المخيمات الفلسطينية في لبنان... نفوذ متشعب بين السياسة والسلاح

«عين الحلوة» أكبرها وأكثرها خطورة من أصل 12 مخيماً

TT

المخيمات الفلسطينية في لبنان... نفوذ متشعب بين السياسة والسلاح

جنود ومواطنون يقفون بجوار شاحنة تحمل أسلحة خلال عملية تسليمها من مخيم برج البراجنة جنوب بيروت (إ.ب.أ)
جنود ومواطنون يقفون بجوار شاحنة تحمل أسلحة خلال عملية تسليمها من مخيم برج البراجنة جنوب بيروت (إ.ب.أ)

بعد خمسة عشر عاماً على بدء النقاش حول مصير السلاح الفلسطيني في لبنان، عاد الملف إلى الواجهة بعد أن بدأت رحلة تسليم سلاح المخيمات إلى الجيش اللبناني.

فهذا الإجراء، أعاد إحياء واحد من أعقد ملفات العلاقة اللبنانية - الفلسطينية، وألقى الضوء مجدداً على واقع المخيمات الممتدة من طرابلس شمالاً إلى صور جنوباً. مخيمات لم تعد منذ زمن مجرد مساكن للاجئين، بل تحولت إلى ساحات سياسية وأمنية متشابكة، تتقاسمها الفصائل، وتدار بشبكات نفوذ موازية للدولة اللبنانية. وبين ضيق الجغرافيا وضغط الفقر، يتجلى نفوذ حركة «فتح» التقليدي، وصعود حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، إلى جانب بقايا الفصائل المرتبطة بدمشق، في لوحة معقدة يصعب فصلها عن الصراع الفلسطيني والإقليمي الأوسع.

عباس: لا دور للسلاح

وفي هذا السياق، خرج الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الاثنين، ليحسم الموقف، قائلاً في مقابلة تلفزيونية إن «سلاح المخيمات أدى غرضه عام 1969، ولا دور له الآن»، مشيراً إلى اتفاق مع الرئيس اللبناني جوزيف عون يقضي بسحب كل السلاح من المخيمات وتسليمه للدولة اللبنانية. وأضاف: «مصممون على سحب كل السلاح الفلسطيني من لبنان، ولن أكون سبباً في تعطيل مشروع الدولة اللبنانية».

وبدأت في 21 أغسطس (آب) عملية تسليم سلاح المخيمات الفلسطينية إلى الجيش اللبناني بعدما أقرها الجانبان اللبناني والفلسطيني خلال زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس لبيروت في مايو (أيار)، وتركزت عملية التسليم على مخيمات في بيروت والجنوب، على أن تستكمل العملية في مراحل لاحقة.

12 مخيماً في لبنان

يضم لبنان 12 مخيماً رسمياً معترفاً بها من وكالة «الأونروا»، تتمثل في «نهر البارد»، و«البداوي» في الشمال، و«برج البراجنة»، و«شاتيلا»، و«مار إلياس»، و«ضبيّة» في بيروت وضواحيها، و«عين الحلوة»، و«المية ومية» في صيدا، و«الرشيدية»، و«البرج الشمالي»، و«البص» في صور، إضافة إلى «مخيم ويفل» (الجليل) في بعلبك.

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين السوريين خلال عملية تسليم الأسلحة الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

ووفق الإحصاء اللبناني - الفلسطيني المشترك عام 2017، يعيش نحو 174 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، نصفهم تقريباً داخل المخيمات.

ويؤكد الباحث صخر أبو فخر لـ«الشرق الأوسط» أن «الصورة ليست واحدة في كل المخيمات. فهناك مخيمات عملياً من دون سلاح، مثل ضبيّة (شرق بيروت) الذي يقطنه فلسطينيون مسيحيون، ونهر البارد (شمال لبنان) الذي دُمّر ثم أعيد بناؤه تحت إشراف الجيش اللبناني، ويخضع لرقابة صارمة، ومار إلياس (غرب بيروت) الذي تحوّل إلى مكاتب للفصائل. ففي هذه المخيمات لا يتعدى السلاح بعض البنادق الفردية لحراسة المقرات».

القوة الأقوى

شكّلت حركة «فتح» لعقود العمود الفقري للفصائل الفلسطينية في لبنان، إذ سيطرت على اللجان الشعبية، وأدارت قوات «الأمن الوطني الفلسطيني». فنفوذها كان واضحاً في عين الحلوة والرشيدية والبداوي، لكنها واجهت تراجعاً بفعل الانقسامات وصعود الإسلاميين. ومع ذلك تبقى المرجع الأول للدولة اللبنانية والجهات الدولية.

ويقول أبو فخر إن «حركة (فتح) تبقى القوّة الأقوى في مخيمات، مثل برج البراجنة وشاتيلا، لكن المشهد معقد بسبب انتشار شبكات تهريب ومخدرات تتقاطع فيها قوى فلسطينية ولبنانية. هذه الشبكات تفرض نفسها بالسلاح، وتحدّ من قدرة (فتح) على الإمساك الكلي بالأرض».

«حماس» و«الجهاد»

في العقدين الأخيرين، صعد نفوذ حركة «حماس»، خصوصاً في مخيمات الجنوب، بفضل عملها الاجتماعي وشبكة مؤسساتها. كما برزت حركة «الجهاد الإسلامي» مع انتقال قيادتها إلى بيروت، وظهر جناحها العسكري «سرايا القدس» لاعباً فاعلاً بعد إطلاق صواريخ من الجنوب. هذا الصعود فرض معادلة جديدة ضعّفت سيطرة «فتح» المنفردة.

لكن أبو فخر يُشدّد على أن «سلاح (حماس) و(الجهاد الإسلامي) لا يمكن نزعه بالقوة، بل بالحوار والضغط القانوني. فعدد كبير من عناصر هذين التنظيمين ليسوا أصلاً من فلسطينيي لبنان، ويمكن ضبطهم أو ترحيلهم إذا لم يلتزموا بالقانون».

حضور رمزي

رغم تراجع نفوذها الشعبي، ما زالت الجبهة الشعبية - القيادة العامة، وفتح الانتفاضة، والصاعقة، تحتفظ بوجود في الشمال والبقاع، بشكل يذكّر اللبنانيين بتاريخ الوصاية السورية ودورها في المخيمات. ويصف أبو فخر هذا الحضور بـ«الرمزي أكثر مما هو فعلي».

مرآة الانقسام

يُعد مخيم «عين الحلوة» أكبر المخيمات وأكثرها خطورة. داخله تتوزع السيطرة بين «فتح»، و«حماس»، و«الجهاد»، ومجموعات سلفية، مثل «عصبة الأنصار» و«جند الشام». وأبرزت الاشتباكات الأخيرة عام 2023 هشاشة التوازن فيه.

ويقول أبو فخر: «عين الحلوة هو الأصعب، لأنه يضم مربعات مختلفة لقوى متناقضة، وأي محاولة لانتزاع السلاح بالقوة ستشعل انفجاراً دموياً»، ويرى أن المعالجة لا تكون بالقوة، بل بحوار سياسي وأمني حكيم، يراعي حساسية السكان وارتباط بعض القوى بالخارج».

مراكز نفوذ متداخلة

في صور، ما زالت «فتح» هي المرجعية في مخيمي الرشيدية والبص، لكنّ «حماس» عززت حضورها خصوصاً في البرج الشمالي. وفي صيدا، هناك امتداد لـ«عين الحلوة» لكنه أقل توتراً. وفي بيروت، يمثّل «برج البراجنة» أكبر المخيمات وأكثرها ازدحاماً، وتسيطر عليه «فتح» مع نفوذ اجتماعي زائد لـ«حماس».

أما شاتيلا، فيلفت أبو فخر إلى أنه «لم يعد مخيماً بالمعنى التقليدي، بل أصبح ضاحية فقيرة يقطنها لبنانيون وسوريون وآسيويون إلى جانب الفلسطينيين». ويشير إلى أن «مشاكله مرتبطة أكثر بتجارة المخدرات والفقر منها بالسلاح الفصائلي».

نحو عقلنة الحل

تؤكد الفصائل أن سلاحها موجه ضد إسرائيل، لكن الواقع يكشف أنه أداة صراع داخلي. أبو فخر يوضح أن «السلاح المتوسط والثقيل لم يعد له معنى، بل صار عبئاً يجب أن يُسلَّم فوراً للدولة اللبنانية. أما السلاح الفردي، فيمكن تنظيمه مثل حراسة السفارات، حيث تُسجّل أسماء الحراس وعددهم، ويخضعون لرقابة الدولة».

تظهر خريطة المخيمات الفلسطينية في لبنان شبكة نفوذ متشابكة، بين حركة «فتح» بوصفها قوة تقليدية تواجه تحدي الإسلاميين، وفصائل موالية لدمشق تراجعت إلى حضور رمزي، وجماعات سلفية تفرض مربعات أمنية في عين الحلوة. ومع بدء خطة نزع السلاح في أغسطس 2025، يبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح الدولة في تحويل هذه الجزر الأمنية إلى فضاءات مدنية، أم تبقى رهينة التوازنات الداخلية والتجاذبات الإقليمية؟

عناصر من الجيش اللبناني ومديرية المخابرات ينتشرون عند مدخل مخيم برج البراجنة (أ.ف.ب)

وفيما يعد أبو فخر أنّ «المطلوب اليوم التحلي بالعقلانية»، يرى أن «الفلسطيني يحتاج اليوم إلى طمأنة أنه ليس عارياً أمام أي تهديد، والدولة تحتاج إلى ضبط السلاح. وهذا لن ينجح من دون منح الفلسطينيين حقوقاً مدنية أساسية، مثل التملك والعمل والرعاية».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

تحليل إخباري طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع كلفة الخسائر المادية

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

إيران تسعى لطمأنة «حزب الله»: لن نتخلى عن دعمكم

قال «حزب الله» اإن أمينه العام نعيم قاسم تلقى رسالة من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكدت أن طهران «لن تتخلى» عن دعمه،

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص جنود من الجيش اللبناني يديرون نقطة تفتيش في بيروت يوم 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

خاص لبنان يحاصر النفوذ الإيراني ويستوضح من واشنطن دوافع عقوباتها

يقف لبنان على بعد أيام من اجتماع المسار الأمني-العسكري بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في 29 مايو (أيار) الجاري في البنتاغون، استعداداً لاستئناف المفاوضات

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي آثار دمار في مدينة صور جنوب لبنان بعد استهداف بغارة إسرائيلية (د.ب.أ)

لبنانيون تحت الإنذار... الغارات تُحوّل الهواتف إلى مصدر خوف يومي

تسبق اليد العين إلى الهاتف لدى كثير من اللبنانيين، لا بحثاً عن الرسائل أو تصفحاً لمواقع التواصل الاجتماعي، بل لمعرفة ما إذا كانت ساعات النوم حملت غارات جديدة.

صبحي أمهز (بيروت)
خاص رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال لقائه وفد جمعية مصارف لبنان (الرئاسة اللبنانية)

خاص أولويات الحرب لم تحجب مواجهات مالية «مستمرة» في لبنان

تستمر القضايا المالية والنقدية العالقة في لبنان، بتوليد مزيد من الاستحقاقات الحيوية، في وقت اعترف فيه صندوق النقد بأن الأزمة نظامية.

علي زين الدين (بيروت)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قال الجيش الإسرائيلي، السبت، إن أحد جنوده قُتل، الجمعة، قرب الحدود مع لبنان، مما يرفع عدد القتلى في صفوفه إلى 22 منذ بداية الحرب مع «حزب الله» الموالي لإيران.

وأعلن الجيش، في بيان مقتضب، أن الرقيب أول نوعام هامبرغر، البالغ 23 عاماً والمتحدر من عتليت (شمال)، «سقط في شمال إسرائيل».

وأوضح الجيش، في تصريح لوكالة «فرانس برس»، أن هامبرغر قضى بعد ظهر الجمعة قرب الحدود مع لبنان.

في المجموع، قُتل 23 إسرائيلياً، هم 22 جندياً، ومتعاقد مدني واحد، منذ اندلاع الحرب مع «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار).


توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
TT

توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)

اعتقلت الشرطة 4 أشخاص في مطار بلباو بشمال إسبانيا، السبت، عقب وقوع صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول مساعدات كان متوجهاً إلى غزة، إلى بلادهم.

ووقع الحادث عندما تجمع حشد من مؤيدي الناشطين في قاعة الوصول، لاستقبال 6 منهم لدى عودتهم على متن رحلة جوية من تركيا، بعد أن احتجزتهم القوات الإسرائيلية.

وعندما حاول أحد أقارب الناشطين الاقتراب منهم منعه شرطي بالقوة، ما أدى إلى عراك بين الطرفين، حسبما أفادت قناة «تي في إي» التلفزيونية العامة.

وأظهرت صور بثتها القناة عناصر من الشرطة يضربون أشخاصاً بالهراوات في المطار، ويثبِّتون آخرين على الأرض، وسط هتافات استهجان من المارة.

واعتُقل 4 أشخاص بتهمة العصيان الجسيم، ومقاومة الاعتقال، والاعتداء على عناصر إنفاذ القانون، وفق بيان لشرطة إقليم الباسك.

وأضاف البيان: «عقب ما حدث في المطار، فتحت إدارة الشؤون الداخلية (في الشرطة) تحقيقاً لتحديد ما إذا كان سلوك العناصر متوافقاً مع الإجراءات المتبعة».

واحتجزت القوات الإسرائيلية مئات الناشطين من دول عدة، بعد اعتراض سفنهم خلال أحدث محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني.

وبين هؤلاء الناشطين 44 إسبانياً، حسب وزارة الخارجية الإسبانية.

ووصل نحو 20 ناشطاً آخر إلى مطار برشلونة السبت؛ حيث كان في استقبالهم حشد من المؤيدين، من بينهم وزير الثقافة إرنست أورتاسون.


«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
TT

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع تكلفة الخسائر المادية في صفوف الجيش الإسرائيلي واستباقاً لأي تجدد للحرب سواء في الداخل اللبناني أو في إيران، مما يسهّل وصول الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي، حسبما يقول خبراء.

وبدا أن التركيز على استهداف منصات القبة الحديدية تحوُّل لافت في مسار المعركة العسكرية، بالنظر إلى أن «حزب الله»، وطوال شهر منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 17 أبريل (نيسان) الماضي، نفّذ ضربة واحدة ضد منظومة دفاع جوي إسرائيلية، بينما نفذ، خلال الأيام الأربعة الأخيرة، 6 استهدافات لمنصات قبة حديدة في مواقع عسكرية إسرائيلية حدودية، حسب إعلانات «حزب الله»، الذي قال إنه استهدفها بـ«محلّقات انقضاضية».

وقال الحزب في 3 بيانات منفصلة، السبت، إنه استهدف 4 منظومات للدفاع الجوي (قبة حديدية) في ثكنة برانيت الحدودية مع لبنان، وثكنة راميم أيضاً، تُضاف إلى منظومة أخرى في ثكنة برانيت الجمعة، علماً بأن ثكنة برانيت هي المركز القيادي الرئيسي لـ«الفرقة 91» (فرقة الجليل) المسؤولة عن تأمين القطاع الشرقي للحدود الشمالية، وتقع قبالة بلدة عيتا الشعب الحدودية مع لبنان، وتتمتع بأهمية استراتيجية؛ كونها من أكبر الثكنات العسكرية الواقعة في موقع متقدّم على الحدود، وتدير جزءاً من العمليات العسكرية على الحدود مع لبنان. كما أعلن الحزب، الاثنين الماضي، أنه استهدف القبة الحديدية في معسكر غابات الجليل بمحلّقة انقضاضية.

أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية

ويعيد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد سعيد القزح، تكثيف تلك الاستهدافات إلى أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية، ويقول إن «حزب الله» يواصل عملياته العسكرية؛ كونه «لا يعترف بأي مندرجات تترتب على المفاوضات المباشرة التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ومن ضمنها تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؛ كون الحزب يريد أن تكون ورقة المفاوضات بيد إيران، وليس بيد الدولة اللبنانية، بعدما خسر ورقة التفاوض التي اعتاد أن تكون بيده، كما في السابق، أي في مفاوضات 2006، أو ترسيم الحدود البحرية، أو اتفاق وقف الأعمال العدائية 2024».

صورة مأخوذة من مقطع فيديو وزّعه «حزب الله» لما قال إنه استهداف لمنصة «قبة حديدية» في مركز عسكرية قرب الحدود مع لبنان (متداول)

أما الأسباب غير السياسية، فيشرح القزح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحزب «يحاول استهداف ما يستطيع استهدافه، سواء من قبة حديدة أو دبابات أو مدرعات أو أفراد»، مضيفاً: «وكون أداة الاستهداف الرئيسية التي تتمثل في الوقت الحالي بالمسيرات الموجهة بألياف ضوئية ممكن أن تعطل المدرجات بشكل مؤقت ولا تدمرها بشكل كامل، فإن الأضرار التي تترتب على استهداف القبة الحديدية، ستكون أكبر»، شارحاً أن «إصابة صواريخ القبة ستؤدي إلى انفجارها. أما إصابة الرادار فتؤدي إلى تدميره»، وبالتالي فإن الحزب «يرفع تكلفة الأضرار التي يتسبب بها في صفوف الجيش الإسرائيلي، ويعمل على إيقاع خسائر مهمة في صفوفه، لا سيما أن تعطيل الدفاع الجوي له مكاسب عسكرية ومادية واستراتيجية على حد سواء».

ويشير القزح إلى أسباب أخرى تقف وراء تكثيف استهدافات القبة الحديدية، أبرزها «محاولة تعطيلها، في ظل احتمالات تجدد الحرب في إيران، أو توسع الحرب في لبنان التي تُعدّ احتمالات تجددها عالية». ويوضح: «إذا تجددت الحرب على الجبهتين، فإن استئناف إطلاق الصواريخ سيكون متوقعاً؛ لذلك يحاول تحييد منظومات الدفاع الجوي مما يتيح لصواريخه أو للصواريخ الإيرانية العبور إلى الداخل الإسرائيلي». ويعرب عن اعتقاده بأن تجدد الحرب في إيران «يعني انخراط الحزب في المعركة أيضاً؛ كون إيران ستستعمل كل أوراقها، سواء (حزب الله) أو جماعة الحوثي أو الميليشيات العراقية لتكثيف الهجمات على إسرائيل والدول العربية والمصالح الأجنبية في المنطقة، لعلمها بأن الضربات الثالثة ستكون قاسية ومدمرة، ولن تقتصر على الأهداف العسكرية الإيرانية، بل قد تشمل المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية».

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة العباسية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيرات الألياف الضوئية

ويكثف «حزب الله» من استخدامه للمسيرات الموجهة بألياف ضوئية التي يصعب رصدها ويستحيل التشويش عليها أو التصدي لها، مثل المسيرات الأخرى اللاسلكية، مما يتيح لها الوصول إلى أهدافها أفضل من المسيرات الأخرى. ويقول القزح إن تلك المسيرات «قادرة على حمل أوزان تتراوح بين 3 و5 كيلوغرامات من المتفجرات، مما يتسبب بخسائر بشرية في حال استهداف التجمعات، كما تؤذي المدرعات والدبابات إذا استهدفت المنظار أو أجهزة الرصد عليها»، لافتاً إلى أن هذا النوع من المسيرات «لا يوجد دواء ناجع له، لا في روسيا وأوكرانيا، ولا على الجبهة اللبنانية بعد».

وفي المقابل، وسعت إسرائيل إنذارات الإخلاء إلى قضاء جزين القريب من صيدا على بُعد نحو 45 كيلومتراً عن الحدود، في أوسع مروحة للإخلاءات شملت 15 بلدة وقرية لبنانية في محافظتي الجنوب والنبطية بجنوب لبنان، وذلك غداة تعرّض مستشفى في مدينة صور بجنوب لبنان لأضرار جراء غارات شنّتها إسرائيل ليلاً.

وتواصلت الغارات المكثفة، السبت. وأفادت الوكالة الوطنية عن «غارة عنيفة على منطقة جل البحر بمحيط صور»، إضافة إلى سلسلة من الضربات في أكثر من موقع في جنوب لبنان، طالت إحداها «أحد بساتين الحمضيات في بلدة البازورية؛ ما أدى إلى إصابة عدد من العمال السوريين أثناء عملهم هناك».

إنذارات صور

وكان الجيش الإسرائيلي أصدر، نحو منتصف ليل الجمعة - السبت، بالتوقيت المحلي، إنذاراً بإخلاء مبنيين ومحطيهما في منطقة صور، قبل القيام بقصفهما بذريعة استهداف «حزب الله». وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بأن أحد المبنيين المهددين يقع قرب مستشفى حيرام في صور، وأن أضراراً بالغة لحقت به بعدما نفذت الدولة العبرية تهديدها بقصف المبنى.

سكان محليون يتفقدون الأضرار الناتجة عن استهداف إسرائيلي لمبانٍ في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وأوضحت: «أدَّت الغارة إلى أضرار جسيمة بمستشفى حيرام وفي غرف العمليات والممرضين والمرضى والعيادات، وشبكات الكهرباء وزجاج مبنى المستشفى». وقال رئيس مجلس إدارة المستشفى سلمان عيديبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نقلنا المرضى إلى أماكن أخرى أكثر أمانا». وأكد أن أياً من المرضى لم يُصب بأذى، لكن نحو 30 شخصاً من طاقم المستشفى تعرضوا لجروح طفيفة. وأشار إلى أن تقييم الأضرار لا يزال جارياً، وأن المستشفى يواصل العمل في هذه الظروف، رغم توقف قسم الطوارئ لفترة وجيزة.

وأشار إلى أن هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها غارة إسرائيلية محيط المستشفى، منذ اندلاع الحرب بين الدولة العبرية و«حزب الله»، في الثاني من مارس (آذار) الماضي. ويقع المبنيان اللذان تمّ تدميرهما في أحياء سكنية في المدينة التي تتعرض لضربات إسرائيلية شبه يومية. وبعيد التحذير الإسرائيلي، قام عناصر من الدفاع المدني والشرطة البلدية بدعوة الناس عبر مكبرات الصوت إلى المغادرة. وشهدت الشوارع زحمة سير، مع مسارعة سكان إلى ترك منازلهم إثر الإنذار.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان، السبت، إنه استهدف ليلاً «بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) الإرهابي في منطقة صور». كما طالت الغارات وفقاً له «موقعاً تحت أرضي تابعاً لـ(حزب الله) الإرهابي استخدمه لإنتاج وسائل قتالية»، في منطقة البقاع بشرق لبنان.