كيف انهارت علاقة كندا بإسرائيل بعدما كانت «أفضل صديق»؟

صورة من المسيّرات التي خرجت في كندا دعماً لغزة (أ.ف.ب)
صورة من المسيّرات التي خرجت في كندا دعماً لغزة (أ.ف.ب)
TT

كيف انهارت علاقة كندا بإسرائيل بعدما كانت «أفضل صديق»؟

صورة من المسيّرات التي خرجت في كندا دعماً لغزة (أ.ف.ب)
صورة من المسيّرات التي خرجت في كندا دعماً لغزة (أ.ف.ب)

شهدت العلاقة بين كندا وإسرائيل تحولاً مفاجئاً من النقيض للنقيض، فالحكومة الكندية التي كانت تقف مع إسرائيل وتدافع عنها لسنوت أمام الانتقادات الدولية بسبب سياساتها ضد الفلسطينيين، أصبحت حالياً من الدول البارزة في مهاجمة إسرائيل.

واستعرضت هيئة الإذاعة الكندية في تقرير تاريخ العلاقات بين البلدين لتبرز التناقض الذي تشهده، وكانت حرب غزة نقطة التحول في العلاقات التي كانت توصف فيها كندا بـ«أفضل صديق» لإسرائيل.

جنود إسرائيليون ودبابات قرب حدود غزة مع إسرائيل وسط استمرار العمليات العسكرية (رويترز)

وقالت الهيئة إن علاقة كندا بإسرائيل قطعت شوطاً طويلاً منذ عام 2015، عندما تنافس رئيس الوزراء ستيفن هاربر ومنافسه الطموح جاستن ترودو على لقب «أفضل صديق» للدولة اليهودية.

وبعد فوزه بالأغلبية في عام 2011، جعل هاربر كندا تنضم إلى الكتلة المؤيدة بشدة لإسرائيل في الأمم المتحدة التي تضم الولايات المتحدة ومجموعة من الدول الصغيرة في جزر المحيط الهادئ التي تتبع عادةً نهج واشنطن.

وغالباً ما تنضم إلى هذه الكتلة دائرة أوسع من الدول المؤيدة لإسرائيل؛ إلا أنه في أكثر القضايا إثارة للجدل، صوّت أعضاؤها الأساسيون منفردين مع إسرائيل ضد أغلبية ساحقة.

ومنذ عام 2011، عارضت كندا تقريباً جميع القرارات التي تُؤيد الفلسطينيين أو تنتقد إسرائيل وهو ما يُمثل تراجعاً شبه كامل عن تصويتها على القرارات السنوية نفسها المتعلقة بإسرائيل وفلسطين قبل 15 عاماً.

وطوّر هاربر صداقة شخصية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حتى إنه عزف له على البيانو عام 2014، ولا يزال هاربر شخصية محبوبة في إسرائيل حتى اليوم.

ومع ذلك، زعم ستيفن برونفمان، كبير جامعي التبرعات لجاستن ترودو، أن السياسي الليبرالي هو الصديقُ الأفضل لإسرائيل، مشيراً إلى أنه، على عكس هاربر، زارها بالفعل، وهو ما عوّضه هاربر عدة مرات منذ ذلك الحين.

وقال ترودو خلال حملته الانتخابية عام 2015: «يجب أن تكون كندا دائماً صديقاً قوياً وحقيقياً لإسرائيل»، ولعدة سنوات تلت ذلك، لم يكن لدى إسرائيل أي سبب للشك في هذا الشعور.

واتخذت حكومة هاربر موقفاً مفاده أن إسرائيل تُستهدف بشكل غير عادل في الأمم المتحدة، وأصدرت تعليماتٍ للدبلوماسيين الكنديين بالدفاع عنها وواصل ترودو هذا النهج بل كانت حكومته مستعدة لقبول العزلة الدبلوماسية لدعمها إسرائيل، كما حدث في 2016، عندما انضمت إلى إسرائيل والولايات المتحدة ودول أخرى في معارضة قرار أممي يضمن حماية اتفاقية جنيف للمدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، بينما اصطفت بريطانيا وفرنسا وألمانيا و167 دولة أخرى في الجانب الآخر.

أمام مركز لتوزيع الطعام في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب)

2019: بدء تحول الأصوات

بدأ تحول موقف كندا في عام 2019، بعد أن شكل نتنياهو حكومته الإسرائيلية الخامسة والرابعة على التوالي.

بعد عام من الهجمات العنيفة التي شنها المستوطنون اليهود في الضفة الغربية، صوّتت كندا لصالح قرار في الأمم المتحدة يؤكد حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وتقلصت الكتلة الأساسية المؤيدة لإسرائيل.

وأدانت الجماعات المؤيدة لإسرائيل في كندا بشدة هذا التغيير في التصويت ووصفه مركز إسرائيل والشؤون اليهودية بأنه «انحراف كبير عن سجلّ دعم إسرائيل في الأمم المتحدة على مدى عشر سنوات».

ومع ذلك، واصلت كندا في الغالب اتباع نمط التصويت الذي أرساه هاربر، وواجه ترودو مجدداً انتقادات من وزراء ودبلوماسيين سابقين في عام 2020 بسبب سلبيته الملحوظة في مواجهة الخطط الإسرائيلية لضم أجزاء من الضفة الغربية.

2022: المستوطنون المتطرفون في إسرائيل يستولون على السلطة

في نهاية عام 2022، فاز نتنياهو بولاية سادسة بعد فترة وجيزة من الفراغ، لكن شركاءه التقليديين في الائتلاف رفضوا التعامل معه، فاضطر إلى اللجوء إلى أحزاب كانت سابقاً على هامش الساحة السياسية الإسرائيلية لتشكيل حكومة.

وشهدت اتفاقية الائتلاف الناتجة عن ذلك دخول بعض أكثر الشخصيات تطرفاً في الساحة السياسية الإسرائيلية إلى مناصب وزارية رئيسية، بمن فيهم بتسلئيل سموتريتش، الذي ساهم كثيراً في تدهور العلاقات مع كندا وحلفاء آخرين، والذي يعدّه العديد من الإسرائيليين الرجل الذي يمنع نتنياهو من التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة.

وعدّ مستوطنو الضفة الغربية العنيفون الحكومة الجديدة إشارة لتصعيد هجماتهم، وسرعان ما وجدت حكومة نتنياهو الجديدة نفسها على خلاف مع حلفائها، بدرجات متفاوتة، بشأن توسيع المستوطنات والتهجير ومصادرة الأراضي.

ولكن كما حدث في الماضي، فإن ما تسبب في النهاية في حدوث خلاف هو سلوك إسرائيل في الحرب.

هجوم 7 أكتوبر

بعد هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 قدمت حكومات غربية منها أميركا وكندا وفرنسا وبريطانيا دعماً قوياً لإسرائيل.

مذكرات التوقيف ومحادثات وقف إطلاق النار

مع ارتفاع عدد القتلى المدنيين بشكل حاد في الأشهر الأولى من الحرب الحالية في غزة، وجدت حكومة ترودو نفسها ممزقة بين دعمها الراسخ للمحكمة الجنائية الدولية ورغبتها الراسخة في عدم ملاحقة المحكمة لإسرائيل وهو ما عبرت عنه مراراً وتكراراً مع التهديد الضمني بأن تمويل كندا للمحكمة الجنائية الدولية على المحك.

وتفاقم الارتباك بشأن موقف كندا من مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية ضد نتنياهو في ربيع العام الماضي بسبب ضعف التواصل، الذي شابه عدم رغبة ترودو في إثارة غضب مؤيدي أيٍّ من الجانبين.

وشعر المسؤولون الكنديون بأن إسرائيل تلاعبت بهم عندما ضُغط عليهم لخفض تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بناءً على مزاعم بتواطؤ موظفيها مع «حماس» في هجمات 7 أكتوبر.

وفي مارس(آذار) 2024، بعد شهرين من تعليق تمويلها للأونروا، أعادت كندا تمويلها.

وظلت حكومة ترودو تدعم إسرائيل حتى عندما ردّ المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية على هجوم 7 أكتوبر بتصعيد هجماتهم على المزارع والمنازل الفلسطينية، في ظل إفلات الحكومة الإسرائيلية من العقاب، وتواطؤ متزايد مع الجيش الإسرائيلي.

وتراجعت كندا في البداية حتى مع فرض حلفائها في أوروبا وواشنطن عقوبات على المستوطنين وعندما أجبر العنف أوتاوا في النهاية على إعلان العقوبات، ترددت في تطبيقها فعلياً.

جنود إسرائيليون ينفّذون عمليات في رفح بغزة (رويترز)

وبرزت بوادر معارضة متزايدة داخل الكتلة الليبرالية، لا سيما مع ارتفاع عدد قتلى الأطفال في غزة. وكشفت استطلاعات الرأي عن أن الشباب الكنديين تحديداً انقلبوا على إسرائيل.

وفي يوليو (تموز) 2024، ومع سقوط نحو 40 ألف قتيل في غزة، انضم ترودو إلى رئيسي وزراء أستراليا ونيوزيلندا للدعوة إلى وقف إطلاق النار.

وفي يناير (كانون الثاني) 2024، أضرّ مقتل الطفلة هند رجب، البالغة من العمر خمس سنوات، التي قضت أياماً وحيدة في سيارة مثقوبة بالرصاص مع جثث عائلتها، وما تلاه من مقتل المسعفين الذين حاولوا إنقاذها، بصورة الجيش الإسرائيلي وقد هدمت تحقيقات صحيفة «واشنطن بوست» وشبكة «سكاي نيوز» نفي الجيش الإسرائيلي لتورطه في الحادث.

وشكّل الهجوم على قافلة مساعدات تابعة لمنظمة «وورلد سنترال كيتشن» غير الحكومية في أبريل (نيسان) 2024، الذي أودى بحياة عامل الإغاثة والجندي السابق في الجيش الكندي جاكوب فليكينجر، بداية نهاية دعم الحكومة الكندية غير المشروط لحملة إسرائيل على غزة.

وتفاقم نفور الرأي العام الأوروبي في مارس من هذا العام عندما انتهكت القوات الإسرائيلية وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين، وبعد خمسة أيام، هاجمت قافلة من سيارات الإسعاف في غزة، مما أسفر عن مقتل 15 مسعفاً وعامل إغاثة، وعندما عُثر على الجثث بعد أيام، ادّعى الجيش الإسرائيلي أنهم اقتربوا من نقطة تفتيش وأضواؤهم مطفأة، وأن الوفيات كانت نتيجة ارتباك مأساوي.

واضطر الجيش الإسرائيلي إلى تغيير روايته بعد أن ناقضها مقطع فيديو على جوّال عُثر عليه في جثة أحد المسعفين، لم يترك مجالاً للشك في أن الجنود كانوا يعرفون من يهاجمون.

القشة التي قصمت ظهر البعير: استخدام الجوع «سلاحاً»

في حين أن كندا والمملكة المتحدة وفرنسا طالبت إسرائيل سابقاً بضبط النفس، إلا أن البيان المشترك الذي أصدرته يوم الاثنين يختلف تماماً في لهجته ومضمونه عن أي بيان سابق.

يبدو أن ما دفع كندا وبريطانيا وفرنسا أخيراً إلى قول «كفى» هو استخدام الغذاء سلاحَ حرب.

وكشف الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي أمام البرلمان البريطاني هذا الأسبوع عن مدى الضرر الذي لحق بالعلاقات، فقد وصف عملية «عربات جدعون» الإسرائيلية - وهي خطة للسيطرة على غزة بالكامل - بأنها «قاسية ولا يمكن الدفاع عنها»، واستهدف لامي نتنياهو مباشرةً بقوله إنه «ينوي الاستمرار في استخدام الجوع ورقةَ ضغط».

وقال لامي أمام البرلمان: «هذا أمر بغيض. يواجه المدنيون في غزة المجاعة والتشرد والصدمة، وهم في أمسّ الحاجة إلى إنهاء هذه الحرب، قصفاً متجدداً ونزوحاً ومعاناة».

وقصفت إسرائيل المستشفيات مراراً وتكراراً، وتوقفت ثلاثة مستشفيات أخرى في شمال غزة عن العمل نهاية هذا الأسبوع. ومع ذلك، قُتل المزيد من عمال الإغاثة والعاملين في المجال الطبي، بعد أن كان العام الماضي الأكثر دموية على الإطلاق للعاملين في المجال الإنساني.

إطلاق نار في جنين

في اليوم التالي للبيان المشترك بين كندا والمملكة المتحدة وفرنسا، تعرض دبلوماسيون من عدة حكومات غربية أدانت حكومة نتنياهو لإطلاق نار من قِبل جنود إسرائيليين في أثناء زيارتهم لمدينة جنين بالضفة الغربية.

وادعى الجيش الإسرائيلي أنه أطلق طلقات تحذيرية في الهواء بعد أن انحرف الدبلوماسيون عن مسار متفق عليه، على الرغم من أن لقطات فيديو من موقع الحادث أظهرت جنوداً يوجهون بنادقهم أفقياً وكان أربعة من موظفي السفارة الكندية، بمن فيهم رئيس البعثة، من بين الذين اضطروا للاختباء.

ووصف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إطلاق النار بأنه «غير مقبول بتاتاً: إنه واحد من أمور كثيرة غير مقبولة بتاتاً تحدث في المنطقة».

بعد وقت قصير من انتقاد لامي للجيش الإسرائيلي لقصفه المستشفيات، شنّت القوات الإسرائيلية هجمات جديدة على مستشفى في جباليا شمال غزة.

واختتمت هيئة الإذاعة الكندية تقريرها بقولها: «بالنسبة لبنيامين نتنياهو، ينذر هذا الأسبوع بمستقبل صعب، فرغم أنه لا يزال موضع ترحيب في واشنطن، لكن من الصعب تخيله يفكر يوماً في زيارة أوتاوا أو لندن أو باريس مرة أخرى، في ظل وجود مذكرة توقيف دولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب معلقة فوق رأسه».


مقالات ذات صلة

ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

خاص مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)

إسرائيل تمعن بخرق الهدنة وتدمير وإحراق القرى اللبنانية المحتلّة

مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تمعن بخرق الهدنة وتدمير وإحراق القرى اللبنانية المحتلّة

مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)
مواطنون يمشون على أنقاض منزل مُدمَّر نتيجة القصف الإسرائيلي في بلدة جبشيت بجنوب لبنان (أ.ب)

تتواصل الخروقات الإسرائيلية للهدنة التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على جبهة لبنان، في ظلِّ استمرار العمليات العسكرية والغارات التي يشنّها الطيران الحربي على أهداف يزعم أنها تابعة لـ«حزب الله»، ما حمل الأهالي العائدين إلى بعض القرى الجنوبية إلى مغادرتها فوراً؛ خوفاً من تجدد القتال على نحوٍ سريع.

الخط الأصفر

وتترافق هذه الخروقات، مع إعلان الجيش الإسرائيلي «إنشاء الخطّ الأصفر في جنوب لبنان على غرار غزّة»، ما يعني منع الأهالي من العودة إلى 55 بلدة لبنانية واقعة ضمن هذا الخطّ.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه أقام خطاً أصفر فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة، لافتاً إلى أنه استهدف مسلحين مشبوهين حاولوا الاقتراب من قواته على طول هذا الخط. وقال الجيش: «خلال الساعات الـ24 الأخيرة، رصدت قوات الجيش الإسرائيلي، العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان، إرهابيين انتهكوا اتفاق وقف إطلاق النار، واقتربوا من القوات من شمال الخط الأصفر في صورة شكَّلت تهديداً مباشراً»، في إشارة أولى إلى هذا الخط منذ بدء تنفيذ وقف النار.

وأضاف: «مباشرة بعد الرصد وبهدف القضاء على التهديد، هاجمت القوات الإرهابيين في مناطق عدة بجنوب لبنان»، مذكِّراً بأنَّ الجيش مخوّل التحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار.

وفي هذا الإطار، يقول الخبير العسكري والأمني العميد فادي داود لـ«الشرق الأوسط»: «إن الخط الأمني الإسرائيلي غير رسمي، لكنه عملياً يشكل نقطة احتكاك خطيرة. هو يُعرف ميدانياً بالخط التقني الإسرائيلي على طول الحدود بين لبنان وإسرائيل، وهو ليس حدوداً رسمية معترفاً بها دولياً، بل إجراء أمني فرضته إسرائيل لأنه يتجاوز الخط الأزرق، و يُستخدم لفرض وقائع ميدانية، كما أنه يمكن أن يشعل اشتباكاً بسرعة كبيرة».

وضع غير مطمئن

أمام التطورات الميدانية التي فرضتها الحرب الأخيرة، بات من الصعب إحصاء الخروقات الإسرائيلية، لعدم قدرة قوات «اليونيفيل» على دخول البلدات الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. وأوضح مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، أن الخروقات الإسرائيلية «ليست محصورة بالقصف المدفعي والاستهداف عبر المسيّرات، أو بنقاط الاشتباك مع مقاتلي (حزب الله)، بل هناك تفخيخ متعمّد للمنازل ونسفها بالكامل، بذريعة تدمير البنى التحتية العائدة للحزب». ورأى أن الوضع في الجنوب «غير مطمئن، وثمة قلق من العودة إلى دوامة القتال». وأكد المصدر أن «الجانب اللبناني كان يتابع التطورات عبر مهمّة لجنة (الميكانيزم)، إلّا أن هذه اللجنة ليست موجودة حالياً، وبالتالي لا توجد آلية للتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية الجديدة».

مواطنون لبنانيون يزيلون الأنقاض من محل تجاري دُمِّر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة النبطية بجنوب لبنان (أ.ب)

على الصعيد الميداني، قُتل شخص في بلدة كونين، وأُصيب آخرون جراء جسم مشبوه يعتقد أنه قنبلة عنقودية من مخلفات القصف الإسرائيلي، وذلك بعد ساعات قليلة على دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، بينما يستمرّ القصف المدفعي يٌسمع في عدّة قرى واقعة في القطاع الأوسط، كما أطلق الجيش الإسرائيلي رشقات نارية على بلدة عيترون. وأفادت المعلومات الميدانية بأن مدينة الخيام لا تزال تتعرَّض لقصف مدفعي، كما نفَّذت القوات الإسرائيلية عمليات نسف لمبانٍ في بلدات الخيام، والقنطرة، وشمع، وبنت جبيل، والبياضة، كما سُمعت في محيط بنت جبيل أصوات انفجارات وتمشيط.

مساران للعمليات في الجنوب

وفرضت شروط الهدنة التي دخلت حيّز التنفيذ منتصف ليل الخميس ـ الجمعة، واقعاً جديداً أكثر صعوبة مما كان عليه الوضع في قرار وقف الأعمال العدائية الذي اتفق عليه الجانبان، اللبناني والإسرائيلي، في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ورأى داود، أن «العمليات الإسرائيلية جنوب نهر الليطاني تجري على مسارين متوازيين، يهدفان إلى تثبيت واقع ميداني جديد في المنطقة». ويوضح أن المسار الأول «يتمثَّل بمحاولة الجيش الإسرائيلي ترسيخ وجوده في القرى التي سيطر عليها، بالتوازي مع استكمال سياسة التدمير الشامل التي اعتمدها سابقاً في قطاع غزة»، مشيراً إلى أنَّ الجيش الإسرائيلي «يركز الآن على تدمير المباني في القرى التي أحكم سيطرته عليها في النسقين الأول والثاني، ويعمد إلى اقتلاع الأشجار، بما فيها الزيتون، وإضرام النيران في الأحراج لتحويلها إلى منطقة محروقة بالكامل»، لافتاً إلى أنَّ إسرائيل «تعمد إلى تجريف ركام المنازل المُهدَّمة ونقلها لإعادة تدويرها، في مؤشر إلى نية إحداث تغيير جذري في طبيعة المنطقة».

نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان بعد إعلان وقف إطلاق النار (أ.ب)

معركة بنت جبيل

أما المسار الثاني، فيتركز وفق تقدير العميد داود على معركة بنت جبيل، ويؤكد: «هذه المعركة لها بعدان أساسيان: الأول رمزي، بعد أن أطلق (حزب الله) على المدينة اسم (عاصمة المقاومة)، والثاني استراتيجي، نظراً إلى موقعها الجغرافي القريب من الحدود، وتجعل مَن يسيطر عليها قادر على أن يتحكم بشمال إسرائيل وجنوب لبنان».

أهمية بنت جبيل لا تقتصر على رمزية المدينة فحسب، بل ترتبط بمحيطها، ويعدّ العميد فادي داود، أن «السيطرة عليها تعني سيطرة تلقائية على الطرق والبلدات المحيطة بها، لأنَّها تمنح أفضليةً ميدانيةً تسمح بالتحكم الناري بالقطاعين الشمالي الشرقي والغربي من المنطقة»، لافتاً إلى أنَّ «العمليات داخل بنت جبيل ستستمرّ بغض النظر عن الهدنة». ورجّح أنه «في حال توفر ضوء أخضر أميركي، فإنَّ إسرائيل قد تواصل عملياتها ضمن ما تُعرف بـ(الحرب الصغيرة) أو ما تُعرف بـ(حرب العصابات)؛ بهدف استكمال السيطرة على ما تبقَّى من مواقع للحزب داخل المدينة».

أطفال يرفعون إشارة النصر خلال عودتهم إلى قراهم في جنوب لبنان بعد وقف إطلاق النار (رويترز)

وشدَّد العميد داود، على أنَّ «العمليات الإسرائيلية غير المرئية، هي ترجمة فعلية لسياسة الأرض المحروقة، وتحويل البلدات المحتلة في جنوبي الليطاني إلى مساحة مدمرة بالكامل، بما يعكس نمطاً عملياتياً مشابهاً تماماً لما جرى في غزة».


ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل التي تنشط داخل قطاع غزة، وخاصةً جناحها المسلح «كتائب القسام».

وقال مصدران من «حماس» في خارج قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك محاولات من بعض الدول الوسيطة لإقناع الحركة بإبداء موافقة خطية مبدئية على الخطة، التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف، لقيادة الحركة منذ نحو أسبوعين، على أن يتم التفاوض بشأن بنودها لاحقاً في مرحلة أخرى.

وأوضح المصدران أن هناك محاولات لانتزاع هذه الموافقة قبل الحصول على ضمانات واضحة تلزم إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، مبينةً أن الفريق المفاوض مُصر على الاستمرار في التمسك بموقفه الذي يهدف لضمان تنفيذ المرحلة الأولى بكامل بنودها، قبل الانتقال للتفاوض على المرحلة الثانية.

الدمار في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال المصدران: «إن هناك محاولات من الوسطاء وجهات عدة ليكون هناك تنفيذ للمرحلة الأولى بجميع بنودها بلا استثناء، مقابل أن يتم العمل فوراً على بدء تطبيق الثانية بشكل متزامن، وقد يفضي هذا الحراك إلى اتفاق».

ولفت مصدر إلى أن هناك مخاوف حقيقية لدى قيادة «حماس» من استغلال إسرائيل والولايات المتحدة، لموافقة الحركة المبدئية للتوقيع على الوثيقة المتعلقة بالمرحلة الثانية، لإجبار الحركة على خطوات ما زالت ترفضها ضمن الخطة الأصلية وطلبت تعديلات واضحة عليها.

وأشار المصدر إلى أن بعض الدول الوسيطة تتفهم موقف «حماس» ومخاوفها وتحاول نقل رسائل طمأنة بهذا الشأن، فيما لا تزال الاتصالات والنقاشات الداخلية في أوساط الحركة ومع الفصائل الفلسطينية مستمرة.

واقترحت بعض الفصائل، بدعم من وسطاء، أن يتم تقصير مدة المرحلة الثانية من 8 أشهر إلى 3 أو 4، لاستغلال أي تقدم إيجابي في تحسين الوضع الإنساني والحياتي للسكان بقطاع غزة، وخاصةً إطلاق مرحلة إعادة الإعمار في ظل الحاجة الماسة للتقدم في هذا الملف، مع استمرار تفاقم حياة النازحين المدمرة منازلهم والذين يعيشون في ظروف قاسية وصعبة جداً، حسب مصدر فصائلي لـ«الشرق الأوسط».

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورأى المصدر الفصائلي أن الهدف من تقصير مدة تطبيق المرحلة الثانية، هو الانتقال لمراحل أكثر تقدماً تخدم جميع الأطراف، وخاصةً الفلسطيني الذي يسعى إلى لملمة أوراقه على الصعيد الداخلي والالتفات لاحتياجات السكان، والعمل على بناء نظام وطني فلسطيني متكامل، مشيراً إلى أن هناك جهوداً تُبذل أيضاً بدعم عربي وكذلك من دول إسلامية، منها تركية، للعودة إلى الحوار الوطني الفلسطيني ولكن حتى هذه اللحظة لا يوجد تقدم ممكن أن يشير إلى عقد اجتماع قريب، ولكن الجهود مستمرة من أجل ذلك.

ولفت إلى أن هناك توافقاً لدى الفصائل بشأن قضية حصر السلاح، لكن ليس بالطريقة المطروحة نفسها، وهناك تعديلات تريد الفصائل إدخالها على المقترح الأساسي، وستنتظر ما ستؤول إليه الاتصالات الجارية حالياً لتقديم تعديلاتها في حال بدأت مناقشات جدية بشأن المرحلة الثانية.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي الميداني داخل قطاع غزة، ما أدى لارتفاع عدد الضحايا الفلسطينيين.

وأصيب 4 فلسطينيين، صباح السبت، أحدهم وُصفت جروحه بالخطيرة، إثر إطلاق النار باتجاههم شرقي مدينة غزة، وشرق بلدة جباليا شمالي القطاع.

وقتل الجمعة، 3 فلسطينيين في سلسلة اعتداءات إسرائيلية طالت مجموعات من المواطنين وخيام النازحين في خان يونس جنوب القطاع، ومناطق شماله. ومن بين الضحايا فلسطينيان شقيقان كانا يقودان مركبة مياه محلاة تقدم خدمات للنازحين بدعم من منظمة «اليونيسف» التي أعلنت تعليق نشاطاتها شمال القطاع بعد الحادثة.

وارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى أكثر من 773، وأكثر من 2015 مصاباً، والعدد التراكمي منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72500.


مقتل جندي حفظ سلام في لبنان... والتقييمات تشير لمسؤولية «حزب الله»

جنود فرنسيون تابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يقفون أمام سكان يلوحون بأعلام «حزب ‌الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون تابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يقفون أمام سكان يلوحون بأعلام «حزب ‌الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

مقتل جندي حفظ سلام في لبنان... والتقييمات تشير لمسؤولية «حزب الله»

جنود فرنسيون تابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يقفون أمام سكان يلوحون بأعلام «حزب ‌الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون تابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يقفون أمام سكان يلوحون بأعلام «حزب ‌الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قالت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، اليوم السبت، إن جندياً من ​قوات حفظ السلام قُتل وأصيب ثلاثة إثر تعرض دورية تابعة لها لإطلاق نار من أسلحة خفيفة في أثناء إزالة ذخائر على طريق في قرية غندورية في جنوب لبنان.

وأضافت أن اثنين ‌من المصابين ‌في حالة خطيرة.

وقالت «​اليونيفيل» ‌إن ⁠التقييمات ​الأولية تشير ⁠إلى أن إطلاق النار جاء من جهات غير حكومية، يشتبه في أنها تابعة لـ«حزب الله». وذكرت أنها فتحت تحقيقاً في ما وصفته بأنه «هجوم متعمد».

وأعلن الرئيس ⁠الفرنسي إيمانويل ماكرون، في ‌وقت سابق، ‌مقتل جندي فرنسي يخدم ​ضمن القوة ‌في الهجوم، وحمّل جماعة «حزب ‌الله» المدعومة من إيران المسؤولية، وحث السلطات اللبنانية على اتخاذ إجراءات ضد المسؤولين عن ذلك.

وندد الجيش اللبناني بإطلاق ‌النار وأعلن فتح تحقيق، بينما قدم الرئيس جوزيف عون تعازيه ⁠في ⁠مقتل الجندي وأمر بفتح تحقيق عاجل. وندد أيضاً رئيس الوزراء نواف سلام بالهجوم.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد تم نشر «اليونيفيل» لأول مرة في عام 1978، وظلت موجودة خلال الصراعات المتعاقبة بما في ذلك حرب العام 2024 حين تعرضت مواقعها لإطلاق نار بشكل متكرر.