تقرير: الوكالة الأميركية للتنمية لم تجد أي دليل على سرقة «حماس» لمساعدات غزة

أفراد يقفون على ظهور شاحنات المساعدات في شمال قطاع غزة (رويترز)
أفراد يقفون على ظهور شاحنات المساعدات في شمال قطاع غزة (رويترز)
TT

تقرير: الوكالة الأميركية للتنمية لم تجد أي دليل على سرقة «حماس» لمساعدات غزة

أفراد يقفون على ظهور شاحنات المساعدات في شمال قطاع غزة (رويترز)
أفراد يقفون على ظهور شاحنات المساعدات في شمال قطاع غزة (رويترز)

لم يتوصل تحليل داخلي أجرته الحكومة الأميركية إلى أي دليل على ضلوع حركة «حماس» في سرقة ممنهجة للإمدادات الإنسانية الممولة من الولايات المتحدة، وهو ما يشكك في الحجة الرئيسية التي تطرحها إسرائيل وواشنطن لدعم آلية مساعدات خاصة مسلحة جديدة.

وأجرى مكتب تابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية هذا التحليل، الذي لم يُنشر من قبل، واكتمل في أواخر يونيو (حزيران). ودرس التحليل 156 واقعة سرقة أو فقدان لإمدادات ممولة من الولايات المتحدة، التي أبلغت عنها منظمات مساعدات أميركية شريكة في الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 حتى مايو (أيار) من هذا العام.

ووفقاً لمقاطع عرض للنتائج، اطلعت عليها وكالة «رويترز»، لم يجد التحليل «أي تقارير تزعم أن (حماس) استفادت من الإمدادات الممولة من الولايات المتحدة».

ونفى متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية صحة هذه النتائج، مؤكداً وجود أدلة مصورة على نهب «حماس» للمساعدات، لكنه لم يقدم أي فيديوهات. واتهم المتحدث المنظمات الإنسانية التقليدية بالتستر على «فساد المساعدات».

وشككت المتحدثة باسم البيت الأبيض في وجود هذا التحليل، قائلة إنه لم يُعرض على أي مسؤول في وزارة الخارجية، وإنه «من المرجح أن يكون أحد عملاء الدولة العميقة قد أعده» في مسعى لتشويه «أجندة (الرئيس دونالد ترمب) الإنسانية».

وقال مصدران مطلعان على الأمر إنه جرى تسليم النتائج لمكتب المفتش العام للوكالة الأميركية للتنمية الدولية ومسؤولي وزارة الخارجية المعنيين بسياسة الشرق الأوسط، وذلك في الوقت الذي يتفاقم فيه النقص الحاد في الغذاء في القطاع المدمر.

وتقول إسرائيل إنها ملتزمة بالسماح بدخول المساعدات، لكن يتعين عليها السيطرة عليها لمنع سرقتها من قبل «حماس». وتحمّل إسرائيل الحركة الفلسطينية مسؤولية الأزمة.

طفلان فلسطينيان يركضان أمام شاحنة مساعدات متحركة أثناء جمعهما للمنتجات التي سقطت على الطريق في رفح بغزة (رويترز)

ويقول برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة إن ما يقرب من ربع سكان غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة يواجهون ظروفاً أشبه بالمجاعة، ويعاني الآلاف من سوء التغذية الحاد، وتتحدث منظمة الصحة العالمية وأطباء في القطاع عن وفاة أطفال وآخرين بسبب الجوع.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة أيضاً إلى أن القوات الإسرائيلية قتلت أكثر من ألف شخص كانوا يسعون للحصول على إمدادات غذائية، أغلبهم بالقرب من مواقع التوزيع العسكرية التابعة لـ«مؤسسة غزة الإنسانية»، وهي منظمة مساعدات خاصة جديدة تستعين بخدمات شركة لوجستية أميركية ربحية، يديرها ضابط سابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية ومحاربون قدامى في الجيش الأميركي.

وأجرى التحليل مكتب المساعدات الإنسانية التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي كانت أكبر ممول للمساعدات المقدمة لغزة، قبل أن تُجمد إدارة الرئيس دونالد ترمب جميع المساعدات الخارجية الأميركية في يناير (كانون الثاني)، مُنهيةً بذلك آلاف البرامج.

وشرعت الإدارة أيضاً في تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي أُدمجت وظائفها ضمن وزارة الخارجية.

ووفقاً لشرائح العرض الموجزة، خلص التحليل إلى أن ما لا يقل عن 44 من أصل 156 واقعة جرى فيها الإبلاغ عن سرقة أو فقدان إمدادات المساعدات كانت «بشكل مباشر أو غير مباشر» بسبب الإجراءات العسكرية الإسرائيلية. ولم يرد الجيش الإسرائيلي على أسئلة بشأن هذه النتائج.

وأشار التحليل إلى وجود نقطة ضعف، وهي؛ بما أن الفلسطينيين الذين يتلقون المساعدات لا يمكن التحقق منهم، فمن الممكن أن تذهب الإمدادات الممولة من الولايات المتحدة إلى مسؤولين إداريين في حركة «حماس» التي تدير قطاع غزة.

فلسطينيون يحملون إمدادات مساعدات من مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة في خان يونس (رويترز)

وحذّر مصدر مطلع على التحليل أيضاً من أن عدم ورود تقارير عن تحويل مسار المساعدات على نطاق واسع من جانب «حماس» «لا يعني أن التحويل لم يحدث».

وبدأت الحرب في غزة بعد أن قادت «حماس» هجوماً على إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي تقول الإحصاءات الإسرائيلية إنه أسفر عن مقتل 1200 شخص واحتجاز 251 رهينة. ووفقاً لمسؤولي الصحة الفلسطينيين، قُتل ما يقرب من 60 ألف فلسطيني منذ بدء الحملة الإسرائيلية.

إسرائيل: «حماس» تحول المساعدات لمقاتليها

قالت إسرائيل، التي تتحكم في الدخول إلى غزة، إن «حماس» تسرق إمدادات غذائية من الأمم المتحدة ومنظمات أخرى للسيطرة على المدنيين وزيادة مواردها المالية بطرق تشمل رفع أسعار السلع وإعادة بيعها للمدنيين.

ورداً على سؤال عن تقرير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، قال الجيش الإسرائيلي، لوكالة «رويترز»، إن اتهاماته لـ«حماس» تستند إلى تقارير مخابرات تشير إلى أن مقاتلي الحركة استولوا على شحنات من خلال التسلل «سراً وعلناً» إلى شاحنات المساعدات.

وذكر الجيش الإسرائيلي أن هذه التقارير تظهر أيضاً أن «حماس» حوّلت ما يصل إلى 25 في المائة من إمدادات المساعدات إلى مقاتليها أو باعتها لمدنيين، مضيفاً أن «مؤسسة غزة الإنسانية» أنهت سيطرة المسلحين على المساعدات عن طريق توزيعها مباشرة على المدنيين.

وتنفي «حماس» هذه الاتهامات. وقال مسؤول أمني من الحركة إن إسرائيل قتلت أكثر من 800 من أفراد الشرطة وحراس الأمن التابعين لـ«حماس» أثناء محاولتهم حماية مركبات المساعدات وطرق القوافل بعد تنسيق مهامهم مع الأمم المتحدة.

ولم تتمكن «رويترز» من التحقق بشكل مستقل مما تقوله «حماس» وإسرائيل التي لم تقدم علناً أي دليل على أن مقاتلي الحركة سرقوا المساعدات بشكل ممنهج.

ودفاعاً عن نموذجها في التوزيع، تتهم «مؤسسة غزة الإنسانية» أيضاً «حماس» بسرقة كميات ضخمة من المساعدات. ورفضت الأمم المتحدة ومنظمات أخرى دعوات من المؤسسة وإسرائيل والولايات المتحدة للتعاون مع «مؤسسة غزة الإنسانية»، قائلة إنها تنتهك مبادئ الحياد الإنساني الدولي.

مسلحون فلسطينيون يحرسون شاحنات مُحمَّلة بالمساعدات دخلت قطاع غزة من معبر زيكيم (أ.ف.ب)

ورداً على طلب للتعليق، أحالت المؤسسة «رويترز» إلى مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» في الثاني من يوليو (تموز)، نقل عن مواطن من غزة ومسؤولين إسرائيليين مجهولين قولهم إن «حماس» تربحت من مبيعات المساعدات الإنسانية المسروقة والضرائب التي فرضتها عليها.

شرط الإبلاغ عن السرقة أو الفقد

قدمت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات إنسانية أخرى تعمل في غزة 156 بلاغاً عن سرقة الإمدادات أو فقدها لأنه شرط لتلقي أموال المساعدات الأميركية. وراجع مكتب المساعدات الإنسانية هذه البلاغات.

وقال المصدر المطلع الثاني إن موظفي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية تابعوا مع المنظمات الشريكة، في محاولة لتحديد ما إذا كانت «حماس» متورطة في سرقة أو فقدان مساعدات ممولة من الولايات المتحدة، وذلك بعد تلقي بلاغات.

وأضاف المصدر أن هذه المنظمات ربما «تعيد توجيه أو وقف» توزيع المساعدات إذا علمت بوجود «حماس» في المنطقة.

ومطلوب من منظمات الإغاثة العاملة في غزة التحقق من أن موظفيها والمتعاقدين معها من الباطن والموردين لا تربطهم أي علاقات «بجماعات متطرفة» قبل تلقيهم الأموال الأميركية، وهو شرط تغاضت عنه وزارة الخارجية الأميركية عند موافقتها على 30 مليون دولار لصالح «مؤسسة غزة الإنسانية» الشهر الماضي.

وأشار العرض التقديمي إلى أن شركاء الوكالة يميلون إلى المبالغة في الإبلاغ عن تحويل المساعدات وسرقتها من الجماعات الخاضعة لعقوبات أو التي تصنفها الولايات المتحدة تنظيمات إرهابية أجنبية، مثل «حماس» وحركة «الجهاد الإسلامي في فلسطين»، لأنهم يريدون تجنب خسارة التمويل الأميركي.

وجاء في العرض أن من بين وقائع السرقة أو الفقدان المبلغ عنها، وعددها 156 واقعة، نُسب 63 منها إلى مجهولين، و35 إلى عناصر مسلحة، و25 إلى أشخاص عُزل، و11 إلى عمل عسكري إسرائيلي مباشر، و11 إلى متعاقدين من الباطن فاسدين، و5 إلى أفراد من منظمات إغاثية «متورطين في أنشطة فساد»، و6 إلى جهات «أخرى» وهي فئة تشمل «سلعاً سرقت في ظروف غامضة».

وأظهرت إحدى شرائح العرض أن العناصر المسلحة «تضم عصابات وأفراداً آخرين ربما كانوا يحملون أسلحة».

وجاء في شريحة أخرى أن «مراجعة كل الوقائع، وعددها 156، لم تكشف عن أي ارتباط» بتنظيمات أجنبية صنفتها الولايات المتحدة إرهابية، مثل «حماس».

وأظهرت شريحة ثالثة أنه «لم تُنسب معظم الوقائع بشكل قاطع إلى جهة فاعلة محددة... غالباً ما يكتشف الشركاء أن السلع سرقت أثناء النقل دون تحديد هوية الجاني».

وكشفت شريحة أنه ربما كانت هناك تقارير مخابرات سرية عن سرقة «حماس» لمساعدات، لكن موظفي مكتب المساعدات الإنسانية فقدوا إمكانية الوصول إلى الأنظمة السرية عند تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.

وقال مصدر مطلع على تقييمات المخابرات الأميركية، لوكالة «رويترز»، إنهم لا يعلمون بوجود أي تقارير مخابرات أميركية تتحدث بالتفصيل عن تحويل «حماس» لمساعدات، مضيفاً أن واشنطن تعتمد على التقارير الإسرائيلية.

ووجد تحليل المكتب أن الجيش الإسرائيلي «تسبب بشكل مباشر أو غير مباشر» في إجمالي 44 واقعة فقدت فيها مساعدات ممولة من الولايات المتحدة أو سرقت. ومن ضمن هذه الوقائع، تعود 11 منها إلى أعمال عسكرية إسرائيلية مباشرة، مثل الغارات الجوية أو الأوامر الصادرة للفلسطينيين بإخلاء مناطق من القطاع.

وكشف التحليل أن الخسائر المنسوبة بشكل غير مباشر إلى الجيش الإسرائيلي تتضمن حالات أُجبرت فيها جماعات الإغاثة على استخدام طرق تسليم، فيها مخاطر عالية للسرقة أو النهب، متجاهلاً طلبات إيجاد طرق بديلة.


مقالات ذات صلة

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

المشرق العربي فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

للمرة الأولى منذ شهرين، شهد قطاع غزة زيادة ملحوظة في عدد الشاحنات التي تحمل مساعدات وبضائع تجارية، كما ارتفعت أعداد المسافرين عبر معبر رفح البري.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا فتاة فلسطينية تحمل وعاء ماء في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)

«رد مشروط» من «حماس» يضع محادثات القاهرة أمام «اختبار صعب»

تقف محادثات القاهرة بشأن استكمال تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، على أعتاب نقاشات محورية بشأن مستقبل سلاح حركة «حماس» والفصائل الأخرى.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي طفلة فلسطينية تحمل خبزاً في دير البلح وسط قطاع غزة ديسمبر الماضي (أ.ف.ب) p-circle

تفاقم أزمة الخبز في غزة... واتهامات لإسرائيل بـ«هندسة التجويع»

تفاقمت أزمة توافر الخبز في غزة مع استمرار عرقلة إسرائيل دخول الإمدادات لصالح مخابز القطاع التي أعيد فتحها بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين «حماس» التي وصلت إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء.

محمد محمود (القاهرة )
خاص فلسطينيان متأثران خلال تشييع قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)

خاص الاستهدافات الإسرائيلية تركز على «القوة المشتركة» في غزة

قتلت «مسيّرة» إسرائيلية، بعد منتصف ليل الجمعة - السبت، 6 من نشطاء «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، خلال انتشارهم في مخيم البريج شرق وسط قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

عبدي وأحمد في دمشق لمتابعة مسار الدمج

العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
TT

عبدي وأحمد في دمشق لمتابعة مسار الدمج

العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)

متابعةً لمسار عملية دمشق لدمج «قوات سوريا الديمقراطية» في مؤسسات الحكومة السورية، وصل قائد «قسد» مظلوم عبدي، ومسؤولة العلاقات في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، إلى دمشق، الثلاثاء.

وقال المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلَّف بتنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الماضي، أحمد الهلالي، إن محادثات القياديين الكرديين في دمشق تهدف إلى متابعة مسار عملية الدمج، والاطلاع على ما تحقَّق حتى الآن، إضافة إلى بحث الخطوات التالية.

وكشف الهلالي، في تصريح نُشر عبر منصات الإعلام الرسمي، أن مظلوم عبدي اجتمع مع المبعوث الرئاسي زياد العايش، إلى جانب لقاءات منفصلة بين عبدي وكل من وزير الخارجية أسعد الشيباني، والرئيس أحمد الشرع، مشيراً إلى أن أهمية هذه اللقاءات تكمن في نقل ملف «قسد» من دائرة التأثيرات الدولية والإقليمية إلى مسار وطني داخلي.

وفي إطار تنفيذ بنود اتفاق 29 يناير، تستعد وزارة الداخلية السورية لتسلم جميع السجون في محافظة الحسكة، خلال الأيام المقبلة، وفق ما أعلنته مديرية إعلام الحسكة، الثلاثاء، نقلاً عن الفريق الرئاسي.

كان المتحدث باسم الفريق، أحمد الهلالي، قد قال، في وقت سابق، إن الحكومة السورية تتجه إلى تسلم ملف السجون من «قسد»، في خطوة تهدف إلى إنهاء الإخلاءات العشوائية وغير المنضبطة التي جرت خلال الفترة الماضية بين الطرفين. وأضاف الهلالي، في تصريح للإعلام الرسمي، أن الإشراف الرئاسي ساعد في تجاوز عدد من نقاط التعطيل وتسريع وتيرة الإفراج.

تجمُّع أهالي المعتقلين لدى «قسد» بعد إطلاق سراحهم بموجب اتفاق مع الحكومة السورية في الحسكة 11 أبريل (رويترز)

وأفرجت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، الثلاثاء، عن ستة معتقَلين في سجونها، في دفعة جديدة تُعدّ الرابعة، وفق مديرية إعلام الحسكة، وجرت بإشراف الفريق الرئاسي والعميد مروان العلي، ليبلغ عدد المُفرَج عنهم نحو 1500 معتقل من سجون الحكومة السورية وسجون «قسد»، وبقي نحو 500 معتقل في سجون «قسد» بتُهم مختلفة، إضافة إلى قرابة 300 معتقل من «قسد» سيُفرَج عنهم خلال الفترة القريبة المقبلة.

ونقلت شبكة «رووداو» الكردية عن الهلالي قوله إن إتمام هذا الملف وصل إلى مراحله النهائية، مشيراً إلى أنه لا يجري التعامل مع هذا الملف بمنطق الأرقام المعلَنة؛ لأن القوائم تخضع لتحديث مستمر نتيجة عمليات التدقيق المتبادل، وما يمكن تأكيده هو أن «هناك تقدماً ملموساً في عمليات الإفراج».

اجتماع وزير الخارجية أسعد الشيباني بعددٍ من أعضاء الكونغرس الأميركي على هامش أعمال «مؤتمر ميونيخ للأمن» بحضور القيادييْن مظلوم عبدي وإلهام أحمد («الخارجية» السورية)

المسؤول تحدّث أيضاً عن الهيكلية العسكرية، مبيناً أن عملية الدمج العسكري وصلت «إلى مراحل متقدمة من الناحية الفنية، وهي عبارة عن ثلاثة ألوية في محافظة الحسكة»، إلا أن الإعلان الرسمي مرتبط باستكمال التوافقات النهائية واعتمادها ضمن الأُطر المؤسسية المختصة.

وأعلنت الحكومة السورية، في 29 يناير الماضي، الاتفاق مع «قسد» على وقف إطلاق النار، ضِمن اتفاق شامل، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، ودخول قوات الأمن مركز مدينتَي الحسكة والقامشلي، وتسلّم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ.


«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

للمرة الأولى منذ شهرين، شهد قطاع غزة زيادة ملحوظة في عدد الشاحنات التي تحمل مساعدات وبضائع تجارية، كما ارتفعت أعداد المسافرين عبر معبر رفح البري في اتجاهي السفر والعودة إلى القطاع.

وبلغ إجمالي الشاحنات التي دخلت قطاع غزة، يوم الاثنين، 323 شاحنة، منها 220 تجارية للقطاع الخاص، و103 مساعدات من مؤسسات دولية مختلفة، ومن إجمالي الشاحنات وصلت 234 شاحنة عبر معبر كرم أبو سالم (أقصى جنوب القطاع)، و89 عبر منفذ زيكيم (شمال القطاع) الذي أعيد فتحه، الأحد، لأول مرة منذ 44 يوماً.

وتشير تقديرات لبعض العاملين في القطاع المدني والخيري في غزة، أنه يوم الأحد المقبل سيتم فتح منفذ كيسوفيم (بين شمال خان يونس وجنوب دير البلح وسط القطاع) بهدف زيادة عدد الشاحنات المدخلة.

وقال مصدر في وزارة الاقتصاد بغزة لـ«الشرق الأوسط» إن «غالبية ما تم إدخاله هو بضائع تجارية، شملت مواد تموينية وأغذية من خلال أكثر من 270 شاحنة، إلى جانب مستلزمات إيواء وإغاثة، وسلع استهلاكية وأدوات منزلية ومحروقات ومعدات خاصة بشركة الاتصالات».

شاحنات محملة بالمواد الغذائية دخلت قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم (أ.ب)

وأوضح المصدر أنه «لأول مرة منذ نحو شهرين يتم السماح بإدخال هذا العدد من الشاحنات»، مبيناً أنه «منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كان يُسمح بإدخال عدد أقل».

وكان الاتفاق ينص على إدخال 600 شاحنة يومياً، غير أن «حماس» ومؤسسات أممية اتهمت إسرائيل بإدخال أعداد محدودة من الشاحنات.

ولفت المصدر إلى أن «غالبية الشاحنات، التي يسمح بدخولها، منذ وقف إطلاق النار هي بضائع تجارية، بينما دخلت بعدد أقل مساعدات مقدمة من مختلف الدول العربية والإسلامية والدولية حتى المنظمات الأممية وغيرها»، مبيناً أنه «تم إبلاغهم من مسؤولين حكوميين في غزة أنهم تلقوا وعوداً بزيادة عدد الشاحنات والبضائع للمساعدة في انخفاض الأسعار».

وبدا لافتاً أن إسرائيل سمحت، الثلاثاء، بسفر 126 فلسطينياً (41 مريضاً و85 من المرافقين) وذلك بعد تنسيق من «منظمة الصحة العالمية» للسفر، كما خرج نحو 18 من حملة الجنسيات الأجنبية عبر المعبر، ضمن تنسيق من دولهم.

وأعادت إسرائيل تشغيل معبر رفح جزئياً ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، بداية شهر فبراير (شباط) الماضي، وأعادت إغلاقه مع بدء الحرب على إيران نهاية الشهر ذاته، قبل أن تعيد فتحه في 19 مارس (آذار) الماضي.

فلسطينيون قادمون من معبر رفح من مصر يصلون إلى مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة (د.ب.أ)

وخلال فترتي تشغيل المعبر بعد وقف إطلاق النار، كان العدد الذي يسمح له بالدخول والعودة إلى القطاع محدوداً، لكنه كان يصل في مرات محدودة إلى 100 شخص، وسط توقعات بزيادة العدد إلى 150 يومياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر فلسطيني داخل القطاع على تواصل مباشر مع لجنة إدارة غزة أن «هذه الانفراجة في ملف الشاحنات ومعبر رفح جاءت ضمن اتفاق، توصل إليه ممثل غزة في (مجلس السلام) نيكولاي ملادينوف مع إسرائيل للدفع في اتجاه الالتزام بما تم الاتفاق عليه ضمن اتفاق وقف إطلاق النار».

وأوضح المصدر أنه «في الوقت الحالي يتم السماح للمرضى فقط بالسفر عبر معبر رفح، لكن يتوقع في الأيام المقبلة، وربما بعد أسبوعين، أن يتم إضافة فئات أخرى، مثل الطلاب والعالقين وحالات أخرى بحاجة ماسة للسفر».

وطالبت فصائل فلسطينية، في مقدمتها «حماس»، ملادينوف والوسطاء، بالعمل على إلزام إسرائيل بتنفيذ كل ما تم الاتفاق عليه في المرحلة الأولى، قبل الانتقال للمرحلة الثانية، وسط اتصالات ولقاءات ما زالت مستمرة في القاهرة بهذا الشأن.

وعلى صعيد ميداني، قال مسؤولون بقطاع الصحة في غزة إن غارة جوية إسرائيلية قصفت سيارة شرطة في المدينة، اليوم (​الثلاثاء)، ما أدّى إلى مقتل 4 أشخاص على الأقل، بينهم طفل، وذلك في أحدث أعمال عنف تلقي بظلالها على اتفاق وقف إطلاق النار، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة.

وقال مسعفون وشهود إن الهجوم الذي وقع في شارع ‌النفق بمدينة غزة ‌أدّى إلى اشتعال ​النيران ‌في ⁠سيارة ​شرطة، وهرع ⁠السكان وعناصر الإنقاذ للبحث عن ضحايا.

فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ويؤكد مسؤولو الحركة في غزة أن إسرائيل كثّفت هجماتها على الشرطة وقوات ‌الأمن التي تقودها «حماس» منذ الاتفاق على وقف النار، ما أسفر ⁠عن ⁠مقتل العشرات، متهمين إسرائيل بمحاولة إثارة الفوضى والانفلات الأمني، وتقول إسرائيل إنها تهدف إلى إحباط هجمات «حماس» والفصائل المسلحة الأخرى.

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، قُتل أكثر من 750 فلسطينياً، في حين قتل مسلحون 4 جنود إسرائيليين. ويقول فلسطينيون أيضاً ​إن القوات ​الإسرائيلية توسع المنطقة التي تسيطر عليها. وتنفي إسرائيل ذلك.


مأزق «حزب الله»: ضغط سياسي وعسكري يهدد بارتداده على الداخل اللبناني

مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)
مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)
TT

مأزق «حزب الله»: ضغط سياسي وعسكري يهدد بارتداده على الداخل اللبناني

مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)
مقبرة جماعية لمقاتلي «حزب الله» في منطقة الشويفات بجبل لبنان (أ.ب)

يواجه «حزب الله» مرحلة دقيقة مع تقاطع الضغوط العسكرية على الأرض والتحولات السياسية الداخلية والإقليمية المتسارعة؛ ففي حين أثبتت الحرب الحالية أن الحزب لم يصل إلى مرحلة الانهيار، فإن الوقائع تثبت أنه بات في «مأزق سياسي وعسكري»، ما من شأنه أن يعكس ردة فعل على الداخل اللبناني تصل إلى محاولة متجددة لإسقاط حكومة نواف سلام وقراراتها المرتبطة بنزع سلاحه.

مأزق «حزب الله»

ويرى مدير مركز «المشرق للدراسات الاستراتيجية»، الدكتور سامي نادر، أن «(حزب الله) يواجه مأزقاً عميقاً على أكثر من مستوى؛ إذ لم ينجح الخيار العسكري في تحقيق أهدافه، فيما لم يتمكن المسار الدبلوماسي الإيراني حتى الآن من إحداث خرق يُذكر»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الفشل المزدوج وضع الحزب في حالة انسداد واضحة، رغم محاولاته إعادة تنظيم صفوفه وإظهار قدرته على الاستمرار في المواجهة».

وفيما يتحدث عن استمرار المواجهات العسكرية، لافتاً إلى استمرار التوغل الإسرائيلي، الذي يعكس عجزاً عن فرض توازن ردع جديد، يشير إلى واقع لـ«حزب الله» الداخلي، حيث «خسر الغطاء الشرعي الذي كانت تؤمّنه له الحكومة اللبنانية، كما أخفق في الضغط عبر الشارع؛ إذ لم تنجح التحركات في إسقاط الحكومة أو تعديل مسارها، ما يعني أن الأدوات السياسية لم تعد فعالة».

«المظلة الإيرانية»

بدوره، يتحدث الباحث في مؤسسة «كارنيغي» مهند الحاج علي عن «الأهداف الاستراتيجية لـ(حزب الله) في هذه الحرب التي تتمثل، أولاً بالانضمام إلى مظلة إيرانية لوقف إطلاق النار، في ظل إصرار إيران على ذلك كجزء من أي اتفاق مع الولايات المتحدة وإسرائيل»، أما الهدف الثاني فهو «إسقاط حكومة نواف سلام وقرارات نزع سلاح الحزب، لأن تغيير الحكومة يتيح له التأثير في مسار العهد»، مضيفاً: «وبالتالي، فإن هذين الهدفين يلتقيان مع الأهداف الإسرائيلية من حيث النتائج؛ إذ تسعى إسرائيل إلى احتلال الجنوب وفرض منطقة عازلة، وهو ما يتحقق في ظل عدم قدرة الحزب على الحفاظ على هذه المناطق. وفي المقابل، يمنح هذا الاحتلال الحزب مبرراً للاستمرار بصفته مقاومة. كذلك، تعمل إسرائيل على إضعاف الدولة اللبنانية عبر الاحتلال وفرض شروط كبيرة، وإظهار الحكومة كأنها خاضعة للحزب».

سيدة أمام مبنى مدمر تعرض لقصف إسرائيلي في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت (رويترز)

الرهان على الوقت

في ضوء هذا المأزق، لم يعد أمام «حزب الله»، بحسب نادر، سوى اعتماد استراتيجية قائمة على الرهان على عامل الوقت. فالحزب يدرك أنه غير قادر حالياً على تغيير موازين القوى لصالحه، سواء عسكرياً أو سياسياً، لذلك يتجه إلى انتظار متغيرات خارجية قد تعيد خلط الأوراق. وبذلك، ينتقل من موقع المبادرة إلى موقع الترقب، في محاولة لإدارة الأزمة بدل حسمها، مع ما يحمله ذلك من مخاطر استمرار الاستنزاف.

«أزمة داخلية»

وبانتظار ما ستؤول إليه نتائج المفاوضات، يرى الحاج علي أن «(حزب الله) يستمد قوته من نتائج العملية الإسرائيلية؛ إذ إن دخول الحكومة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يضعها في موقع ضعيف، باعتبار أن الحكومة تفاوض على ورقة لا تملكها، فيما يربط الحزب موقفه بالموقف الإيراني، سواء من حيث التوقيت أو الشروط، وبالتالي قد نشهد أزمة داخلية في المرحلة المقبلة، وهو ما سيظهر عبر محاولة متجددة من جانب (حزب الله) لإسقاط الحكومة لما يوفره ذلك من راحة استراتيجية له على المدى المتوسط، مع احتمال حصول تحركات على الأرض وفتح ملف حصر السلاح».

ورغم ذلك، يرى الحاج علي «أنه يمكن للحكومة التي تتمتع بعلاقات عربية أن تحاول الوصول إلى حل وسط يقوم على حصر السلاح بشكل تدريجي، بالتوازي مع تعزيز دور الدولة، وهو أمر ليس بعيداً، وتوجد مؤشرات عليه».

مواطن نازح في مركز للنزوح في منطقة صيدا بجنوب لبنان (رويترز)

التصعيد العسكري: استنزاف وتراجع هجومي

كما في السياسة، كذلك على الأرض، يتعرض الحزب لضغط مستمر على الجبهة الجنوبية، خصوصاً في مناطق مثل بنت جبيل، مع خسائر بشرية ومادية وتدمير واسع، إلى جانب سيطرة الجيش الإسرائيلي على أراضٍ جنوب الليطاني.

وفي هذا الإطار، يرى اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أن مسار المواجهة يشهد تحولاً نحو تراجع في العمليات الهجومية مقابل تصاعد منطق الاستنزاف، حيث لم يعد الهدف تحقيق اختراقات ميدانية كبيرة بقدر ما بات التركيز على إدارة المعركة ضمن سقف الإمكانيات المتاحة.

ويشير إلى أن القصف باتجاه الداخل الإسرائيلي تراجع، وأصبح يتركّز أكثر على استهداف القوات داخل الأراضي اللبنانية، مع اعتماد استهدافات محدودة، ما يعكس تراجع القدرة على الإسناد الناري المكثف.

كما يلفت إلى أن التقدم الإسرائيلي باستخدام وحدات مدرعة فرض تراجع الحزب إلى خطوط خلفية لتفادي خسائر كبيرة، من دون أن يعني ذلك خروجه من المعركة، بل تكيفه مع طبيعة المواجهة. ويؤكد أن الحزب لا يستطيع خوض حرب تقليدية، لكنه لا يزال قادراً على تنفيذ عمليات محدودة تُبقي الجيش الإسرائيلي في حالة استنزاف دائم، خصوصاً في القتال داخل المناطق المأهولة.

الحسم السياسي

في المحصلة، يؤكد شحيتلي «أن ما يجري هو حرب استنزاف مفتوحة من دون حسم، حيث يتكبد الطرفان خسائر مستمرة. إلا أن القرار الحاسم لا يبقى عسكرياً، بل سياسياً؛ إذ يرتبط وقف القتال بنتائج المفاوضات، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإيران».

ويرى أن «(حزب الله) سيستمر في هذا النمط من القتال إلى حين صدور قرار سياسي من إيران بوقفه، أما في غياب هذا القرار، فسيبقى الاستنزاف هو المسار السائد».