جدل حول تعيين شخصية فلسطينية لإدارة حكم قطاع غزة

من هو سمير حليلة صاحب الاسم المطروح؟

فلسطيني يعطي طفلاً شربة ماء من كيس اشتراه بشيقل في أجواء بالغة الحرارة بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ب)
فلسطيني يعطي طفلاً شربة ماء من كيس اشتراه بشيقل في أجواء بالغة الحرارة بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ب)
TT

جدل حول تعيين شخصية فلسطينية لإدارة حكم قطاع غزة

فلسطيني يعطي طفلاً شربة ماء من كيس اشتراه بشيقل في أجواء بالغة الحرارة بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ب)
فلسطيني يعطي طفلاً شربة ماء من كيس اشتراه بشيقل في أجواء بالغة الحرارة بمدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ب)

أثار تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الثلاثاء، ويحمل معلومات نقلاً عن منظمة «شومريم» أو «الحراس» اليهودية الأميركية حول تعيين شخصية فلسطينية لإدارة القطاع جدلاً واسعاً ما بين تأكيد ونفي.

فبينما نفى مصدر مسؤول في الرئاسة الفلسطينية صحة ما نُقل عن تعيين رجل الأعمال الفلسطيني سمير حليلة حاكماً لقطاع غزة بعلم من القيادة الفلسطينية، أكد حليلة بنفسه خلال لقاءات مع إذاعات محلية في رام الله أن هناك لقاءات واتصالات جرت بهذا الصدد، بهدف الانتقال لليوم التالي للحرب، لكنها لم تفضِ إلى نتائج.

وشدد المصدر الفلسطيني الرسمي على أن «الجهة الوحيدة المخولة بإدارة قطاع غزة هي دولة فلسطين ممثلةً بالحكومة أو لجنتها الإدارية المتفق عليها والتي يرأسها وزير في الحكومة»، مؤكداً أن أي تعاطٍ مع غير ذلك «يعدّ خروجاً عن الخط الوطني، ويتساوق مع ما يريده الاحتلال الذي يريد فصل غزة عن الضفة، وتهجير سكانها»، مؤكداً أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية.

فلسطينيون يتدافعون للحصول على مساعدات من شاحنة في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

وقال حليلة، في مقابلة مع إذاعة «أجيال» المحلية، إنه تلقى بالفعل اتصالاً قبل أشهر من مقاول كندي يعمل مع الإدارة الأميركية للبحث عن شخص لتولي إدارة قطاع غزة يكون مقبولاً لدى كل الأطراف، كأحد شروط وقف الحرب.

وأشار إلى أنه ناقش العرض مباشرةً مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس للحصول على دعمه ومباركته، دون أن يوضح ما إذا كان قد وافق أو رفض، مكتفياً بالتأكيد على أن المطلوب مباركة الأطراف وليس موافقتهم ليسير المقترح قدماً.

وأضاف أنه ليس لديه اتصالات مباشرة مع حركة «حماس»، مشيراً إلى استعداده لتنفيذ ما يُطلب منه بهذا الشأن فلسطينياً وعربياً ودولياً.

ولم تعلق «حماس» على تلك الأنباء، سواء المتعلقة بالتقرير العبري، أو بتصريحات حليلة نفسه.

وقال حليلة، في مقابلة أخرى مع إذاعة «راديو الناس» المحلية: «تلقّيت عرضاً من البيت الأبيض يتعلّق بإدارة شؤون اليوم التالي في غزة، وتواصلت مع السلطة الفلسطينية في هذا الشأن. تم طرح اسمي لأنني مستقل سياسياً».

وأضاف: «اشترطت على الأميركيين قبول الشرعية الفلسطينية، وتوفير قوات عربية في القطاع لفرض الأمن والسلطة في غزة».

من أين بدأت المبادرة؟

وفقاً لما هو منشور في «يديعوت أحرونوت»، نقلاً عن منظمة «شومريم» المعنية بالقضية، فإن وثائق قُدمت إلى وزارة العدل الأميركية في الأشهر الأخيرة تشير لتحركات تتعلق بتنصيب حاكم جديد لغزة، يكون مقبولاً لدى إسرائيل والولايات المتحدة والأطراف العربية، بما يسمح بالتقدم نحو «اليوم التالي» للحرب بغزة.

وأشارت إلى أن آري بن مناشيه، الناشط في جماعات الضغط والذي يعمل من كندا، هو من يقود هذا الحراك، وقالت إن المبادرة اكتسبت زخماً في الأسابيع الأخيرة، ويعود ذلك جزئياً إلى اجتماعات عُقدت بهذا الشأن في الولايات المتحدة، واتصالات أجراها حليلة بنفسه.

فلسطينيون يحاولون الحصول على مياه بمنطقة مواصي خان يونس بجنوب قطاع غزة وسط حرارة لافحة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وبن مناشيه إسرائيلي وُلد في إيران، وصنع لنفسه في الماضي اسماً في سياقات لم تكن غالبيتها إيجابية، كما تذكر صحيفة «يديعوت أحرونوت» التي أشارت إلى أنه اتُّهم في أوائل الثمانينات بالتورط في قضية «إيران غيت»، وحوكم في الولايات المتحدة، وتمت تبرئته، وحينها هاجر إلى أستراليا ثم إلى كندا.

وادعى بن مناشيه أنه عمل سابقاً لحساب جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) ورئيس الوزراء الأسبق إسحاق شامير، ثم فنَّدت إسرائيل مزاعمه تلك ونفتها بشدة.

وبحسب الوثائق المقدمة لوزارة العدل الأميركية، فإن بن مناشيه سجل نفسه كجماعة ضغط لصالح حليلة قبل عدة أشهر، ضمن حملة بهدف التأثير على صناع القرار في الولايات المتحدة للترويج لترشيحه لمنصب حاكم غزة، في مبادرة ترتكز على فكرة أن جميع الأطراف المعنية تُفضل أن يدير القطاع شخصية فلسطينية مقبولة عربياً وأميركياً.

وبحسب الصحيفة العبرية، فإن هذه الخطوة أُطلقت العام الماضي، في نهاية ولاية الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، لكنها لم تكتسب زخماً إلا بعد وصول دونالد ترمب للبيت الأبيض.

تفاصيل الخطة

تُظهر الوثائق التي قدمها بن مناشيه أن الخطة تتضمن نشر قوات أميركية وعربية بغزة، واعتراف الأمم المتحدة بوضع غزة الخاص، ومن ثم يمكن أن تمثل حلاً لاعتراض إسرائيل على دخول السلطة الفلسطينية رسمياً إلى قطاع غزة.

وقال حليلة لمنظمة «شومريم» إن المبادرة نفسها كانت فكرة بن مناشيه الذي جاء من كندا لمقابلته، وعرض عليه الفكرة، وقبلها، مشيراً إلى أنه دفع لبن مناشيه حتى الآن 130 ألف دولار للترويج للفكرة. وذكرت منظمة «شومريم» أن إجمالي قيمة العقد المبرم بين حليلة وشركة بن مناشيه تبلغ نحو 300 ألف دولار.

ويقول حليلة إن نجاح هذه الخطة مرتبط بشكل أساسي بالتزام الأطراف بوقف دائم للنار وإنهاء الحرب، من أجل الحديث عن اليوم التالي، بحيث يكون قادراً على إدارة قطاع غزة وإعماره بدعم عربي ودولي، وإدخال المساعدات بشكل منظَّم، وفتح معابر حرة للبضائع من دون قيود إسرائيلية، وإعادة فرض القانون والنظام، بما يضمن عدم وجود أي سلاح سوى للجهة الأمنية التي ستحكم القطاع، بما في ذلك أسلحة «حماس» و«الجهاد الإسلامي».

فلسطيني يحمل جثمان أخته التي سقطت في هجوم إسرائيلي وذلك خلال تشييعها بمدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

ورأى أن هناك بصيص أمل في التقدم نحو ذلك، بعد أن أصبحت إسرائيل أكثر انفتاحاً لأول مرة لمناقشة إنهاء الحرب.

حليلة في سطور

سمير حليلة من مواليد أريحا عام 1957، ويقيم في رام الله، وهو خبير اقتصادي، وشخصية سياسية وتجارية معروفة في أوساط الفلسطينيين خاصةً بالضفة الغربية، وله علاقات واسعة في السلطة الفلسطينية، إلى جانب علاقاته التجارية الممتدة داخلياً وخارجياً.

شغل حليلة مناصب حكومية، منها منصب الأمين العام للحكومة الفلسطينية في حكومة رئيس الوزراء الأسبق أحمد قريع عامي 2005 و2006، ووكيل وزارة الاقتصاد من عام 1994 إلى 1997، ورئيس مجلس إدارة المعهد الفلسطيني لأبحاث السياسات الاقتصادية، وعضو مجلس إدارة مركز التجارة الفلسطيني، والرئيس التنفيذي لشركة «باديكو» أكبر شركة قابضة في الأراضي الفلسطينية، ورئيس مجلس إدارة بورصة فلسطين من أغسطس (آب) 2022 إلى مارس (آذار) 2025.

دخان يتصاعد من مبان دمرتها ضربة إسرائيلية في غزة يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)

ويعدّ حليلة مقرباً جداً من رجل الأعمال بشار المصري، الملياردير الفلسطيني الذي يحمل الجنسية الأميركية، والذي كان وراء إنشاء مدينة روابي الفلسطينية، أكبر مشروع للقطاع الخاص في الأراضي الفلسطينية، والمعروف بصلاته الجيدة بإدارة ترمب، وله علاقات مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وآدم بوهلر، وكان يلعب دوراً في محاولات التوصل لاتفاق بين «حماس» والولايات المتحدة، خاصةً في قضية الرهينة عيدان ألكسندر الذي يحمل الجنسية الأميركية والذي أُفرج عنه مؤخراً بمشاركة رجال أعمال آخرين منهم بشارة بحبح.


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطيني يحمل جثمان فتى (12 عاماً) قُتل برصاص إسرائيلي خلال تشييعه خارج «مستشفى الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)

فوضى واستقالات «ممنوعة» في «لجنة غزة»

علمت «الشرق الأوسط» من مصدرين مطلعين أن عضوين على الأقل في «اللجنة الوطنية» من سكان قطاع غزة، قدما استقالتَيهما لرئيس اللجنة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص «حماس» متشبثة بـ«جدول زمني» لالتزامات إسرائيل قبل «نزع السلاح»

بلورت «حماس» رداً على مطالبتها والفصائل الفلسطينية ببدء «نزع السلاح» وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الرد يرتكز على «التشبث بجدول زمني» لالتزامات إسرائيل أولاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليو الرابع عشر بعد هبوطه في مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائر... 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:51

رئيس الجزائر: أدعو مع البابا ليو بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان

دعا الرئيس الجزائري، خلال لقائه بابا الفاتيكان، بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع الفلسطيني، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحظي قرار سلطات كوسوفو بموافقة البرلمان الذي صوّت بالإجماع على تشريع يجيز انضمام عناصر من قوى الأمن في كوسوفو إلى قوّة دولية لإرساء الاستقرار بقيادة أميركية، في حال تشكّلها.

وقد تضمّ هذه البعثة في المجموع نحو 20 ألف جندي، بينهم 8 آلاف إندونيسي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا يحدّد التشريع عدد العناصر الذين يمكن إرسالهم إلى غزة. وحسب وسائل الإعلام، تعتزم الحكومة إرسال 22 عنصراً.

أما في البوسنة فقد تطرّق وزير الدفاع، زوكان هيليز، إلى هذه المسألة خلال اجتماع في واشنطن مع المسؤول عن الشؤون السياسية العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية، ستانلي براون.

وقال هيليز في بيان: «بلغت التحضيرات لهذه المهمّة مرحلة متقدّمة، ونتوقّع أن يشارك فيها أكثر من 60 عنصراً من القوّات المسلّحة في البوسنة والهرسك. وهذا إسهام ملحوظ من بلدنا في السلم والأمن الدوليين».

وقد حظيت مشاركة البوسنة في هذه القوّة بموافقة السلطات في يناير (كانون الثاني).

والتأم «مجلس السلام» الذي أُنشئ أساساً للمساعدة في إعمار غزة بعد الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، للمرّة الأولى في واشنطن في فبراير (شباط)، بغية مناقشة سبل تمويل هذه المبادرة وإيفاد عسكريين أجانب إلى القطاع.

وتعهّدت، حينها، إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، المشاركة في القوة.

وما زال تنفيذ هذه المرحلة من خطّة السلام الأميركية في النطاق الافتراضي، مع تمسّك كلّ من إسرائيل و«حماس» بمطالب متناقضة، وتبادلهما التهم بخرق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد سنتين من حرب طاحنة شهدها القطاع الفلسطيني، إثر هجوم غير مسبوق لـ«حماس» على الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023.


عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».