بسبب تسجيل مفبرك... قتلى وجرحى في اشتباكات مسلحة بمحيط العاصمة دمشق

وزارة الداخلية تحذر... وانتقادات شعبية لعدم إطلاق مسار العدالة الانتقالية

حاجز لمسلحين محليين عند مدخل ضاحية جرمانا الشمالي وقد أغلقوا الطريق أمام السيارات (خاص بالشرق الأوسط)
حاجز لمسلحين محليين عند مدخل ضاحية جرمانا الشمالي وقد أغلقوا الطريق أمام السيارات (خاص بالشرق الأوسط)
TT

بسبب تسجيل مفبرك... قتلى وجرحى في اشتباكات مسلحة بمحيط العاصمة دمشق

حاجز لمسلحين محليين عند مدخل ضاحية جرمانا الشمالي وقد أغلقوا الطريق أمام السيارات (خاص بالشرق الأوسط)
حاجز لمسلحين محليين عند مدخل ضاحية جرمانا الشمالي وقد أغلقوا الطريق أمام السيارات (خاص بالشرق الأوسط)

قتل 12 شخصاً في اشتباكات اندلعت، فجر الثلاثاء، بمحيط مدينة جرمانا التي يتركز فيها أبناء الطائفة الدرزية بريف دمشق الجنوبي، وأفاد بيان صادر عن أهالي جرمانا بأن تحريضاً طائفياً «سبق هذه الجريمة»، محذراً من «الانجرار خلف دعوات الفتنة التي لا تخدم إلا أعداء سوريا ووحدتها». كما دعا البيان، الذي أدان التحريض الطائفي، الجهات الرسمية إلى «تحمّل مسؤولياتها بفتح تحقيق فوري وشفاف، ومحاسبة كل من شارك وحرض وخطط لهذه الجريمة».

وجاءت الاشتباكات المسلحة بمحيط العاصمة في سياق تداعيات فتنة طائفية انطلقت شرارتها ليل الأحد - الاثنين بشكل متزامن في السكن الجامعي بمدينتَي حمص ودمشق، بعد انتشار تسجيل صوتي نُسب إلى الشيخ مروان كيوان من السويداء، تضمن إساءة إلى المقدسات الإسلامية. وظهر الشيخ كيوان وأعلن أن الصوت في التسجيل ليس صوته، وأنه تسجيل «مفبرك» بهدف «الفتنة»، وأكدت ذلك تحقيقات أجرتها وزارة الداخلية السورية التي دعت إلى «الالتزام بالنظام العام وعدم الانجرار إلى أي تصرفات فردية أو جماعية من شأنها الإخلال بالأمن العام أو التعدي على الأرواح والممتلكات».

وشهد التحريض الطائفي في سوريا تصاعداً خطيراً خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، وأدى إلى اشتعال اشتباكات بمحيط مدينة جرمانا استُخدمت فيها قذائف «الهاون» لدى مهاجمة مجموعة مسلحة من المتشددين بلدة جرمانا من جهة المليحة، عند حاجز النسيم، وتصدي مجموعات محلية مسلحة في جرمانا لها، واستمرت الاشتباكات ساعات عدة، لتسفر عن مقتل 5 شباب من جرمانا وإصابة 8 آخرين في حصيلة أولية. ووفق مصادر أهلية؛ فإن اشتباكات أخرى وقعت في بلدة أشرفية صحنايا؛ حيث يتركز أبناء الطائفة الدرزية، أسفرت عن وقوع إصابات بين أبناء البلدة. لتُفرض بعدها حالة حظر تجوال في جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا وسط استنفار أمني شديد.

بيان وزارة الداخلية السورية بشأن التوتر الطائفي بسبب تسجيل مزيف

تأخر مسار العدالة الانتقالية

ويرى نشطاء مدنيون وحقوقيون سوريون أن تأخر بدء مسار العدالة الانتقالية يسهم في تغذية حالة التجييش والتحريض وأعمال العنف التي تهدد السلم الأهلي. وانتقد الفنان التشكيلي والناشط السياسي، منير الشعراني، «أسلوب الحكومة في التعامل مع ملف محاسبة رموز النظام السابق والمتورطين في ارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري، كإحضار موقوفين إلى المناطق التي ارتكبوا فيها جرائم والسماح للمتضررين بالتعبير عن غضبهم وضربهم بغرض التشفي، والسماح لناشطين إعلاميين بالتحقيق معهم أمام الكاميرات». وعدّ الشعراني ذلك «(نوعاً من التجييش العاطفي)، في الوقت الذي يجري فيه تداول أنباء عن تسويات مع رموز الفساد في النظام السابق، دون توضيح صحة تلك الأنباء». وقال إن «هذا السلوك غير المنضبط يشجع على ارتكاب التجاوزات بعيداً عن القانون، ويهدد السلم الأهلي، بالإضافة إلى تأخير بدء مسار العدالة الانتقالية المطلوب لتحقيق الاستقرار».

وكان عنصر في الأمن العام بمنطقة تل كلخ التابعة لطرطوس ظهر في تسجيل مصور الأسبوع الماضي، معلناً مسؤوليته عن قتل قناص في ميليشيات النظام السابق وأشخاص من أهله؛ لأن السلطات «بدل أن تعتقله تركته يتجول بيننا»، ولذلك قرر وعدد من رفاقه «قتل المجرمين». ولم يصدر أي بيان رسمي عن وزارة الداخلية بشأن تلك الواقعة.

معايير «الهيئة»

مدير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، فضل عبد الغني، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «بإمكان السلطة الحالية اتخاذ كثير من الخطوات التي تدعم بها مسار العدالة الانتقالية قبل تشكيل الهيئة الخاصة بها؛ أبرزها، ملاحقة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان واعتقالهم تمهيداً لمحاسبتهم».

ولفت الحقوقي السوري إلى أن «من أبرز المغالطات التي وقعت خلال المدة الماضية الطلب أن يبدأ مسار العدالة الانتقالية (بشكل فوري)، دون معرفة ما الخطوات الإجرائية اللازمة لـ(ضمان أن يكون المسار مستقلاً عن السلطة التنفيذية وشاملاً أطياف المجتمع كافة)».

وقال عبد الغني إنه لتحقيق ذلك، «يجب أن تشكَّل (هيئة العدالة الانتقالية) بقرار من المجلس التشريعي، ويجب وضع معايير واضحة لأعضاء اللجنة من الكفاءة والاستقلالية، كما أن (الهيئة) يجب أن تعمل تحت مظلة النظام القضائي، وأن يكون القضاء في سوريا مستقلاً، وهذه الشروط بحاجة إلى وقت؛ لأنه يجب وضع معايير لتشكيل مجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الدستورية العليا، بحيث يكونان مستقلين تماماً عن السلطة التنفيذية».

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن سوريا الجمعة الماضي (أ.ب)

وكان وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، أعلن خلال انعقاد جلسة لمجلس الأمن الدولي بشأن سوريا قبل أيام، عن تشكيل مرتقب لهيئة لـ«العدالة الانتقالية» في سوريا، وأخرى لـ«المفقودين»، وذلك عقب مطالبات ممثلي الدول لدى مجلس الأمن، كالولايات المتحدة الأميركية، والمبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، بشأن تحقيق العدالة الانتقالية بمشاركة جميع الأطراف، ومعالجة ملف المفقودين بطلب من ممثلة أميركا لدى مجلس الأمن.

بيان مشيخة الدروز الذي تبرأ من أي محاولة للمساس بالدين الإسلامي

يذكر أن التجييش الطائفي الذي بدأ فور سقوط نظام الأسد أواخر العام الماضي، أخذ مساراً تصعيدياً خلال أحداث الساحل في مارس (آذار) الماضي، وتوسعت حملات التحريض خلال الأسبوع الأخير، وساهم تسريب تسجيل صوتي نُسب إلى رجل دين درزي يتضمن إساءة إلى مقام النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، في تفجير شجارات طلابية متزامنة داخل السكن الجامعي في حمص وكلية الهندسة الكهربائية في دمشق.

الإفراج عن عدد من الطلاب الذين اعتُقلوا على وقع خلاف حدث ليل الأحد - الاثنين بكلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية في دمشق (إعلام السويداء)

ولم تفلح مساعي التهدئة التي بذلها شيوخ العقل في السويداء، وأيضاً تأكيد الشيخ مروان كيوان براءته من التسجيل «المفبرك»، في منع الاشتباكات المسلحة بمناطق تركُّز أبناء الطائفة الدرزية في ريف دمشق. وظهر كيوان في مقطع فيديو أكد فيه أن التسجيل «مفبرك» وأنه يهدف إلى الفتنة بين مكونات الشعب السوري.

من جهته، حذر شيخ العقل يوسف جربوع من «فتنة» تعمل عليها «أطراف كثيرة لضرب وحدة النسيج السوري»، محملاً «الفاعل مسؤولية فعله»، وشدد على رفض «الإساءة إلى نبينا محمد، والإساءة إلى أي من الأنبياء»، وفق بيان مصور.

بدوره، حذر شيخ العقل حمود الحناوي من «الفتنة وإثارة النعرات الطائفية»، من قبل «مندسين يصطادون في الماء العكر ويتربصون بالمجتمع»، مطالباً بمحاسبتهم، ومؤكداً على أن «الذين يتطاولون على الذات النبوية لا يمثلون إلا أنفسهم»، وأنه يجب «ألا نأخذ الأبرياء بجريرة المفسدين»، متعهداً بصفة مشيخة العقل بـ«محاسبة الذين يتطاولون على المقدسات، خصوصاً الأنبياء والرسل»، داعياً الجميع إلى الوقوف صفاً واحداً «لدرء المخاطر التي تعكر صفو الجميع».

وزارة الداخلية السورية، التي شكرت المواطنين على «مشاعرهم الصادقة وغيرتهم الدينية»، شددت في بيان، بالتزامن مع الاشتباكات، على أهمية «الالتزام بالنظام العام وعدم الانجرار إلى أي تصرفات فردية أو جماعية من شأنها الإخلال بالأمن العام أو التعدي على الأرواح والممتلكات». وقالت إنها باشرت تحقيقات مكثفة تتعلق بالتسجيل الصوتي الذي «تضمن الإساءات، وتبين من خلال التحريات الأولية أن الشخص الذي وُجهت إليه أصابع الاتهام لم تثبت النسبة الصوتية المتداولة إليه»، وإن العمل ما زال جارياً لتحديد «هوية صاحب الصوت ليقدَّم إلى العدالة».

وأكد بيان «الداخلية» أن الدولة «قائمة بدورها الكامل في حماية المقدسات ومحاسبة المسيئين إليها بكل حزم ومسؤولية»، محذرةً بأن أي «تجاوز للقانون سيقابَل بإجراءات صارمة لضمان حفظ الأمن والاستقرار».


مقالات ذات صلة

«داعش» يزعم استهداف آلية في الرقة وصهريج نفط بريف دير الزور

المشرق العربي الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

«داعش» يزعم استهداف آلية في الرقة وصهريج نفط بريف دير الزور

أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن هجومين منفصلين في ريفي محافظتي الرقة ودير الزور استهدفا آلية تابعة للحكومة السورية في شمال الرقة، وصهريج نفط في ريف دير الزور.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي القبض على خمسة عناصر من أفراد الخلية المرتبطة بـ«حزب الله» داخل سوريا (الداخلية السورية)

الداخلية السورية: إحباط مخطط لخلية كانت تعتزم إطلاق صواريخ خارج الحدود

أحبطت وزارة الداخلية السورية مخططاً تقف خلفه خلية مرتبطة بـ«حزب الله» اللبناني، وكانت الخلية تعتزم إطلاق صواريخ خارج الحدود بهدف زعزعة الاستقرار.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال جلسة في منتدى أنطاليا للدبلوماسية في أنطاليا - تركيا 17 أبريل 2026 (رويترز)

الشرع: التفاوض مع إسرائيل حول الجولان رهن إبرام اتفاق أمني

قال الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، إن بلاده قد تنخرط في مفاوضات مع إسرائيل بشأن الجولان، في حال أبرم الطرفان اتفاقاً أمنياً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الرئيس السوري يبحث مع عبدي وأحمد استكمال عملية الدمج وإعلان حل «قسد»

بحث الرئيس السوري، أحمد الشرع، مع قائد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية»، إلهام أحمد،…

موفق محمد (دمشق)

«حماس»: إجراء محادثات بالقاهرة لاستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة

نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«حماس»: إجراء محادثات بالقاهرة لاستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة

نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

أعلنت حركة «حماس» الفلسطينية، الأحد، أنها أجرت سلسلة لقاءات مع وسطاء وأطراف فلسطينية في القاهرة خلال الأسبوع الماضي، لبحث سبل استكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

وذكرت الحركة، في بيان صحافي حصلت عليه «وكالة الأنباء الألمانية»، أنها تعاملت بإيجابية مع الحوارات التي جرت، مؤكدة استمرار التواصل مع الوسطاء بهدف التوصل إلى اتفاق يضع حداً للأوضاع الإنسانية في القطاع، ويمهد لانسحاب القوات الإسرائيلية، وبدء عملية إعادة الإعمار.

واتهمت «حماس» إسرائيل بعدم الالتزام بمعظم تعهداتها ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق، مشيرة إلى ما وصفته بـ«خروقات يومية»، ولم يصدر تعليق فوري من الجانب الإسرائيلي على هذه الاتهامات.

وأكدت الحركة ضرورة تنفيذ بنود المرحلة الأولى بشكل كامل، على أساس أن ذلك شرط للانتقال إلى مناقشة قضايا المرحلة الثانية.

ويأتي ذلك في إطار الجهود المستمرة التي تقودها أطراف إقليمية ودولية لتثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تحديات تتعلق بتنفيذ بنود الاتفاق، لا سيما ما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية، وترتيبات الانسحاب العسكري.

وكان اتفاق لوقف إطلاق النار قد دخل حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويتضمن مراحل متعددة تشمل تبادل محتجزين، وإدخال مساعدات إنسانية، وصولاً إلى ترتيبات أوسع تتعلق بنزع سلاح حركة «حماس»، والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وإعادة الإعمار، ومستقبل إدارة القطاع.


ماكرون يستقبل سلام الثلاثاء بعد مقتل جندي بـ«اليونيفيل»

دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يستقبل سلام الثلاثاء بعد مقتل جندي بـ«اليونيفيل»

دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أعلنت الرئاسة الفرنسية، الأحد، أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، الثلاثاء، في ظل وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، وغداة مقتل جندي الوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل»، وبعد يومين على خطاب للرئيس اللبناني جوزيف عون، تعهَّد فيه بالتفاوض مع إسرائيل لإنقاذ لبنان.

ويتوجه سلام إلى لوكسمبورغ، الثلاثاء، بدعوة من الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، وذلك للقائها. وبعد ذلك، سوف يجتمع في باريس مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وأكد قصر الإليزيه أن «هذه الزيارة ستكون فرصة لرئيس الدولة، ليؤكد مجدداً التزامه بالاحترام الكامل والشامل لوقف إطلاق النار في لبنان، ودعم فرنسا لوحدة أراضي البلاد، ولإجراءات الدولة اللبنانية لضمان السيادة الكاملة والشاملة للبلاد وحصرية السلاح». وأضاف: «سيناقش المسؤولان أيضاً، الدعم الإنساني للنازحين ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لترسيخ سيادة لبنان وإعادة إعماره واستعادة ازدهاره».

تأتي زيارة سلام بعد مقتل جندي فرنسي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل)، في كمين نُسب إلى «حزب الله» الذي نفى مسؤوليته عنه.

واستنكر الرئيس الفرنسي الهجوم ووصفه بأنه «غير مقبول»، داعياً السلطات اللبنانية إلى كشف ملابسات الحادثة وتوقيف الجناة.

وقال قصر الإليزيه: «جنود اليونيفيل الذين يؤدون مهامهم في ظروف صعبة ويدعمون إيصال المساعدات الإنسانية إلى جنوب لبنان يجب ألا يُستهدفوا في أي ظرف».

توقيف المتورطين بالاعتداء على «اليونيفيل»

على صعيد متصل، قال وزير الخارجية الفرنسي، الأحد، إن باريس تلقت «تأكيدات» من الحكومة اللبنانية بأنها ستبذل كل ما في وسعها لتوقيف المسؤولين عن الكمين.

وقال جان نويل بارو لـ«راديو جاي»: «تلقينا تأكيدات، أمس (السبت)، على أن السلطات اللبنانية ستعطي الأولوية المطلقة للعثور على المسؤولين عن هذه الجريمة وتوقيفهم».

وانتقد الوزير أيضاً العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد «حزب الله» في لبنان، التي أسفرت عن دمار ونزوح. وأضاف أن «تدمير لبنان أو الدولة اللبنانية لن يقضي على (حزب الله)، بل على العكس، سيزيد من قوته».

أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (أ.ف.ب)

وبخصوص الخطة التي وضعتها الحكومة اللبنانية، تحت ضغط دولي، لنزع سلاح «حزب الله»، وبدأت تنفيذها قبل الحرب الأخيرة، قال بارو إنه «يجب استئنافها لأن الحل السياسي الوحيد لضمان السلام والاستقرار في لبنان هو نزع سلاح (حزب الله)... ثم بالطبع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان».

ترحيب لبناني وكنسي بمبادرة عون

ويلقى خطاب للرئيس اللبناني جوزيف عون، تعهّد فيه بالتفاوض مع إسرائيل لإنقاذ لبنان، ترحيباً محلياً ودولياً. ورأى وزير الإعلام اللبناني، بول مرقص، أن خطاب عون «رسم خريطة طريق للبلاد تقوم على ممارسة السيادة الوطنية وتحويل لبنان من ورقة في جيب أي كان إلى دولة قائمة تفاوض عن نفسها».

وقال: «نأمل أن ننطلق من هذه المبادرة الرئاسية التي نجحت بفضل دعم الولايات المتحدة الأميركية والأشقاء العرب، لا سيما تحديداً المملكة العربية السعودية، إلى وقف دائم لإطلاق النار».

وتلقى مبادرة عون، دعماً كنسياً أيضاً، وقال البطريرك الماروني بشارة الراعي في عظة الأحد: «إن هذه الحرب المفروضة مرفوضة من الشعب، ومرفوضة من الدولة، ومرفوضة من كل ضمير حي. ونؤمن أن الطريق ليس في العنف، بل في الكلمة، ليس في القوة، بل في الحوار. السلام لا يُفرض، بل يُبنى»، مؤكداً أن «السلام في الجنوب شرط للسلام في لبنان كله».

وتابع: «نصلّي مع أبناء الجنوب من أجل نهاية هذه الحرب البغيضة، وإحلال سلام عادل وشامل ودائم بنجاح المفاوضات الجارية».

في المقابل، ترفض دار الإفتاء الشيعية، المبادرة. وقال المفتي أحمد قبلان إن «المقاومة والجيش اللبناني والسلم الأهلي والدفاع السيادي والشراكة الوطنية ضرورة وطنية جذرية بهذا البلد». وأضاف في بيان: «من المؤسف أنه بدل الوقوف على خاطر التضحيات الوطنية التي قدّمها ويقدّمها أهل الجنوب والضاحية والبقاع وبيروت منذ عشرات السنين، بادرت هذه السلطات المهووسة بدور الوكيل الأرعن إلى أخذ صورة مخزية مع القاتل الصهيوني في واشنطن، لأنّ ما يجري بهذا البلد على مستوى بعض السلطات الدستورية عار، وإعلان عداوة صريحة مع شعب هذا البلد، وبطريقة صادمة».

وتابع: «لبنان دولة ذات عقيدة وطنية. ولهذه الدولة خطوط وطنية حمراء محسومة، والخطأ فيها قاتل»، مشيراً إلى أن «تعويل البعض على أنّ أبناء هذا البلد سيقاتلون أبناء مقاومتهم الوطنية أمر خطير بل كارثي، وأي مشروع بهذا الاتجاه مصيره الفشل».


«الشرق الأوسط» تحدد خريطة السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«الشرق الأوسط» تحدد خريطة السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يستغل الجيش الإسرائيلي اتفاق وقف إطلاق النار للتوسع في بلدات لم يكن قد احتلها بعد في جنوب لبنان، حيث بدأ، الأحد، بالتمدد في بلدتين جديدتين، تُضافان لـ41 بلدة كانت قد سيطر عليها خلال الحرب، وذلك لاستكمال خطة إنشاء حزام أمني في 55 بلدة، سيكون بعضها خاضعاً لسيطرة مباشرة، بينما تكون أخرى خاضعة لسيطرة نارية.

دبابات وجرافات إسرائيلية تعمل في جنوب لبنان كما تظهر من الجهة الإسرائيلية من الحدود (أ.ب)

ونشر الجيش الإسرائيلي خريطة تحدد المنطقة الأمنية التي ستضم 41 بلدة، بينها بلدات واقعة شمال الليطاني مثل أرنون ويحمر الشقيف، الواقعتين على الضفاف الشمالية والغربية لليطاني، كما تضم البلدات المسيحية مثل القليعة وجديدة مرجعيون وبرج الملوك، لكن القوات الإسرائيلية لا توجد فيها الآن، بينما تقدمت في آخر أيام الحرب إلى بلدة دبين المحاذية لجديدة مرجعيون، قبل أن تنسحب منها بعد قتال عنيف مع «حزب الله»، حسبما قالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط»، وإضافة إلى التمدد، تنفذ عدة تفجيرات داخل البلدات التي سيطرت عليها، بينها مدينة بنت جبيل.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية، الأحد، بأن إسرائيل قسمت الجزء الذي تسيطر عليه من جنوب لبنان إلى 3 مناطق، بعد اتفاق وقف إطلاق النار بينها وبين الحكومة اللبنانية.

وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن ما يسمى بالخط الأحمر يشير إلى الصف الأول من القرى التي تقع بشكل مباشر على الحدود الإسرائيلية اللبنانية. وأضافت الصحيفة أن معظم المباني هناك قد تم تدميرها بالفعل، ولم يعد هناك أي عناصر من «حزب الله» في هذه المنطقة. وفي بعض المواقع، اتخذت القوات البرية الإسرائيلية مواقع ثابتة.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن الجيش الإسرائيلي استحدث مواقع داخل بلدة مركبا ورفع علمه عليها.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس: «يجب أن يمتدّ الخط الأصفر حتى منطقة مضادات الدروع في لبنان، وإذا لم تلتزم الحكومة اللبنانية بتعهداتها فالجيش الإسرائيلي سيتحرك»، مضيفاً: «لقد أصدرنا تعليماتنا للجيش الإسرائيلي بالتحرك بكل قوة براً وجواً لحماية جنودنا في لبنان من أي تهديد». وقال: «يجب تدمير أي مبنى أو طريق في لبنان يشتبه في احتوائه على عبوات ناسفة حماية لجنودنا».

سيطرة شبه كاملة في 41 بلدة

وبلغ عدد البلدات اللبنانية التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي يوم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، 41 بلدة وقرية، ومن ضمنها مدينة بنت جبيل التي توغل فيها وحاصر مقاتلي «حزب الله» في أحيائها، ومدينة الخيام التي أغلق، السبت، الطرقات إلى أحيائها الغربية والشمالية التي لم يكن قد أطبق سيطرته عليها خلال الحرب.

لبنانية تتفقد موقع منزلها المدمر بغارة إسرائيلية في بلدة طيردبا في جنوب لبنان (رويترز)

وتشكل تلك البلدات، جزءاً من مساحة جغرافية تناهز الـ400 كيلومتر مربع ينوي احتلالها، وتتألف من 55 بلدة حسب إعلان الجيش الإسرائيلي، وأرفق إعلانه بخريطة توضيحية تظهر سيطرته على حزام أمني يمتد من 5 إلى 12 كيلومتراً، ويبدأ من منطقة البياضة الساحلية الواقعة على مسافة 12 كيلومتراً جنوب مدينة صور، وتصل إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، حيث يصل مناطق سيطرته في هضبة الجولان السوري المحتلة، بمرتفعات قمة حرمون الغربية في جنوب شرقي لبنان.

وقالت مصادر محلية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن البلدات التي احتلها في جنوب لبنان، تضم بلدات الناقورة والبياضة ومروحين والبستان وإم التوت وشيحين واللوبنة وحامول والضهيرة ويارين وعلما الشعب وطير حرفا وشمع في القطاع الغربي.

أطراف البلدات المسيحية

أشارت المصادر إلى أن منطقة علما الشعب التي تسكنها أغلبية مسيحية «لا توجد القوات الإسرائيلية في أحيائها، بل على أطرافها، لكنها عملياً باتت واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية حيث لا يمكن الوصول إليها»، لافتة إلى أن هذا الواقع «ينطبق على القوزح ورميش ودبل وعين ابل»، وهي بلدات مسيحية في قضاء بنت جبيل، وتقع في القطاع الأوسط الذي تحتل فيه بلدات حانين وعيتا الشعب ورامية وبيت ليف التي توجد القوات الإسرائيلية في أحيائها الجنوبية وتلالها الشرقية، بينما منعت العائدين من العودة إليها، وأطلقت النيران باتجاههم؛ ما اضطرهم للرجوع إلى العمق، حسبما أكدت المصادر.

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

كذلك، سيطر الجيش الإسرائيلي خلال الحرب على بلدات مارون الراس ويارون وعيترون وميس الجبل ورشاف والطيري وبليدا ومحيبيب وأجزاء واسعة من عيناثا وبنت جبيل، وهما بلدتان متصلتان حوصِرَ مقاتلو «حزب الله» الباقون فيهما، بينما أنشأ الجيش الإسرائيلي خطاً نارياً يحظر عودة السكان إلى كونين وبيت ياحون، عبر إطلاقات متكررة، بينها قذائف مدفعية استهدفت كونين بعد ظهر الأحد، بينما بدا أنه تمهيد لاحتلالها، وفقاً للمصادر.

بلدات تحت النار والاحتلال

وتمتد السيطرة الإسرائيلية إلى بلدات رب الثلاثين وحولا وكفركلا والعديسة ومركبا والطيبة والقنطرة ودير سريان، وهي مناطق تمتد من الشريط الحدودي إلى وادي السلوقي ووادي الحجير الذي لم تستكمل السيطرة عليه بعد، بالنظر إلى أنها لم تحتل طلوسة وبني حيان، رغم أن البلدتين خاضعتان وفق الخريطة الإسرائيلية، للمنطقة العازلة. وقد شرعت القوات الإسرائيلية، الأحد، في التوغل في عدشيت القصير، كما بدأت إطلاقات مدفعية باتجاه بلدة علمان، تمهيداً للتوغل فيها؛ ما يتيح لها استكمال الوصول إلى ضفاف الليطاني بعد السيطرة على دير سريان.

سيارة للدفاع المدني تعبر قرب الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)

أيضاً في القطاع الشرقي، سيطرت على أجزاء واسعة من الخيام، ومزارع كفرشوبا وأطراف شبعا وقرية الغجر، كما تمددت شمالاً إلى السفح الغربي لجبل الشيخ في قضاء حاصبيا، علماً أن الخريطة الإسرائيلية تضم بلدات أخرى مثل الماري والمجيدية وشويا في قضاء حاصبيا، وتوجد على أطرافها، ولا يُعرف ما إذا كانت ستدخل إليها كونها بلدات تسكنها أغلبية درزية في المنطقة.