غزة: 18 قتيلاً في استهداف إسرائيلي لمنتظري المساعدات عند محور نتساريم

سكان القطاع يضطرون إلى السير على الأقدام لساعات للوصول إلى مواقع التوزيع

فلسطيني يحمل كيساً في حين يتجمع هو وآخرون لتسلّم إمدادات المساعدات من «مؤسسة غزة الإنسانية» المدعومة من الولايات المتحدة في خان يونس بجنوب قطاع غزة 29 مايو (أرشيفية - «رويترز»)
فلسطيني يحمل كيساً في حين يتجمع هو وآخرون لتسلّم إمدادات المساعدات من «مؤسسة غزة الإنسانية» المدعومة من الولايات المتحدة في خان يونس بجنوب قطاع غزة 29 مايو (أرشيفية - «رويترز»)
TT

غزة: 18 قتيلاً في استهداف إسرائيلي لمنتظري المساعدات عند محور نتساريم

فلسطيني يحمل كيساً في حين يتجمع هو وآخرون لتسلّم إمدادات المساعدات من «مؤسسة غزة الإنسانية» المدعومة من الولايات المتحدة في خان يونس بجنوب قطاع غزة 29 مايو (أرشيفية - «رويترز»)
فلسطيني يحمل كيساً في حين يتجمع هو وآخرون لتسلّم إمدادات المساعدات من «مؤسسة غزة الإنسانية» المدعومة من الولايات المتحدة في خان يونس بجنوب قطاع غزة 29 مايو (أرشيفية - «رويترز»)

قُتل ما لا يقل عن 18 فلسطينياً، اليوم (الثلاثاء)، في أثناء انتظارهم للحصول على مساعدات غذائية في نقطة توزيع قرب محور نتساريم وسط قطاع غزة، حسب مصادر طبية وشهود عيان.

وأفادت مصادر وزارة الصحة في قطاع غزة بأن القتلى كانوا متجمعين أمام ما وصفته بمركز توزيع يخضع لإشراف مؤسسة دولية مدعومة من أميركا وإسرائيل، عندما تعرضوا لإطلاق نار مباشر من قِبل الجيش الإسرائيلي.

وذكر مسعفون أن المصابين نُقلوا إلى مستشفى العودة في مخيم النصيرات وسط غزة، ومستشفى القدس في مدينة غزة بشمال القطاع، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر شهود أن مئات المدنيين تجمهروا منذ ساعات الصباح الأولى، في محاولة للحصول على طرود غذائية محدودة، وسط نقص حاد في المواد الأساسية. وقالوا إن إطلاق النار أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، وخلق حالة من الذعر في المكان.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه يحقق في الحادث. وكان الجيش الإسرائيلي قد حذّر الفلسطينيين الأسبوع الماضي من الاقتراب من الطرق المؤدية إلى مواقع «مؤسسة غزة» بين الساعة السادسة مساء والسادسة صباحاً بالتوقيت المحلي، ووصف هذه الطرق بأنها مناطق عسكرية مغلقة.

فلسطينيون يحملون أكياساً تحتوي على مساعدات غذائية قدمتها «مؤسسة غزة الإنسانية» المدعومة من الولايات المتحدة في رفح (أ.ب)

ولم يصدر أي تعليق فوري من «مؤسسة غزة» على حادثة اليوم (الثلاثاء). وبدأت «مؤسسة غزة» توزيع الطرود الغذائية في القطاع نهاية شهر مايو (أيار)، وتشرف على نموذج جديد لتوزيع المساعدات تقول الأمم المتحدة إنه يفتقر إلى الحياد والنزاهة.

السير على الأقدام لساعات

ومع ذلك، يقول الكثير من سكان القطاع إنهم يضطرون إلى السير على الأقدام لساعات للوصول إلى مواقع التوزيع؛ مما يعني أنه يتعيّن عليهم بدء التحرك قبل الفجر بوقت كافٍ حتى ينجحوا في الحصول على أي فرصة لتلقي طعام. وفي الوقت الذي تقول فيه «مؤسسة غزة الإنسانية» إن ما تسميها مواقع التوزيع الآمنة لم تشهد حدوث أي وقائع، يقول الفلسطينيون الساعون للحصول على مساعدات إنه لا يوجد نظام، ومسارات الوصول إلى هذه المواقع تشوبها فوضى وأعمال عنف دامية. وقال محمد أبو عمرو، وهو أب لطفلَيْن يبلغ من العمر 40 عاماً لوكالة «رويترز» للأنباء عبر تطبيق مراسلات: «أنا توجهت هناك الساعة 5 الصبح على أمل أجيب شوية أكل؛ لكن وأنا رايح لقيت الناس مروحين ما معاهم شي، وقالوا إن كل المساعدات خلصت في خمس دقائق... جنون هادا ومش كافي». وقال: «عشرات الآلاف من الناس بييجوا من المنطقة الوسطى ومن شمال غزة، وبعضهم بيمشي مسافة 20 كيلومتراً، وبعد كل هيك بيروحوا خيبانين (مُحبطين) ومقهورين». وأضاف أنه سمع دوي إطلاق النار؛ لكنه لم يرَ ما حدث.

وذكرت وكالة الصحافة الفلسطينية (صفا)، في وقت سابق، أن «عشرات المواطنين استشهدوا في مواقع توزيع المساعدات التي تدعمها الولايات المتحدة وإسرائيل، منذ أن بدأت عملها أواخر الشهر الماضي».

«نقطة في محيط»

وقالت السلطات الصحية المحلية، في وقت لاحق من اليوم (الثلاثاء)، إن القوات الإسرائيلية شنّت هجوماً على منزل في دير البلح وسط قطاع غزة أسفر عن مقتل 8 أشخاص، ليرتفع عدد القتلى إلى 25 على الأقل.

وبشكل منفصل، قال الجيش الإسرائيلي إنه اعترض صاروخاً أُطلق من شمال غزة صوب مستوطنات إسرائيلية، مما يشير إلى أن «حماس» وغيرها من الجماعات المسلحة لا تزال قادرة على شنّ هجمات رغم تدمير إسرائيل أسلحتها. سمحت إسرائيل باستئناف عمليات محدودة تقودها الأمم المتحدة بغزة في 19 مايو (أيار) بعد حصار استمر 11 أسبوعاً في القطاع الذي يقطنه 2.3 مليون نسمة، حيث حذّر خبراء من مجاعة تلوح في الأفق. ووصفت الأمم المتحدة المساعدات المسموح بدخولها إلى غزة بأنها «نقطة في محيط».

وقال شهود إن ما لا يقل عن 40 شاحنة تحمل الطحين (الدقيق) إلى مستودعات الأمم المتحدة تعرّضت للنهب من نازحين فلسطينيين يعيشون ظروفاً بائسة، وكذلك من لصوص، قرب دوار النابلسي بمحاذاة الطريق الساحلي في مدينة غزة. وتقول السلطات الصحية في غزة إن الحرب الإسرائيلية على القطاع منذ ذلك الحين أدت إلى مقتل ما يزيد على 54 ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين، إلى جانب تدمير مساحات كبيرة من القطاع الساحلي.

وكانت وسائل إعلام فلسطينية أفادت في وقت سابق، اليوم (الثلاثاء)، بمقتل 12 مواطناً فلسطينياً وإصابة 124 آخرين في إطلاق نار إسرائيلي على منتظري المساعدات في محور «نتساريم» وسط قطاع غزة.

ووفق «المركز الفلسطيني للإعلام»، فإن «طواقم مستشفى القدس في غزة استقبلت منذ ساعات الفجر الأولى 12 شهيداً، وأكثر من 124 إصابة مختلفة، نتيجة استهداف قوات الاحتلال المواطنين المحتشدين لتسلم المساعدات فيما يسمى محور نتساريم».

فلسطينيون يحملون مساعدات إنسانية من «مؤسسة غزة الإنسانية» في رفح أول من أمس (أ.ب)

ويفرض الجيش الإسرائيلي منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي حصاراً مشدداً على قطاع غزة، عقب فشل تمديد المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس».

وتوقفت المساعدات الإنسانية بشكل شبه كامل، مع منع معظم الشحنات الغذائية والطبية من الدخول، وتعطيلها عبر معابر تخضع لإشراف الجيش الإسرائيلي، حيث يتم فحصها لساعات طويلة، ما يعقّد عمليات الإغاثة.

وتسبّب هذا الوضع في تدهور إضافي للظروف الإنسانية في القطاع، حيث يعاني السكان، خصوصاً في المناطق الوسطى والشمالية، من نقص شديد في الغذاء والدواء.

مشيعون يشاركون في جنازة صحافي وثلاثة مسعفين فلسطينيين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية وفقاً لوزارة الصحة في مستشفى الشفاء بمدينة غزة (رويترز)

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت مراراً من «كارثة إنسانية وشيكة»، مشيرة إلى أن معظم سكان غزة يعيشون في ظروف انعدام أمن غذائي حاد. وفي تقرير مشترك صدر مؤخراً، قالت منظمة الأغذية والزراعة (WFP) ومنظمة الصحة العالمية إن «جميع المؤشرات تقود إلى خطر حقيقي لحدوث مجاعة في أجزاء من قطاع غزة خلال الأسابيع القليلة المقبلة»، ما لم يُسمح بدخول المساعدات دون عوائق.

فلسطينيون يحملون أكياساً تحتوي على مساعدات غذائية وإنسانية قدّمتها «مؤسسة غزة الإنسانية» في رفح (أ.ب)

وأدانت منظمات دولية، بينها «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» و«هيومن رايتس ووتش»، الاستخدام المتكرر للقوة ضد المدنيين في أثناء تجمعهم للحصول على المساعدات.

وأسفرت الحرب الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 54 ألف فلسطيني، وفقاً لوزارة الصحة في غزة، التي قالت إن النساء والأطفال يشكلون معظم القتلى.

وتتواصل المحادثات غير المباشرة بين الطرفَيْن بوساطة مصرية وقطرية وأميركية، دون التوصل حتى الآن إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.