لماذا احتلال غزة أخطر ما يواجهه الغزيون منذ بداية الحرب؟

على وقع استمرار التصعيد الميداني الإسرائيلي

دخان القصف الإسرائيلي فوق دير البلح بوسط قطاع غزة السبت (رويترز)
دخان القصف الإسرائيلي فوق دير البلح بوسط قطاع غزة السبت (رويترز)
TT

لماذا احتلال غزة أخطر ما يواجهه الغزيون منذ بداية الحرب؟

دخان القصف الإسرائيلي فوق دير البلح بوسط قطاع غزة السبت (رويترز)
دخان القصف الإسرائيلي فوق دير البلح بوسط قطاع غزة السبت (رويترز)

منذ أن أعلنت إسرائيل نيتها تنفيذ عملية تهدف لاحتلال مدينة غزة، أو كما يطلق عليها من قبل بعض الجهات الأمنية الإسرائيلية «السيطرة» عسكرياً على المدينة التي تمثل عصب الحياة بالنسبة لقطاع غزة، ووجهه المشرق، زادت المخاوف فلسطينياً من أن تنفيذ مثل هذا المخطط سيكون الأخطر على الإطلاق منذ بداية الحرب.

وتمثل مدينة غزة الواجهة السياسية والاقتصادية والإعلامية والحياتية بالنسبة لقطاع غزة، وأكثر المناطق حيويةً على مختلف الأصعدة، وقد نفذت فيها إسرائيل منذ بداية الحرب البرية نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2023، العديد من العمليات التي استهدفت مختلف أحيائها بلا استثناء.

خيم تؤوي نازحين هربوا من الهجوم الإسرائيلي في مدينة غزة السبت (رويترز)

جغرافيا المدينة وعمليات سابقة

تعدّ الأحياء الشرقية من مدينة غزة، وتحديداً غالبية أجزاء حي الزيتون، وكذلك حيي الشجاعية والتفاح، من أكثر الأماكن تضرراً في مدينة غزة، يليها من جنوبها الغربي حي تل الهوى، وجزء من حي الرمال في وسطها الغربي، وبشكل جزئي تضررت أحياء من أجزاء مختلفة بالمدينة، مثل الدرج والبلدة القديمة والسامر والنفق والنصر والشيخ رضوان، ومخيم الشاطئ.

في بداية الحرب البرية الأولى، التي عملت فيها إسرائيل لأشهر في كافة أحياء المدينة، قبل أن تعود لبعض أحيائها وخاصةً الشجاعية والزيتون وتل الهوى عدة مرات وتنفذ بها عمليات مكثفة، أُجبر غالبية سكان مدينة غزة وشمال القطاع على النزوح إلى وسط وجنوب القطاع، وقد بلغ عددهم نحو مليون شخص، قبل أن تنجح مفاوضات وقف إطلاق النار التي دخلت حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) الماضي، بإعادتهم كأحد شروط نجاح المفاوضات وصفقة تبادل الأسرى حينها، في وقت كانت إسرائيل تحاول فيه التمسك برفض عودتهم، محاولة الاعتماد على خطة طرحها بشكل أساسي الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لتهجير سكان القطاع والبحث عن مكان بديل لهم.

خيم تؤوي نازحين هربوا من الهجوم الإسرائيلي في مدينة غزة السبت (رويترز)

وحين عاد النازحون إلى مدينة غزة ومناطق شمال القطاع، فوجئوا بحجم الدمار، الأمر الذي اضطرهم لاستخدام الخيام في مناطق سكنهم من أجل البقاء فيها، بعد معاناة شديدة وقاسية واجهوها خلال رحلات النزوح المتكررة من وسط إلى جنوب القطاع، وبالعكس، بفعل العمليات العسكرية التي طالت كافة مناطق القطاع.

وبعد عودة إسرائيل لاحتلال مناطق شمال القطاع، وتحديداً بيت حانون وبيت لاهيا ومخيم جباليا، اضطر سكان تلك المناطق لنصب خيامهم على طول شاطئ بحر مدينة غزة، غرباً، وكذلك في مناطق وسط المدينة وتحديداً حي الرمال، أرقى أحيائها، والذي تحول جزء منه إلى كومة ركام، وجزء آخر إلى مجرد مجمعات ومخيمات من الخيام التي تزداد من يوم إلى آخر بفعل تكرار النزوح، جراء العمليات الإسرائيلية التي طالت في الأشهر القليلة الماضية حَيّي الشجاعية والتفاح وجزءاً من حي الدرج، قبل أن تبدأ العملية الجديدة بحيي الزيتون والصبرة، الأمر الذي دفع سكانهما إلى النزوح غرب ووسط المدينة، فيما نزح آخرون إلى جنوب القطاع وعددهم قليل مقارنةً بالأعداد النازحة داخل المدينة.

فتاة فلسطينية تأكل أرزاً مطبوخاً حصلت عليه من مطبخ خيري في مدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

أخطر عملية

العملية التي بدأت فعلياً على الأرض منذ نحو أسبوع ونصف أسبوع بقصف جوي ومدفعي وتقدم بري محدود في الأحياء الجنوبية للمدينة، وتحديداً الشرقية منها (الزيتون والصبرة)، وكذلك من حدودها الشمالية للمدينة، وتحديداً مع بلدتي جباليا البلد والنزلة، ومنطقة أبو إسكندر في حي الشيخ رضوان، توصف بأنها الأخطر على الإطلاق، خاصةً في حال تعمقت وسارت كما خطط لها، وفق بعض التسريبات الإسرائيلية بشأنها.

ويعود خطر العملية الحالية لأسباب عدة؛ أبرزها تتمثل في إجبار نحو مليون فلسطيني على النزوح من مدينة غزة، وجميعهم يتكدسون في مناطق وسط وغرب المدينة، ولا يوجد مناطق أخرى يمكن أن يتجهوا إليها داخل المدينة أو شمال القطاع، باعتبار أن الأخيرة منطقة عسكرية وتسيطر إسرائيل عليها نارياً، وتستهدف كل من يدخلها.

فلسطينيون يحملون أكياس طحين (دقيق) حصلوا عليها من قافلة مساعدات عند مشارف بيت لاهيا شمال قطاع غزة السبت (أ.ب)

وتقول مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إنه في المرات الأولى كان من تبقى داخل المدينة وشمالها، يتنقل من مكان إلى آخر، وكانت هناك فرصة لذلك، وهذا أفشل مخططات التهجير كاملةً بداية الحرب، وبقي في المدينة وشمالها نحو 400 ألف فلسطيني، كانوا أحد الأسباب التي دفعت إسرائيل للقبول بعودة النازحين لمناطق سكنهم حينها.

وترى المصادر أن نزوح سكان مدينة غزة وشمالها، هذه المرة قد يكون دون السماح بعودتهم إليها مرةً أخرى، وهذا أخطر ما يمثل هذه المرحلة، ما قد يدفع الاحتلال الإسرائيلي لاستخدام ذلك ورقةً مساومة بتسليم المختطفين مقابل عودتهم ودون أي ثمن آخر.

وتجمع مصادر ميدانية وسياسية على أن موقف «حماس» بالموافقة على الورقة المقترحة من الوسطاء في الأيام الماضية، كان بهدف إحباط تمرير هذه الخطة الإسرائيلية، وتدمير ما تبقى من مدينة غزة بشكل كامل.

فلسطينيون يعاينون مكاناً استهدفه القصف الإسرائيلي بدير البلح وسط قطاع غزة السبت (رويترز)

وقالت المصادر إن هذا الأمر دفع قيادة الفصائل الفلسطينية، التي كانت حاضرة في القاهرة، للتشاور مع قيادة «حماس» والدفع باتجاه الموافقة دون أي تعديلات على أي مقترح يقدم لها، وهذا ما حصل تماماً، مشيرةً إلى أن الجميع توافقوا على هذه المخاوف الخطيرة التي قد تستخدمها إسرائيل ورقة مساومة من جانب، وتشجع على عملية الهجرة خارج القطاع من جانب آخر، وهو ما تسعى إليه منذ نحو عامين مع بداية الحرب الحالية.

وتصر إسرائيل على تنفيذ عمليتها بمدينة غزة فيما يبدو بهدف تحقيق هذه الأهداف، إلى جانب تعمد تدمير ما تبقى من المدينة، وهو ما أكده وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الذي قال، الجمعة، إن غزة ستكون مثل رفح وبيت حانون.

تفاصيل العملية

ووفقاً لوسائل إعلام إسرائيلية، فإن العملية المرتقبة ستشارك فيها نحو 6 فرق، وستستمر من 4 إلى 5 أشهر، ولربما 6 أشهر، وستعتمد بشكل أساسي على تدمير المباني الشاهقة التي قد تستخدم في هجمات ضد قواتها، كما ستستهدف البنية التحتية في المدينة وملاحقة نشطاء «حماس».

دخان فوق مدينة غزة جراء قصف إسرائيلي السبت (رويترز)

وستبدأ العملية بحصار مدينة غزة من أطرافها، قبل أن يتم التوغل في عمقها، وصولاً إلى مناطق غربها التي تكتظ بالسكان، وكل ذلك مع اعتماد خطة بهدف نقل سكان المدينة إلى جنوب القطاع، ومحاولة إنشاء مستشفيات بالتعاون مع جهات دولية وإقامة مخيمات من الخيام لهم، وهي خطة فشلت في بداياتها، ما دفع الجيش الإسرائيلي للتواصل مع مسؤولين عن المستشفيات بالمدينة بالتجهز لنقلها إلى جنوب القطاع، قبل أن يكشف، صباح السبت، في إذاعة الجيش، عن أنه سيتم إعادة تأهيل مستشفى غزة الأوروبي شرق خان يونس، لخدمة سكان مدينة غزة بعد أن يتم إجلاؤهم منها مع بقاء سيطرة القوات الإسرائيلية على منطقة المشفى، وشق طريق خصيصاً له، وآخر نحو المستشفى الإماراتي برفح.

الوضع الميداني

ويتزامن ذلك مع استمرار القصف الجوي والمدفعي وعمليات النسف في مناطق متفرقة من الحدود الجنوبية والشمالية لمدينة غزة في إطار العملية الجارية، إلى جانب قصف مناطق أخرى من القطاع.

ونسفت القوات الإسرائيلية طوال ساعات الفجر والصباح في الزيتون والصبرة جنوب مدينة غزة، وكذلك بلدتا جباليا البلد والنزلة، عشرات المباني بفعل تفجير روبوتات مفخخة.

فلسطينيون يعاينون مكاناً استهدفه القصف الإسرائيلي بدير البلح وسط قطاع غزة السبت (رويترز)

وقتل ما لا يقل عن 43 فلسطينياً منذ فجر السبت وحتى ساعات الظهيرة (رقم مرشح للزيادة)، منهم ما لا يقل عن 19 من سكان خان يونس جنوبي القطاع، نتيجة استهدافات متكررة لخيام النازحين بمنطقة المواصي التي تصفها إسرائيل بأنها «إنسانية»، فيما قتل 3 فلسطينيين في غارات وسط القطاع، وعدد آخر بمدينة غزة، فيما أبلغ عن وجود ضحايا في مناطق قصفت ولم تستطع أي طواقم الوصول إليها بفعل القصف العنيف في حيي الصبرة والزيتون.

وبحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، فإنه وصل إلى مستشفيات القطاع، 61 قتيلاً، و308 إصابات، خلال الـ24 ساعة الماضية (من ظهيرة الجمعة إلى السبت)، ما رفع حصيلة العدوان الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 62622 قتيلاً و157673 مصاباً، بينما بلغت الحصيلة من مجملها، منذ الثامن عشر من مارس (آذار) الماضي، بعد استئناف إسرائيل للحرب عقب هدنة استمرت شهرين، إلى 10778 قتيلاً و45632 مصاباً.

بينما بلغ عدد من وصل إلى المستشفيات خلال ذات الفترة، من ضحايا المساعدات 16 قتيلاً و111 إصابة، ليرتفع إجمالي ممن وصلوا المستشفيات إلى 2076 قتيلاً، وأكثر من 15308 إصابات منذ نهاية مايو (أيار) الماضي.

فيما سجلت مستشفيات قطاع غزة، خلال الفترة نفسها، 8 حالات وفاة جديدة نتيجة المجاعة وسوء التغذية، بينهم طفلان، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 281 حالة وفاة، من ضمنهم 114 طفلاً.


مقالات ذات صلة

خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

المشرق العربي تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)

خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

قد يُمثّل الخط الفاصل، الذي يكون أحياناً غير مرئي، مسألة حياة أو موت للفلسطينيين في غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

تحليل إخباري خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار».

أحمد جمال (القاهرة)
الخليج خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة (أ.ف.ب)

السعودية تُرحِّب ببدء ثاني مراحل «خطة غزة»

رحَّبت وزارة الخارجية السعودية، الجمعة، بالإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة السلام الشاملة، وتشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جندي إسرائيلي ومعه أحد الكلاب المدرَّبة خلف الخط الأصفر بقطاع غزة (الجيش الإسرائيلي) play-circle

إسرائيل تنفي صحة تقرير بنقل الخط الأصفر إلى داخل قطاع غزة

نفى الجيش الإسرائيلي صحة تقرير يفيد بأنه نقل خط الترسيم الأصفر إلى داخل قطاع غزة، أيْ وسّع المنطقة التي تخضع لسيطرته.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
تحليل إخباري خيام تأوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «عقبات عالقة» تهدد مسار «الإدارة الجديدة» في غزة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة جديدة بتشكيل لجنة إدارة القطاع التي واجهت على الفور سيل تصريحات إسرائيلية بشأن التمسك باسترجاع الرفات الأخيرة أولاً.

محمد محمود (القاهرة)

قائد كردي يدعو أميركا إلى «التدخل بقوة» في الاشتباكات بسوريا

سوريون يصطفون على جانب الطريق ويلوحون لقوات الأمن السورية وهي تدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة (إ.ب.أ)
سوريون يصطفون على جانب الطريق ويلوحون لقوات الأمن السورية وهي تدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة (إ.ب.أ)
TT

قائد كردي يدعو أميركا إلى «التدخل بقوة» في الاشتباكات بسوريا

سوريون يصطفون على جانب الطريق ويلوحون لقوات الأمن السورية وهي تدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة (إ.ب.أ)
سوريون يصطفون على جانب الطريق ويلوحون لقوات الأمن السورية وهي تدخل مدينة الطبقة في محافظة الرقة (إ.ب.أ)

قال قائد «وحدات حماية الشعب» ​الكردية سيبان حمو، لوكالة «رويترز»، إن على الولايات المتحدة أن تتدخل بقوة أكبر لإنهاء هجوم سوري انتزع السيطرة على أراضٍ رئيسية من المقاتلين ‌الأكراد في ‌الأيام القليلة ‌الماضية.

وقال مسؤولون ​ومصادر ‌أمنية إن القوات الحكومية شنت هجوماً، السبت، على أراضٍ كانت تديرها السلطات الكردية التي تتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال شرقي سوريا على مدى ‌العقد الماضي، وسيطرت على بلدات على جانبي نهر الفرات وأكبر حقل نفطي وحقل للغاز في البلاد.

وأشار إلى أن اجتماعاً عُقد، السبت، ​بين المبعوث الأميركي توم برّاك ومسؤولين أكراد لم يسفر عن وضع خريطة طريق لوقف إطلاق النار. ونفى رغبة أكراد سوريا في الانفصال، أو إقامة دولة مستقلة، وقال إن مستقبلهم في سوريا.

وواصل الجيش السوري تقدمه في محافظة الرقة شرق سوريا؛ إذ أعلن السيطرة على مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات من المقاتلين الأكراد، بينما أفادت «وكالة الأنباء السورية» بأن قوات «قسد» قد فجرت جسرين على نهر الفرات.

كما سيطر الجيش السوري على حقل العمر النفطي، وهو الأكبر في سوريا وحقل كونيكو للغاز في شرق البلاد.

وأفادت وسائل إعلام كردية بأن قائد «قسد» مظلوم عبدي قد تحدث هاتفياً مع الرئيس السوري أحمد الشرع، بعد تقارير عن زيارة عبدي إلى دمشق.

وأعلنت إدارة العمليات العسكرية السورية في وقت لاحق أنها أخرجت «قسد» من غرب الفرات، بينما انقطعت المياه عن مدينة الرقة بشكل كامل بعد تفجير «قسد» الأنابيب الرئيسية للمياه المغذية للمدينة.


رفض لبناني واسع لمواقف قاسم: للتوقف عن التلويح بالحرب الأهلية

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز أمس (إعلام حزب الله)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز أمس (إعلام حزب الله)
TT

رفض لبناني واسع لمواقف قاسم: للتوقف عن التلويح بالحرب الأهلية

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز أمس (إعلام حزب الله)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز أمس (إعلام حزب الله)

برفض لبناني واسع، قوبلت مواقف الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، التي جدد فيها التمسك بسلاحه، والتي قُرئ فيها رد على رئيس الجمهورية، جوزيف عون، الذي دعا «حزب الله»، من دون أن يسيمه، إلى «التعقّل والعودة إلى الدولة بتسليم سلاحه الذي أصبح بقاؤه عبئاً على بيئته ولبنان في آن واحد».

وفي إطلالته مساء السبت، هاجم قاسم قرار تجريده من سلاحه، قائلاً إن حزبه «لن يستسلم، ودفاعنا مشروع في أي وقت»، متهماً وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي بـ«التلاعب بالسلم الأهلي، والتحريض على الفتنة»، وداعياً الحكومة إلى «تغييره».

ردود كلامية

ورغم أن مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية عدّت كلام قاسم، في جزء منه، ردّاً على الرئيس عون، فإنها قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «القرارات اتُّخذت كي تنفَّذ، ولا شيء سيغيّر قناعات الرئيس».

وأضافت أن «قاسم أراد أن يعترض ويصعّد أمام بيئته، وهذا كلّه يبقى في إطار الردود الكلامية»، مستبعدة أن «يعمد (حزب الله) إلى أي خطوات اعتراضية على الأرض»، ومؤكدة أن «مسار حصر السلاح يسير في طريقه الصحيحة».

وزير العدل: للتوقف عن إعطاء دروس في الوطنية

ورد وزير العدل، عادل نصار، على قاسم، كاتباً في حسابه على «إكس»: «على كل من يلوّح بالحرب الأهلية لأجل الحفاظ على سلاحه أن يتوقف عن إعطاء دروس في الوطنية لوزير في الحكومة».

الحاج: مصيبة لبنان

بدوره، وصف عضو كتلة حزب «القوات اللبنانية»، النائب رازي الحاج، «حزب الله» بأنه «مصيبة لبنان». وكتب في حسابه على «إكس»: «مَن يعمل خارج سياسة الدولة والعهد، ويتلاعب بالسلم الأهلي ويحرّض على الفتنة، ويقف في موقعٍ معادٍ للعهد والحكومة ولإرادة الشعب اللبناني، هو الشيخ نعيم قاسم».

وأضاف: «فهو يرفض تسليم سلاح (حزب الله)، ويُطلق تهديدات بالحرب الأهلية، ولا يتوقّف ليلاً ونهاراً عن مهاجمة الموقف الرسمي للدولة اللبنانية ويعمل بعكسه... مصيبة لبنان الحقيقية هي (حزب الله)».

يزبك: يمهد لاغتيال جسدي

من جهته، رأى عضو كتلة «القوات اللبنانية»، النائب غياث يزبك، أن «كلام قاسم يمهّد للاغتيال الجسدي لوزير الخارجية». وكتب يزبك على «إكس» قائلاً: «كل من يعتدي لفظياً أو معنوياً على وزراء (القوات اللبنانية) متجاوزاً الأطر الأدبية والنقدية والرقابية الصحيحة المتعارف عليها في الدول المحترمة... إن هذا المعتدي، ومهما علت رتبته، مدنياً كان أم رجل دين وما بينهما من اختصاصات ووظائف، إنما يمهِّد لاغتيال جسدي لهؤلاء الوزراء، كما أنه يَغتال الدولة اللبنانية في سمعتها ومؤسساتها، ويتعاقد مع أشرار لإيذاء شعبها وتدميرها؛ لأن وزراءنا يمثلون الكرامة والسيادة والدولة ويعملون لحماية هذه القِيَم».

وأضاف: «لهذا المعتدي نقول: شوية ذكاء... لقد ارتكب من سبقوك هذه الأفعال وانتهوا في مزابل التاريخ، ألا تتعلم؟».

الجميّل: موقف رجّي يستند إلى «اتفاق الذلّ»

وتعليقاً على كلام قاسم، توجه النائب نديم الجميّل، عبر حسابه على منصة «إكس»، إلى قاسم قائلاً: «إن موقف وزير الخارجية يستند إلى (اتفاق الذلّ) الذي وقّعتم عليه بعد حرب الإسناد، والذي وافق عليه لبنان رسمياً، وهو يُجسّد فعلياً خطاب القسم وبيان مجلس الوزراء لناحية حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية».

وأمل الجميل أن «يكون هناك موقف واضح من رئيس الجمهورية والحكومة لدعم وزير الخارجية في مواقفه».

حنكش: عصابة خارج القانون

كذلك كتب عضو كتلة «الكتائب»، النائب إلياس حنكش، على «إكس» متوجهاً إلى قاسم: «أولاً مع استمرار المتمرّدة على قرار الدولة وتهديد اللبنانيين، أصبحتم عصابة خارج القانون. ثانياً شهدنا في الفترة الأخيرة أين كان العملاء (معشعشين)، فالتهمة مردودة لأصحابها. ثالثاً مثل ما تم حصر الجيش السلاح في جنوب الليطاني، كذلك شماله... قريباً».

الصادق: خطاب لن يقدّم أو يؤخّر

وعلّق أيضاً النائب وضاح الصادق على مواقف قاسم، وكتب على «منصة إكس» قائلاً: «هو نفسه لا يصدّق ما يقول... يعيش في عالمٍ موازٍ، فيما استعادة دولة المؤسّسات مستمرة بصلابة مهما رفعوا الصوت».

وتوجه إليه قائلاً: «صدقت شيخ نعيم في أمر وحيد؛ نعم لبنان دخل مرحلة جديدة وعهداً جديداً. سلاحك فيه عبء. لم يعد له أي جدوى، وجارٍ التخلص منه من أجل بناء دولة حقيقية. سمعنا خطاباتكم لسنوات، وعشنا الهزائم والخراب الذي جلبتموه على البلد... خطابٌ إضافي، لن يقدّم أو يؤخّر».

مخزومي: تحدٍّ صريح للدولة

بدوره، أكد النائب فؤاد مخزومي أن «مواقف قاسم مرفوضة، ولا تمتّ إلى الواقع بصلة، وتشكل تحدياً صريحاً للدولة ولمؤسساتها». وتوجه له عبر منصة «إكس» قائلاً: «أنتم جزء من الحكومة وتشاركون في مجلس الوزراء، فكيف تعترضون على قرارات أنتم شركاء فيها؟ من يرفض قرارات الحكومة؛ فعليه أن يستقيل، لا أن يتحدّى الدولة من داخلها».

وأضاف: «إما الالتزام باتفاق وقف الأعمال العدائية والقرار (1701) وتسليم السلاح للدولة، وإما تحمّل مسؤولية الخروج على الشرعية. لا أحد فوق القانون في لبنان، ولغة التهديد لم تنتج إلا دماراً يدفع ثمنه اللبنانيون وحدهم».


مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: التطورات العسكرية على الأرض فرضت واقعاً جديداً للتفاوض

الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
TT

مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: التطورات العسكرية على الأرض فرضت واقعاً جديداً للتفاوض

الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

قالت مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط» إن التطورات العسكرية على الأرض شرق وشمال سوريا، فرضت واقعاً جديداً فيما يخص عملية التفاوض مع «قوات سوريا الديمقراطية»، وإن عملية التفاوض اختلفت الآن، مرجحة أن المفاوضات في دمشق ستركز على «مسألة دمج قوات (قسد) في الجيش السوري بأسرع وقت ممكن ودون مماطلة»، مؤكدة أن دمشق مصرّة على فرض سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية بعد انتفاضة العشائر العربية ضد «قسد»، وإخراجها من دير الزور وصولاً إلى مشارف الحسكة.

وفرض تسارُع التطورات الميدانية في مناطق واسعة شرق الفرات تغييراً جذرياً في الأمور المطروحة على طاولة التفاوض، وفق الباحث السياسي بسام سليمان الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، ان الدولة السورية تضغط على "قسد" للاندماج في الجيش السوري كأفراد، كما يمكن أن يكون لقائد "قسد" دور في مستقبل سوريا، كونه "مختلف عن التيار المتطرف ويمكن أن يساعد كثيرا في تثبيت الأمن والاستقرار في محافظة الحسكة، كونه على معرفة واسعة بالتيارات القنديلية والطائفية وحتى فلول النظام التي استقطبتها التيارات داخل قسد خلال الفترة الماضية"، مضيفاً بأن الأحداث على الأرض تتجه نحو "بسط سيطرة الدولة على كامل مناطق الجزيرة السورية سواء سلما أم حربا".

خريطة من مركز «جسور» توضح مناطق نفوذ «قسد» بعد عمليات الجيش السوري في شرق وشمال شرقي سوريا

ولف إلى أن بقاء تنظيم «قسد» بهذا الشكل «لم يعد مقبولاً في المناطق التي سيطرت عليها العشائر العربية، ومن حق الدولة السورية إدارتها»، وهذا غير خاضع للتفاوض الآن. اليوم هناك دولة يجب أن تفرض سيطرتها على مختلف المناطق السورية، و«قسد» لم تعد في موقع يسمح لها بالتفاوض، لا سيما أن «الدولة السورية أعطتها فرصة كبيرة لتثبت أنها فاعل قادر على أن يدخل في مسار بناء الدولة، لكن للأسف استغلت الفرصة في تأجيج الفتن والصراعات، وإثارة النعرات والانقسامات، وخلق تحالفات عسكرية ضد الدولة السورية»، بحسب تعبير الباحث بسام سليمان.

وتابع قائلاً: «إننا أمام واقع جديد ومعطيات جديدة، وطاولة المفاوضات لن تكون كسابقتها، ومظلوم عبدي الذي كانت تحت سيطرته مناطق واسعة، اليوم أغلب تلك المناطق تشهد انهياراً متسارعاً؛ غرب الفرات انهيار كامل، شرق الفرات انهيار شعبي ومجتمعي وأخلاقي»؛ لذلك، أكد سليمان أن التفاوض الآن سيركز على «مصير (قسد)».

جنديان سوريان يمزقان صورة لأوجلان في مدينة الطبقة بمحافظة الرقة بعد انتزاع السيطرة عليها من «قسد» (أ.ف.ب)

أما الباحث السياسي وائل علوان، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن المؤشرات تتجه نحو احتمالين، الأول، أن تنجح مساعي الزعيم الكردي مسعود بارزاني، ويكون هناك قرار حكيم بالاندماج، والاحتمال الثاني: أن يبقى التيار المتشدد داخل «قسد» مصرّاً على المواجهة والسلوك الميداني المعادي للحكومة السورية، ومن ثم الهزيمة الكاملة

وانطلق علوان برؤيته من أن تسارع التطورات بعد السيطرة على دير حافر أعاد الحسابات ليس فقط للأطراف المحلية وإنما أيضاً أعاد حسابات الدول، وذلك بالنظر إلى الانهيار السريع لقوات «قسد»، وتزامن ذلك مع استياء كبير جداً كانت تشعر به الولايات المتحدة نتيجة مماطلة «قسد»، وعدم اندماجها الفعلي مع الحكومة السورية، وعدم تنفيذ اتفاق مارس (آذار) 2025، بالإضافة إلى تولي تيار متشدد ضمن «قسد» القرار الميداني الذي كان يميل إلى الصدام العسكري، بينما كانت الحكومة السورية تميل إلى تجنُّب اللجوء إلى الحل العسكري.

وكان قرار الحكومة السورية واحداً ومركزياً ومنسجماً مع التوجه الإقليمي والدولي. وكان هناك استياء أميركي من تعنت «قسد»، وسيصنع التقييم الأميركي الجديد لـ«قسد» بعد انهيار صفوفها طريقة جديدة لرسم الخريطة الداخلية لسوريا، ومن المرجح استمرار العمليات العسكرية ما دامت «قسد» لم تعلن بشكل جاد تنفيذ اتفاق مارس، والاندماج معه.

يُذْكر أن هناك تدخلات دولية وجهوداً يقودها الزعيم مسعود بارزاني، ولكنها تأخرت، ولا يزال التيار المتشدد في «قسد» متمسكاً بالمواجهة الميدانية رغم الخسائر الكبيرة، وفق المصادر المتابعة التي أكدت أن الأمور ميدانياً تتجه نحو سيطرة كامل بمحافظتي حلب والرقة التي بقيت أجزاء منها خارج سيطرة الدولة، ودير الزور وأجزاء من محافظة الحسكة، في حين أن الوساطة الإقليمية والدولية داعمة لتفاهمات قد ترضخ لها «قسد» بناءً على شروط جديد، بحيث ينفَّذ إدماج قوات «قسد» مع الحكومة السورية في أجزاء من محافظة الحسكة فقط، بحسب الباحث وائل علوان.

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق 10 مارس الماضي (إ.ب.أ)

وكانت الولايات المتحدة، لأكثر من عام كامل، متفقة على حل الإشكال مع «قسد» بالطرق الدبلوماسية، وعدم إدخال السوريين بمواجهات عسكرية تؤثر في الاستقرار، لكن تعنت «قسد»، وسيطرة التيار المتشدد فيها على القرار أفقداها كثيراً من الفرص، والولايات المتحدة الآن تتخلص من عبء ثقيل، وهو التيار المتشدد في «قسد» الذي هُزم، وستكون الولايات المتحدة الأميركية بشكل متفاعل مع المتغيرات الجديدة، وستتعامل بواقعية، وستخفف من وجود «قسد» التي تفاوض، ولا تلتزم.