انقسام درزي حول «الجيش الموحّد» في السويداء

فصائل أعلنت انضمامها إليه وأخرى لا تُبدي حماسة... وشكاوى من أنه يضم ضباطاً خدموا في جيش الأسد

قوات الأمن السورية تتابع مرور قافلة الأمم المتحدة لإجلاء عائلات من السويداء عابرة المنطقة العازلة في بصر الحرير بمحافظة درعا جنوب سوريا 23 يوليو (أ.ب)
قوات الأمن السورية تتابع مرور قافلة الأمم المتحدة لإجلاء عائلات من السويداء عابرة المنطقة العازلة في بصر الحرير بمحافظة درعا جنوب سوريا 23 يوليو (أ.ب)
TT

انقسام درزي حول «الجيش الموحّد» في السويداء

قوات الأمن السورية تتابع مرور قافلة الأمم المتحدة لإجلاء عائلات من السويداء عابرة المنطقة العازلة في بصر الحرير بمحافظة درعا جنوب سوريا 23 يوليو (أ.ب)
قوات الأمن السورية تتابع مرور قافلة الأمم المتحدة لإجلاء عائلات من السويداء عابرة المنطقة العازلة في بصر الحرير بمحافظة درعا جنوب سوريا 23 يوليو (أ.ب)

لم تلق عملية البدء بتشكيل ما يُسمى «الجيش الموحّد» في محافظة السويداء، جنوب سوريا، حماساً لدى فصائل محلية كبرى للانضمام إليه، فيما كشف أحدها أن انضمامه «غير وارد حالياً» في ظل غياب الوضوح حول ما هو هذا «الجيش» الذي يعمل على تشكيله شيخ عقل الطائفة الدرزية، حكمت الهجري. كما قال منتقدون إن التشكيل الجديد لن يكون له على الأرجح أي مستقبل كونه سيقتصر على أفراد من الطائفة الدرزية.

وتحدث نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، يوم الثلاثاء، عن بدء الهجري مشروعاً لدمج كافة الفصائل المسلحة في السويداء ضمن «الجيش الموحّد»، قبل أن تعلن فصائل عدة انخراطها ضمنه. يأتي ذلك في وقت تشهد السويداء، ذات الأغلبية السكانية الدرزية، تحولات متسارعة في المشهد السياسي والميداني، بعد الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة منتصف يوليو (تموز) الماضي بين فصائل درزية، وعشائر بدوية وقوات الأمن السورية.

مقاتلون من عشائر البدو في السويداء (أ.ف.ب)

وقالت مصادر معارضة للهجري إن «الجيش الموحّد» هو ذاته «الحرس الوطني» الذي كان يتم العمل على تشكيله منذ أشهر. وتابعت أن الهجري يحاول حالياً «جمع الفصائل تحت إدارة واحدة»، معتبرةً أن هذه المحاولة ستكون فاشلة، وأنها تعتمد على ضباط سابقين كانوا يخدمون في جيش نظام بشار الأسد المخلوع.

وكان «الحرس الوطني»، في بداية تشكيله، يعتمد على ما يُعرف بـ«المجلس العسكري» في السويداء الذي كانت مواقف زعيمه العقيد المنشق طارق الشوفي مؤيدة لسياسات الهجري. لكن خلافات نشبت أخيراً بين الطرفين كما يبدو، ثم تطورت إلى خطف مسلحين للشوفي قبل أن تتدخل فصائل لتأمين الإفراج عنه.

وأوضحت المصادر ذاتها أن «الحرس الوطني» والفصائل الموالية للهجري أبعدوا «المجلس العسكري» عن مسألة تشكيل «الجيش الموحّد»، مشيرةً إلى أن مؤيدين للزعيم الدرزي توجهوا إلى قرى في المحافظة لإقناع الفصائل الناشطة فيها بالانضمام إلى «الجيش الموحّد». وتابعت أن الشباب يتم إغراؤهم للتطوع في التشكيل الجديد براتب شهري مقداره 300 دولار أميركي، موضحةً أن عدداً كبيراً من الشباب سجلوا أسماءهم للتطوع لكن كثيرين منهم تراجعوا لاحقاً لأنه لم يُدفع للمتطوعين سوى راتب الشهر الأول منذ تشكيل «الحرس الوطني».

جانب من مشاهد الدمار في السويداء نتيجة الاشتباكات بين البدو والدروز يوم 19 يوليو (د.ب.أ)

وقالت المصادر المعارضة للهجري إن بعض الفصائل التي انضمت إلى «الجيش الموحّد» كانت مرتبطةً بجهاز الأمن العسكري التابع لنظام الأسد، وإن مقاتليها متهمون بارتكاب تعديات وسرقات والتورط في عمليات خطف في السويداء.

وقالت مصادر في مدينة السويداء تربطها علاقات مع فصائل انضمت إلى «الجيش الموحّد» إن عدد مقاتلي هذا التشكيل الجديد بات يقدر بما بين 4 - 5 آلاف مقاتل. لكن مصادر أخرى قالت لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الرقم مبالغ فيه، إذ إن الفصائل التي انضوت في إطاره قليلة ولا يتجاوز عدد أفراد كل واحد منها 20 مقاتلاً.

ويتقاسم الهجري المرجعية الدينية للدروز في سوريا مع شيخي العقل يوسف جربوع وحمود الحناوي، وقد أبدى مواقف معارضة لسياسة الإدارة السورية التي تسلمت مقاليد السلطة في البلاد بعد الإطاحة بنظام حكم بشار الأسد أواخر العام الماضي.

الشيخ حكمت الهجري (صفحة الرئاسة الروحية)

وصعّد الهجري من معاداته للحكم في دمشق بعد أحداث يوليو (تموز) الماضي التي قتل خلالها مئات المدنيين والمسلحين من العشائر والفصائل الدرزية وعناصر قوات الجيش والأمن العام الحكومية التي تدخلت لفض النزاع الذي وقع بين مسلحين من البدو وآخرين من الدروز.

ورفض الهجري بيانات الحكومة حول الأحداث، واتهمها بارتكاب «جرائم إبادة» في السويداء، وفرض حصار عليها، وهو ما تنفيه الحكومة التي تؤكد أن قوافل المساعدات يتم تنظيمها يومياً إلى المحافظة ذات الغالبية الدرزية. كما طالب الهجري بتحقيق دولي مستقل في ما جرى، وبخروج عناصر الجيش والأمن التابعين للحكومة من المحافظة، وفتح ممر إنساني للسويداء، كما شكر إسرائيل على دعم موقفه ضد الحكومة السورية. ومعلومٌ أن إسرائيل شنت العديد من الغارات على مواقع ومنشآت حيوية سورية خلال الأحداث بحجة حماية دروز سوريا.

وفي أواخر يوليو (تموز) الماضي، أعلنت الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية تشكيل ما تسمى «اللجنة القانونية العليا» و«لجان للإدارة المحلية» في السويداء، قبل أن تعلن في الأسبوع الأول من أغسطس (آب) الحالي تشكيل مجلس تنفيذي جديد للمحافظة وتعيين قائد للأمن الداخلي.

وجاء ذلك في وقت نظّم محتجون مظاهرة في السويداء يوم 16 أغسطس طالبت بـ«تقرير المصير» للمحافظة بما يسمح بانفصالها عن الدولة السورية وإقامة دولة مستقلة. لكن هذه الخطوة لقيت تنديداً من أكثر من طرف.

مواطنون يتظاهرون في مدينة السويداء جنوب سوريا (أ.ف.ب)

بالنسبة إلى «حركة رجال الكرامة»، التي تأسست في عام 2013، ويقودها حالياً الشيخ يحيى الحجار، وتُعد الفصيل المسلح الأكبر عدداً وعتاداً في السويداء، إذ يتراوح عدد مقاتليها بما بين 5 - 8 آلاف مقاتل، فإنها بحسب المتحدث باسمها، باسم أبو فخر، «مع أي خطوة تدعم توحيد الجهود للدفاع عن السويداء، لكن موضوع الانضمام لجسم عسكري موحّد أمرٌ يخضع لماهية هذا الجيش وتوافقه مع مبادئنا وضمانته لكرامة الجميع».

أضاف أبو فخر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «نتوافق مع مبدأ الدفاع عن السويداء من أي تعدٍ، لكن موضوع قيادات هذا الجيش وسلوكياتهم وتنظيمه وآلية عمله كلها أمور تحدد موقفنا من الانضمام أو عدمه. وإلى الآن لم ننضم ولسنا مجبرين على الانضمام في حال لم نتلاءم مع تشكيله». لكن المتحدث أوضح أن «عدم الانضمام لا يعني عدم توحيد الجهود والتنسيق للدفاع عن السويداء».

ولم يخف أبو فخر أن هناك تواصلاً مع القيادات العسكرية للحركة بشأن الانضمام لـ«الجيش الموحّد»، لكنه كان صريحاً بالقول إنه «ليس هناك أي وضوح بشأن هذا الجيش، وهذا ما يجعل فكرة الانضمام (إليه) غير واردة حالياً».

مقاتلون من البدو والعشائر في مدينة السويداء يوليو الماضي (د.ب.أ)

ويوجد في السويداء العديد من الفصائل المسلحة، بعضها تشكل في زمن النظام السابق وبعضها بعد الإطاحة به. وإضافة إلى «حركة رجال الكرامة»، و«الحرس الوطني»، و«المجلس العسكري» (الذي يصل عدد مقاتليه وفق تقارير إلى 5 آلاف)، هناك فصيل «مضافة الكرامة» الذي يقوده الشيخ ليث البلعوس وهو معروف بمواقفه المؤيدة لبسط الدولة سيطرتها على السويداء، ويوافقه في ذلك «تجمع أحرار الجبل» الذي يقوده سليمان عبد الباقي. كما أن هناك فصيل «لواء الجبل» الذي يعد الفصيل الثاني من حيث الحجم والعتاد في السويداء، ويبدي مواقف قريبة من مواقف الهجري، إضافة إلى «درع التوحيد»، وفصائل مسلحة صغيرة لا يتعدى عدد مقاتلي الفصيل منها 20 مسلحاً، منها «قوات شيخ الكرامة» و«قوات العَليا» و«تجمع سرايا الجبل» و«جيش الموحدين».

يضاف إلى كل ذلك ما تسمى «قوى مكافحة الإرهاب» التي توحدت مع فصائل صغيرة، وأعلنت رفضها لحكومة دمشق.

عائلة بدوية نزحت من السويداء إلى ريف درعا يوم 15 أغسطس الحالي (أ.ب)

ويوم الثلاثاء أعلن «لواء الجبل»، في بيان نشره على صفحته في موقع «فيسبوك»، انضمامه إلى «الجيش الموحّد»، وذكر أن الأخير يحظى بمباركة الهجري. ولم يرد قائده شكيب عزام على عدة اتصالات أجرتها معه «الشرق الأوسط» لمعرفة تفاصيل انضمام فصيله إلى «الجيش الموحّد».

ورأى الخبير والمحلل العسكري العقيد المنشق، أحمد محمد ديب حمادة، أن ما يجري هو أن «مجموعات خارجة عن القانون تأتمر بأمر الهجري تحاول أن تنظم نفسها ضمن جيش سموه (الجيش الموحّد)، بعد محاولات لتكريس إدارة أو حكم محلي في المنطقة». وذكر حمادة لـ«الشرق الأوسط» أن «إسرائيل لا تغيب عن هذه المحاولات نهائياً، ذلك أن هناك معلومات تحدثت عن أنها ستدعم مجموعات قتالية في تلك المنطقة على هيئة جيش دفاعي مدعوم لوجستياً ويتم تدريبه كذلك من قبل ضباط دروز في فلسطين المحتلة». وأضاف: «هي محاولات إسرائيلية تتماهى مع توجه بعض الجهات في السويداء مع حالة انفصالية غير صحية، رغم أن الموقف الإقليمي والدولي يرفض هذه الأمور ويقول بوحدة الأراضي السورية. سوريا متمسكة بأراضيها بشكل كامل وكذلك بشعبها بمن فيهم الدروز، ولا يمكن أن يتم السماح بالتقسيم»، حسب رأيه.

ووصف حمادة «الجيش الموحّد» بأنه «جيش طائفي» كونه سيضم مجموعات مقاتلة تنتمي إلى طائفة محددة، مضيفاً: «لا أرى أي مستقبل لهذا الجيش لأن الجيش يكون دائماً يتبع لدولة، وهؤلاء ليست لديهم أي مقومات (لدولة)، لكن إسرائيل تريد أن تستخدمهم من أجل مصالحها والضغط على الدولة السورية بهدف تفتيتها وبقائها ضعيفة».


مقالات ذات صلة

أحكام إعدام وسجن جديدة لمدانين بأحداث الساحل السوري

العالم العربي فريق قضاة الجلسة المخصصة للنطق بالأحكام بحق مجموعة من المتهمين بارتكاب انتهاكات في الساحل السوري وذلك في مقر القصر العدلي بحلب الخميس  (وزارة العدل)

أحكام إعدام وسجن جديدة لمدانين بأحداث الساحل السوري

أصدر القضاء السوري الخميس حكمين بالإعدام بحقّ اثنين من الموالين للحُكم السابق وقضى بالسجن عشرين عاماً على متهم آخر من عناصر وزارة الدفاع الحالية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)
المشرق العربي انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)

الحسكة: «المكوّن العربي» يشكو استمرار «هيمنة قسد»

أكد نائب محافظ الحسكة السورية، أحمد الهلالي، السبت، أن مطالب الأهالي، خلال المظاهرات التي خرجت الجمعة، «مشروعة»، نافياً سيطرة «قسد» على المحافظة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي رجل أمن يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)

من المستفيد من نشر الفوضى في سوريا؟

لائحة المستفيدين من إضعاف الحكم السوري تشمل «داعش» وإسرائيل وإيران وبقايا نظام الأسد... وتشديد على ضرورة سرعة المعالجة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

أعلنت السلطات الأمنية السورية عن تنفيذ سلسلة عمليات ضمن حملة لملاحقة ضباط سلاح الجو السابق، أسفرت عن توقيف 16 ضابطاً بينهم قادة، خلال أقل من شهر.

سعاد جروس (دمشق)

مجموعات خارجة عن القانون في السويداء تمنع وفداً أممياً من الدخول

عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
TT

مجموعات خارجة عن القانون في السويداء تمنع وفداً أممياً من الدخول

عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)
عناصر من «الحرس الوطني» التابع للشيخ الهجري في السويداء (أرشيفية - السويداء 24)

قال موقع قناة الإخبارية السورية إن «المجموعات الخارجة عن القانون في السويداء» منعت، اليوم الأحد، وفداً أممياً إنسانياً مشتركاً من الدخول إلى المدينة بذريعة «عدم التنسيق معهم».

ضم الوفد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية برفقة منظمات دولية، وجرى التنسيق مع فريق الهلال الأحمر السوري فرع السويداء لمرافقتهم بالزيارات الميدانية في مدينة السوبداء وشهبا وقرية عرى.

وأوقفت المجموعات الوفد الأممي لمدة تتراوح بين ساعتين و3 ساعات عند حاجز أم الزيتون قبل تبليغه منع الدخول، وذلك عقب عبور الوفد حاجز «المتونة» التابع لمديرية أمن السويداء.

صورة نشرتها «السويداء 24» لعناصر «الحرس الوطني» (الهجري) على دوار العنقود في مدينة السويداء يمنعون الطلاب من التوجه إلى مراكز الامتحانات بريف السويداء

يذكر أن المجموعات الخارجة عن القانون التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري، منعت في 10 سبتمبر (أيلول) الماضي دخول الشاحنات التجارية المحملة بالمواد الأساسية والمحروقات إلى محافظة السويداء، حسب ما أفاد به مراسل الإخبارية حينذاك. وتزامن منع دخول القوافل التجارية إلى المدينة مع قيام المجموعات الخارجة عن القانون في السويداء بمنع نحو 12 ألف طالب من التوجه إلى المراكز الامتحانية لتقديم الامتحانات الاستثنائية الخاصة بطلاب السويداء.


نتنياهو يشكِّك في قدرة حكومة لبنان على نزع سلاح «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو يشكِّك في قدرة حكومة لبنان على نزع سلاح «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم ثقته بقدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح «حزب الله»، مؤكداً أن إسرائيل ستواصل البقاء فيما وصفه بالمنطقة الأمنية في جنوب لبنان.

جاء ذلك بالتزامن مع رفع الجيش الإسرائيلي مستوى جهوزيته على الحدود الشمالية مع لبنان، وتعزيز قواته تحسباً لاحتمال تصعيد جديد. ويترافق هذا المشهد مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على قرى الجنوب، في وقت تتحدث فيه تقديرات إسرائيلية عن احتمال مبادرة «حزب الله» إلى هجوم ضد القوات الإسرائيلية، وسط ترقب لمسار التطورات الميدانية.

«إسرائيل ستبقى في المنطقة الأمنية»

وفي مقابلة إذاعية مع «راديو الشمال» الإسرائيلي، قال نتنياهو، رداً على سؤال عن مدى ثقته بالحكومة اللبنانية: «لا، لا أثق بأنهم سينزعون سلاح (حزب الله)»، مؤكداً أن إسرائيل ستبقى في المنطقة الأمنية ما دام لم يتم نزع سلاح الحزب. واعتبر أن الوجود العسكري الإسرائيلي يهدف إلى منع الحزب من إعادة بناء قدراته العسكرية وتهديد البلدات الشمالية؛ مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي أقام منطقة أمنية وصفها بأنها خالية من المنظومات الإرهابية، وأن عدداً من القرى التي كانت -حسب قوله- معاقل للحزب، لم تعد كذلك.

وشدد نتنياهو على أن الجيش الإسرائيلي سيواصل تنفيذ عملياته ضد «حزب الله» كلما اقتضت الحاجة، معتبراً أن الحزب أصبح أضعف مما كان عليه سابقاً، ولكنه أشار إلى استمرار التحديات الأمنية، ولا سيما ما يتعلق بالطائرات المُسيَّرة التي يستخدمها الحزب.

الجيش الإسرائيلي ينفِّذ تفجيراً كبيراً في زوطر الشرقية (الوكالة الوطنية للإعلام)

رفع مستوى التأهب

وفي موازاة هذه التصريحات، أفادت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بأن الجيش رفع مستوى التأهب على الجبهة الشمالية؛ حيث تنتشر الفرقتان 36 و91 في هضبة الجولان وجنوب لبنان، مع تعزيز القوات بوحدات إضافية، بينها كتائب من لواء غولاني ووحدات تدريب.

ونقلت الصحيفة عن مصادر لبنانية قولها إن «حزب الله» يوسِّع استعداداته العسكرية، بما يشمل تجنيد عناصر وإعداد منظومات دفاعية في مناطق مختلفة من البقاع، وعلى امتداد الساحل، وفي الضاحية الجنوبية لبيروت. كما أوردت تقديرات إسرائيلية تتحدث عن احتمال مبادرة الحزب إلى هجوم قد يستهدف موقعاً عسكرياً أو دورية إسرائيلية، وصولاً إلى محاولة خطف جنود.

وربطت هذه التقديرات التصعيد المحتمل بالدور الإيراني، بينما تحدث مصدر عسكري إسرائيلي عن ضرورة إبقاء القوات في حالة يقظة فترة طويلة.

دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

مواصلة الاعتداءات الإسرائيلية

ميدانياً، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان؛ إذ استهدف القصف المدفعي بلدة المنصوري وأطراف بلدة زبقين في قضاء صور، كما طالت القذائف الثقيلة وسط المنصوري وأطراف بلدات برعشيت وحداثا وحاريص. وسُمع دوي انفجار ضخم في بلدة القنطرة بقضاء مرجعيون، بينما نفَّذت القوات الإسرائيلية عملية نسف عنيفة في بلدة الخيام ليلاً، وفجَّرت مدرسة المبرَّات في البلدة عند منتصف الليل.


وزير الخارجية الفرنسي يبحث في بيروت صيغة جديدة بعد الـ«يونيفيل»

رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
TT

وزير الخارجية الفرنسي يبحث في بيروت صيغة جديدة بعد الـ«يونيفيل»

رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)
رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)

واصل وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، والوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية أليس روفو، والوفد المرافق، لقاءاتهم في بيروت، في زيارة يتصدر جدول أعمالها مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة «يونيفيل»، والجهود الفرنسية الرامية إلى تفادي أي فراغ أمني في المنطقة، وضمان استمرار آلية دولية تواكب تنفيذ القرار 1701.

وبعدما التقى الوفد الفرنسي مساء السبت رئيس الجمهورية جوزيف عون، عقد الأحد لقاءين مع رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، تركز البحث خلالهما على سبل تعزيز الدعم الدولي للبنان، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، في ظل المخاوف من تداعيات انتهاء مهمة الـ«يونيفيل» قبل استكمال تطبيق القرار الدولي.

سلام: منع الفراغ ودعم الجيش وإعادة الإعمار

في السرايا الحكومي، بحث رئيس الحكومة نواف سلام مع بارو وروفو والوفد المرافق، بحضور السفير الفرنسي في لبنان باتريك دوريل، ووزير الثقافة غسان سلامة، آخر التطورات اللبنانية والإقليمية، مع تركيز على الترتيبات الدولية لمرحلة ما بعد «يونيفيل».

وشدد سلام على ضرورة تفادي أي فراغ في جنوب لبنان، وضمان استمرار حضور دولي يتولى مهام المراقبة والإفادة والتواصل، تحت مظلة قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي. ويأتي هذا الموقف في إطار المساعي اللبنانية للتوصل إلى صيغة تضمن استمرارية الدور الدولي، وتمنع نشوء واقع أمني جديد في المنطقة الحدودية.

كما ثمّن سلام استمرار الدعم الفرنسي للبنان، ولا سيما الجهود الرامية إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحدها. وأكد أهمية مواصلة دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، بما يمكّنه من الاضطلاع بمسؤولياته الأمنية.

وتناول اللقاء كذلك ملف التعافي وإعادة الإعمار في الجنوب، مع التشديد على ضرورة استعادة الخدمات الأساسية وتثبيت الأهالي في أرضهم وتعزيز حضور مؤسسات الدولة. أما اقتصادياً، فجرى البحث في الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تنفذها الحكومة، وأهمية التوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي.

من جهته، جدد بارو تأكيد دعم فرنسا لسيادة لبنان واستقراره، واستعداد بلاده لمواصلة مساندة الدولة والجيش، والمساهمة في بلورة الترتيبات الدولية المقبلة، إلى جانب دعم الإصلاحات والتعافي وإعادة الإعمار.

بري: التمسك بـ«يونيفيل» ورفض أي فراغ

وبعد الظهر، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري الوفد الفرنسي، بحضور السفير دوريل ومستشار رئيس المجلس محمود بري، حيث تناول البحث التطورات السياسية والميدانية في لبنان والمنطقة، والعلاقات الثنائية، وموقف لبنان المتمسك ببقاء قوات «يونيفيل».

وشكر بري فرنسا والرئيس إيمانويل ماكرون على دعمهما للبنان، منوهاً بتضحيات الوحدة الفرنسية المشاركة في القوة الدولية، ودور جنود الـ«يونيفيل» على مدى أكثر من 48 عاماً في تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ولا سيما القرارين 425 و1701.

وأكد أن دور القوات الدولية لا يقتصر على الجانب الأمني والعسكري، بل يشمل أيضاً أدواراً إنسانية وثقافية واقتصادية واجتماعية. وشدد على أن لبنان الرسمي واللبنانيين موحدون في التمسك ببقاء هذه القوات، داعياً إلى دور فرنسي وأوروبي ودولي وإقليمي لتجنب الفراغ الذي قد ينجم عن انتهاء ولايتها قبل استكمال تطبيق القرار 1701.

وفي موقف يعكس المخاوف اللبنانية من المرحلة المقبلة، أشار بري إلى أن لبنان التزم بالقرار الدولي، فيما تواصل إسرائيل خرقه وانتهاك بنوده، فضلاً عن استمرار الحرب واحتلال مساحات من الجنوب. وشدد على ضرورة توحيد الجهود لوقف العدوان وإلزام إسرائيل بتنفيذ القرارات الدولية، لا الإطاحة بها.

وكان عون قد أكد، خلال استقباله بارو وروفو مساء السبت، ترحيب لبنان بأي جهد فرنسي داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن للتوصل إلى صيغة تمنع الفراغ الأمني. وجدد تمسكه بتمديد ولاية يونيفيل، مع الاستعداد لبحث أي صيغة بديلة تضمن استمرار الوجود الدولي في الجنوب، وتفادي وضع الجيش اللبناني على تماس مباشر مع الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة.

وتكتسب هذه اللقاءات أهمية في ضوء قرار مجلس الأمن الصادر في أغسطس (آب) 2025 إنهاء ولاية «يونيفيل» بحلول نهاية عام 2026. وكانت فرنسا وإيطاليا قد أعلنتا في شهر يونيو (حزيران) عزمهما العمل على إنشاء قوة متعددة الجنسيات بعد انتهاء المهمة الأممية، فيما تؤكد باريس ضرورة إرساء هيكلية دولية جديدة لدعم سيادة لبنان وتجنب فراغ أمني قد تترتب عليه تداعيات سلبية على الاستقرار في الجنوب.