بسبب تسجيل مفبرك... قتلى وجرحى في اشتباكات مسلحة بمحيط العاصمة دمشق

وزارة الداخلية تحذر... وانتقادات شعبية لعدم إطلاق مسار العدالة الانتقالية

حاجز لمسلحين محليين عند مدخل ضاحية جرمانا الشمالي وقد أغلقوا الطريق أمام السيارات (خاص بالشرق الأوسط)
حاجز لمسلحين محليين عند مدخل ضاحية جرمانا الشمالي وقد أغلقوا الطريق أمام السيارات (خاص بالشرق الأوسط)
TT

بسبب تسجيل مفبرك... قتلى وجرحى في اشتباكات مسلحة بمحيط العاصمة دمشق

حاجز لمسلحين محليين عند مدخل ضاحية جرمانا الشمالي وقد أغلقوا الطريق أمام السيارات (خاص بالشرق الأوسط)
حاجز لمسلحين محليين عند مدخل ضاحية جرمانا الشمالي وقد أغلقوا الطريق أمام السيارات (خاص بالشرق الأوسط)

قتل 12 شخصاً في اشتباكات اندلعت، فجر الثلاثاء، بمحيط مدينة جرمانا التي يتركز فيها أبناء الطائفة الدرزية بريف دمشق الجنوبي، وأفاد بيان صادر عن أهالي جرمانا بأن تحريضاً طائفياً «سبق هذه الجريمة»، محذراً من «الانجرار خلف دعوات الفتنة التي لا تخدم إلا أعداء سوريا ووحدتها». كما دعا البيان، الذي أدان التحريض الطائفي، الجهات الرسمية إلى «تحمّل مسؤولياتها بفتح تحقيق فوري وشفاف، ومحاسبة كل من شارك وحرض وخطط لهذه الجريمة».

وجاءت الاشتباكات المسلحة بمحيط العاصمة في سياق تداعيات فتنة طائفية انطلقت شرارتها ليل الأحد - الاثنين بشكل متزامن في السكن الجامعي بمدينتَي حمص ودمشق، بعد انتشار تسجيل صوتي نُسب إلى الشيخ مروان كيوان من السويداء، تضمن إساءة إلى المقدسات الإسلامية. وظهر الشيخ كيوان وأعلن أن الصوت في التسجيل ليس صوته، وأنه تسجيل «مفبرك» بهدف «الفتنة»، وأكدت ذلك تحقيقات أجرتها وزارة الداخلية السورية التي دعت إلى «الالتزام بالنظام العام وعدم الانجرار إلى أي تصرفات فردية أو جماعية من شأنها الإخلال بالأمن العام أو التعدي على الأرواح والممتلكات».

وشهد التحريض الطائفي في سوريا تصاعداً خطيراً خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، وأدى إلى اشتعال اشتباكات بمحيط مدينة جرمانا استُخدمت فيها قذائف «الهاون» لدى مهاجمة مجموعة مسلحة من المتشددين بلدة جرمانا من جهة المليحة، عند حاجز النسيم، وتصدي مجموعات محلية مسلحة في جرمانا لها، واستمرت الاشتباكات ساعات عدة، لتسفر عن مقتل 5 شباب من جرمانا وإصابة 8 آخرين في حصيلة أولية. ووفق مصادر أهلية؛ فإن اشتباكات أخرى وقعت في بلدة أشرفية صحنايا؛ حيث يتركز أبناء الطائفة الدرزية، أسفرت عن وقوع إصابات بين أبناء البلدة. لتُفرض بعدها حالة حظر تجوال في جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا وسط استنفار أمني شديد.

بيان وزارة الداخلية السورية بشأن التوتر الطائفي بسبب تسجيل مزيف

تأخر مسار العدالة الانتقالية

ويرى نشطاء مدنيون وحقوقيون سوريون أن تأخر بدء مسار العدالة الانتقالية يسهم في تغذية حالة التجييش والتحريض وأعمال العنف التي تهدد السلم الأهلي. وانتقد الفنان التشكيلي والناشط السياسي، منير الشعراني، «أسلوب الحكومة في التعامل مع ملف محاسبة رموز النظام السابق والمتورطين في ارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري، كإحضار موقوفين إلى المناطق التي ارتكبوا فيها جرائم والسماح للمتضررين بالتعبير عن غضبهم وضربهم بغرض التشفي، والسماح لناشطين إعلاميين بالتحقيق معهم أمام الكاميرات». وعدّ الشعراني ذلك «(نوعاً من التجييش العاطفي)، في الوقت الذي يجري فيه تداول أنباء عن تسويات مع رموز الفساد في النظام السابق، دون توضيح صحة تلك الأنباء». وقال إن «هذا السلوك غير المنضبط يشجع على ارتكاب التجاوزات بعيداً عن القانون، ويهدد السلم الأهلي، بالإضافة إلى تأخير بدء مسار العدالة الانتقالية المطلوب لتحقيق الاستقرار».

وكان عنصر في الأمن العام بمنطقة تل كلخ التابعة لطرطوس ظهر في تسجيل مصور الأسبوع الماضي، معلناً مسؤوليته عن قتل قناص في ميليشيات النظام السابق وأشخاص من أهله؛ لأن السلطات «بدل أن تعتقله تركته يتجول بيننا»، ولذلك قرر وعدد من رفاقه «قتل المجرمين». ولم يصدر أي بيان رسمي عن وزارة الداخلية بشأن تلك الواقعة.

معايير «الهيئة»

مدير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، فضل عبد الغني، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «بإمكان السلطة الحالية اتخاذ كثير من الخطوات التي تدعم بها مسار العدالة الانتقالية قبل تشكيل الهيئة الخاصة بها؛ أبرزها، ملاحقة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان واعتقالهم تمهيداً لمحاسبتهم».

ولفت الحقوقي السوري إلى أن «من أبرز المغالطات التي وقعت خلال المدة الماضية الطلب أن يبدأ مسار العدالة الانتقالية (بشكل فوري)، دون معرفة ما الخطوات الإجرائية اللازمة لـ(ضمان أن يكون المسار مستقلاً عن السلطة التنفيذية وشاملاً أطياف المجتمع كافة)».

وقال عبد الغني إنه لتحقيق ذلك، «يجب أن تشكَّل (هيئة العدالة الانتقالية) بقرار من المجلس التشريعي، ويجب وضع معايير واضحة لأعضاء اللجنة من الكفاءة والاستقلالية، كما أن (الهيئة) يجب أن تعمل تحت مظلة النظام القضائي، وأن يكون القضاء في سوريا مستقلاً، وهذه الشروط بحاجة إلى وقت؛ لأنه يجب وضع معايير لتشكيل مجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الدستورية العليا، بحيث يكونان مستقلين تماماً عن السلطة التنفيذية».

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن سوريا الجمعة الماضي (أ.ب)

وكان وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، أعلن خلال انعقاد جلسة لمجلس الأمن الدولي بشأن سوريا قبل أيام، عن تشكيل مرتقب لهيئة لـ«العدالة الانتقالية» في سوريا، وأخرى لـ«المفقودين»، وذلك عقب مطالبات ممثلي الدول لدى مجلس الأمن، كالولايات المتحدة الأميركية، والمبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، بشأن تحقيق العدالة الانتقالية بمشاركة جميع الأطراف، ومعالجة ملف المفقودين بطلب من ممثلة أميركا لدى مجلس الأمن.

بيان مشيخة الدروز الذي تبرأ من أي محاولة للمساس بالدين الإسلامي

يذكر أن التجييش الطائفي الذي بدأ فور سقوط نظام الأسد أواخر العام الماضي، أخذ مساراً تصعيدياً خلال أحداث الساحل في مارس (آذار) الماضي، وتوسعت حملات التحريض خلال الأسبوع الأخير، وساهم تسريب تسجيل صوتي نُسب إلى رجل دين درزي يتضمن إساءة إلى مقام النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، في تفجير شجارات طلابية متزامنة داخل السكن الجامعي في حمص وكلية الهندسة الكهربائية في دمشق.

الإفراج عن عدد من الطلاب الذين اعتُقلوا على وقع خلاف حدث ليل الأحد - الاثنين بكلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية في دمشق (إعلام السويداء)

ولم تفلح مساعي التهدئة التي بذلها شيوخ العقل في السويداء، وأيضاً تأكيد الشيخ مروان كيوان براءته من التسجيل «المفبرك»، في منع الاشتباكات المسلحة بمناطق تركُّز أبناء الطائفة الدرزية في ريف دمشق. وظهر كيوان في مقطع فيديو أكد فيه أن التسجيل «مفبرك» وأنه يهدف إلى الفتنة بين مكونات الشعب السوري.

من جهته، حذر شيخ العقل يوسف جربوع من «فتنة» تعمل عليها «أطراف كثيرة لضرب وحدة النسيج السوري»، محملاً «الفاعل مسؤولية فعله»، وشدد على رفض «الإساءة إلى نبينا محمد، والإساءة إلى أي من الأنبياء»، وفق بيان مصور.

بدوره، حذر شيخ العقل حمود الحناوي من «الفتنة وإثارة النعرات الطائفية»، من قبل «مندسين يصطادون في الماء العكر ويتربصون بالمجتمع»، مطالباً بمحاسبتهم، ومؤكداً على أن «الذين يتطاولون على الذات النبوية لا يمثلون إلا أنفسهم»، وأنه يجب «ألا نأخذ الأبرياء بجريرة المفسدين»، متعهداً بصفة مشيخة العقل بـ«محاسبة الذين يتطاولون على المقدسات، خصوصاً الأنبياء والرسل»، داعياً الجميع إلى الوقوف صفاً واحداً «لدرء المخاطر التي تعكر صفو الجميع».

وزارة الداخلية السورية، التي شكرت المواطنين على «مشاعرهم الصادقة وغيرتهم الدينية»، شددت في بيان، بالتزامن مع الاشتباكات، على أهمية «الالتزام بالنظام العام وعدم الانجرار إلى أي تصرفات فردية أو جماعية من شأنها الإخلال بالأمن العام أو التعدي على الأرواح والممتلكات». وقالت إنها باشرت تحقيقات مكثفة تتعلق بالتسجيل الصوتي الذي «تضمن الإساءات، وتبين من خلال التحريات الأولية أن الشخص الذي وُجهت إليه أصابع الاتهام لم تثبت النسبة الصوتية المتداولة إليه»، وإن العمل ما زال جارياً لتحديد «هوية صاحب الصوت ليقدَّم إلى العدالة».

وأكد بيان «الداخلية» أن الدولة «قائمة بدورها الكامل في حماية المقدسات ومحاسبة المسيئين إليها بكل حزم ومسؤولية»، محذرةً بأن أي «تجاوز للقانون سيقابَل بإجراءات صارمة لضمان حفظ الأمن والاستقرار».


مقالات ذات صلة

الشرع: سوريا «شريان آمن» لربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)

الشرع: سوريا «شريان آمن» لربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، في اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في نيقوسيا، إن «أوروبا تحتاج إلى سوريا بقدر ما تحتاج سوريا إلى أوروبا».

«الشرق الأوسط» (نيقوسيا)
المشرق العربي سورية تقبل الأرض خلال الاحتفال بالقبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» في حي التضامن بدمشق الجمعة (إ.ب.أ)

سوريا: «عيد شعبي» بعد القبض على المتهم الأول بـ«مجزرة التضامن»

احتفل سوريون لدى إعلان السلطات توقيف «المجرم أمجد يوسف، المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي أمجد يوسف (وزارة الداخلية السورية) p-circle 00:26

سوريا: القبض على المتهم بارتكاب «مجزرة حي التضامن» في دمشق

أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم الجمعة، إلقاء القبض على المتهم بارتكاب «مجزرة التضامن» التي وقعت في العاصمة دمشق عام 2013.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي 
اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)

جدل في سوريا حول موعد انطلاق البرلمان

تشهد سوريا جدلاً إزاء موعد انطلاق جلسات البرلمان (مجلس الشعب)، خصوصاً في ظل عدم انتهاء الترتيبات في محافظة الحسكة (شمال شرق)، حيث يشكل أبرز العراقيل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي العميد عاطف نجيب الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (مواقع)

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

كشف تقرير إعلامي، الخميس، أن محكمة الجنايات الرابعة ستباشر، الأحد المقبل، جلسات المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب

«الشرق الأوسط» (لندن)

وزارة الصحة: 4 قتلى بغارتين إسرائيليتين على جنوب لبنان

تصاعد الدخان من انفجارات في قرية الخيام جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من انفجارات في قرية الخيام جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وزارة الصحة: 4 قتلى بغارتين إسرائيليتين على جنوب لبنان

تصاعد الدخان من انفجارات في قرية الخيام جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من انفجارات في قرية الخيام جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قُتل 4 أشخاص، اليوم (السبت)، بغارتين إسرائيليتين على جنوب لبنان، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، وذلك رغم سريان وقف إطلاق النار في الحرب التي اندلعت منذ أكثر من 6 أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله»، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الوزارة، في بيان: «إن غارتَي العدو الإسرائيلي على شاحنة ودراجة نارية في بلدة يحمر الشقيف، قضاء النبطية، أدتا إلى استشهاد 4 مواطنين».


تباين لبناني حول سقف التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)
TT

تباين لبناني حول سقف التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)

تظهر المواقف اللبنانية من مختلف الأطراف تبايناً في مقاربة التفاوض المباشر مع إسرائيل، خاصة بعد تحديد تل أبيب وواشنطن في وقت سابق السلام سقفاً لهذه المفاوضات، في وقت ربط فيه رئيس الجمهورية جوزيف عون البحث بالسلام بوقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى، مؤكداً أن «المفاوضات لا تعني التنازل، ولا الاستسلام، بل هي لحل المشكلات»، فيما اعتبر رئيس مجلس الوزراء نواف سلام أن «لبنان، كما المنطقة بأسرها، يحتاج إلى السلام»، مشدداً على أن «المطلوب لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى حل مستدام، وذي صدقية، ويحفظ سيادة لبنان، واستقراره».

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

موقف «حزب الله» و«حركة أمل»

ويرفض «الثنائي الشيعي» («حزب الله» و«حركة أمل») رفضاً قاطعاً الحديث بخيار السلام مع إسرائيل، وينسجم مع جنبلاط بأن أقصى ما يمكن السير به هو هدنة مع تطوير معين.

وإذا كانت معظم القوى اللبنانية، باستثناء «الثنائي الشيعي»، تؤيد التفاوض المباشر مع إسرائيل لتحقيق ما لم يتم تحقيقه بقوة السلاح لجهة وقف الاعتداءات، وتحرير الأسرى والأرض، إلا أن هذه القوى لا تُجمع على أن تؤدي هذه المفاوضات لتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل.

خلال تشييع عناصر في «حزب الله» قتلوا خلال المواجهات مع الجيش الإسرائيلي (د.ب.أ)

موقف الأحزاب المسيحية

ويبدو حزبا «القوات» و«الكتائب» أشد المتحمسين لحلول دائمة للصراع مع إسرائيل، ويدفعان لاتفاق سلام معها بعد تلبية مطالب لبنان الرسمي.

واعتبر رئيس حزب «القوات» سمير جعجع مؤخراً أن «السلام مع إسرائيل ضرورة لا خيار»، مشدداً على أن «الحاجة الآنية ليست إلى هدنة، أو وقف إطلاق نار جديد، بل إلى إنهاء حالة الحرب نفسها»، فيما رأى رئيس «الكتائب» النائب سامي الجميل أن «التفاوض هو السبيل الوحيد لوقف النار، وتحقيق الاستقرار، والسلام للبنان».

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع ورئيس حزب «الكتائب» النائب سامي الجميل في لقاء سابق للمعارضة (أرشيفية)

وتعتبر مصادر «القوات» أن «الكلمة في المفاوضات هي للميدان. فمن جرنا أصلاً إلى المفاوضات هو (حزب الله) لأنه لولا حرب الإسناد لما كنا اليوم وجهاً لوجه مع إسرائيل، من هنا هو يتحمل المسؤولية كاملة لما يحصل من تفاوض، ولما يمكن أن تصل إليه هذه المفاوضات»، لافتة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «إسرائيل لم ولن تكتفي بإعلان سيطرتها على حزام أصفر وضمناً 55 بلدة، فهي تعمل على محو آثار عشرات القرى، والحرب مستمرة، والتوغل مستمر، وبالتالي كيف يمكن إيقاف هذا التدهور إلا من خلال المفاوضات؟! أما القول بأننا لا نقبل إلا بالهدنة، ولا نقبل بالسلام، فالموضوع ليس لدينا، وما نقبل به إنما لدى إسرائيل، فمن قال إنها تقبل بالعودة للهدنة مقابل الانسحاب، ووقف الاعتداءات». وتضيف المصادر: «لا يصح التعاطي مع الأمور وكأننا منتصرون نحدد الشروط... والأولوية بالنسبة إلينا تبقى بتحمل الدولة مسؤوليتها بتنفيذ قراراتها بنزع سلاح (حزب الله) قبل الحديث عما نقبل به كسقف للمفاوضات، وما لا نقبل به».

رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ونواب في كتلته بعد تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة (أرشيفية - رويترز)

من جهتها، ترى قيادة «التيار الوطني الحر» أن «التفاوض المباشر الهادف إلى الوصول لسلام عادل ودائم نحن من مؤيديه، لكنه يستوجب تشاوراً وطنياً وعربياً ليكون لبنان محصناً في خطوة بهذه الخطورة».

ويعتبر النائب عن «التيار الوطني الحر» جيمي جبور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «التفاوض يكون دائماً وسيلة لتحقيق الأهداف التي هي اليوم استعادة الأرض والأسرى وكل الحقوق، وأولها وقف الاعتداءات، لذا لا بد من قراءة واقعية تراعي المصلحة اللبنانية، فإن كان الرجوع لاتفاق الهدنة كافياً فلم لا؟ ولكن إن تطلب الأمر تفاوضاً وإن مباشراً يجب على الحكومة الموازنة بين مراعاة الوضع الداخلي ومقتضيات الوفاق الوطني وبين الذهاب لمفاوضات مباشرة».

موقف «الاشتراكي»

ويوضح النائب عن «الحزب التقدمي الاشتراكي» بلال عبد الله أن حزبه يؤيد التفاوض «لكن المشكلة هي بالسقف الذي وضع لهذا التفاوض، إذ نحن نتحدث عن سقف أمني يحمي لبنان، ويوقف الاعتداءات، ويعيد الأرض والأسرى والإعمار، فيما البعض يريد أن يذهب لاتفاق سياسي نعتقد أن الجو غير مواتٍ له»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «نعتقد أنه يفترض أن نبقى ضمن السقف العربي الذي عبرت عنه القمة العربية في بيروت عام 2002... وأصلاً ما أعلنه الزعيم وليد جنبلاط ليس بعيداً عما سمعناه من رئيس الجمهورية لجهة أن التفاوض هو لحماية لبنان، فلا أحد يتحدث بمشروع سلام راهناً».

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط والنائب تيمور جنبلاط (الرئاسة اللبنانية)

ويعتبر عبد الله أن «موضوع السلام متدرج قد نصل له وقد لا نصل وهو مرتبط بالنوايا الإسرائيلية... لكن قبل وقف إطلاق النار، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة عن أي سلام نتحدث؟ مع تشديدنا على أن اتخاذ خيار بهذا الحجم يحتاج موقفا وطنياً موحداً».

الأكثرية السنية

من جهته، يعتبر رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، المسؤول السني الأرفع في البلد، أن «لبنان، كما المنطقة بأسرها، يحتاج إلى السلام»، مشدداً على أن «المطلوب لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى حل مستدام، وذي صدقية، يحفظ سيادة لبنان، واستقراره».

وفي هذا الإطار يرى النائب أحمد الخير أنه «يمكن رصد اتجاه عام في المزاج السني اليوم عبر ميله بوضوح إلى دعم الدولة اللبنانية، ومؤسساتها، والتمسك بتطبيق (دستور الطائف)، ومواكبة الخطوات التي يقوم بها رئيسا الجمهورية والحكومة فيما يتعلق بإدارة ملف التفاوض بهدف تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى هدنة مستقرة ودائمة، بما يضمن حماية لبنان، وصون سيادته، والعمل على تحرير أرضه ضمن مقاربة مسؤولة تأخذ في الاعتبار مصلحة لبنان أولاً».

أما فيما يخص مسألة السلام، فيشير الخير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «المزاج السني أيضاً يقف خلف موقف الدولة اللبنانية المنسجم مع الإجماع العربي الذي يستند إلى مبادرة السلام العربية الصادرة عن قمة بيروت عام 2002، بما تعكسه من مقاربة شاملة تربط السلام العادل والشامل بإنهاء الاحتلال، وتحقيق الحقوق المشروعة».


ضغوط واشنطن على بغداد «تمهّد لاعتقال قادة فصائل»

مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

ضغوط واشنطن على بغداد «تمهّد لاعتقال قادة فصائل»

مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

تتصاعد الضغوط الأميركية على العراق بالتزامن مع تعثر تشكيل الحكومة الجديدة، في وقت تشير فيه مصادر مطلعة إلى أن واشنطن تهيئ الأرضية لمطالب «أكثر تشدداً» قد تضع القيادة المقبلة أمام اختبار مبكر يتعلق بملف الميليشيات المسلحة.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن عرض مكافآت مالية على بعض قادة الفصائل مقابل الإدلاء بمعلومات عن قيادات بارزة «لا يقتصر على كونه إجراءً استخبارياً تقليدياً، بل يمثل خطوة تمهيدية لمرحلة لاحقة قد تتضمن مطالبة الحكومة الجديدة باعتقال تلك القيادات، ضمن شروط ترتبط باستمرار التعاون الأمني مع الولايات المتحدة».

وأضافت أن هذه المطالب، التي تشمل حتى الآن أحمد الحميداوي زعيم «كتائب حزب الله»، وأبو آلاء الولائي زعيم «كتائب سيد الشهداء»، تعد «الأكثر تحدياً» لأي حكومة مقبلة، نظراً لحساسية موقع الشخصيات المستهدفة داخل البنية السياسية والعسكرية.

بيان المكافأة التي نشرته الخارجية الأميركية لمن يدلي بمعلومات عن أحمد الحميداوي زعيم «كتائب حزب الله» العراقي

ويشير مراقبون إلى أن هذا التوجه يعكس تحولاً في الاستراتيجية الأميركية من سياسة الاحتواء إلى محاولة فرض قواعد اشتباك جديدة مع بغداد، خصوصاً بعد تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالصراع بين واشنطن وطهران، التي غالباً ما تنعكس على الساحة العراقية عبر الفصائل المسلحة.

في هذا السياق، أفاد مسؤول أمني كبير بأن الولايات المتحدة ألغت اجتماعاً فنياً للتحالف الدولي كان مقرراً عقده في بغداد، وعلّقت أي قنوات تواصل غير روتينية مع الحكومة الحالية، بانتظار اتضاح شكل الحكومة المقبلة.

وكانت تقارير أميركية أفادت في وقت سابق بأن واشنطن ربما منعت نقل شحنة مالية تُقدر بنحو 500 مليون دولار من عائدات النفط العراقي إلى بغداد، على خلفية تعثر جهود الحكومة العراقية في تفكيك الفصائل الموالية لإيران.

ووفقاً للمصادر، فإن واشنطن لا تدعم مرشحاً بعينه لرئاسة الوزراء، لكنها تربط أي انخراط سياسي أو أمني أوسع باتخاذ خطوات «ملموسة وجادة» للحد من نفوذ الميليشيات المسلحة.

ترتيبات استثنائية

تتقاطع هذه الرسائل مع أزمة داخلية متفاقمة، إذ استنفدت القوى السياسية الشيعية المدد الدستورية لتشكيل الحكومة دون التوصل إلى توافق، ما يضع البلاد أمام سيناريوهات معقدة، بينها احتمال اللجوء إلى ترتيبات استثنائية أو استمرار حكومة تصريف الأعمال لفترة أطول، وهو خيار يعارضه خصوم محمد شياع السوداني.

وشهدت اجتماعات «الإطار التنسيقي» في الأيام الأخيرة توتراً واضحاً، لا سيما بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، حيث فشلت الأطراف في الاتفاق على مرشح لرئاسة الوزراء. وحسب مصادر سياسية، فإن الخلافات لم تعد تقتصر على الأسماء، بل تمتد إلى آلية الاختيار وشكل الحكومة المقبلة، بين من يدفع نحو توافق شامل ومن يفضل الحسم عبر التصويت.

جانب من اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 24 أبريل 2026 (إكس)

وطرحت خلال المداولات عدة أسماء، بينها حيدر العبادي وعدنان الزرفي ومحمد صاحب الدراجي، وسط حديث عن «مرشحي تسوية» قد يحظون بقبول داخلي وخارجي، خصوصاً في ظل الحاجة إلى موازنة العلاقات مع كل من الولايات المتحدة وإيران.

ويرى محللون أن الضغوط الأميركية قد تؤثر بشكل غير مباشر على عملية اختيار رئيس الوزراء، إذ قد تميل بعض القوى إلى دعم شخصية قادرة على التعامل مع هذه المطالب دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية مع الفصائل المسلحة، التي تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً.

في المقابل، تحذر قوى داخل «الإطار التنسيقي» من أن الاستجابة الكاملة للشروط الأميركية قد تؤدي إلى تفكك التحالف الحاكم أو إشعال توترات داخلية، خصوصاً إذا ما طالت الإجراءات قيادات محسوبة على قوى سياسية رئيسية.

ومع استمرار حالة الانسداد، تبدو الحكومة المقبلة أمام معادلة معقدة؛ تحقيق توازن بين الضغوط الدولية المتزايدة، والحفاظ على التماسك الداخلي، في بيئة إقليمية مضطربة تجعل من العراق ساحة تداخل بين مصالح متعارضة.