» في سوريا أن «الأصول المستردة» من «التسويات الاقتصادية» التي تجريها اللجنة لرجال أعمال ارتبطوا بنظام الأسد كبيرة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع ، الأربعاء، في قصر الشعب بدمشق، وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي اعتصام طلاب الشهادة الثانوية العامة في 23 أبريل وسط السويداء للاعتراف بشهاداتهم بعيداً عن التجاذبات السياسية (مواقع سورية)

امتحانات الشهادات الثانوية العامة في السويداء تعود إلى إشراف الدولة

دخول وفد وزاري إلى محافظة السويداء للإشراف على الامتحانات لعام 2026، وفق الشروط القانونية المتبعة والتي تمليها وزارة التربية.

موفق محمد (دمشق)
خاص فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

خاص «العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا إن قضية المتهم الرئيسي في مجازر التضامن أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة».

سعاد جرَوس (دمشق)

كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

دعا مسؤولون في نحو ثلاثين وسيلة إعلام دولية، خلال رسالة مفتوحة مشتركة، إسرائيل إلى إتاحة الوصول بحُرّية إلى قطاع غزة، المغلق أمام الصحافيين الأجانب منذ بداية الحرب ضد حركة «حماس» قبل أكثر من عامين. وتحمل الرسالة توقيع مسؤولي هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، وشبكة «سي إن إن»، وصحيفة «نيويورك تايمز»، وصحيفة «واشنطن بوست»، وصحيفة «الغارديان»، وصحيفة «إل باييس»، وصحيفة «لوموند»، ووكالتَي الأنباء «أسوشييتد برس»، و«رويترز»، و«وكالة الصحافة الفرنسية». وجاء في نص الرسالة: «في كل نزاع، يواجه الصحافيون قيوداً على وصولهم إلى ساحة المعركة. لكن الوضع مختلف في غزة، فمنذ أكثر من 930 يوماً، تمنع إسرائيل الصحافيين من دخول القطاع بشكل مستقل»، مطالبين برفع القيود «فوراً». ودأب الصحافيون الأجانب والهياكل الممثلة لهم على المطالبة بإتاحة الوصول إلى غزة منذ بداية الحرب المدمِّرة، على أثر هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. ورفعت رابطة الصحافة الأجنبية في القدس القضية إلى المحاكم الإسرائيلية، لكن دون جدوى حتى الآن. ولم تسمح إسرائيل إلا لبضع عشرات من الصحافيين بدخول القطاع بمرافقة الجيش الإسرائيلي، وبقيود لا تسمح بالعمل الصحافي المستقل. وتتذرع السلطات الإسرائيلية بـ«أسباب أمنية»، حتى بعد بدء وقف إطلاق النار الهش في أكتوبر الماضي. وأضاف الموقِّعون على الرسالة المفتوحة أنه بسبب حظر الدخول الحالي، تقع تغطية الحرب وتداعياتها «بشكل شبه كامل على عاتق زملائنا الفلسطينيين»، الذين «عملوا في ظروف قاسية - الجوع، والنزوح، وفقدان الأحبّة، والقيود المستمرة، والهجمات المميتة. ينبغي ألا يتحملوا هذا العبء وحدهم، ويجب حمايتهم». ووفق لجنة حماية الصحافيين، قُتل أكثر من 200 صحافي فلسطيني في غزة منذ بداية الحرب.


«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
TT

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)

كشفت تقارير إعلامية عن أن لجنة سورية مختصة تعمل على ملف قضائي ضد فادي صقر، القيادي السابق في «قوات الدفاع الوطني»، وهي ميليشيا رديفة كانت تابعة للنظام السابق، بجرائم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وذلك في إطار مسار العدالة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد.

ونشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، الخميس، أن صقر متهم بالتورط في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري للمدنيين، خصوصاً في حي التضامن بدمشق، إلى جانب مناطق أخرى في دمشق.

ولفت التقرير إلى أن تعاون الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية بعد عام 2024 أثار غضباً واسعاً بين الضحايا وذويهم، الذين طالبوا بمحاسبته وعدم منحه أي دور رسمي.

القيادي في الدفاع الوطني بالنظام المخلوع فادي صقر (متداولة)

تعاونت الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية، بعد الإطاحة ببشار الأسد، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، مما أثار غضب الضحايا الذين طالبوا بمحاسبته على جرائمه. وقالت زهرة البرازي، نائبة رئيس اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية والمستشارة في وزارة الخارجية السورية، إن اللجنة تعمل مع الضحايا لبناء قضية ضد صقر. وأوضحت أن «هناك أدلة كافية ضد صقر. لقد كان مفيداً لأسباب معينة، ولكنه لم يعد كذلك. لا أحد فوق القانون».

فحص ما يُعتقد أنها مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

وأشار تقرير «الغارديان» إلى أن الإجراءات القضائية ضد قائد الميليشيا السابق علامة فارقة مهمة لسوريا، التي عانت طويلاً في سبيل إرساء العدالة الانتقالية بعد أكثر من عقد من الحرب التي خلّفت مئات الآلاف من القتلى وأدت إلى صراعات في المدن والأحياء.

وسبق أن صرّح خبراء بأن عملية عدالة انتقالية سليمة من شأنها أن تُسهم في الحد من العنف الطائفي في البلاد، التي شهدت مجازر طائفية وعمليات قتل متفرقة منذ سقوط الأسد.

ألقت السلطات السورية القبض، الأسبوع الماضي، على أمجد يوسف، أحد أبرز منفذي «مجازر التضامن».

ووثّقت مقاطع فيديو عُثر عليها في حاسوب محمول لضابط مخابرات سابق وسُرّبت خارج البلاد، مقتل ما يقرب من 300 مدني على يد قوات النظام في حي التضامن عام 2013.

كانت صحيفة «الغارديان» قد كشفت في عام 2022 عن مجموعة من اللقطات أظهرت يوسف وهو يأمر مدنيين معصوبي الأعين بالركض إلى الأمام بينما كان يطلق النار عليهم، ويدفعهم إلى حفرة، ويعدمهم، ويحرق جثثهم.

فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

وأصر سكان التضامن منذ فترة طويلة على وجود عديد من الجناة الآخرين، بمن فيهم أعضاء في قوات الدفاع الوطني بقيادة صقر، طالبوا باحتجاز صقر.

صقر، من جانبه، نفى مسؤوليته عن المجازر. وصرح لصحيفة «الغارديان» بأنه «لم يعلم بالمجزرة إلا من خلال وسائل الإعلام»، وأنه «يثق بالإجراءات القضائية».

وأضاف: «تجب معاقبة كل من تثبت إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية». وتابع: «صمتي حيال الحملات المرفوعة ضدي نابع من رغبتي في عدم التأثير في مسار التحقيقات».

متزعم ميليشيا الدفاع الوطني في عهد نظام الأسد فادي صقر (سوشيال ميديا)

وقال صقر إنه أصبح قائداً لقوات الدفاع الوطني في دمشق في يونيو (حزيران) 2013، أي بعد شهرين من تسجيل لقطات مصورة علنية لإعدامات يوسف للمدنيين قرب الحفرة. ومع ذلك، اطَّلعت صحيفة «الغارديان» على مقاطع فيديو غير منشورة لعمليات قتل إضافية نفَّذها يوسف وعناصر من قوات الدفاع الوطني، بما في ذلك لقطات مصوَّرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، أي بعد أربعة أشهر من تولي صقر منصبه.

وحسب «الغارديان»، بررت الحكومة الجديدة تعاونها مع شخصيات مثل صقر، بالقول إنها تسعى إلى تحقيق التوازن بين ضرورة تحقيق العدالة والاعتبارات العملية لضمان استقرار سوريا خلال مرحلتها الانتقالية. وساعد صقر الحكومة على التواصل مع فلول نظام الأسد الذين شنوا تمرداً محدوداً منذ سقوط الرئيس السوري السابق.

وقالت زهرة البرازي إن إعداد قضية ضد صقر قائمة منذ بضعة أشهر، وخلال هذه الفترة ازدادت التكلفة السياسية لإبقاء قائد الميليشيا السابق في صفوفها، وإن هناك إدراكاً حقيقياً لأن أي مكاسب قد تُجنى منه، مقارنةً بالتوتر الذي كان يخلقه مع الرأي العام، لا تستحق العناء. مضيفةً أن اعتقال يوسف «ساعد على دفع هذه القضية إلى الواجهة».


إنذارات إخلاء توسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان… وغارات مكثفة ترفع حصيلة الضحايا

سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

إنذارات إخلاء توسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان… وغارات مكثفة ترفع حصيلة الضحايا

سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)

وسّعت إسرائيل نطاق «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان إلى مناطق تبعد نحو 22 كيلومتراً عن الحدود في صور والنبطية، عبر إنذارات إخلاء متلاحقة شملت ما يزيد على عشرين بلدة، أدت إلى موجة نزوح إضافية باتجاه مدينة صيدا، قبل أن تترجمها بسلسلة غارات مكثّفة رفعت منسوب الخسائر البشرية ووسّعت رقعة الدمار، في موازاة فرض واقع ميداني جديد يتجاوز حدود «الخط الأصفر».

سكان ورؤساء بلديات ورجل دين من جنوب لبنان خلال اعتصام في ساحة الشهداء تنديداً بتدمير منازلهم (أ.ف.ب)

إنذارات متلاحقة وتوسّع جغرافي

أصدر الجيش الإسرائيلي الخميس، سلسلة تحذيرات عاجلة لسكان بلدات جنوبية بضرورة الإخلاء الفوري، شملت في مرحلتين قرى في صور والنبطية، ما عكس توسيعاً واضحاً لدائرة العمليات.

وضمّ الإنذار الأول بلدات السماعية، والحنية، والقليلة، ووادي جيلو، والكنيسة، وكفرا، ومجدل زون وصديقين، قبل أن تتعرض هذه المناطق لضربات مباشرة عقب التحذير.

وفي إنذار ثانٍ، وسّع الجيش الإسرائيلي دائرة التحذيرات لتشمل جبشيت، وحبوش، وحاروف، وكفر جوز، والنبطية الفوقا، وعبا، وعدشيت الشقيف، وعرب صاليم، وتول، وحومين الفوقا، (قضاء النبطية)، والمجادل، وأرزون، ودونين، والحميري ومعروب (قضاء صور). ودعا المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي السكان إلى الابتعاد لمسافة لا تقل عن ألف متر.

وتحدثت مصادر أوساط جنوبية لـ«الشرق الأوسط» عن نشوء «منطقة حمراء» موسعة، تحاذي «الخط الأصفر»، تمتد إلى محيط النبطية على مساحة تتجاوز 35 كيلومتراً عرضاً، وتتعمق لنحو 25 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، وتشمل عشرات القرى التي باتت عُرضة للقصف أو لإنذارات الإخلاء، ما أدى إلى موجات نزوح كبيرة.

وقد شهد الطريق من الجنوب باتجاه مدينتي صيدا وبيروت موجة نزوح جديدة، خصوصاً من النبطية ومحيطها، وذلك عقب التهديد الأخير الذي نشره أدرعي.

غارات تواكب الإنذارات

ترافقت التحذيرات مع ضربات مباشرة، حيث استهدفت غارات عدداً من البلدات المشمولة بها. كما استهدفت مسيّرة دراجة نارية في بلدة الشهابية، ما أدى إلى سقوط قتيلين وجريح، في حين شنّ الطيران الحربي غارة على حي آل حمزة بين النبطية الفوقا وكفررمان.

ونفّذت القوات الإسرائيلية تفجيراً فجراً في بلدة الخيام، في وقت تواصلت فيه الغارات على مناطق عدة، بينها تولين والجميجمة، إضافة إلى قصف أصاب صفد البطيخ وزبقين وجبال البطم وقبريخا وخربة سلم.

تصاعد الدخان من جنوب لبنان إثر غارات إسرائيلية (رويترز)

وفي بنت جبيل، أصابت التفجيرات منازل وبنى تحتية في منطقة خلة المشتى، فيما دمّرت غارة منزلاً تراثياً في النبطية الفوقا يعود لأكثر من مائة عام. كما أدت غارة على باتوليه إلى تدمير محطة المياه، ما تسبب في توقف الضخ للسكان.

حصيلة بشرية مرتفعة

أفادت المعطيات بسقوط 42 قتيلاً خلال 24 ساعة، ليرتفع عدد الضحايا منذ 2 مارس (آذار) إلى 2576 قتيلاً و7962 جريحاً.

وفي حصيلة تفصيلية، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة سقوط 9 قتلى، بينهم طفلان وخمس سيدات، و23 جريحاً بينهم 8 أطفال و7 سيدات.

كما سُجّل سقوط 7 قتلى في غارة استهدفت بلدة زبدين، في إطار استمرار الضربات على قرى النبطية.

كما استأنفت فرق الدفاع المدني عمليات البحث في بلدة جويا عن مفقودين، بعد انتشال خمس جثث، في حين انهار منزل في الحنية فوق ساكنيه وسط صعوبات في وصول فرق الإنقاذ. وسُجل أيضاً خرق للطيران الحربي الإسرائيلي لجدار الصوت فوق منطقة البقاع، ما أحدث دوياً قوياً بعد الظهر.

تصعيد متبادل بالمسيّرات

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف أربع دبابات «ميركافا» في بنت جبيل والقنطرة باستخدام مسيّرات انقضاضية، مؤكداً تحقيق إصابات مباشرة، إضافة إلى استهداف مدفعية جنوب بلدة يارين.

كما أعلن إسقاط مسيّرة إسرائيلية من طراز «هرمز 450» بصاروخ أرض - جو فوق أجواء النبطية، وهو ما أقرّ به الجيش الإسرائيلي.

وأعلن الجيش الإسرائيلي إصابة 12 جندياً نتيجة استهداف آلية عسكرية بمسيّرة انقضاضية في شوميرا، مشيراً إلى تنفيذ عمليات ضد عناصر «حزب الله» وتفكيك مواقع إطلاق صواريخ.

لا وقف لإطلاق النار فعلياً

ميدانياً، أكد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، خلال جولة في محيط الطيبة، أن القوات الإسرائيلية ستبقى متمركزة عند «الخط الأصفر»، ولن تنسحب قبل ضمان أمن مستوطنات الشمال، مشدداً على أنه «لا وقف لإطلاق النار في جبهة القتال».

دمار واسع عند نقطة عبور في بلدة كفركلا جنوب لبنان (رويترز)

وكشفت هيئة البث الإسرائيلية عن نقاش دار بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، حيث دعا ترمب إلى مزيد من الحذر في العمليات داخل لبنان، محذراً من أن استهداف المباني يضر بصورة إسرائيل دولياً.

وأشار إلى جهود لمنع انهيار وقف إطلاق النار خلال الأسبوعين المقبلين، في وقت طلبت فيه إسرائيل تحديد إطار زمني للمفاوضات حتى منتصف مايو (أيار)، عادّاً أن «(حزب الله) هو المشكلة، وأن إنهاء نفوذ إيران قد يفتح الباب أمام استقرار لبنان».