مخاوف من مجاعة وشيكة في غزة بسبب الحصار الإسرائيلي

ارتفاع جنوني في أسعار الطعام... والأمم المتحدة تحذر من نفاد الدقيق خلال أسبوع

فلسطينيون يشترون الطعام قبل عيد الفطر في سوق الزاوية بمدينة غزة يوم الجمعة (أ.ب)
فلسطينيون يشترون الطعام قبل عيد الفطر في سوق الزاوية بمدينة غزة يوم الجمعة (أ.ب)
TT

مخاوف من مجاعة وشيكة في غزة بسبب الحصار الإسرائيلي

فلسطينيون يشترون الطعام قبل عيد الفطر في سوق الزاوية بمدينة غزة يوم الجمعة (أ.ب)
فلسطينيون يشترون الطعام قبل عيد الفطر في سوق الزاوية بمدينة غزة يوم الجمعة (أ.ب)

قالت الأمم المتحدة إن مخابز غزة سينفد منها الدقيق في غضون أسبوع. وقد خفَّضت الوكالات توزيعات الغذاء على العائلات إلى النصف. والأسواق خالية من معظم الخضراوات. ولا يستطيع كثير من عمال الإغاثة التنقل؛ بسبب القصف الإسرائيلي.

وعلى مدار 4 أسابيع، أغلقت إسرائيل جميع مصادر الغذاء والوقود والأدوية وغيرها من الإمدادات لسكان قطاع غزة، الذين يزيد عددهم على مليوني فلسطيني. وهذا هو أطول حصار حتى الآن في الحملة الإسرائيلية المستمرة منذ 17 شهراً، ولا توجد أي علامة على انتهائه، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

ويستنزف عمال الإغاثة الإمدادات التي لديهم، لكنهم يحذِّرون من زيادة كارثية في الجوع الشديد وسوء التغذية. وفي النهاية، سينفد الغذاء تماماً إذا لم يُستأنف تدفق المساعدات، لأن الحرب دمَّرت تقريباً كل الإنتاج الغذائي المحلي في غزة.

وفي سياق متصل، قالت شروق شملخ، وهي أم لثلاثة أطفال تتسلم صندوق الطعام الشهري لعائلتها من مركز توزيع تابع للأمم المتحدة في جباليا شمال غزة: «نعتمد كلياً على صندوق المساعدات هذا». وقالت إنها وأطفالها يُقلّلون وجباتهم لتكفي شهراً كاملاً. «إذا توقف هذا، فمَن سيُزوّدنا بالطعام؟».

أعلن برنامج الغذاء العالمي، الخميس، أن دقيق المخابز يكفي فقط لإنتاج الخبز لـ800 ألف شخص يومياً حتى يوم الثلاثاء، وأن إجمالي إمداداته الغذائية لن يكفي لأكثر من أسبوعين. وكحلٍّ أخير، بعد نفاد جميع المواد الغذائية الأخرى، يحتفظ البرنامج بمخزون طوارئ من البسكويت المغذي المدعم يكفي لـ415 ألف شخص.

فلسطينيون في سوق الزاوية وسط الحصار الإسرائيلي المستمر (أ.ب)

وسيكفي الوقود والأدوية أسابيع إضافية قبل أن يصلا إلى الصفر. وتقوم المستشفيات بترشيد استخدام المضادات الحيوية ومسكنات الألم. وتقوم منظمات الإغاثة بتحويل إمدادات الوقود المحدودة بين احتياجات متعددة، جميعها ضرورية وهي: الشاحنات لنقل المساعدات، والمخابز لصنع الخبز، والآبار ومحطات تحلية المياه لإنتاج المياه، والمستشفيات لتشغيل الآلات.

وقت كليمانس لاغواردات، مسؤولة الاستجابة لأزمة غزة في منظمة «أوكسفام» الدولية، متحدثةً من دير البلح وسط غزة في إحاطة إعلامية: «علينا اتخاذ خيارات مستحيلة. كل شيء ضروري». وأضافت: «من الصعب للغاية تحديد الأولويات».

ومما زاد الأوضاع سوءاً استئناف إسرائيل حربها في 18 مارس (آذار) بقصف أسفر عن مقتل مئات الفلسطينيين، معظمهم من النساء والأطفال، وفقاً لمسؤولي الصحة. وتقول الأمم المتحدة إن القصف أصاب منشآت إنسانية. وأجبرت أوامر الإخلاء الجديدة أكثر من 140 ألف فلسطيني على النزوح مرة أخرى.

لكن إسرائيل لم تستأنف نظام إخطار منظمات الإغاثة للجيش بتحركاتها لضمان عدم تعرُّضها للقصف، وفقاً لما ذكره كثير من عمال الإغاثة. ونتيجة لذلك، أوقفت منظمات مختلفة عمليات توصيل المياه، وتوفير التغذية للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، وبرامج أخرى، لأن حركة الفرق غير آمنة.

وأعلن مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهو الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن تنسيق المساعدات، أن النظام توقَّف خلال وقف إطلاق النار. وقال مكتب تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي الفلسطينية إن هذه الإجراءات يتم تنفيذها الآن في بعض المناطق «وفقاً للتقييمات السياسية والعملياتية... استناداً إلى الوضع على الأرض»، دون الخوض في التفاصيل.

«جنون» الأسعار

ويجعل ارتفاع الأسعار الغذاء خارج متناول الجميع. خلال وقف إطلاق النار الذي استمرَّ 42 يوماً، والذي بدأ في منتصف يناير (كانون الثاني)، سارعت منظمات الإغاثة إلى إدخال كميات كبيرة من المساعدات. كما تدفق الطعام إلى الأسواق التجارية. ولكن لم يدخل أي شيء إلى غزة منذ أن قطعت إسرائيل هذا التدفق في 2 مارس. وتقول إسرائيل إن الحصار و«الحملة العسكرية» المتجددة يهدفان إلى إجبار «حماس» على قبول تغييرات في اتفاق وقف إطلاق النار المتفق عليه وإطلاق سراح مزيد من الرهائن.

وحسب تقرير «أسوشييتد برس»، أصبحت المنتجات الطازجة نادرةً الآن في أسواق غزة. ويقول الفلسطينيون إن اللحوم والدجاج والبطاطس والزبادي والبيض والفواكه قد اختفت تماماً. وارتفعت أسعار كل شيء آخر بشكل كبير بعيداً عن متناول كثير من الفلسطينيين. يمكن أن يكلف كيلو البصل ما يعادل 14 دولاراً، وكيلو الطماطم 6 دولارات، إذا تم العثور عليهما. ارتفعت أسعار غاز الطهي بما يصل إلى 30 ضعفاً، لذلك عادت العائلات إلى البحث عن الحطب لإشعال النيران.

فلسطينيون يسيرون في شارع مزدحم خلال تسوقهم بحي الرمال وسط مدينة غزة (أ.ب)

وتقول عبير العكر، وهي معلمة وأم لثلاثة أطفال في مدينة غزة: «إنه جنون تماماً. لا طعام، لا خدمات... أعتقد أن المجاعة بدأت من جديد».

وتعتمد العائلات بشكل أكبر على المساعدات. في مركز التوزيع بجباليا، قامت ريما ميغات بفرز صندوق الحصص الغذائية لعائلتها المكونة من 10 أفراد، ويحتوي الصندوق على أرز، وعدس، وبضع علب سردين، نصف كيلو سكر، وعلبتين من الحليب المجفف. وقالت: «هذا لا يكفي لمدة شهر. سيُستهلك هذا الكيلو من الأرز دفعةً واحدة».

صرَّحت أولغا تشيريفكو، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، بأن الأمم المتحدة خفَّضت توزيع الحصص الغذائية إلى النصف لإعادة توجيه مزيد من الإمدادات إلى المخابز، وتوفير مطابخ تُنتج وجبات جاهزة.

وأضافت أن عدد الوجبات الجاهزة قد ارتفع بنسبة 25 في المائة ليصل إلى 940 ألف وجبة يومياً، وأن المخابز تُنتج مزيداً من الخبز. لكن هذا يستنزف الإمدادات بشكل أسرع.

وقال جافين كيليهر، من المجلس النرويجي للاجئين: «بمجرد نفاد الدقيق قريباً، فلن يكون هناك إنتاج للخبز في جزء كبير من غزة». وقال سام روز، القائم بأعمال مدير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في غزة، إن الوكالة لم يتبقَّ لديها سوى بضعة آلاف من الطرود الغذائية، وكمية كافية من الدقيق لعدة أيام.

أرز وخضراوات فقط

وقال هاني المدهون، المؤسس المشارِك لـ«مطبخ غزة الخيري»، إن أحد المطابخ العامة الرئيسية لا يستطيع الحصول على أي لحوم أو كثير من المنتجات، لذا يقدمون الأرز مع الخضراوات المعلبة. وأضاف: «هناك كثير من الناس يأتون، وهم أكثر يأساً. الناس هنا يكافحون من أجل الغذاء».

ولا تُظهر إسرائيل أي إشارة إلى رفع الحصار. ضغطت الولايات المتحدة على إسرائيل للسماح بدخول المساعدات إلى غزة في بداية الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بعد أن فرضت إسرائيل حصاراً لمدة أسبوعين تقريباً. لكن هذه المرة، دعمت سياسة إسرائيل. ووصفتها جماعات حقوق الإنسان بأنها «سياسة تجويع» قد ترقى إلى جريمة حرب.

وصرَّح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في مؤتمر صحافي، يوم الاثنين بأن «إسرائيل تتصرف وفقاً للقانون الدولي». واتهم حركة «حماس» بسرقة المساعدات، وقال إن إسرائيل غير ملزمة بالسماح بدخول الإمدادات إذا تم تحويلها إلى المقاتلين. ولم يُشر إلى ما إذا كان من الممكن رفع الحصار، لكنه قال إن غزة لديها إمدادات كافية، مشيراً إلى المساعدات التي تدفقت خلال وقف إطلاق النار.

أطفال يعانون سوء التغذية

ويزداد الجوع واليأس في القطاع المحاصر. ولأن فرقها لا تستطيع تنسيق التحركات مع الجيش، علّقت منظمة «أنقذوا الأطفال» برامجها التي تُقدّم التغذية للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، وفقاً لما ذكرته راشيل كامينغز، قائدة الاستجابة الإنسانية في المنظمة في غزة. وقالت لوكالة «أسوشييتد برس»: «نتوقع زيادة في معدل سوء التغذية. ليس الأطفال فقط، بل الفتيات المراهقات والنساء الحوامل».

وأضافت ألكسندرا سيف، رئيسة قسم السياسة الإنسانية في المنظمة، أن نحو 300 مريض يعانون من سوء التغذية كانوا يأتون إلى عيادتها في دير البلح يومياً. وقالت إن الأعداد انخفضت بشدة - إلى الصفر في بعض الأيام - لأن المرضى يخشون القصف.

وتتشابك الأزمات المتعددة. فسوء التغذية يجعل الأطفال عُرضةً للإصابة بالالتهاب الرئوي والإسهال وأمراض أخرى. كما أن نقص المياه النظيفة والازدحام يُفاقمان الأمراض. ولا تستطيع المستشفيات المكتظة بالجرحى استخدام إمداداتها المحدودة لعلاج مرضى آخرين.

يقول عمال الإغاثة إن اليأس بدأ ينتابهم، ليس فقط الفلسطينيين، بل وموظفيهم أيضاً.


مقالات ذات صلة

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

المشرق العربي فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاطهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مقاتلون فلسطينيون خلال الهجوم على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 (أ.ب)

المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات تشكيل لجنة تحقيق بهجوم أكتوبر

نظرت المحكمة العليا في إسرائيل في التماسات لإلزام الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر 2023.

المشرق العربي سيدتان فلسطينيتان تقرآن تعليمات التصويت بالانتخابات المحلية في مدينة دير البلح بوسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

تُجري لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، استعدادات مكثفة لإجراء أول انتخابات محلية على مستوى قطاع غزة منذ عام 2005، تنطلق السبت المقبل بالتزامن مع الضفة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)

كشف تقرير إعلامي، الخميس، أن محكمة الجنايات الرابعة ستباشر، الأحد المقبل، جلسات المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب في عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وأوضح المصدر لموقع «تلفزيون سوريا»، أن هذه الخطوة تأتي بعد استكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بالقضية، ضمن ملف العدالة الانتقالية، وذلك بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام.

وعاطف نجيب، هو ابن خالة بشار الأسد، اعتقل خلال حملة أمنية لملاحقة فلول النظام في محافظة اللاذقية، في يناير (كانون الثاني) 2025، وتتهمه منظمات حقوقية وفصائل الثورة السورية لأنه كان المسؤول المباشر عن قمع الاحتجاجات الشعبية في محافظة درعا الجنوبية، بارتكاب جرائم قتل مروعة بحق الأطفال المشاركين في الحراك السلمي في مدينة درعا، وأبرزهم حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب في عام 2011.

وقال المصدر المشار إليه أعلاه، إن المحكمة ستعقد وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، ريثما يقر مجلس الشعب السوري بعد انعقاده مشروع (قانون العدالة الانتقاليّة)، الذي بُنيت مواده وفقاً للقوانين السوريّة المعمول بها، التي تصل في بعض موادها إلى عقوبة الإعدام، والذي أصبح جاهزاً بانتظار إقراره.

كسر حالة الإفلات من العقاب

ورغم أن قناة «الإخبارية السورية» نقلت، اليوم، عن رئيس «لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل»، القاضي جمعة الدبيس العنزي، أن جلسة محاكمة علنية لعاطف نجيب بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام ستعقد قريباً، فهذا لا يتناقض مع التصريح المنشور في موقع «تلفزيون سوريا»، إذ إنه من الواضح أن المحاكمة لم تعد بعيدة.

عبد الله يرفع صورة شقيقه حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب عام 2011

«الشرق الأوسط» سألت المعتصم الكيلاني، وهو خبير قانوني سوري مقيم في باريس ومتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، عن تقييمه لسير المحاكمات وإيقاعها في محاكمة مجرمي الحرب في عهد نظام بشار الأسد، وإن كان مسار العدالة الانتقالية يشوبه بعض البطء، أم أنه من طبيعة الأمور في القضاء عموماً؟

العميد عاطف نجيب الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (مواقع)

يعتبر الكيلاني، أن الإعلان عن بدء جلسات المحاكمة العلنية لعاطف نجيب يشكّل خطوة مهمة في اتجاه كسر حالة الإفلات من العقاب، خاصة مع حضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام، بما يعزز الشفافية وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. هذا التطور، من حيث المبدأ، ينسجم مع أحد أعمدة العدالة الانتقالية، وهو «العلنية والمساءلة».

لكن وبمنظور قانوني أوسع، يقول إنه لا يمكن اعتبار هذه الخطوة كافية بحد ذاتها، فالعدالة الانتقالية ليست محاكمة فردية، بل منظومة متكاملة تتطلب إصلاحاً تشريعياً ومؤسسياً عميقاً.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تعديل قانون العقوبات السوري ليشمل معايير التجريم الدولية، لا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفق التعريفات المعتمدة في القانون الدولي. فغياب هذه النصوص يخلق فجوة قانونية خطيرة، ويحدّ من قدرة القضاء الوطني على التعامل مع الانتهاكات الجسيمة بشكل صحيح.

كما أنه من المتطلبات الأساسية أيضاً إلغاء مبدأ «التقادم» على الجرائم الجسيمة، لأن طبيعة هذه الجرائم - بما فيها التعذيب والقتل خارج القانون - تستوجب عدم سقوطها بمرور الزمن، انسجاماً مع المعايير الدولية وضماناً لحقوق الضحايا في الملاحقة والمساءلة مهما طال الزمن.

كتابة على جدار في درعا تسببت بحبس أطفال وتعذيبهم في سجون النظام (متداولة)

ومن جهة أخرى، يقول الحقوقي السوري: «لا يمكن إغفال البعد المؤسسي، إذ يجب تدريب القضاة وأعضاء النيابة العامة وكوادر المحاكم تدريباً تخصصياً على معايير التجريم الدولية، وعلى كيفية التعامل مع الأدلة في قضايا الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك شهادات الضحايا، والأدلة السياقية، وسلاسل المسؤولية. فمن دون هذا التأهيل، تبقى المحاكمات مهددة بالقصور، حتى لو توفرت الإرادة السياسية. الاستفادة من تجارب سابقة، مثل محاكمات الساحل، أمر ضروري هنا. فقد أظهرت تلك التجربة بعض الإيجابيات، مثل العلنية، لكنها كشفت أيضاً ثغرات منها ضعف التأهيل المتخصص أحياناً، والحاجة إلى إطار قانوني أوضح يواكب طبيعة الجرائم».

صورة لبشار الأسد في القامشلي ممزقة بعد الإعلان عن سقوط النظام الحاكم 8 ديسمبر (رويترز)

وفي المحصلة، يؤكد الكيلاني أن لا سلم أهلياً حقيقياً دون عدالة انتقالية شاملة. وأي محاولة لبناء استقرار دون معالجة جذرية للانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها ضمن إطار قانوني سليم، ستبقى هشّة وقابلة للانهيار

من حيث المبدأ، تتسم المحاكمات في القضايا الكبرى المرتبطة بانتهاكات جسيمة بالتعقيد، وهذا يفرض بطئاً نسبياً لضمان دقة الإجراءات واحترام حقوق جميع الأطراف. هذا جانب طبيعي في أي نظام قضائي يحترم الأصول.

لكن في الحالة السورية، لا يمكن الاكتفاء بهذا التبرير. فالتأخير الطويل في إطلاق مسار العدالة أصلاً، إلى جانب استمرار بعض الانتهاكات، يجعل من عامل الزمن عنصراً حساساً للغاية. البطء المفرط هنا قد يُفهم باعتباره استمراراً غير مباشر للإفلات من العقاب، ويؤثر سلباً على ثقة الضحايا بالمؤسسات القضائية.

لذلك، المطلوب ليس تسريعاً على حساب العدالة، بل يجب تحقيق توازن دقيق: قضاء مهني، مستقل، مدرّب، يعمل وفق معايير واضحة، وفي إطار زمني معقول.

ويشدد المعتصم الكيلاني، على أنه إذا جرت المحاكمات (ضد مرتكبي جرائم حرب ضد الإنسانية) ضمن هذا الإطار المتكامل، يمكن اعتبارها خطوة إيجابية. أما إذا بقيت جزئية، أو افتقرت إلى الأساس القانوني المتين، أو لم تُدعَم بإصلاح مؤسسي حقيقي، فإنها قد تتحول إلى مسار محدود الأثر.

وفي جميع الأحوال، يبقى المبدأ الحاكم واضحاً: لا يمكن تحقيق السلم الأهلي في سوريا دون عدالة انتقالية حقيقية، قائمة على المساءلة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وبناء عقد اجتماعي جديد يحترم كرامة الإنسان وحقوقه.


3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

قُتل ثلاثة أشخاص بغارة إسرائيلية على جنوب لبنان، اليوم الخميس، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في أحدث هجوم رغم الهدنة القائمة منذ عشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة، في بيان أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «غارة العدو الإسرائيلي على طريق شوكين قضاء النبطية»، والتي تبعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود اللبنانية الجنوبية، «أدت إلى 3 شهداء»، في حين أسفرت غارة أخرى على بلدة ياطر إلى إصابة شخصين؛ بينهما طفل.

تأتي هذه الهجمات قبل ساعات من اجتماعٍ ثان يُعقَد في واشنطن بين سفيريْ لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن يطلب لبنان تمديد وقف إطلاق النار.

في غضون ذلك، أفاد الجيش الإسرائيلي، في بيان، بأن جنوده قتلوا «رجلين مسلّحين في جنوب لبنان، بعد أن اقتربا من جنود».


تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاط الفصائل الفلسطينية وتعافي حركة «حماس».

وقتلت القوات الإسرائيلية، منذ مساء الأربعاء وحتى منتصف نهار الخميس في غزة، 9 فلسطينيين، منهم 5 في غارة بطائرة مسيرة استهدفت خياماً للنازحين في منطقة مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر ميدانية، أن المستهدف الرئيسي بالغارة أصيب بجروح خطيرة، وهو قيادي ميداني في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، فيما قُتل اثنان من أطفاله، وطفل ثالث، ومواطنان آخران كانا يجلسان في نفس المكان.

فلسطيني يمرّ بجوار نقالة ملطخة بالدماء بعد غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبعد ساعات قليلة، قتلت القوات الإسرائيلية ناشطاً من «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، جنوب خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعد أن استهدفته بمسيرة.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان له عن الحدثين، إنه قضى على عناصر من «حماس» عملوا بمنطقة قريبة من الخط الأصفر شمالي قطاع غزة، فيما هاجم عدداً آخر جنوب القطاع، ما أدى للقضاء على أحدهم خلال نقلهم وسائل قتالية، وفق زعمه.

وتبع ذلك حدث ثالث، بقصف مركبة، ظهر الخميس، في أثناء مرورها على شارع صلاح الدين الرئيس، وتحديداً جنوب مخيم البريج وسط قطاع غزة، ما أدى لمقتل 3 فلسطينيين كانوا على متن المركبة.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

ووفقاً لمصدر ميداني، فإن المستهدفين في المركبة هم بعض نشطاء في «كتائب القسام»، وبينهم نجل أحد مسؤولي جهاز الدفاع المدني في وسط قطاع غزة، وجميعهم من سكان مخيمي البريج والمغازي.

ووفقاً لإحصائية وزارة الصحة بغزة، فإن عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ارتفع إلى 975 قتيلاً، وأصيب أكثر من 2235 بجروح متفاوتة بعضها خطيرة، فيما زاد إجمالي الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72568 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مفاوضات في القاهرة

ويأتي التصعيد الإسرائيلي على وقع مطالبات من «حماس» في القاهرة بوقف الخروقات المستمرة داخل القطاع، في إطار الالتزام بالمرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، فيما تتجاهل إسرائيل تلك المطالب بتوسيع هجماتها واستهداف نشطاء الفصائل، وخاصةً حركتي «حماس» و«الجهاد».

واعتبر حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، عمليات الاستهداف المتواصلة بأنها تمثل دليلاً جديداً على استمرار «حرب الإبادة ونشر الموت في مختلف مناطق القطاع دون توقف». كما قال، معتبراً أن هذه «الجرائم تكشف عن عجز متزايد لـ(مجلس السلام) عن إلزام الاحتلال بوقف خروقاته أو تنفيذ التزاماته ضمن أي اتفاقات قائمة».

يشق فتيان فلسطينيان طريقهما عبر أنقاض المباني المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأضاف قاسم، في تصريح صحافي له: «هذه الجرائم تعكس بوضوح أن الآلة العسكرية للاحتلال مسؤولة عن ارتكاب أعمال الإبادة وانتهاك القانون الدولي والإنساني»، مطالباً الوسطاء والدول الضامنة والمشاركين في «مجلس السلام» بالوقوف أمام مسؤولياتهم وإلزام الاحتلال بوقف «حرب الإبادة» ضد قطاع غزة. كما قال.

وتقول إسرائيل مؤخراً إنها تعمل على مهاجمة أي محاولات من «حماس» والفصائل الأخرى التي تنشط في داخل القطاع، لإعادة امتلاك السلاح أو تأهيل ما لديها من أسلحة وعتاد وغيره، ومنعها من إقامة تدريبات، كما أنها تعمل على تصفية مشاركين بهجمات سابقة ضدها.

وثيقة استخبارية

وتزامن التصعيد الإسرائيلي مع ما نقلته القناة الـ12 العبرية، مساء الأربعاء، عن وثيقة استخباراتية قدمها الجيش الإسرائيلي لجهات محددة في المستوى السياسي، خلال الأيام الأخيرة، تزعم أن حركة «حماس» تنجح في التعافي مجدداً بشكل ملحوظ، مستغلةً وقف إطلاق النار.

ووفقاً للوثيقة المسربة، فإن «حماس» تكسب الوقت المتعلق بوقف إطلاق النار، وتعمل على تنظيم وتحسين وبناء قوتها في القطاع، وإعادة تأهيل الجناح العسكري، وتسريع تجنيد نشطاء جدد، والسيطرة على البضائع، وإظهار السيادة المدنية والحكومية في المناطق التي تسيطر عليها. ونقلت أن «الحركة لم تنجح بعد في تحقيق قفزة نوعية، لكنها تتعافى تدريجياً».

وتسيطر إسرائيل على نحو 53 في المائة من مساحة قطاع غزة، بينما تسيطر «حماس» على ما تبقى منها.

جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

ويرى مسؤولون أمنيون إسرائيليون، نقلت عنهم «القناة الـ12»، أن «التطورات في الجبهات المختلفة، وخاصةً الحرب مع إيران ولبنان تخدم (حماس)؛ لأن الانتباه الأميركي موجه إلى مكان آخر، فيما تستغل الحركة ذلك، وتكسب الوقت ببساطة ولا تفي بالتزاماتها كما وردت في خطة السلام التي عرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفق قولهم.

وأكدت المصادر ذاتها أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ترى أنه في حال لم يكن هناك عملية نزع سلاح، وتفكيك للبنية التحتية لـ(حماس) وفصائل غزة، فإنه سيتم العودة إلى نقطة الصفر، وأن ما يحدث الآن هو تعافٍ مقابل لا شيء»، وفق قولهم.

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)

وما زالت قضية سلاح غزة مثار جدل بين حركة «حماس» والوسطاء والولايات المتحدة و«مجلس السلام»، وتصر إسرائيل على تسليمه كاملاً بلا استثناء، وهو أمر نصت عليه خطة المجلس التي قدمها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف إلى قيادة الحركة.

وفي المقابل تخوض الفصائل الفلسطينية مباحثات لإجراء تعديلات تتضمن إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار التي تركز على الاحتياجات الإنسانية وإدخال المساعدات، قبل الحديث عن المرحلة الثانية التي تركز على نزع السلاح من القطاع. ويسعى الوسطاء إلى تقديم مقاربة جديدة لدمج المرحلتين، أو تنفيذهما بالتزامن.