خطة لبنانية جديدة لإعادة النازحين السوريين

نائب رئيس الحكومة لـ«الشرق الأوسط»: الترحيل القسري والجماعي غير وارد

نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر المصنع بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)
نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر المصنع بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

خطة لبنانية جديدة لإعادة النازحين السوريين

نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر المصنع بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)
نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر المصنع بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

أنهت اللجنة الوزارية اللبنانية المكلفة ملف النازحين السوريين إعداد خطتها لإعادتهم إلى بلدهم، وتستعد لعرضها على مجلس الوزراء قريباً لأخذ موافقته على المضي قدماً بتنفيذها.

وتحاول الحكومة اللبنانية الاستفادة من التطورات الكثيرة التي شهدها الملف السوري منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، كذلك بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع العقوبات عن سوريا.

ويرى لبنان أن الظروف التي كانت تمنع عودة القسم الأكبر من النازحين، وأبرزها الأمنية، لم تعد موجودة رغم موجة النزوح الجديدة التي شهدها الشمال اللبناني في مارس (آذار) 2025، مع وصول نحو 40 ألف شخص هربوا من المناطق الساحلية السورية.

تفاصيل الخطة

ويكشف نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، والذي يترأس اللجنة الوزارية، عن أن اللجنة أنجزت خطة جديدة لإعادة النازحين السوريين تقوم على مراحل عدة، وستعرضها على مجلس الوزراء في أقرب فرصة لأخذ موافقته على المضي قدماً بها.

ولفت متري، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الخط «تضع في الحسبان أن عدداً كبيراً من السوريين، ولدوافع مختلفة، بدأوا في العودة إلى بلدهم»، مشيراً إلى عدم وجود رقم دقيق لعدد العائدين.

نائب رئيس الحكومة طارق متري (الوكالة الوطنية للإعلام)

ويوضح متري أن «عدداً كبيراً من النازحين أبدى استعداده للعودة، بحسب استطلاع رأي أجرته مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، أضف أن الحكومة السورية (برئاسة الرئيس أحمد الشرع) لا تعارض عودتهم، وإن كانت قلقة من الظروف المعيشية والسكنية»، عادَّاً أن «كل ذلك يجعل العودة الطوعية ممكنة وعلى مراحل».

ويضيف: «سنسعى لإنجاز المرحلة الأولى قبل انطلاق العام الدراسي مطلع شهر سبتمبر (أيلول) المقبل من دون القدرة على تحديد الأعداد، وإن كنا نتوقع أن تتراوح بين 200 و300 ألف، وذلك يتوقف على نجاح العملية».

ويشرح متري أن «العودة ستنقسم بين منظمة وغير منظمة، بحيث يتم في الأولى تسجيل الأسماء وتأمين حافلات لنقلهم إلى الداخل السوري على أن يحصل كل نازح على مبلغ 100 دولار. أما بخصوص العودة غير المنظمة فسيكون على النازح أن يحدد موعد مغادرته وتأمين وسيلة التنقل، لكنه سيحصل أيضاً على 100 دولار»، لافتاً إلى أن «الأمن العام اللبناني سيعفي المغادرين من الغرامات المترتبة عليهم نتيجة إقامات منتهية الصلاحية، مع شرط عدم العودة إلى لبنان».

ويوضح متري أن «الحكومة تلقت وعوداً بأن تدعم الهيئات المانحة وبعض الدول العائدين إلى سوريا للاستقرار هناك وعدم العودة بطريقة غير شرعية إلى لبنان لأسباب اقتصادية»، مؤكداً أن «الترحيل القسري الجماعي غير وارد».

النازحون بالأرقام

ويُقدَّر عدد السوريين في لبنان، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بنحو 1.4 مليون شخص، من بينهم 717657 نازحاً مسجّلين لدى المفوضية.

وبحسب الأرقام الرسمية للمفوضية فقد عاد 507672 نازحاً إلى سوريا عبر الدول المجاورة منذ 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، منهم 172801 من لبنان.

ويطالب قسم كبير من القوى السياسية اللبنانية منذ سنوات بوقف إعطاء المساعدات المالية للنازحين في لبنان لحثّهم على العودة، ومنح هذه المساعدات لمن يعود منهم.

تراجع الخدمات

ومؤخراً، أبلغت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وزارة الصحة اللبنانية، بوقف تقديم الدعم الصحي للاجئين السوريين في لبنان، ابتداءً من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، «بسبب قلة التمويل المقدم من الدول المانحة».

وتوضح الناطقة باسم مفوضية اللاجئين في لبنان، ليزا أبو خالد، أن المفوضية ستضطر إلى التوقف كاملاً عن دعم التكاليف الاستشفائية للاجئين مع نهاية عام 2025؛ وذلك نتيجة النقص الكبير في التمويل، لافتة إلى أنه «تم بالفعل إيقاف الدعم الصحي الأولي؛ ما سيؤثر بشكل مباشر على 80 ألف لاجئ».

سوريون يغادرون إلى سوريا عبر نقطة المصنع الحدودية في سبتمبر 2024 خلال الحرب الإسرائيلية الموسعة على لبنان (أ.ب)

وتشير أبو خالد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «برامج المساعدات النقدية تأثرت هي الأخرى بشكل كبير، حيث انخفضت قدرتنا على الوصول إلى المستفيدين بنسبة 65 في المائة منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، ضمن إطار البرنامج النقدي المشترك بين المفوضية وبرنامج الأغذية العالمي. وفعلياً، اضطررنا إلى وقف المساعدة عن 350 ألف شخص من الفئات الضعيفة، وما زلنا نفتقر إلى التمويل اللازم لدعم الـ200 ألف المتبقين بعد سبتمبر».

وتكشف أبو خالد عن أنه «سيتم إنهاء الدعم المقدم للتعليم، وخصوصاً المساعدة للأطفال اللاجئين غير الملتحقين بالمدارس، بما يشمل برامج محو الأمية وتعليم الحساب، بحلول يوليو (تموز) 2025. وسيتأثر بذلك بشكل مباشر نحو 15 ألف طفل.

مع الإشارة إلى إجراء تقليصات صعبة في القوى العاملة، بنسبة 30 في المائة في عام 2025؛ ما يعني خسارة أكثر من 150 موظفاً من الكوادر المهمة بحلول نهاية العام».

خطة لإعادة 400 ألف نازح

وترى أبو خالد أن «السياق الحالي يُعد فرصة إيجابية لعودة أعداد أكبر من اللاجئين السوريين إلى وطنهم، أو للبدء في التفكير في العودة بشكل واقعي ومستدام»، إلا أنها تستطرد قائلة: «لكن لا تزال الأزمة الإنسانية في سوريا كبيرة، حيث يحتاج الملايين إلى مساعدات عاجلة تشمل الغذاء والمأوى والرعاية الصحية وغيرها. وقد أعرب كثير من اللاجئين عن رغبتهم في العودة إلى بلادهم، لكنهم ما زالوا مترددين بسبب الظروف غير المؤكدة على المدببن القصير والطويل. ومن أبرز المخاوف: الوصول إلى التعليم وفرص كسب العيش، وقضايا السكن والأراضي والممتلكات غير المحسومة، فضلاً عن توفر المساعدات الإنسانية عند العودة؛ ما يحتّم على المجتمع الدولي أن يكثف جهوده لتلبية هذه الاحتياجات ودعم جهود التعافي الطويلة الأمد في سوريا».

نقطة جمارك المصنع اللبنانية على الحدود مع سوريا (أ.ف.ب)

وتكشف أبو خالد عن أن «المفوضية وشركاءها الإنسانيين في لبنان وضعوا خطة عمل مشتركة للعودة الطوعية تهدف إلى مساعدة نحو 400 ألف لاجئ سوري، من ضمنهم 5000 لاجئ فلسطيني من سوريا، على العودة الطوعية من لبنان إلى سوريا في عام 2025 بصفته أفضل سيناريو ممكن. وتتضمن الخطة تقديم مساعدات لتسهيل العودة، إضافة إلى النقل والمساعدة في الوثائق المطلوبة داخل سوريا».


مقالات ذات صلة

تعهد «حزب الله» بتحييد لبنان... بين قرار طهران وحسابات الداخل

المشرق العربي لافتات رُفعت على طريق المطار لشكر إيران على وقف إطلاق النار في لبنان (الشرق الأوسط)

تعهد «حزب الله» بتحييد لبنان... بين قرار طهران وحسابات الداخل

يثير تعهد «حزب الله» بعدم توجهه للانخراط عسكرياً إذا شنّت أميركا أو إسرائيل حرباً جديدة على إيران، تساؤلات حول خلفيات هذا الموقف ومدى قدرته على الصمود.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية تنفذ مناورة داخل بلدة زوطر الشرقية المحتلة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

هل تكبح ضغوط بيئة «حزب الله» مشاركته بالحرب؟

تتصدر تداعيات حرب إسرائيلية على بيئة «حزب الله» قائمة النقاشات داخل الحزب مع احتمالات انخراطه في حرب محتملة على إيران.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال عظة الأحد في بكركي (الوكالة الوطنية)

بيع الأراضي يثير هواجس مسيحية من تغيّر ديموغرافي في لبنان

أعاد تحذير البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي من تزايد بيع الأراضي في لبنان هواجس مسيحية تتجاوز انتقال الملكيات إلى احتمال تبدّل التركيبة السكانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الخليج الأمير عبد العزيز بن سعود وزير الداخلية السعودي ونظيره اللبناني أحمد الحجار (الشرق الأوسط)

تأكيد سعودي - لبناني على تعزيز التعاون الأمني

بحث الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية السعودي ونظيره اللبناني أحمد الحجار الأحد المستجدات الراهنة بالمنطقة، وأكدا على تعزيز التعاون الأمني الثنائي

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي الراعي لدى وصوله إلى العاقورة لترؤس قداس الأحد (فيسبوك)

الراعي يُحذّر من تهريب السلاح عبر الحدود: تهديد لأمن لبنان

حذّر البطريرك الماروني بشارة الراعي من أن تكرار محاولات تهريب المتفجرات والسلاح عبر الحدود الى لبنان «يكشف أن أي ثغرة في ضبط الحدود يمكن أن تتحول إلى تهديد».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

توقيف ضباط سابقين متهمين بجرائم حرب بينهم ابن عم بشار الأسد

متظاهرون يحملون صور ضحايا تعذيب خلال جلسة محاكمة عاطف نجيب في «قصر العدل» بدمشق يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
متظاهرون يحملون صور ضحايا تعذيب خلال جلسة محاكمة عاطف نجيب في «قصر العدل» بدمشق يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

توقيف ضباط سابقين متهمين بجرائم حرب بينهم ابن عم بشار الأسد

متظاهرون يحملون صور ضحايا تعذيب خلال جلسة محاكمة عاطف نجيب في «قصر العدل» بدمشق يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
متظاهرون يحملون صور ضحايا تعذيب خلال جلسة محاكمة عاطف نجيب في «قصر العدل» بدمشق يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أعلنت وزارة الداخلية السورية عن القبض على 15 شخصاً من الضباط والمسؤولين السوريين السابقين، خلال عمليات نفذتها قيادة الأمن الداخلي في مدينة حمص، في حين قال المتحدث باسم الوزارة، نور الدين البابا، في مؤتمر صحافي عقد الاثنين، إن من أبرز الموقوفين العقيد في «الفرع105» يحيى الأسد (ابن عم بشار الأسـد).

وضمت قائمة الموقوفين التي أعلنها البابا: قائد «الفرقة24» سابقاً مدير إدارة الدفاع الجوي اللواء محمد ديب عفوف، ورئيس قسم التحقيق في إدارة المخابرات الجوية محمد تركي منون، ورئيس فرع التحقيق في الإدارة ذاتها سالم نورس الداغستاني. كما ضمت القائمة أيضاً العميد في شعبة الأمن السياسي رياض حمدو شحادة، ورئيس «محكمة الإرهاب» غازي بدر عبد الصالح، والضابط برتبة عميد في «مستشفى تشرين العسكري» سعد الله جرجس مسعود، والضابط برتبة عميد مرهف محسن علي السلامة، والعميد في الحرس الجمهوري أحمد فيصل المصطفى، إضافة إلى الطبيب العسكري شعيب فؤاد المرقدي.

يحيى الأسد ابن عم رئيس النظام المخلوع بشار الأسد الذي ألقى القبض عليه مع عشرات الضباط (مواقع تواصل)

وضمت القائمة الطيار المروحي راجح خضر ونوس، والطيار المروحي إبراهيم ياسين سلامة، والطيار الحربي منذر علي محمد العلي، إلى جانب كامل محمد شريف المتهم بالتورط في أحداث «مجزرة التضامن»، وعلاء صالح الأسد.

وأوضح البابا أنه قُبض على الضباط والمسؤولين التي وردت أسماؤهم في عمليات نفذتها قيادة الأمن الداخلي بمدينة حمص.

وفق موقع «شبكة شام»، لم يتضمن الإعلان تفاصيل إضافية عن هويات جميع الموقوفين أو الوقائع المحددة المنسوبة إلى كل منهم، فيما يُنتظر أن تحدد التحقيقات طبيعة الاتهامات والمسؤوليات الفردية.

تكريم والد المقاتل محمد صبيحة الذي ارتقى خلال معارك التحرير ضد نظام الأسد على جبهات حماة حيث سُلّم درعاً تكريمية تقديراً لتضحيات نجله (قوى الأمن الداخلي)

في شأن متصل، ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عبد البر يوسف السعد، على خلفية تورطه في جرائم حرب وانتهاكات بحق المدنيين خلال الثورة السورية. وذكرت قوى الأمن الداخلي، الاثنين، أن سجلات التحقيق أظهرت ‏«مشاركة المذكور في معارك وحملات عسكرية إلى جانب النظام البائد، كما وثقت تسجيلاتٌ مرئيةٌ قيامَه بالتمثيل بجثمان أحد الشهداء خلال معركة (ردع العدوان). وتتواصل التحقيقات مع الموقوف للكشف عن ملابسات جرائمه، وتوثيق الأدلة والوقائع المرتبطة بها، تمهيداً لإحالته إلى القضاء المختص ونيل جزائه العادل».

ووفق توثيق «الإخبارية السورية»، في 20 سبتمبر (أيلول) الماضي، فقد أعلنت قوى الأمن الداخلي القبض على المقدّم في مخابرات النظام البائد سليمان أحمد حسن، في عملية أمنية استندت إلى رصد تحركاته ومتابعتها.

سورية تحمل صور أقارب لها خلال أبريل الماضي كانوا قتلوا في «مجزرة التضامن» جنوب دمشق (إ.ب.أ)

وأظهرت التحقيقات الأولية في حينها أنه «عمل في شعبة المخابرات العسكرية، وتولى رئاسة قسم التحقيق، ثم قسم الشؤون القانونية في (الفرع248)؛ إذ ارتبطت مهامه بالتحقيقات المتعلقة بالمظاهرات وملفات المعارضة والضباط المنشقين خلال سنوات الثورة السورية».

وفي اليوم ذاته، قُبض على العميد الركن الطيار زكريا محمد سنون الذي تولى رئاسة «فرع العمليات» في «الفرقة22» بين عامي 2012 و2020.

وفي 15 يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت وزارة الداخلية توقيف 3548 شخصاً من أصحاب الرتب العسكرية المرتبطة بالنظام البائد، وفق إحصائية نشرتها الوزارة، شملت ضباطاً برتب مختلفة بينهم 42 لواء، و172 عميداً، و218 عقيداً.


تعهد «حزب الله» بتحييد لبنان... بين قرار طهران وحسابات الداخل

لافتات رُفعت على طريق المطار لشكر إيران على وقف إطلاق النار في لبنان (الشرق الأوسط)
لافتات رُفعت على طريق المطار لشكر إيران على وقف إطلاق النار في لبنان (الشرق الأوسط)
TT

تعهد «حزب الله» بتحييد لبنان... بين قرار طهران وحسابات الداخل

لافتات رُفعت على طريق المطار لشكر إيران على وقف إطلاق النار في لبنان (الشرق الأوسط)
لافتات رُفعت على طريق المطار لشكر إيران على وقف إطلاق النار في لبنان (الشرق الأوسط)

يثير تعهد «حزب الله» بعدم توجهه للانخراط عسكرياً إذا شنّت الولايات المتحدة أو إسرائيل حرباً جديدة على إيران، تساؤلات حول خلفيات الموقف ومدى قدرة الحزب على الصمود أمام تطورات الميدان. فبعد تجربة مارس (آذار) 2026، حين عاد الحزب إلى فتح الجبهة اللبنانية على رغم التعهدات التي قطعها بشأن عدم التدخل، يعود اليوم السؤال حول ما إذا أصبحت الاعتبارات الداخلية تفرض قيوداً أكبر على قراره، أم أن التوجه الجديد يعكس حسابات إيرانية تميل إلى عدم إشراك الحزب.

وفيما لم يؤكد «حزب الله» ولم ينفِ المعلومات حول قراره، برز يوم الاثنين موقف عضو كتلة الحزب النائب حسن فضل الله، الذي أكد أن «قرار المقاومة قرار لبناني تأخذه قيادتها، ولا أحد في الخارج ولا في الداخل يمليه عليها»، مشدداً على استمرار هذا النهج في عهد الأمين العام السابق السيد حسن نصر الله، وكذلك في عهد الشيخ نعيم قاسم.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله (رويترز)

«حزب الله» والمصلحة الوطنية

«هذا الموقف نابع من إرادتنا وتقديرنا وتشخيصنا للمصلحة الوطنية» قال فضل الله، مؤكداً أن «قيادة المقاومة تعلن الموقف في وقته، وكلّه تحت سقف القضية التي نقاتل من أجلها، وهي قضية الجنوب وتحرير الأرض»، لافتاً إلى أن «إيران لم تطلب منّا في السابق ولا اليوم أن نساندها في مواجهة العدوان الأميركي الإسرائيلي».

وفي حين ترى مصادر وزارية أن كلام فضل الله حول «المصلحة الوطنية» يستحق التوقف عنده، لكنها ترى «أنه لا يكفي لتبديد المخاوف، خصوصاً أن تجارب سابقة شهدت تقديم تطمينات لم تلبث أن سقطت وفقاً للحسابات الإقليمية».

القرار عند «الحرس الثوري»

من هنا يعيد كلام فضل الله مسألة استقلالية الحزب وموقفه من أي مواجهة مقبلة إلى الواجهة. وهذا ما تشير إليه المصادر الوزارية، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أن رئيس الجمهورية أُبلغ، بصورة غير مباشرة، بأن (حزب الله) لن ينخرط في أي حرب مقبلة إلى جانب إيران، إلا أن ذلك لا يبدّد المخاوف من احتمال تبدّل الموقف مع تطورات الميدان»، مستحضرة بذلك «تجربة حرب إسناد إيران، حين سبقت فتح الجبهة تطمينات مماثلة لم تصمد أكثر من 48 ساعة».

لذا ترى المصادر الوزارية أن القرار النهائي لـ«حزب الله» الذي لا يزال يرفض تنفيذ قرارات الحكومة «يرتبط بحسابات (الحرس الثوري) الإيراني»، معتبرة أن هامش الحزب في اتخاذ قرار يتعارض مع توجهات طهران يبقى محدوداً». وتشير المصادر، في هذا الإطار، إلى معلومات تتحدث عن «تباين في وجهات النظر داخل (الحرس الثوري) حيال الحرب، بين اتجاه يؤيد خوضها وآخر يعارضها، ما يضيف عاملاً من عدم اليقين بشأن مسار المواجهة وانعكاساتها المحتملة على لبنان».

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

«مناورة سياسية تكتيكية»

في حين يرى البعض أنه يفترض أن تنعكس تداعيات الحرب السابقة نفسها على حسابات الحزب، في ظل الدمار والنزوح وأعباء إعادة الإعمار خاصة على بيئته، إضافة إلى أن الانخراط في حرب جديدة قد يعمّق الخلاف الداخلي حول قرار الحرب والسلم، وقرارات الحكومة حيال حصرية السلاح؛ يضع أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية عماد سلامة «وعود (حزب الله)» في خانة «المناورة السياسية التكتيكية».

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن التعويل على أي تعهدات يعلنها (حزب الله) بشأن عدم التدخل في حرب محتملة ضد إيران، إذ إن هذه التصريحات لا تتجاوز في كثير من الأحيان حدود المناورة السياسية والتكتيكية الهادفة إلى احتواء التوترات الداخلية وطمأنة الرأي العام اللبناني وتخفيف الضغوط عن الحزب، من دون أن تشكّل أي ضمانات فعلية لسلوكه العسكري أو السياسي».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وصور أمينه العام الأسبق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

في ظل كل الظروف والتغيرات التي طرأت على واقع «حزب الله» بشكل خاص والوضع في لبنان بشكل عام، يقول سلامة لـ«الشرق الأوسط»: «الحزب لا يخضع لقواعد اشتباك ملزمة للدولة اللبنانية، ولا يلتزم بمرجعية وطنية مستقلة تضبط قراراته العسكرية، كما لا توجد آليات قانونية أو دولية تضمن احترامه لتعهداته. والتجربة التي شهدها لبنان بين وعود عام 2025 والتطورات العسكرية في عام 2026 تعزز الشكوك حول مصداقية هذه الالتزامات».

بين الاعتبارات الداخلية والحسابات الإيرانية

فيما يتعلّق بالاعتبارات الداخلية لا سيما في ظل الضغوط التي يتعرض لها لبنان، يرى سلامة «أنها تؤثر في توقيت الخطاب السياسي للحزب وطبيعته، لكنها لا تحسم بالضرورة قراره الاستراتيجي الذي يبقى مرتبطاً إلى حد بعيد بالحسابات الإيرانية ومصالح طهران الإقليمية».

من هنا، يشدد سلامة «على أن أي تعهد بعدم التدخل يبقى موقفاً ظرفياً قابلاً للتبدل إذا اقتضت المصالح الإيرانية خلاف ذلك، بل إن مثل هذه التعهدات لا توفر ضمانات حتى لخصوم الحزب في الداخل اللبناني، الذين قد يجدون أنفسهم مجدداً أمام قرارات عسكرية وأمنية أحادية تتجاوز الدولة ومؤسساتها».

مبانٍ دمّرها القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت وبدا علم لـ«حزب الله» في 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وكان «حزب الله» قد تعهد لرئيس البرلمان نبيه بري الذي أبلغ بدوره المسؤولين في لبنان، بأنه لن يتدخل بالحرب الأميركية لكنه تصرف عكس ذلك وأطلق الصواريخ الست باتجاه إسرائيل في مارس 2026، ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر قولها حينها بأن برّي شعر بأنه تعرّض للخداع.

وفي الإطار نفسه، قال رئيس الحكومة نواف سلام إن «التعهدات التي تلقتها الحكومة بعدم تدخل الحزب لم تصمد أكثر من 48 ساعة»، وذلك بعدما أطلق الحزب الصواريخ «ثأراً لخامنئي»، وفق ما قال حينها.


الحملة الإسرائيلية في الخليل تفتح خلافاً بين الحكومة والجيش

جنود إسرائيليون يداهمون مباني فلسطينية خلال العملية العسكرية في الخليل في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)
جنود إسرائيليون يداهمون مباني فلسطينية خلال العملية العسكرية في الخليل في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)
TT

الحملة الإسرائيلية في الخليل تفتح خلافاً بين الحكومة والجيش

جنود إسرائيليون يداهمون مباني فلسطينية خلال العملية العسكرية في الخليل في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)
جنود إسرائيليون يداهمون مباني فلسطينية خلال العملية العسكرية في الخليل في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

تحولت عملية المداهمات والتفتيش الإسرائيلية في مدينة الخليل، التي بدأت الجمعة، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين، إلى محل خلاف كبير وجدل بين حكومة بنيامين نتنياهو، وقيادة الجيش الإسرائيلي عشية الانتخابات التي تجرى الثلاثاء.

وبينما تواصل قوات الفرقة 98 عملياتها المكثفة في المدينة، التي تشمل إجبار فلسطينيين على النزوح في مناطق محددة، واعتقالات والبحث عن أسلحة، وهدم المباني، يرى الجيش الإسرائيلي أنه في ضوء النتائج التشغيلية الضعيفة حتى الآن، ينبغي إعادة النظر في ضرورة استمرار العملية بشكلها الحالي.

آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ)

ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الاثنين، عمن وصفتها بـ«مصادر مطلعة»، أنه «خلال اجتماع حضره رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، طرح رئيس الأركان آيال زامير موقفه بأن الوقت قد حان لإنهاء العملية في الخليل؛ إلا أن رئيس الوزراء ووزير الدفاع تحفظا ورفضا وأمرا باستمرار العملية. وفي نهاية المطاف، لم يُقبل موقف رئيس الأركان، وتقرر استمرار العملية».

وكان نتنياهو وكاتس قرر إطلاق العملية يوم الجمعة الماضي، وتحدثا عن عملية واسعة ونقل نموذج المخيمات (أي إجبار السكان على النزوح) في شمال الضفة إلى الخليل عبر هدم أحياء سكنية، وتحديداً الحي الذي خرج منه المنفذون وإبقاء الجيش هناك، وتعهدا بهدم البنية التحتية واعتقال مطلوبين وجمع الأسلحة. وهو أمر لم يرق للجيش الإسرائيلي الذي أعلن عن عملية محدودة لعدة أيام بخلاف ما روج له نتنياهو وكاتس.

وبعد أيام من العملية، أجلى الجيش الإسرائيلي فعلاً نحو 2600 فلسطيني واعتقل البعض ولم يجد أسلحة سوى بندقية ومسدس بعد تفتيش 500 منزل. وأعلن الجيش أنه فتش 500 موقع واعتقل 50 شخصاً ووجد حفرة (كهف) تحت الأرض بالقرب من منزل أحد المنفذين اللذين شاركا في الاشتباك الذي وقع نهاية الأسبوع الماضي.

وقال الجيش إن الحفرة لا توجد لها فتحة خروج، ولا يزال التحقيق بشأنها مستمراً من قبل الجهات المختصة. ويبلغ عمق الحفرة نحو 15 متراً وعرضها نحو 75 سنتيمتراً. ونؤكد أنها تقع داخل مدينة الخليل، ولا توجد أي بلدة إسرائيلية على مقربة منها.

وعُثر داخل الحفرة على جهاز إلكتروني نُقل لاستكمال التحقيق لدى قوات الأمن.

صوة لحفرة تحت الأرض بقرب منزل أحد المنفذين في الخليل وجدها الجيش الإسرائيلي (الجيش الإسرائيلي)

وقال مصدر عسكري لهيئة البث الإسرائيلية «كان» إن العملية في الخليل حققت أهدافها المتعلقة بالردع وجمع معلومات استخباراتية. وقال جنود مشاركون في العملية إنهم يجلسون مكتوفي الأيدي في الخليل وليس هناك ما يفعلونه حقاً، لكن هناك من لا يريد أن يعلن انتهاء العملية.

وقالت «كان» إن الجيش الإسرائيلي يعتزم إنهاء العملية، إلا أن نتنياهو وكاتس يرفضان ويطالبان باستمرارها.

وعقب أحد الجنود: «الآن نحن نضيع الوقت فقط. لا داعي لمواصلة العملية من أجل إيجاد مسدس إضافي أو علم لـ(حماس)، يمكنك دائماً العثور على سلاح آخر أو علم، لكن هذا ليس الهدف»، ملمحاً إلى دوافع انتخابية تقف وراء استمرار العملية.

وقال محافظ الخليل خالد دودين، إن عدد الفلسطينيين الذي غادروا منازلهم ارتفع إلى نحو 2600 بعدما فتشت أكثر من 500 منزل، وقطعت أوصال المدينة.

لكن بخلاف ما يريده نتنياهو وكاتس فهو يعتقد أن يعود السكان في وقت قريب إلى منازلهم، وليس كما حدث في المخيمات، إذ بقي نحو 40 ألفاً مشردين.

وأظهرت مؤشرات كثيرة أن الجيش لن يطبق نموذج المخيمات في الخليل في هذه المرحلة.

ويشير الجيش الإسرائيلي، من بين أمور أخرى، إلى الصعوبة القانونية المتمثلة في إبقاء السكان الفلسطينيين خارج منازلهم لفترة طويلة، لا سيما عندما لا تُحقق هذه العملية إنجازات عملياتية ملموسة.

فلسطينيان يمرران أكياساً من تحت بوابة حاجز إسرائيلي مغلق في الخليل بالضفة الغربية السبت (أ.ف.ب)

لكن المستوى السياسي يرفض هذه الصورة، ويقول إن وصول المنفذين مزودين بأسلحة آلية وكمية كبيرة من الذخيرة يستلزم من الجيش الإسرائيلي مواصلة البحث عن الأسلحة وتحديد مواقعها في المنطقة، ويزعمون أن استمرار العملية سيخلق رادعاً.

وقالت مصادر في وزارة الدفاع إن مجرد دخول قوات الجيش الإسرائيلي في نشاط مكثف في الخليل (المدينة الأكبر في الضفة) يُحدث أثراً في الوعي لدى الفلسطينيين، لا سيما أنه دخول إلى مدينة فلسطينية كالخليل وليس مخيمات اللاجئين كما حدث في مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended