مساعٍ سورية - أردنية لإعادة تشغيل الخط الحديدي الحجازي

نقلة نوعية في التعاون الاقتصادي والتجاري والنقل بين دمشق وعمّان

محطة القدم للقطارات بدمشق (سانا)
محطة القدم للقطارات بدمشق (سانا)
TT

مساعٍ سورية - أردنية لإعادة تشغيل الخط الحديدي الحجازي

محطة القدم للقطارات بدمشق (سانا)
محطة القدم للقطارات بدمشق (سانا)

يشهد التعاون بين سوريا والأردن في مجالات الاقتصاد والتجارة والنقل نقلة نوعية، وذلك منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي، وبدت آخر تجليات ذلك في الاتفاق على عقد اجتماع لبحث إعادة تشغيل الخط الحديدي الحجازي التاريخي.

واختتمت اللجنة الفنية السورية - الأردنية المشتركة للنقل البري، اليوم (الجمعة)، اجتماعها الذي عقد في عمّان على مدار يومين، وتأتي في إطار الجهود المشتركة لتعزيز العلاقات بين البلدين، خصوصاً في قطاع النقل البري الذي يشكل ركيزة أساسية لدعم الحركة التجارية وتنقل الأفراد، وفقاً لوكالة «سانا».

وتناول الاجتماع ملف الربط السككي بين دمشق وعمان، وتم الاتفاق على عقد اجتماع فني قريب بين الجهات المختصة لبحث الجوانب الفنية المتعلقة بإعادة تشغيل الخط الحديدي الحجازي، على أن يُخصص في مرحلته الأولى لنقل البضائع.

من اجتماع اللجنة الفنية السورية - الأردنية المشتركة للنقل البري في عمّان (سانا)

كما تم الاتفاق على تعديل وتوحيد رسوم العبور لتصبح بنسبة 2 في المائة في كلا البلدين، بعد أن كانت 5 في المائة لدى الجانب الأردني، بينما أكّدت اللجنة أهمية التعاون المشترك في تسهيل مرور شاحنات الترانزيت عبر أراضي البلدين، والعمل على إزالة أي معوقات فنية أو إجرائية، بما يدعم التبادل التجاري، ويعزز التكامل الاقتصادي الإقليمي.

الجدير بالذكر أن أعمال اللجنة استؤنفت بعد سنوات من التوقف جراء سياسة النظام السوري السابق.

يأتي ذلك بعد أن أعلنت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا، الأربعاء، توصلها إلى اتفاق مع الجهات المعنية في الأردن، يقضي بإلغاء رسم ضريبة الديزل البالغة 115 دولاراً أميركياً، المفروضة على الحافلات السورية الداخلة إلى الأراضي الأردنية، موضحة أن الإلغاء أصبح متبادلاً.

وكان المدير العام لمؤسسة الخط الحديدي الحجازي الأردني، زاهي خليل، أعلن في أبريل (نيسان) الماضي عن وجود توجّه لإطلاق رحلات سياحية بالقطار من الأردن إلى سوريا، مروراً بمحطات تاريخية على جانبي الحدود.

وأوضح أن الرحلات ستنطلق من محطة الحجاز في عمّان، وتتجه شمالاً عبر الزرقاء والمفرق، وصولاً إلى حدود جابر، ثم تعبر إلى سوريا، وتتوقف في درعا، قبل أن تنتهي في محطة القدم بدمشق، وهي آخر نقطة على الخط الحديدي الحجازي.

وأشار إلى أن الجانب السوري سيتولى تنفيذ أعمال الصيانة للجزء الواقع داخل الأراضي السورية، مشيراً إلى أن الجوانب الفنية والأمنية، خصوصاً ما يتعلّق بانقطاعات الخط داخل سوريا، لا تزال قيد المعالجة.

من اجتماع اللجنة الفنية السورية - الأردنية المشتركة للنقل البري في عمّان (سانا)

والخط الحديدي الحجازي هو سكة حديد (بعرض 1050 مليمتراً)، يصل بين دمشق والمدينة المنورة، وأسست في فترة ولاية السلطان العثماني عبد الحميد الثاني لغرض خدمة الحجاج المسلمين وربط أقاليم الدولة العثمانية وإحكام السيطرة عليها. بدأ العمل في السكة سنة 1900 وافتُتحت سنة 1908، واستمر تشغيلها إلى أن دُمِّر الخط سنة 1916م خلال الحرب العالمية الأولى.

قُدِّرت تكلفة الخط بنحو 3.5 مليون ليرة عثمانية، لكنها زادت عن ذلك، وقُدِّمت مساعدات شعبية من داخل السلطنة العثمانية وبلدان إسلامية أخرى.

وبوشر بالعمل في بناء خط السكة من منطقة المزيريب في حوران في سوريا، واعتمد في مساره على طريق الحج البري من دمشق عبر مدينة درعا، ثم إلى الأردن، وصولاً إلى المدينة المنورة.

وقد استطاع الحجاج في كل من الشام وآسيا والأناضول قطع المسافة من دمشق إلى المدينة المنورة في مدة 5 أيام فقط بدلاً من 40 يوماً.

ازدحام حركة المسافرين بين سوريا والأردن عبر معبري نصيب وجابر (أرشيفية)

ويعكس زخم التعاون بين سوريا والأردن في المجال الاقتصادي والتجاري والنقل، بعد سقوط حكم الأسد، توجهاً نحو إعادة صياغة العلاقات الأردنية السورية على أسس اقتصادية تؤسس لتعاون ثنائي طويل الأمد بين البلدين.

وفي مؤشر على تصاعد التقارب السياسي والاقتصادي بينهما، دشّنت دمشق وعمان أواخر مايو (أيار) الماضي «مجلس التنسيق الأعلى» بين البلدين عقب زيارة أجراها وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى دمشق، على رأس وفد رفيع المستوى، حيث التقى نظيره السوري أسعد الشيبان، بعدما أعلنت وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية في 27 فبراير (شباط) الماضي استئناف العمل في المنطقة الحرة السورية - الأردنية المشتركة.

وفي مطلع يونيو (حزيران) الحالي، أعلن رئيس غرفتي تجارة عمّان والأردن، خليل الحاج التوفيق، عن ارتفاع حركة التبادل التجاري مع سوريا، نتيجة الانفتاح الاقتصادي معها، خاصة إعادة الإعمار، واصفاً الأرقام بأنها غير مسبوقة.

وبلغ عدد الشاحنات الداخلة إلى الأردن عبر سوريا من معبر «جابر» الحدودي 55566 شاحنة، منها 30154 أردنية، و5768 سورية، و19644 أجنبية، خلال الفترة الممتدة بين منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2024، ونهاية مايو (أيار) الماضي. بينما بلغ العدد الكلي للشاحنات المغادرة من الأردن 59788 شاحنة، منها 21574 شاحنة (صادرات وطنية) و36805 ترانزيت (من مراكز أخرى)، و1409 شاحنات فارغة.

تأتي هذه التطورات بعد مرحلة طويلة من التوتر على الحدود الأردنية السورية في عهد النظام السوري السابق الذي حوّل الحدود إلى مسرح لعمليات تهريب المخدرات والأسلحة والمسلحين. لكن هذه العمليات تراجعت بعد الإطاحة به.

وذكر الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، عابد فضلية، أن العلاقات الاقتصادية والتجارية السورية الأردنية تشهد تحسناً ملحوظاً منذ بضعة أشهر بجهود حكومتي البلدين.

وعدّ فضلية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الأردن جغرافياً تعدّ من أهم دول الجوار لسوريا، كونها دولة منفتحة من جهة، ومن جهة أخرى لأنها الممر السوري إلى معظم الدول العربية، ولا سيما دول الخليج التي تربطها بسوريا علاقات تعاون وثيق على عدة مستويات، من أهمها على الصعيد التجاري، وكذلك على الصعيد الاستثماري، وبالأخص خلال الأشهر الأخيرة، مشيراً إلى أنه من أهم الدول العربية التي ترتبط سوريا معها بعلاقات متميزة؛ السعودية والإمارات وقطر والأردن. الأمر الذي يتطلب مزيداً من الجهود الحكومية لترسيخ هذه العلاقات على أسس وخلفية سياسية وتأطيرها باتفاقيات ثنائية.


مقالات ذات صلة

سلام يلتقي الشرع في دمشق لمعالجة القضايا العالقة مع لبنان

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

سلام يلتقي الشرع في دمشق لمعالجة القضايا العالقة مع لبنان

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، بعد لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، السبت، أن البلدين أحرزا تقدماً كبيراً في معالجة القضايا العالقة بينهما.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري داخل المحكمة الجنائية في دمشق يحضر أولى جلسات محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

خاص سوريا: استئناف محاكمة «مجرم درعا» عاطف نجيب الأحد

ستخصص جلسة المحاكمة لاستجواب عاطف نجيب، وهو قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وتولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات عام 2011.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي قوات تتبع الأمن الداخلي السوري (الداخلية السورية)

سوريا: توقيف ضابط من عهد الأسد متّهم بالضلوع في هجوم كيميائي

أعلنت وزارة الداخلية السورية توقيف ضابط من عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد، واتّهمته بالضلوع في عام 2013 بهجوم بسلاح كيميائي في الغوطة الشرقية لدمشق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي إنزال اللوحة التعريفية بعد الهجوم على قصر العدل في الحسكة لأنها لم تتضمن اللغة الكردية الخميس (ولات)

بعد أحداث الحسكة... الحكومة السورية: العربية اللغة الرسمية الوحيدة

أفرجت السلطات السورية، الجمعة، عن دفعة جديدة من الموقوفين لديها من المنتسبين لـ«قسد»، بينما أكدت الحكومة أن العربية تعدّ اللغة الرسمية الوحيدة في سوريا.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يتجمعون قرب خط وقف إطلاق النار بين سوريا وهضبة الجولان المحتلة، 9 ديسمبر 2024 (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يعتقل مواطناً سورياً في ريف القنيطرة الجنوبي

اعتقلت قوات الجيش الإسرائيلي، الجمعة، مواطناً في قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة الجنوبي في سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

مستوطنون يجبرون فلسطينيين على إعادة دفن جثمان والدهم في الضفة الغربية

مستوطنون وجنود إسرائيليون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

مستوطنون يجبرون فلسطينيين على إعادة دفن جثمان والدهم في الضفة الغربية

مستوطنون وجنود إسرائيليون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال أفراد من عائلة فلسطينية إن مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة أجبروهم على إخراج جثمان والدهم من قبره الذي حُفر حديثاً في قريتهم، بالقرب من مستوطنة أعادت حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأسيسها.

وتوفي حسين العصاعصة (80 عاماً)، الجمعة، لأسباب طبيعية، وقال ابنه محمد إنه دفن في مقبرة قرية العصاعصة قرب جنين، بعد الحصول على جميع التصاريح اللازمة من الجيش الإسرائيلي، الذي حضرت قواته إلى الموقع حينها.

لكن بعد وقت قصير من تشييع الجثمان، استدعى بعض القرويين العائلة وأخبروهم بأن مستوطنين عند القبر ويأمرون بنبشه.

جنديان إسرائيليان يشاركان في حراسة جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)

وقال محمد: «قالوا إلا تشيلوا الجثمان من القبر... المستوطنين... قالوا لهم يعني ما في جدوى على الفاضي إلا تشيلوا الميت من قبره من هنا هاي الأرض تابعة للمستوطنة وممنوع تدفنوا فيها... قول لنا لهم بيصيرش يعني هاي أرض إحنا يعني الأرض مقبرة للبلد إلها يعني عشرات السنين».

وذكر محمد أن المستوطنين هددوا بنبش القبر بجرافة، لذا قرر أفراد العائلة إخراج جثمان والدهم بأنفسهم.

وأوضح محمد: «فلما توجهنا للمقبرة، جوا لقيناهم صاروا نابشين القبر، واصلين تقريبا للحْد... حاولنا كل المحاولة دون جدوى، على الفاضي. آخر إشي وصلنا لموصول مسدود، راح أخوي والشباب الموجودين قالوا لهم بس بفوتوا عشرة يعني. وروحنا، بحشنا طبعا. كملنا بحش... وشلنا جثمان والدي ورجعناها ثاني مرة وأعدنا دفنه ثاني مرة».

بؤرة استيطانية جديدة للمستوطنين اليهود أُقيمت على مشارف قرية أبو فلاح شمال شرقي رام الله يوم 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وأظهر مقطع فيديو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي مستوطنين يراقبون أشخاصاً يحفرون في أرض منحدرة، قبل أن يحملوا ما يبدو أنه جثمان، فيما تسير قوات إسرائيلية خلفهم. وتحققت «رويترز» من أن الموقع هو العصاعصة.

وقال الجيش الإسرائيلي إن الجنازة أُقيمت بالتنسيق معه، وإنه لم يصدر تعليمات للأسرة بإعادة دفن والدهم. وأوضح أنه أرسل جنوداً إلى الموقع عقب بلاغ عن وقوع مواجهة مع مستوطنين كانوا «يحفرون في المنطقة».

وأضاف: «صادر الجنود أدوات الحفر من المدنيين الإسرائيليين وبقوا في الموقع لمنع مزيد من الاحتكاك». وتابع أنه يدين الأعمال التي تنتهك «كرامة الأحياء والأموات».

ونددت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالواقعة.

وقال أجيت سونجاي، مدير مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة: «هذا أمر مروع ويجسد تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وهو ما نراه يتجلى في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولا يسلم منه أحد، حياً كان أو ميتاً».

ولم تتمكن «رويترز» من الوصول إلى مستوطنين من مستوطنة صانور القريبة للتعليق.

وكانت صانور واحدة من 19 مستوطنة جرى إخلاؤها بموجب خطة الانسحاب الإسرائيلية لعام 2005، والتي شملت أيضاً انسحاب المستوطنين والقوات من غزة.

وتقول منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية، التي تراقب النشاط الاستيطاني، إن حكومة نتنياهو وافقت على إعادة تأسيس صانور قبل عام، وإن البناء يتم بوتيرة سريعة.

وتعد الضفة الغربية من بين الأراضي التي يسعى الفلسطينيون لإقامة دولة مستقلة عليها. بينما تستند إسرائيل إلى روابط تاريخية وتوراتية بالأرض، فضلاً عن احتياجاتها الأمنية.

وتواصل حكومة نتنياهو، التي تعارض بشدة إقامة دولة فلسطينية، تسريع وتيرة بناء المستوطنات، في حين أثار تصاعد الهجمات التي ينفذها مستوطنون على فلسطينيين قلقاً دولياً.

وتعتبر الأمم المتحدة ومعظم دول العالم المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضي الضفة الغربية، التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967، غير شرعية، وهو رأي تعارضه إسرائيل.


تدمير إسرائيل منزلاً بغزة يعيد مشاهد ليالي الحرب الصعبة

فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

تدمير إسرائيل منزلاً بغزة يعيد مشاهد ليالي الحرب الصعبة

فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

عاش سكان قطاع غزة لحظات عصيبة بعد إصدار إسرائيل أوامر إخلاء لمنزلين في منطقتين مختلفتين، قبل أن تدمر أحدهما، بينما عزفت عن استهداف الآخر لأسباب لم تتضح، في أول إجراء من نوعه يُتخذ منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وأعاد مشهد خروج السكان من منازلهم وإخلائها وهم في حالة من الهلع والخوف الشديدين، وذلك في ساعات المساء المتأخر من ليل الجمعة – السبت، مشاهد مماثلة شكلت حالة من التوتر غير المسبوق الذي عاشه سكان قطاع غزة خلال الحرب التي استمرت عامين.

وعند نحو الساعة العاشرة من مساء الجمعة، تلقى 3 مواطنين اتصالات من ضباط جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، يطالبون بإخلاء منازلهم في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تمهيداً لقصف منزل أحد جيرانهم، الأمر الذي أدى لحالة من الهلع الشديد وسط تضارب الأنباء فيما إذا كان ذلك مجرد اتصال من مجهولين أم أنه حقيقي، الأمر الذي دفع في النهاية السكان للإخلاء بمن فيهم صاحب البيت الذي فوجئ بذلك.

يقول محمد أبو فول، أحد جيران صاحب المنزل الذي يعود للغزي أحمد الأضم، إنه وعائلته خرجوا من المنزل مسرعين، ولم يحملوا سوى بعض الوثائق، وانتظروا في الشارع أكثر من ساعة حتى تعرض المنزل المستهدف لصاروخ من طائرة مسيرة، قبل أن تقوم طائرة حربية بتدميره بالكامل.

فلسطينيون يعاينون الدمار في المنزل الذي دمرته إسرائيل في مخيم الشاطئ للاجئين السبت (أ.ب)

ويوضح أبو فول لـ«الشرق الأوسط» أن المنطقة عبارة عن مربع سكني مكتظ بالسكان والمنازل التي يقطن فيها الآلاف من المواطنين من أصحابها وأقاربهم النازحين من مناطق أخرى، مشيراً إلى أن الدمار كان هائلاً.

ووصف أبو فول تلك اللحظات بأنها كانت صعبة جداً على عائلته المكونة من 9 أفراد، بينهم 3 أطفال، مشيراً إلى أن حالة من الخوف سيطرت على جميع السكان الذين تضررت منازلهم كلها والتي يقارب عددها أكثر من 15، جميعها ملاصقة لبعضها البعض.

واضطرت عائلات تضررت منازلها للمبيت في منازل عائلات أخرى ومراكز إيواء مؤقتاً لحين إحصاء الأضرار التي لحقت بمنازلهم، بعدما قضت تلك العائلات أوقاتها في الشارع وسط ظروف قاسية بعد تشريدهم قسراً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر ميدانية أن المنزل يعود لناشط في حركة «الجهاد الإسلامي»، ويعمل تاجراً بسيطاً في الأسلحة والعتاد العسكري إلى جانب معدات أخرى بهدف التجارة والتربح وليس لأغراض تتعلق بالعمل المسلح ضد إسرائيل.

وبعد نحو ساعة، ورد اتصال جديد يطالب بإخلاء منزل في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، يعود للغزي محمود أبو العطا، شقيق القيادي في «سرايا القدس» الجناح المسلح لحركة «الجهاد الإسلامي»، بهاء أبو العطا، الذي كانت إسرائيل قد اغتالته عام 2019.

واضطرت عشرات العوائل لإخلاء منازلها لساعات طويلة وهي في العراء، وبعضها لجأ لمراكز إيواء في مدارس قريبة لحين قصف المنزل، الذي لم يتعرض لأي هجوم إسرائيلي بشكل مفاجئ، قبل أن تبلغ منظمات دولية بتوقيف النشاط بدون معرفة الأسباب.

وتقدر مصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف من هذه الخطوة الإسرائيلية، كشف فيما إذا كان في المنزل أحد المطلوبين لها وتحديداً شقيق أبو العطا الذي تلاحقه إسرائيل منذ بداية الحرب ولم تنجح في اغتياله، حتى خلال مدة وقف إطلاق النار وآخرها منذ أسابيع.

ويقول الشاب إبراهيم المنسي، من سكان محيط المنزل الذي كان مهدداً بالقصف، إنه وأفراد عائلته عاشوا 3 ساعات من الرعب خوفاً من أن يتضرر منزلهم المتضرر بالأساس جزئياً؛ ما يؤدي لفقدانهم إياه بعد أن تركوا كل شيء بداخله، ولم يأخذوا معهم سوى هواتفهم النقالة وأوراقهم الرسمية الثبوتية، وبعض المال لديهم.

فلسطيني يجلس داخل مبنى متضرر غداة غارة إسرائيلية على مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وأدت هذه الأحداث، التي لم يشهد قطاع غزة لها مثيلاً منذ توقف الحرب بشكل جزئي، في ظل استمرار الخروقات، إلى حالة من الشعور بالخوف من إمكانية عودة إسرائيل لهذه السياسة الخطيرة التي قد تشكل خطراً بهدف تدمير ما تبقى من منازل في القطاع الذي يشهد أكبر حالة دمار له منذ عقود طويلة.

وقال المنسي لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد هناك مراكز إيواء أو منازل تؤوي من سيتم تشريدهم بفعل هذه السياسة التي في حال اتبعتها إسرائيل فستكون وبالاً على حياة الغزيين».

ولم يستبعد مراقبون أن تلجأ إسرائيل لتنفيذ عمليات مماثلة خلال الأيام المقبلة، بهدف الضغط على حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية لتسليم سلاحها، ضمن خطة ممنهجة اتبعتها سابقاً خلال الحرب وفي حروب سابقة لانتزاع مواقف جديدة من الفصائل التي تتشبث بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار قبل الانتقال للتفاوض على المرحلة الثانية، بينما تصر حكومة بنيامين نتنياهو للحصول على وثيقة موقعة من الفصائل تلتزم فيها بنزع سلاحها قبل التقدم بأي خطوات، وتربط إعمار القطاع بذلك.

وقال المحلل السياسي مصطفى إبراهيم، يبدو أن إسرائيل ستدخلنا في مرحلة جديدة، وهي مزيد من الضغط، بداية من توسيع الخط الأصفر، وتكثيف الاغتيالات، واليوم قصف البيوت بذريعة ضرب البنية التحتية، والأهم ضرب السلم المجتمعي من خلال العصابات داخل الأماكن السكنية.


سلام يلتقي الشرع في دمشق لمعالجة القضايا العالقة مع لبنان

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
TT

سلام يلتقي الشرع في دمشق لمعالجة القضايا العالقة مع لبنان

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، بعد لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، السبت، أن البلدين أحرزا تقدماً كبيراً في معالجة القضايا العالقة بينهما، وانه بحث مع الشرع متابعة تنفيذ الاتفاقية حول السجناء، والتشدد في ضبط الحدود ومنع التهريب، إلى جانب ملف اللاجئين السوريين إلى لبنان.

واستقبل الرئيس أحمد الشرع، السبت، سلام في قصر الشعب بدمشق، بحضور وفدَين وزاريَّين من البلدين.

وأفادت وكالة «سانا» الرسمية السورية، بأنه خلال اللقاء «جرى بحث سُبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، بما يخدم المصالح المشتركة، وتعزيز التنسيق الأمني لدعم الاستقرار ومواجهة التحديات، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول المستجدات الإقليمية والدولية، والقضايا ذات الاهتمام المشترك».

سلام

وقال سلام في مطار دمشق الدولي بعد اختتام زيارته دمشق: «سعدت، والوفد الحكومي المُرافق، بزيارة سوريا العزيزة واللقاء بفخامة الرئيس أحمد الشرع الذي استقبلنا أيضاً في اجتماع موسّع ضمّ أعضاء الوفد اللبناني ونظراءهم السوريين، بعد محادثاتهم الثنائية»، موضحاً: «زرنا دمشق لمواصلة التشاور والعمل على تعزيز العلاقات اللبنانية - السورية على الصُعد كافة، وهي علاقات مبنية على الثقة والاحترام المتبادل لسيادة البلدين وعلى المصالح المشتركة».

الشرع يستقبل سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

وأكد سلام: «أحرزنا تقدماً كبيراً في معالجة قضايانا المشتركة، لا سيما ما كان عالقاً منها، وذلك بروح طيّبة وحرص على التعاون بلا تحفّظ ولا تردّد. وإنني على ثقة بأن نتائجها الملموسة ستظهر قريباً».

وأضاف: «جاءت زيارتنا اليوم ليس فقط لمتابعة ما بدأناه منذ عام وأكثر، بل لإطلاق مبادرات جديدة في العمل المشترك وللتأكيد، مرّة أخرى، على أهميّة العلاقة بين الدولتين في كل المجالات وعلى مستوى المؤسسات الرسمية المعنية جميعها»، مضيفاً: «نحن ندرك تمام الإدراك أن تمتين العلاقة من دولة إلى دولة يفتح الباب واسعاً أمام التفاعل والتشارك بين القوى الحيّة في البلدين، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية».

وأشار رئيس الحكومة اللبنانية إلى «إننا بحثنا في التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان وسوريا في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة على أكثر من صعيد واتفقنا على اهمية استمرار التشاور بشأنها لما فيه مصلحة البلدين»، مضيفاً: «بحثنا أيضاً خلال هذه الزيارة متابعة تنفيذ الاتفاقية الموقّعة بين البلدين حول نقل السجناء المحكومين من السجون اللبنانية إلى سوريا، وتداولنا في مواصلة العمل من أجل معالجة قضية الموقوفين السوريين، وكشف مصير المفقودين والمخفيّين قسراً في كلا البلدين. وأكدنا ضرورة التشدد في ضبط الحدود السورية - اللبنانية ومنع التهريب بكل أشكاله، فضلاً عن المسائل المتعلّقة بالمعابر وتيسير حركة العابرين والبضائع».

وتوقف الطرفان عند «ضرورة استمرار الحوار والتعاون في تسهيل العودة الآمنة الكريمة للنازحين السوريين إلى ديارهم وتنظيم العمالة السورية مع لبنان».

النقل البري

وقال سلام: «تباحثنا على نحو تفصيلي في قضايا النقل البرّي والشاحنات، والنقل المشترك وسيارات الأجرة، والربط السككي بين سوريا ولبنان، والمعابر الحدودية والجسور، وتدارسنا بصورة خاصة الاحتياجات الملحّة، لجهة تشغيل الجسور الحدودية وتنظيم الحركة عليها، وسُبل تلبيتها دون إبطاء. كما تابعنا مناقشة المعالجات الضرورية لمشكلات التفتيش والمعاينة على الحدود وغيرها مما تسبّبت بها بعض التدابير والإجراءات المتعلّقة بالقيود على انتقال البضائع بين البلدين. وشدّدنا على أهمية رفع العوائق أمام كل ما يُلحق الضرر بمصالح الطرفين».

جانب من لقاء الشرع وسلام الذي ضم وزراء لبنانيين وسوريين (رئاسة الحكومة اللبنانية)

وبحث المسؤولون اللبنانيون والسوريون أيضاً في قضية الرسوم المفروضة على الصادرات ورسوم الترانزيت. وقال سلام: «تمّ الاتفاق على تعزيز التعاون في مجالات المواصفات والمعايير الفنية والفحوصات المخبرية، واتفقنا أيضاً على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية، بما في ذلك التجارة التفضيلية بين البلدين وتشجيع الاستثمارات. واستقرّ الرأي على الإسراع في إطلاق مجلس أعمال لبناني - سوري مشترك على أن يُعقد اجتماع له في دمشق خلال الأسابيع المقبلة».

وتناولت المباحثات اللبنانية - السورية تفعيل وتحسين سبل الربط الكهربائي لتسهيل استجرار لبنان الكهرباء من سوريا وعبرها، وإبرام اتفاقية عبور غاز طبيعي، والسعي إلى تحقيق ذلك في أقرب فرصة ممكنة، حسبما قال سلام. وقال: «ننشئ لجاناً فنية مشتركة ونكثف التواصل على المستوى الوزاري».

وتشهد العلاقات السورية - اللبنانية مرحلة جديدة من التعاون وإعادة التأسيس، تميزت بزيارات رسمية متبادلة رفيعة المستوى، بهدف تعزيز مسار العلاقات الأخوية القائمة على الاحترام المتبادل لسيادة البلدين، وتفعيل التعاون المشترك في عديد من الملفات الحيوية والقضايا المشتركة التي تهم البلدين.

الشرع يستقبل سلام في القصر الرئاسي في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended