مخاوف من مجاعة وشيكة في غزة بسبب الحصار الإسرائيلي

ارتفاع جنوني في أسعار الطعام... والأمم المتحدة تحذر من نفاد الدقيق خلال أسبوع

فلسطينيون يشترون الطعام قبل عيد الفطر في سوق الزاوية بمدينة غزة يوم الجمعة (أ.ب)
فلسطينيون يشترون الطعام قبل عيد الفطر في سوق الزاوية بمدينة غزة يوم الجمعة (أ.ب)
TT

مخاوف من مجاعة وشيكة في غزة بسبب الحصار الإسرائيلي

فلسطينيون يشترون الطعام قبل عيد الفطر في سوق الزاوية بمدينة غزة يوم الجمعة (أ.ب)
فلسطينيون يشترون الطعام قبل عيد الفطر في سوق الزاوية بمدينة غزة يوم الجمعة (أ.ب)

قالت الأمم المتحدة إن مخابز غزة سينفد منها الدقيق في غضون أسبوع. وقد خفَّضت الوكالات توزيعات الغذاء على العائلات إلى النصف. والأسواق خالية من معظم الخضراوات. ولا يستطيع كثير من عمال الإغاثة التنقل؛ بسبب القصف الإسرائيلي.

وعلى مدار 4 أسابيع، أغلقت إسرائيل جميع مصادر الغذاء والوقود والأدوية وغيرها من الإمدادات لسكان قطاع غزة، الذين يزيد عددهم على مليوني فلسطيني. وهذا هو أطول حصار حتى الآن في الحملة الإسرائيلية المستمرة منذ 17 شهراً، ولا توجد أي علامة على انتهائه، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

ويستنزف عمال الإغاثة الإمدادات التي لديهم، لكنهم يحذِّرون من زيادة كارثية في الجوع الشديد وسوء التغذية. وفي النهاية، سينفد الغذاء تماماً إذا لم يُستأنف تدفق المساعدات، لأن الحرب دمَّرت تقريباً كل الإنتاج الغذائي المحلي في غزة.

وفي سياق متصل، قالت شروق شملخ، وهي أم لثلاثة أطفال تتسلم صندوق الطعام الشهري لعائلتها من مركز توزيع تابع للأمم المتحدة في جباليا شمال غزة: «نعتمد كلياً على صندوق المساعدات هذا». وقالت إنها وأطفالها يُقلّلون وجباتهم لتكفي شهراً كاملاً. «إذا توقف هذا، فمَن سيُزوّدنا بالطعام؟».

أعلن برنامج الغذاء العالمي، الخميس، أن دقيق المخابز يكفي فقط لإنتاج الخبز لـ800 ألف شخص يومياً حتى يوم الثلاثاء، وأن إجمالي إمداداته الغذائية لن يكفي لأكثر من أسبوعين. وكحلٍّ أخير، بعد نفاد جميع المواد الغذائية الأخرى، يحتفظ البرنامج بمخزون طوارئ من البسكويت المغذي المدعم يكفي لـ415 ألف شخص.

فلسطينيون في سوق الزاوية وسط الحصار الإسرائيلي المستمر (أ.ب)

وسيكفي الوقود والأدوية أسابيع إضافية قبل أن يصلا إلى الصفر. وتقوم المستشفيات بترشيد استخدام المضادات الحيوية ومسكنات الألم. وتقوم منظمات الإغاثة بتحويل إمدادات الوقود المحدودة بين احتياجات متعددة، جميعها ضرورية وهي: الشاحنات لنقل المساعدات، والمخابز لصنع الخبز، والآبار ومحطات تحلية المياه لإنتاج المياه، والمستشفيات لتشغيل الآلات.

وقت كليمانس لاغواردات، مسؤولة الاستجابة لأزمة غزة في منظمة «أوكسفام» الدولية، متحدثةً من دير البلح وسط غزة في إحاطة إعلامية: «علينا اتخاذ خيارات مستحيلة. كل شيء ضروري». وأضافت: «من الصعب للغاية تحديد الأولويات».

ومما زاد الأوضاع سوءاً استئناف إسرائيل حربها في 18 مارس (آذار) بقصف أسفر عن مقتل مئات الفلسطينيين، معظمهم من النساء والأطفال، وفقاً لمسؤولي الصحة. وتقول الأمم المتحدة إن القصف أصاب منشآت إنسانية. وأجبرت أوامر الإخلاء الجديدة أكثر من 140 ألف فلسطيني على النزوح مرة أخرى.

لكن إسرائيل لم تستأنف نظام إخطار منظمات الإغاثة للجيش بتحركاتها لضمان عدم تعرُّضها للقصف، وفقاً لما ذكره كثير من عمال الإغاثة. ونتيجة لذلك، أوقفت منظمات مختلفة عمليات توصيل المياه، وتوفير التغذية للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، وبرامج أخرى، لأن حركة الفرق غير آمنة.

وأعلن مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهو الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن تنسيق المساعدات، أن النظام توقَّف خلال وقف إطلاق النار. وقال مكتب تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي الفلسطينية إن هذه الإجراءات يتم تنفيذها الآن في بعض المناطق «وفقاً للتقييمات السياسية والعملياتية... استناداً إلى الوضع على الأرض»، دون الخوض في التفاصيل.

«جنون» الأسعار

ويجعل ارتفاع الأسعار الغذاء خارج متناول الجميع. خلال وقف إطلاق النار الذي استمرَّ 42 يوماً، والذي بدأ في منتصف يناير (كانون الثاني)، سارعت منظمات الإغاثة إلى إدخال كميات كبيرة من المساعدات. كما تدفق الطعام إلى الأسواق التجارية. ولكن لم يدخل أي شيء إلى غزة منذ أن قطعت إسرائيل هذا التدفق في 2 مارس. وتقول إسرائيل إن الحصار و«الحملة العسكرية» المتجددة يهدفان إلى إجبار «حماس» على قبول تغييرات في اتفاق وقف إطلاق النار المتفق عليه وإطلاق سراح مزيد من الرهائن.

وحسب تقرير «أسوشييتد برس»، أصبحت المنتجات الطازجة نادرةً الآن في أسواق غزة. ويقول الفلسطينيون إن اللحوم والدجاج والبطاطس والزبادي والبيض والفواكه قد اختفت تماماً. وارتفعت أسعار كل شيء آخر بشكل كبير بعيداً عن متناول كثير من الفلسطينيين. يمكن أن يكلف كيلو البصل ما يعادل 14 دولاراً، وكيلو الطماطم 6 دولارات، إذا تم العثور عليهما. ارتفعت أسعار غاز الطهي بما يصل إلى 30 ضعفاً، لذلك عادت العائلات إلى البحث عن الحطب لإشعال النيران.

فلسطينيون يسيرون في شارع مزدحم خلال تسوقهم بحي الرمال وسط مدينة غزة (أ.ب)

وتقول عبير العكر، وهي معلمة وأم لثلاثة أطفال في مدينة غزة: «إنه جنون تماماً. لا طعام، لا خدمات... أعتقد أن المجاعة بدأت من جديد».

وتعتمد العائلات بشكل أكبر على المساعدات. في مركز التوزيع بجباليا، قامت ريما ميغات بفرز صندوق الحصص الغذائية لعائلتها المكونة من 10 أفراد، ويحتوي الصندوق على أرز، وعدس، وبضع علب سردين، نصف كيلو سكر، وعلبتين من الحليب المجفف. وقالت: «هذا لا يكفي لمدة شهر. سيُستهلك هذا الكيلو من الأرز دفعةً واحدة».

صرَّحت أولغا تشيريفكو، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، بأن الأمم المتحدة خفَّضت توزيع الحصص الغذائية إلى النصف لإعادة توجيه مزيد من الإمدادات إلى المخابز، وتوفير مطابخ تُنتج وجبات جاهزة.

وأضافت أن عدد الوجبات الجاهزة قد ارتفع بنسبة 25 في المائة ليصل إلى 940 ألف وجبة يومياً، وأن المخابز تُنتج مزيداً من الخبز. لكن هذا يستنزف الإمدادات بشكل أسرع.

وقال جافين كيليهر، من المجلس النرويجي للاجئين: «بمجرد نفاد الدقيق قريباً، فلن يكون هناك إنتاج للخبز في جزء كبير من غزة». وقال سام روز، القائم بأعمال مدير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في غزة، إن الوكالة لم يتبقَّ لديها سوى بضعة آلاف من الطرود الغذائية، وكمية كافية من الدقيق لعدة أيام.

أرز وخضراوات فقط

وقال هاني المدهون، المؤسس المشارِك لـ«مطبخ غزة الخيري»، إن أحد المطابخ العامة الرئيسية لا يستطيع الحصول على أي لحوم أو كثير من المنتجات، لذا يقدمون الأرز مع الخضراوات المعلبة. وأضاف: «هناك كثير من الناس يأتون، وهم أكثر يأساً. الناس هنا يكافحون من أجل الغذاء».

ولا تُظهر إسرائيل أي إشارة إلى رفع الحصار. ضغطت الولايات المتحدة على إسرائيل للسماح بدخول المساعدات إلى غزة في بداية الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بعد أن فرضت إسرائيل حصاراً لمدة أسبوعين تقريباً. لكن هذه المرة، دعمت سياسة إسرائيل. ووصفتها جماعات حقوق الإنسان بأنها «سياسة تجويع» قد ترقى إلى جريمة حرب.

وصرَّح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في مؤتمر صحافي، يوم الاثنين بأن «إسرائيل تتصرف وفقاً للقانون الدولي». واتهم حركة «حماس» بسرقة المساعدات، وقال إن إسرائيل غير ملزمة بالسماح بدخول الإمدادات إذا تم تحويلها إلى المقاتلين. ولم يُشر إلى ما إذا كان من الممكن رفع الحصار، لكنه قال إن غزة لديها إمدادات كافية، مشيراً إلى المساعدات التي تدفقت خلال وقف إطلاق النار.

أطفال يعانون سوء التغذية

ويزداد الجوع واليأس في القطاع المحاصر. ولأن فرقها لا تستطيع تنسيق التحركات مع الجيش، علّقت منظمة «أنقذوا الأطفال» برامجها التي تُقدّم التغذية للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، وفقاً لما ذكرته راشيل كامينغز، قائدة الاستجابة الإنسانية في المنظمة في غزة. وقالت لوكالة «أسوشييتد برس»: «نتوقع زيادة في معدل سوء التغذية. ليس الأطفال فقط، بل الفتيات المراهقات والنساء الحوامل».

وأضافت ألكسندرا سيف، رئيسة قسم السياسة الإنسانية في المنظمة، أن نحو 300 مريض يعانون من سوء التغذية كانوا يأتون إلى عيادتها في دير البلح يومياً. وقالت إن الأعداد انخفضت بشدة - إلى الصفر في بعض الأيام - لأن المرضى يخشون القصف.

وتتشابك الأزمات المتعددة. فسوء التغذية يجعل الأطفال عُرضةً للإصابة بالالتهاب الرئوي والإسهال وأمراض أخرى. كما أن نقص المياه النظيفة والازدحام يُفاقمان الأمراض. ولا تستطيع المستشفيات المكتظة بالجرحى استخدام إمداداتها المحدودة لعلاج مرضى آخرين.

يقول عمال الإغاثة إن اليأس بدأ ينتابهم، ليس فقط الفلسطينيين، بل وموظفيهم أيضاً.


مقالات ذات صلة

«حماس»: إجراء محادثات بالقاهرة لاستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة

المشرق العربي نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

«حماس»: إجراء محادثات بالقاهرة لاستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة

أعلنت حركة «حماس» الفلسطينية أنها أجرت سلسلة لقاءات مع وسطاء وأطراف فلسطينية في القاهرة؛ لبحث سبل استكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم السبت (أ.ف.ب)

خاص «رد إيجابي» من «حماس» في القاهرة قد يفضي لاتفاق قريباً

أكدت مصادر عدة من حركة «حماس» أن وفدها الموجود في القاهرة قدّم «رداً إيجابياً» على مقترح قدمه الوسطاء بشأن تنفيذ «اتفاق متزامن» ما بين المرحلتين الأولى والثانية

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

تتجه الأنظار نحو «لجنة إدارة قطاع غزة» بعد 3 أشهر من تأسيسها دون بدء عملها الفعلي من القطاع، وذلك بعد حديث الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» بقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«حماس»: إجراء محادثات بالقاهرة لاستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة

نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«حماس»: إجراء محادثات بالقاهرة لاستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة

نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

أعلنت حركة «حماس» الفلسطينية، الأحد، أنها أجرت سلسلة لقاءات مع وسطاء وأطراف فلسطينية في القاهرة خلال الأسبوع الماضي، لبحث سبل استكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

وذكرت الحركة، في بيان صحافي حصلت عليه «وكالة الأنباء الألمانية»، أنها تعاملت بإيجابية مع الحوارات التي جرت، مؤكدة استمرار التواصل مع الوسطاء بهدف التوصل إلى اتفاق يضع حداً للأوضاع الإنسانية في القطاع، ويمهد لانسحاب القوات الإسرائيلية، وبدء عملية إعادة الإعمار.

واتهمت «حماس» إسرائيل بعدم الالتزام بمعظم تعهداتها ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق، مشيرة إلى ما وصفته بـ«خروقات يومية»، ولم يصدر تعليق فوري من الجانب الإسرائيلي على هذه الاتهامات.

وأكدت الحركة ضرورة تنفيذ بنود المرحلة الأولى بشكل كامل، على أساس أن ذلك شرط للانتقال إلى مناقشة قضايا المرحلة الثانية.

ويأتي ذلك في إطار الجهود المستمرة التي تقودها أطراف إقليمية ودولية لتثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تحديات تتعلق بتنفيذ بنود الاتفاق، لا سيما ما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية، وترتيبات الانسحاب العسكري.

وكان اتفاق لوقف إطلاق النار قد دخل حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويتضمن مراحل متعددة تشمل تبادل محتجزين، وإدخال مساعدات إنسانية، وصولاً إلى ترتيبات أوسع تتعلق بنزع سلاح حركة «حماس»، والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وإعادة الإعمار، ومستقبل إدارة القطاع.


ماكرون يستقبل سلام الثلاثاء بعد مقتل جندي بـ«اليونيفيل»

دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يستقبل سلام الثلاثاء بعد مقتل جندي بـ«اليونيفيل»

دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أعلنت الرئاسة الفرنسية، الأحد، أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، الثلاثاء، في ظل وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، وغداة مقتل جندي الوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل»، وبعد يومين على خطاب للرئيس اللبناني جوزيف عون، تعهَّد فيه بالتفاوض مع إسرائيل لإنقاذ لبنان.

ويتوجه سلام إلى لوكسمبورغ، الثلاثاء، بدعوة من الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، وذلك للقائها. وبعد ذلك، سوف يجتمع في باريس مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وأكد قصر الإليزيه أن «هذه الزيارة ستكون فرصة لرئيس الدولة، ليؤكد مجدداً التزامه بالاحترام الكامل والشامل لوقف إطلاق النار في لبنان، ودعم فرنسا لوحدة أراضي البلاد، ولإجراءات الدولة اللبنانية لضمان السيادة الكاملة والشاملة للبلاد وحصرية السلاح». وأضاف: «سيناقش المسؤولان أيضاً، الدعم الإنساني للنازحين ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لترسيخ سيادة لبنان وإعادة إعماره واستعادة ازدهاره».

تأتي زيارة سلام بعد مقتل جندي فرنسي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل)، في كمين نُسب إلى «حزب الله» الذي نفى مسؤوليته عنه.

واستنكر الرئيس الفرنسي الهجوم ووصفه بأنه «غير مقبول»، داعياً السلطات اللبنانية إلى كشف ملابسات الحادثة وتوقيف الجناة.

وقال قصر الإليزيه: «جنود اليونيفيل الذين يؤدون مهامهم في ظروف صعبة ويدعمون إيصال المساعدات الإنسانية إلى جنوب لبنان يجب ألا يُستهدفوا في أي ظرف».

توقيف المتورطين بالاعتداء على «اليونيفيل»

على صعيد متصل، قال وزير الخارجية الفرنسي، الأحد، إن باريس تلقت «تأكيدات» من الحكومة اللبنانية بأنها ستبذل كل ما في وسعها لتوقيف المسؤولين عن الكمين.

وقال جان نويل بارو لـ«راديو جاي»: «تلقينا تأكيدات، أمس (السبت)، على أن السلطات اللبنانية ستعطي الأولوية المطلقة للعثور على المسؤولين عن هذه الجريمة وتوقيفهم».

وانتقد الوزير أيضاً العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد «حزب الله» في لبنان، التي أسفرت عن دمار ونزوح. وأضاف أن «تدمير لبنان أو الدولة اللبنانية لن يقضي على (حزب الله)، بل على العكس، سيزيد من قوته».

أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (أ.ف.ب)

وبخصوص الخطة التي وضعتها الحكومة اللبنانية، تحت ضغط دولي، لنزع سلاح «حزب الله»، وبدأت تنفيذها قبل الحرب الأخيرة، قال بارو إنه «يجب استئنافها لأن الحل السياسي الوحيد لضمان السلام والاستقرار في لبنان هو نزع سلاح (حزب الله)... ثم بالطبع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان».

ترحيب لبناني وكنسي بمبادرة عون

ويلقى خطاب للرئيس اللبناني جوزيف عون، تعهّد فيه بالتفاوض مع إسرائيل لإنقاذ لبنان، ترحيباً محلياً ودولياً. ورأى وزير الإعلام اللبناني، بول مرقص، أن خطاب عون «رسم خريطة طريق للبلاد تقوم على ممارسة السيادة الوطنية وتحويل لبنان من ورقة في جيب أي كان إلى دولة قائمة تفاوض عن نفسها».

وقال: «نأمل أن ننطلق من هذه المبادرة الرئاسية التي نجحت بفضل دعم الولايات المتحدة الأميركية والأشقاء العرب، لا سيما تحديداً المملكة العربية السعودية، إلى وقف دائم لإطلاق النار».

وتلقى مبادرة عون، دعماً كنسياً أيضاً، وقال البطريرك الماروني بشارة الراعي في عظة الأحد: «إن هذه الحرب المفروضة مرفوضة من الشعب، ومرفوضة من الدولة، ومرفوضة من كل ضمير حي. ونؤمن أن الطريق ليس في العنف، بل في الكلمة، ليس في القوة، بل في الحوار. السلام لا يُفرض، بل يُبنى»، مؤكداً أن «السلام في الجنوب شرط للسلام في لبنان كله».

وتابع: «نصلّي مع أبناء الجنوب من أجل نهاية هذه الحرب البغيضة، وإحلال سلام عادل وشامل ودائم بنجاح المفاوضات الجارية».

في المقابل، ترفض دار الإفتاء الشيعية، المبادرة. وقال المفتي أحمد قبلان إن «المقاومة والجيش اللبناني والسلم الأهلي والدفاع السيادي والشراكة الوطنية ضرورة وطنية جذرية بهذا البلد». وأضاف في بيان: «من المؤسف أنه بدل الوقوف على خاطر التضحيات الوطنية التي قدّمها ويقدّمها أهل الجنوب والضاحية والبقاع وبيروت منذ عشرات السنين، بادرت هذه السلطات المهووسة بدور الوكيل الأرعن إلى أخذ صورة مخزية مع القاتل الصهيوني في واشنطن، لأنّ ما يجري بهذا البلد على مستوى بعض السلطات الدستورية عار، وإعلان عداوة صريحة مع شعب هذا البلد، وبطريقة صادمة».

وتابع: «لبنان دولة ذات عقيدة وطنية. ولهذه الدولة خطوط وطنية حمراء محسومة، والخطأ فيها قاتل»، مشيراً إلى أن «تعويل البعض على أنّ أبناء هذا البلد سيقاتلون أبناء مقاومتهم الوطنية أمر خطير بل كارثي، وأي مشروع بهذا الاتجاه مصيره الفشل».


«الشرق الأوسط» تحدد خريطة السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«الشرق الأوسط» تحدد خريطة السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يستغل الجيش الإسرائيلي اتفاق وقف إطلاق النار للتوسع في بلدات لم يكن قد احتلها بعد في جنوب لبنان، حيث بدأ، الأحد، بالتمدد في بلدتين جديدتين، تُضافان لـ41 بلدة كانت قد سيطر عليها خلال الحرب، وذلك لاستكمال خطة إنشاء حزام أمني في 55 بلدة، سيكون بعضها خاضعاً لسيطرة مباشرة، بينما تكون أخرى خاضعة لسيطرة نارية.

دبابات وجرافات إسرائيلية تعمل في جنوب لبنان كما تظهر من الجهة الإسرائيلية من الحدود (أ.ب)

ونشر الجيش الإسرائيلي خريطة تحدد المنطقة الأمنية التي ستضم 41 بلدة، بينها بلدات واقعة شمال الليطاني مثل أرنون ويحمر الشقيف، الواقعتين على الضفاف الشمالية والغربية لليطاني، كما تضم البلدات المسيحية مثل القليعة وجديدة مرجعيون وبرج الملوك، لكن القوات الإسرائيلية لا توجد فيها الآن، بينما تقدمت في آخر أيام الحرب إلى بلدة دبين المحاذية لجديدة مرجعيون، قبل أن تنسحب منها بعد قتال عنيف مع «حزب الله»، حسبما قالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط»، وإضافة إلى التمدد، تنفذ عدة تفجيرات داخل البلدات التي سيطرت عليها، بينها مدينة بنت جبيل.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية، الأحد، بأن إسرائيل قسمت الجزء الذي تسيطر عليه من جنوب لبنان إلى 3 مناطق، بعد اتفاق وقف إطلاق النار بينها وبين الحكومة اللبنانية.

وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن ما يسمى بالخط الأحمر يشير إلى الصف الأول من القرى التي تقع بشكل مباشر على الحدود الإسرائيلية اللبنانية. وأضافت الصحيفة أن معظم المباني هناك قد تم تدميرها بالفعل، ولم يعد هناك أي عناصر من «حزب الله» في هذه المنطقة. وفي بعض المواقع، اتخذت القوات البرية الإسرائيلية مواقع ثابتة.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن الجيش الإسرائيلي استحدث مواقع داخل بلدة مركبا ورفع علمه عليها.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس: «يجب أن يمتدّ الخط الأصفر حتى منطقة مضادات الدروع في لبنان، وإذا لم تلتزم الحكومة اللبنانية بتعهداتها فالجيش الإسرائيلي سيتحرك»، مضيفاً: «لقد أصدرنا تعليماتنا للجيش الإسرائيلي بالتحرك بكل قوة براً وجواً لحماية جنودنا في لبنان من أي تهديد». وقال: «يجب تدمير أي مبنى أو طريق في لبنان يشتبه في احتوائه على عبوات ناسفة حماية لجنودنا».

سيطرة شبه كاملة في 41 بلدة

وبلغ عدد البلدات اللبنانية التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي يوم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، 41 بلدة وقرية، ومن ضمنها مدينة بنت جبيل التي توغل فيها وحاصر مقاتلي «حزب الله» في أحيائها، ومدينة الخيام التي أغلق، السبت، الطرقات إلى أحيائها الغربية والشمالية التي لم يكن قد أطبق سيطرته عليها خلال الحرب.

لبنانية تتفقد موقع منزلها المدمر بغارة إسرائيلية في بلدة طيردبا في جنوب لبنان (رويترز)

وتشكل تلك البلدات، جزءاً من مساحة جغرافية تناهز الـ400 كيلومتر مربع ينوي احتلالها، وتتألف من 55 بلدة حسب إعلان الجيش الإسرائيلي، وأرفق إعلانه بخريطة توضيحية تظهر سيطرته على حزام أمني يمتد من 5 إلى 12 كيلومتراً، ويبدأ من منطقة البياضة الساحلية الواقعة على مسافة 12 كيلومتراً جنوب مدينة صور، وتصل إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، حيث يصل مناطق سيطرته في هضبة الجولان السوري المحتلة، بمرتفعات قمة حرمون الغربية في جنوب شرقي لبنان.

وقالت مصادر محلية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن البلدات التي احتلها في جنوب لبنان، تضم بلدات الناقورة والبياضة ومروحين والبستان وإم التوت وشيحين واللوبنة وحامول والضهيرة ويارين وعلما الشعب وطير حرفا وشمع في القطاع الغربي.

أطراف البلدات المسيحية

أشارت المصادر إلى أن منطقة علما الشعب التي تسكنها أغلبية مسيحية «لا توجد القوات الإسرائيلية في أحيائها، بل على أطرافها، لكنها عملياً باتت واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية حيث لا يمكن الوصول إليها»، لافتة إلى أن هذا الواقع «ينطبق على القوزح ورميش ودبل وعين ابل»، وهي بلدات مسيحية في قضاء بنت جبيل، وتقع في القطاع الأوسط الذي تحتل فيه بلدات حانين وعيتا الشعب ورامية وبيت ليف التي توجد القوات الإسرائيلية في أحيائها الجنوبية وتلالها الشرقية، بينما منعت العائدين من العودة إليها، وأطلقت النيران باتجاههم؛ ما اضطرهم للرجوع إلى العمق، حسبما أكدت المصادر.

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

كذلك، سيطر الجيش الإسرائيلي خلال الحرب على بلدات مارون الراس ويارون وعيترون وميس الجبل ورشاف والطيري وبليدا ومحيبيب وأجزاء واسعة من عيناثا وبنت جبيل، وهما بلدتان متصلتان حوصِرَ مقاتلو «حزب الله» الباقون فيهما، بينما أنشأ الجيش الإسرائيلي خطاً نارياً يحظر عودة السكان إلى كونين وبيت ياحون، عبر إطلاقات متكررة، بينها قذائف مدفعية استهدفت كونين بعد ظهر الأحد، بينما بدا أنه تمهيد لاحتلالها، وفقاً للمصادر.

بلدات تحت النار والاحتلال

وتمتد السيطرة الإسرائيلية إلى بلدات رب الثلاثين وحولا وكفركلا والعديسة ومركبا والطيبة والقنطرة ودير سريان، وهي مناطق تمتد من الشريط الحدودي إلى وادي السلوقي ووادي الحجير الذي لم تستكمل السيطرة عليه بعد، بالنظر إلى أنها لم تحتل طلوسة وبني حيان، رغم أن البلدتين خاضعتان وفق الخريطة الإسرائيلية، للمنطقة العازلة. وقد شرعت القوات الإسرائيلية، الأحد، في التوغل في عدشيت القصير، كما بدأت إطلاقات مدفعية باتجاه بلدة علمان، تمهيداً للتوغل فيها؛ ما يتيح لها استكمال الوصول إلى ضفاف الليطاني بعد السيطرة على دير سريان.

سيارة للدفاع المدني تعبر قرب الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)

أيضاً في القطاع الشرقي، سيطرت على أجزاء واسعة من الخيام، ومزارع كفرشوبا وأطراف شبعا وقرية الغجر، كما تمددت شمالاً إلى السفح الغربي لجبل الشيخ في قضاء حاصبيا، علماً أن الخريطة الإسرائيلية تضم بلدات أخرى مثل الماري والمجيدية وشويا في قضاء حاصبيا، وتوجد على أطرافها، ولا يُعرف ما إذا كانت ستدخل إليها كونها بلدات تسكنها أغلبية درزية في المنطقة.