أكراد سوريا يحتفلون بـ«نوروز» بآمال جديدة

أول عيد بعد سقوط نظام الأسد و«البعث»

من الاحتفالات بعيد «نوروز» في القامشلي (الشرق الأوسط)
من الاحتفالات بعيد «نوروز» في القامشلي (الشرق الأوسط)
TT

أكراد سوريا يحتفلون بـ«نوروز» بآمال جديدة

من الاحتفالات بعيد «نوروز» في القامشلي (الشرق الأوسط)
من الاحتفالات بعيد «نوروز» في القامشلي (الشرق الأوسط)

احتفل أكراد سوريا بعيد «نوروز» هذا العام للمرة الأولى بفرحة عارمة وروح جديدة، بعد سقوط نظام الأسد وحزب «البعث»، الذي فرض سياسات عنصرية، وصلت ذروتها في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، بعد حرمانهم من التحدث بلغتهم الأم في الدوائر الحكومية، ومنع ارتداء زيهم التقليدي، وإحياء طقوسهم القومية.

وتجمَّع الآف من سكان مدينة القامشلي، في منطقتي هيمو وعلي فرو، احتفالاً بقدوم رأس السنة الكردية. كما شارك أهالي محافظات الحسكة وحلب والرقة فرحة العيد على أنغام الموسيقى الكردية التقليدية، مرتدين ثيابهم التقليدية، وأضرموا النيران في الإطارات القديمة لمحاكاة رمزية الطقوس التقليدية، تخللها رفع صور زعماء كردستانيين، ولافتات تربط بين بهجة العيد وأمنيات التعافي من سنوات الحرب في هذه المنطقة الجغرافية من سوريا.

طفلة تحمل علماً عليه صورة الزعيم الكردي عبد الله أوجلان خلال الاحتفال بـ«نوروز» في بلدة العامودا بمحافظة الحسكة الخميس (أ.ب)

وشارك كثير من السوريين، من مختلف الطوائف والمذاهب، الأكراد احتفالاتهم هذا العام. وأحيا الفنان السوري سميح شقير هذه المناسبة عبر حضوره في احتفال القامشلي، وأطرب الجمهور بأغانيه الثورية وصوته الجبلي.

وجاءت هذه الاحتفالات بعد أيام من التوقيع على اتفاق تاريخي بين «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) والإدارة الانتقالية الجديدة في دمشق، يقضي باندماج هذه القوات وإدارتها المدنية مع هياكل الدولة السورية، وقد عقد الجانبان جولة محادثات تنفيذية أولى بينهما (الأربعاء) في مدينة الحسكة.

كما شارك أبناء مدينة السويداء في وقفة تضامنية وسط ساحة المحافظة، وأشعلوا نيران العيد، في حين نظَّم أهالي عدد من مدن الساحل السوري تجمعات احتفالية احتفاءً بالمناسبة، وفي العاصمة دمشق العاصمة شارك جميع السوريين احتفالات الأكراد.

وعبر سرور (38 عاماً)، الذي شارك في احتفال القامشلي، عن فرحته لقدوم «نوروز» هذا العام على الشعب الكردي بالقول: «بالنسبة لنا (نوروز) بداية فصل الربيع، لكن حُرمنا من أحيائه بحرية الأعوام السابقة بسبب سياسات الأسد و(البعث) العنصرية، نحن أحرار نغني ما نريد، ونلبس أزياءنا الفلكلورية، ونحيي طقوسنا السنوية».

أكراد يحملون مشاعل خلال الاحتفال بـ«نوروز» في بلدة العامودا بمحافظة الحسكة الخميس (أ.ب)

أما برتان، الطالبة الجامعية في جامعة روج أفا التابعة للإدارة الذاتية، التي تدرس قسم اللغة الكردية، وكانت ترتدي زياً فلكلورياً طغى عليه الألوان الزاهية الخاصة بالعيد، فأعربت عن فرحتها بالقول: «ننتظر هذا العيد، على أمل أن تنتهي هذه الحروب ويعمّ السلامُ على شعبنا، ونحصل على حقوقنا القومية والاعتراف بنا وبلغتنا الكردية».

ونصَّ الاتفاق المبرم بين رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع وقائد «قسد»، مظلوم عبدي، على أن «المجتمع الكردي جزء أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقوقه في المواطنة، وكل حقوقه الدستورية»، ولم يتحدث الاتفاق عن نزع سلاح القوات أو دمجها بوصفها أفراداً، أسوةً بباقي الفصائل المسلحة، واكتفى النص على دمج كل المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا، ضمن إدارة الدولة، ما أعطى مجالاً لتعزيز مطالب الأكراد بالحصول على حكم ذاتي.

من الاحتفالات بعيد «نوروز» في القامشلي (الشرق الأوسط)

وأشار علوان أوسي، وهو من سكان القامشلي، إلى النتائج الإيجابية للاتفاق، التي أكد أنها تركت ارتياحاً كبيراً بين نفوس الناس بعد سنوات من الانقسام والاحتقان والتوتر، وقال: «كان الأهالي في حيرة من أمرهم قبل ذلك، ولا أحد كان يتوقع ماذا سيكون مصيرنا، لكن بعد الاتفاق تحوَّلت الفرحة لثلاث فرحات: احتفالنا بـ(نوروز)، والاتفاق بين القامشلي ودمشق، واتفاق الأطراف الكردية».

ودعا «المجلس الوطني الكردي» إلى تفعيل الحلول السياسية بين دمشق والقامشلي، عبر الحوار للوصول إلى بناء سوريا ديمقراطية لامركزية، تسع كل السوريين. وقال في بيان نشر على حساباته الرسمية (الجمعة): «نطالب بدستور يقر الحقوق القومية للشعب الكردي ولكل المكونات القومية الأخرى، وتعزيز قيم العيش المشترك والتسامح والاحترام المتبادل بين جميع مكونات المجتمع السوري».

وبقي الأكراد خلال حقبة الأسد متمسكين بإقرار نظام حكم فيدرالي، وضمان حقوقهم السياسية والثقافية في الدستور طوال السنوات الماضية. وتتجه «قسد» نحو توسعة دائرة اللامركزية الإدارية التي تتمتع بها مناطق نفوذها منذ 10 سنوات. ويعطي الاتفاق مهلة زمنية للجان الفنية للتوافق حتى بداية العام المقبل، ما يعطي الفرصة لهذه القوات للإصرار على مطالبها.

سوريون يحتفلون بـ«نوروز» في دمشق الخميس (رويترز)

وتقول مدرسة اللغة الكردية سرخبون، التي شاركت برفقة عائلتها الاحتفالات: «إن لدينا لغة وثقافة وفلكلوراً وطقوساً خاصة بنا، نحن نعيش مع باقي المكونات على هذه الأرض، ونختلف عنهم بخصوصيتنا القومية، لكننا مواطنون بهذه الدولة، ومطلبنا هو الاعتراف بنا شعباً قومياً».

وعشية «نوروز»، شهدت مدينة القامشلي مظاهرة احتجاجية رفضاً للإعلان الدستوري الصادر عن الحكومة السورية؛ حيث تجمع المئات من النشطاء والسكان أمام مقر الأمم المتحدة، رافعين لافتات تحمل شعارات كتب على إحداها: «أنا كردي القومية وطائفتي سوريا»، في حين كُتب على لافتة ثانية أن الإعلان الدستوري يُمثل: «حكم الإعدام على الديمقراطية والفيدرالية للحفاظ على الجمهورية السورية». كما تمسك الجميع بموقفهم الداعي إلى دولة ديمقراطية، تعددية، ولامركزية سياسية.

يذكر أن الأحزاب الكردية تطالب بتغيير اسم الدولة إلى «الجمهورية السورية»، ليكون معبّراً عن كل المكونات وعن التنوع الاثني والديني والعرقي في هذه البلاد، فضلاً عن الاعتراف باللغة الكردية ثانيَ لغةٍ على مستوى البلد، ولغة أولى في المناطق التي يشكل فيها الأكراد غالبية سكانها.


مقالات ذات صلة

عمليات التفتيش على الأسلحة الكيميائية في سوريا لم تُستكمل... والملف لم يغلق

المشرق العربي وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)

عمليات التفتيش على الأسلحة الكيميائية في سوريا لم تُستكمل... والملف لم يغلق

المعطيات المتاحة تشير إلى وجود عناصر في هذا البرنامج لم تكن معلنة لمنظمة الحظر من النظام، بما في ذلك ذخائر ومواد ووثائق ذات صلة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي مدارج قاعدة أبو الظهور الجوية قرب حلب السورية تظهر بعد هجوم إسرائيلي (رويترز)

الرئاسة التركية: أنقرة «لن تقع بالفخ» الذي نصبه نتنياهو في سوريا

كشفت الرئاسة التركية، الخميس، عن أن أنقرة «لن تقع في الفخ» الذي نصبه لها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي غلاف الكتاب

مذكرات خدام: قصة لقاء «كسر العظم» بين الأسد والحريري

كيف انتقل «ملف لبنان» من نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام إلى بشار الأسد، نجل الرئيس السابق حافظ الأسد؟ وما قصة اللقاء الشهير بين بشار الأسد ورئيس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي اللواء السوري السابق عادل عيسى (وزارة الداخلية السورية)

لبنان يسلم سوريا لواء من عهد الأسد في أول عملية من نوعها منذ سقوطه

قالت وزارة الداخلية السورية إن السلطات اللبنانية سلمت دمشق، الأربعاء، ضابطاً كبيراً سابقاً في الجيش السوري لمواجهة تهم تشمل القتل والتعذيب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو: إسرائيل وجهت رسالة «واضحة» إلى تركيا في سوريا

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، الأربعاء، إن الدولة العبرية وجهت رسالة إلى تركيا تحذرها من إقامة قاعدة في سوريا، مقراً بذلك ضمنياً بشن ضربة في اليوم السابق.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

عمليات التفتيش على الأسلحة الكيميائية في سوريا لم تُستكمل... والملف لم يغلق

وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)
وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)
TT

عمليات التفتيش على الأسلحة الكيميائية في سوريا لم تُستكمل... والملف لم يغلق

وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)
وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)

مع انهيار نظام الأسد ليلة الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، نفَّذ عشرات من كبار القادة الأمنيِّين والعسكريِّين عملية فرار جماعية وسريعة من سوريا إلى دول مجاورة وأجنبية، ومَن لم يتمكَّن من الهروب بقي في البلاد متوارياً عن الأنظار.

وفي 15 يوليو (تموز) الماضي، أعلنت وزارة الداخلية السورية، القبض على العقيد أحمد حبيب علي، وهو ثالث ضابط بارز مرتبط بملف الأسلحة الكيميائية يقع في قبضة الدولة، بعد اعتقال اللواء عدنان عبود حلوة، والعميد الركن خردل أحمد ديوب، في إطار حملة تستهدف المسؤولين عن البرنامج الكيميائي للنظام البائد.

وقال مصدر رسمي في وزارة العدل السورية لـ«الشرق الأوسط»، إن الضباط المتورطين أو المرتبطين بملف السلاح الكيميائي الذي استخدمه نظام بشار الأسد السابق خلال سنوات الحرب التي شنَّها على السوريِّين وألقي القبض عليهم، ستتم محاكمتهم حين الانتهاء من المرحلة الأولية المتمثلة بالتحقيق والاحالة.

العقيد أحمد حبيب علي ألقت السلطات السورية القبض عليه منتصف يوليو الماضي وقد شغل منصب رئيس مركز الدراسات والبحوث العلمية وكان مسؤولاً عن مستودعات غاز السارين والتصنيع الكيميائي (وزارة الداخلية)

وبينما لم ترد وزارة الداخلية على أسئلة لـ«الشرق الأوسط» إن كان هناك آخرون مرتبطون ببرنامج الأسلحة الكيميائية قد أوقفوا، يشدِّد مدير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، فضل عبد الغني، على أنَّ القضية لا تتوقف عند عدد الموقوفين، بل في الوصول إلى سلسلة المسؤولية كاملة، مَن خطَّط وأصدر الأوامر، ومَن أشرف على التصنيع أو التخزين أو التجهيز أو النقل، ومَن نفَّذ أو سهَّل التنفيذ، ومَن حاول إخفاء الأدلة أو طمسها.

الإفلات من العقاب

يشدِّد عبد الغني على أهمية أن تتم التحقيقات وفق معايير الاستقلال والحياد والمحاكمة العادلة، مع حفظ الأدلة، وضمان حقِّ الضحايا في معرفة الحقيقة والإنصاف، وبالتعاون الفني مع منظمة الحظر. ويؤكد أن «الأولوية يجب أن تبقى لمنع الإفلات من العقاب»، بتحديد المشتبه بهم على أساس الأدلة وحفظ المواقع والوثائق، واستكمال التعاون مع منظمة الحظر، ثم إحالة مَن تثبت الأدلة مسؤوليته إلى إجراءات قضائية عادلة وشفافة.

مع انطلاق الحراك السوري في عام 2011 كان نظام الأسد قد شكَّل «خلية مركزية لإدارة الأزمة»، عدّت الموجه والصانع الرئيسي لكل سلوكياته العسكرية والأمنية.

إحياء الذكرى الـ12 للهجوم الكيميائي في بلدة زملكا 2025 عندما أمر الأسد في أغسطس 2013 بشنِّ هجمات على منطقتين في ضواحي دمشق احتوت على غاز السارين وعُدَّ الهجوم أكثر حوادث استخدام الأسلحة الكيميائية فتكاً منذ الحرب الإيرانية - العراقية (غيتي)

مدير مكتب المعلومات والبيانات السابق في «خلية الأزمة»، عبد المجيد بركات، الذي انشق عن النظام مبكراً، يبيِّن لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ برنامج الأسلحة الكيميائية عدّه رأس النظام سلاح ردع طوَّره مع بداية حكمه، وعمل على إبقائه خارج نطاق المؤسسات العسكرية الرسمية، وربطه مباشرة بنفسه وأخيه ماهر، والعميد محمد كامل سليمان الذي قُتل في ظروف غامضة في طرطوس عام 2008، واستمرَّ البرنامج بعد مقتله.

لذلك، لا يمكن حسب بركات، «حصر ذلك البرنامج بعدد من الضباط أُلقي القبض عليهم، إنما يمكننا القول إن منظومة متكاملة مرتبطة برأس النظام حتى أصغر مسؤول في هذا البرنامج تتحمَّل المسؤولية الكاملة القانونية والأخلاقية عن استخدام هذا السلاح ضد المدنيِّين».

بركات أوضح، أنَّه لم يستطع خلاله عمله الذي استمرَّ حتى بداية 2012 الحصول على وثائق أو أوامر رسمية ورقية لاستخدام السلاح الكيميائي، مما يؤكد ارتباط هذا الملف برأس النظام بشكل مباشر، ويؤكد أهمية الأوامر الشفهية بين قيادات معينة خارج السياقات الرسمية.

زيارة 25 موقعاً مشتبهاً

لا يمكن الجزم، في هذه المرحلة، بأنَّ الحكومة السورية وضعت يدها على جميع المواقع أو المواد المرتبطة بالبرنامج الكيميائي للنظام السابق بحسب الحقوقي فضل عبد الغني، الذي لفت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّه جرى تسهيل زيارات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى أكثر من 25 موقعاً مشتبهاً، لكن عمليات التفتيش والتقييم لم تُستكمَل بعد، ولا يجوز اعتبار أن ملف المواقع قد أُغلق.

وتشير المعطيات الرسمية المتاحة إلى وجود عناصر في هذا البرنامج لم تكن معلنةً لمنظمة الحظر، بما في ذلك ذخائر ومواد ووثائق ذات صلة، وهذا يؤكد أنَّ الإفصاح الذي قدَّمه النظام السابق عن برنامجه الكيميائي لم يكن كاملاً. لكن ذلك، وفق عبد الغني، «لا يبرِّر الجزم بوجود مخازن أو مواد محددة في مواقع بعينها قبل أن تتحقَّق منها الجهات الفنية المختصة، والمطلوب اليوم هو استكمال الحصر، وتأمين المواقع، والحفاظ على الوثائق والأدلة، ثم الإعلان بشفافية عن أي مواد أو ذخائر يُعثَر عليها».

وفد وزارة الداخلية السورية شارك في دورة تدريبية تخصصية استضافتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بمدينة لاهاي الهولندية... 4 يوليو الماضي (وزارة الداخلية)

وكانت منظمة الحظر قد أعلنت في التاسع من يوليو الماضي، منح سوريا مجدداً كامل حقوق عضويتها، مشيرة إلى «تغير جوهري في الظروف» منذ إطاحة الأسد أواخر 2024، و«تدابير ملموسة» اتُّخذت لتفكيك ترسانة المواد المحظورة، في قرار رحَّبت به دمشق. جاء ذلك بعد تجريد المنظمة عام 2021، سوريا من حقها في التصويت، بعدما خلصت إلى أنَّ سلاح الجو السوري استخدم غاز السارين، وغاز الكلور ضد السكان المدنيِّين.

وكانت سوريا قد انضمَّت إلى المنظمة عام 2013، ووافقت على الكشف عن مخزوناتها من المواد السامة وتسليمها تمهيداً لتدميرها، وذلك تحت ضغط من روسيا وأميركا، وبهدف درء تهديد واشنطن وحلفائها بتوجيه ضربات جوية، عقب هجوم كيميائي في الغوطة الشرقية لدمشق، أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص وفقاً للاستخبارات الأميركية، ونُسب الهجوم إلى النظام السابق.

وبعد الإطاحة به، تعهَّدت السلطات الجديدة التعاون مع المنظمة لتدمير الأسلحة الكيميائية. وأعلن خبراء من ‌المنظمة، أنَّ هناك حاجة إلى تفتيش 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

الحقوقي عبد الغني ذكر أنَّ المنظمة بدأت بالفعل عملها الميداني، لكن لا يمكن القول إنَّ عملية التفتيش شملت جميع المواقع المحتملة، فالحديث يدور عن أكثر من 100 موقع قد تكون مرتبطةً بأنشطة البرنامج الكيميائي السابق. وأضاف: «لقد سُهّلت زيارات للمنظمة إلى أكثر من 25 موقعاً مشتبهاً، إلى جانب فحص آلاف الوثائق وإجراء مقابلات مع أشخاص ذوي صلة بالبرنامج. وعليه، فالجواب الدقيق هو أنَّ عمليات التفتيش والتقييم بدأت وتتقدَّم، لكنها لم تُستكمَل بعد».

مركز البحوث ومستودعات السارين

كان «مركز الدراسات والبحوث العلمية» مؤسسةً محوريةً في البرنامج الكيماوي، وارتبط اسم «الوحدة 417»، وفق المعلومات المعلنة، بالتصنيع الكيميائي ومستودعات السارين.

يوضِّح مدير الشبكة السورية، أن هذا البرنامج كان منظومة متعددة الحلقات تشمل الإدارة العلمية والفنية، والتصنيع أو التجهيز، والحماية والتخزين والنقل، والوحدات العسكرية ذات الصلة بوسائط الإيصال، فضلاً عن حلقات القيادة التي تملك سلطة القرار والإشراف.

ووثَّقت «الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان» 217 هجوماً كيميائياً نفَّذه النظام السابق منذ أول استخدام للأسلحة الكيميائية في 23 ديسمبر 2012 وحتى 8 ديسمبر 2024. وأسفرت تلك الهجمات عن مقتل 1514 شخصاً، وإصابة 11080 شخصاً. وحسب الشبكة، فإنَّ قرابة 80 في المائة من ضحايا الكيمياوي سقطوا في هجوم غوطتي دمشق الشرقية والغربية.


لبنان يُطلق آلية مراقبة أمنية للصادرات باتجاه السعودية

السفير الدوسري والوزير رسامني والعميد خليل يشاركون في حفل تشغيل السكانر الجديد عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا (الشرق الأوسط)
السفير الدوسري والوزير رسامني والعميد خليل يشاركون في حفل تشغيل السكانر الجديد عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا (الشرق الأوسط)
TT

لبنان يُطلق آلية مراقبة أمنية للصادرات باتجاه السعودية

السفير الدوسري والوزير رسامني والعميد خليل يشاركون في حفل تشغيل السكانر الجديد عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا (الشرق الأوسط)
السفير الدوسري والوزير رسامني والعميد خليل يشاركون في حفل تشغيل السكانر الجديد عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا (الشرق الأوسط)

أعرب سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، فهد بن عبد الرحمن الدوسري، عن ثقة بلاده بالدولة اللبنانية، مؤكداً وقوف المملكة الدائم إلى جانب لبنان في استعادة سيادته على كامل أراضيه، وذلك خلال حفل تشغيل السكانر الجديد المستخدم في تفتيش الشحنات والمنتجات المخصصة للتصدير من لبنان إلى المملكة في نقطة المصنع الحدودية مع سوريا.

وتفقّد السفير الدوسري معبر المصنع الحدودي، في زيارة هدفت إلى الاطلاع على سير عمليات تصدير المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، «في خطوة تعكس أهمية تعزيز التبادل التجاري، وتسهيل حركة الصادرات اللبنانية عبر المعابر الحدودية».

من حفل تشغيل السكانر الجديد عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا (الشرق الأوسط)

وتجول، إلى جانب وزير الأشغال والنقل فايز رسامني، ورئيس المجلس الأعلى للجمارك العميد مصباح خليل، في ساحة الجمارك؛ حيث اطّلع على آليات المراقبة والكشف على جاهزية «السكانر» الجديد المستخدم في تفتيش الشحنات والمنتجات المخصصة للتصدير، وذلك بعد تعطل السكانر الثابت والاستعاضة عنه بسكانر متحرك حديث يعمل بتقنيات الأشعة السينية والأشعة ما تحت الحمراء، بما يُعزز إجراءات الرقابة، ويُسهم في تسهيل حركة العبور والتصدير.

السفير الدوسري

وقال السفير الدوسري: «لنا ثقة بالدولة اللبنانية، ونحن نستكمل ما قمنا به في مطار بيروت». وأضاف: «لو لم تكن هناك ثقة لما كنا موجودين اليوم هنا»، مشيراً إلى أن «الحكومة ورئيسي الجمهورية (جوزيف عون) ومجلس الوزراء (نواف سلام) وجميع أعضاء الحكومة، يبذلون جهوداً كبيرة، وهذا أمر ملحوظ». وتابع: «نقف دائماً إلى جانب لبنان في استعادة سيادته على كامل أراضيه، ونحن دائماً مع لبنان واللبنانيين».

وزير الأشغال

وشدد رسامني، الذي مثّل رئيس الحكومة نواف سلام، على أهمية استئناف دخول المنتجات والصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، ورحّب بالسفير الدوسري في معبر المصنع، «بوابة لبنان إلى محيطه العربي»، مجدداً تقدير لبنان لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان على «قرار استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة».

وقال: «أمن المعابر الحدودية البرية والبحرية والجوية وسلامتها شكّلا منذ انطلاقة الحكومة إحدى أولوياتها الأساسية»، لافتاً إلى أن «العمل بدأ في مطار رفيق الحريري الدولي - بيروت؛ حيث اتُّخذت قرارات وإجراءات لتعزيز أمن المطار وسلامة المسافرين، قبل أن يمتد إلى المرافئ والمعابر البرية».

وتطرّق إلى الإجراءات المتخذة في مرفأي بيروت وطرابلس، ولا سيما على صعيد تعزيز قدرات التفتيش، مشيراً إلى «العمل على تأمين أجهزة مسح سكانر بالتعاون مع شركة (CMA CGM)، وإلى قرار إخضاع الصادرات للمسح بنسبة مائة في المائة، بهدف رفع مستوى الرقابة، والحد من أي ثغرات أمنية أو جمركية».

السفير الدوسري والوزير رسامني والعميد خليل يطلعون على الإجراءات الجديدة عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا (الشرق الأوسط)

وشدد على أن «التكنولوجيا وحدها لا تكفي من دون إدارة ذات كفاءة ومؤسسات قادرة على القيام بواجباتها»، عادّاً أن «التعيينات الإدارية والأمنية والقضائية التي أُنجزت شكّلت ركناً أساسياً في مسار إعادة تفعيل مؤسسات الدولة، بعد سنوات بقيت خلالها مواقع أساسية شاغرة».

وأكد أن «الحكومة، برئاسة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، حرصت على اختيار شخصيات وطنية تتمتع بالكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية».

وفي ملف الجمارك، أكد رسامني أن «الوزارة تعمل يداً بيد مع المجلس الأعلى للجمارك، والمديرية العامة للجمارك، لتطوير العمل الجمركي، وأن الجمارك تُشكل عموداً فقرياً للاقتصاد والأمن في آنٍ واحد، لما تؤديه من دور في حماية الحدود ومكافحة التهريب، فضلاً عن تأمين إيرادات تحتاج إليها الدولة للقيام بواجباتها»، ونوّه بـ«الإنجازات التي تحققت منذ بدء مسار إعادة تفعيل هذا القطاع، مع الإقرار بأن معالجة التهرب والاختلالات المتراكمة تحتاج إلى وقت وعمل متواصل، ولا يمكن إنجازها بين ليلة وضحاها».

مخطط توجيهي لمعبر المصنع

وفيما خصّ معبر المصنع، أعلن رسامني «إنجاز المخطط التوجيهي الجديد للمعبر بعد أشهر من العمل والتنسيق، وحصوله على موافقات الجهات المعنية، وفي مقدمتها الجيش والجمارك والأمن العام».

وأوضح أن المشروع صُمم وفق أحدث المعايير المعتمدة في المعابر الحدودية، ويتضمن مسارات ذكية ومنفصلة للشاحنات والحافلات والركاب، إضافة إلى خدمات أخرى.

ولفت إلى أن «التكلفة التقديرية للمشروع تبلغ نحو 61 مليون دولار»، وأن الوزارة «تعمل على تأمين التمويل اللازم له، على أن يستغرق تنفيذه نحو 3 سنوات بعد توافر التمويل»، وأوضح أن «المخطط الجديد ينقل المعبر إلى موقع أقرب إلى الحدود السورية، بما يختصر مسافة العبور بين البلدين، ويساعد في تعزيز الرقابة والحد من التهريب».

وقال: «يملك لبنان الإرادة والطاقات والكفاءات، لكنه يحتاج كذلك إلى الاستثمار والثقة. نحن ندرك ما حصل في الماضي، وندرك كيف فُقدت الثقة مع المملكة العربية السعودية، ومن حق المملكة أن تستعيد هذه الثقة من خلال الأفعال والإنجازات»، وأكد أن «الدولة تعمل اليوم على إعادة بناء مؤسساتها واستعادة ثقة اللبنانيين والشركاء العرب والدوليين بها، وأن الثقة لا تُستعاد بالكلام، بل بالإنجازات والعمل والإصلاحات الملموسة».

رئيس المجلس الأعلى للجمارك

بدوره، أكد العميد مصباح خليل، الذي مثّل وزير المال ياسين جابر، أن «الدولة اللبنانية بدأت تستعيد دورها تدريجياً رغم الأزمات المتراكمة، وأن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة بناء الثقة بين المؤسسات الإدارية وتعزيز التعاون والتنسيق مع إدارة الجمارك»، وأوضح أن «العمل مستمر في هذا الاتجاه»، مؤكداً أن «قلوبنا مفتوحة لجميع اللبنانيين»، مشدداً على «أهمية تعزيز العلاقات الأخوية التي تجمع لبنان والمملكة العربية السعودية، بما يخدم مصلحة البلدين، ولا سيما على المستويات الاقتصادية والصناعية والزراعية».

وفي ختام الزيارة، انطلقت عشرات الشاحنات عبر المعبر إيذاناً باستئناف تصدير المنتجات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية.


لبنان: واشنطن تدرس التدخل لاختيار البلدات المشمولة بتوسيع «المناطق التجريبية»

جنود من الجيش اللبناني يراقبون تحركات القوات الإسرائيلية المتمركزة في قرية زوطر الشرقية المقابلة جنوب لبنان (إ.ب.أ)
جنود من الجيش اللبناني يراقبون تحركات القوات الإسرائيلية المتمركزة في قرية زوطر الشرقية المقابلة جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

لبنان: واشنطن تدرس التدخل لاختيار البلدات المشمولة بتوسيع «المناطق التجريبية»

جنود من الجيش اللبناني يراقبون تحركات القوات الإسرائيلية المتمركزة في قرية زوطر الشرقية المقابلة جنوب لبنان (إ.ب.أ)
جنود من الجيش اللبناني يراقبون تحركات القوات الإسرائيلية المتمركزة في قرية زوطر الشرقية المقابلة جنوب لبنان (إ.ب.أ)

توقع مصدر معني بالمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية أن تُشكل جولتها الثامنة، المقرر انعقادها مبدئياً في روما أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل، محطة لإخراجها من الدوران في حلقة مفرغة، عبر إزالة العراقيل التي تعوق تطبيق «اتفاق الإطار»، هذا في حال أن الدولة المعنية برعايتها، أي الولايات المتحدة الأميركية، قررت التدخل واختيار البلدات التي يُفترض أن تكون مشمولة بتوسيع «المناطق التجريبية»، والتي يظن أن تنسحب منها تل أبيب لوضع حد للخلاف اللبناني - الإسرائيلي حولها، إضافة إلى تسهيل التوصل لتفاهم يتعلق بتشكيل آلية للتحقق من انتشار الجيش في «المنطقة التجريبية الأولى»، التي تشمل بلدات زوطر الغربية فرون وصريفا، والتأكد من خلوّها من سلاح «حزب الله» ومقاتليه.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان «MCG4L» الجنرال جوزيف كليرفيلد بحضور السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

وأكد المصدر أن الحديث عن احتمال تدخل الولايات المتحدة لتسريع الخطوات الآيلة إلى توسيع «المناطق التجريبية» لم يأتِ من فراغ، وإنما استند، حسب ما كشفه لـ«الشرق الأوسط»، إلى رغبة منسوبة في هذا الخصوص إلى رئيس مجموعة التنسيق العسكرية الخاصة بلبنان، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، الذي يواصل اتصالاته بين بيروت وتل أبيب لإخراج تشكيلها من التجاذبات التي تحول حتى الساعة دون أن ترى النور. مع أن إسرائيل هي التي تتحمل مسؤولية تأخير ولادتها، في ظل شعور لدى أركان الدولة اللبنانية بأن رئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو، هو من يؤخر تشكيلها، ويرغب في ترحيلها إلى ما بعد انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

رغبة ترمب في تطبيق اتفاق الإطار

ولفت المصدر إلى أن هناك رغبة لدى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تسهيل تطبيق «اتفاق الإطار»، وأن تدخله يؤدي إلى تبديد الأجواء السائدة لدى اللبنانيين، لأن التباطؤ في تطبيقه يقع على عاتق واشنطن، ومن غير الجائز الاعتقاد بأنها لا تملك القدرة للضغط على نتنياهو، بصرف النظر عن العراقيل التي يضعها «حزب الله» بتمسكه بسلاحه ورفضه تسليمه للدولة لتطبيق حصريته بيدها، إضافة إلى رفضه الاستجابة للنصائح التي أُسديت له بإخلاء تلال علي الطاهر لمصلحة الجيش اللبناني، بذريعة أنها خط أحمر لا يفرّط فيه.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري مستقبلاً عيسى وكليرفيلد (الوكالة الوطنية للإعلام)

وأكد المصدر أن كليرفيلد كان قد ألمح في لقاءاته رؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون، والمجلس النيابي نبيه بري، والحكومة نواف سلام، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى أنه يدرس جدياً التدخل لاختيار البلدات المشمولة بالمرحلة الثانية من توسيع «المناطق التجريبية»، بغية وضع حد لاستمرار الخلاف اللبناني - الإسرائيلي، الذي يقف سدّاً في وجه عدم الانتقال للمرحلة الثانية، شرط التوصل إلى تفاهم يتعلق بآلية التحقق للانتقال فوراً من «التجريبية» الأولى إلى الثانية، التي هي بحاجة إلى تدخل مباشر من واشنطن لوضعها على سكة التنفيذ.

ورأى أن كليرفيلد، كما يقول مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط»، أبدى تفهمه لوجهة نظر بري، لما فيها من جوانب إيجابية باستعجال توسيع «المناطق التجريبية» من موقع عدم رهانه على «اتفاق الإطار» ما لم يلمس حصول تقدّم على طريق برمجة الانسحاب الإسرائيلي، ووقف تجريف البلدات وتدمير المنازل، وتحويل جنوب الليطاني وبعض شماله، بقرار من نتنياهو، إلى أرض محروقة.

وأضاف المصدر أن رهان نتنياهو على شراء الوقت لتمرير الانتخابات يُشكّل إحراجاً لترمب ومصداقيته، بعدما تعهّد لعون، خلال قمة واشنطن، بالضغط عليه لتسهيل تطبيق «اتفاق الإطار»، الذي يُعد النافذة الوحيدة لعبور لبنان إلى برّ الأمان من خلال انسحاب إسرائيل، بما يتيح له بسط سيادته على كامل أراضيه.

الجنرال جوزيف كليرفيلد يلتقي قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل (قيادة الجيش)

وعدّ أن «روما-3» قد تكون الجولة الأخيرة للمفاوضات، بانصراف نتنياهو لخوض الانتخابات، وقال: يجب أن تُشكل محطة، بخلاف الجولات السابقة، لتحقيق تقدم ملموس يضع «اتفاق الإطار» على سكة التنفيذ بضمانة أميركية. وسأل ما إذا كان ما يأمله كليرفيلد سيأخذ طريقه إلى حيّز التنفيذ استباقاً لانعقاد المفاوضات، أم أن تطبيق الاتفاق على مراحل سيبقى معلقاً إلى ما بعد إتمام الاستحقاق النيابي في إسرائيل وربما أبعد من ذلك.

تقوية موقف عون في وجه «حزب الله»

وفي هذا السياق، تأكد لـ«الشرق الأوسط» أن اللقاءات التي عقدتها مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان، برئاسة السفير إد غبريال كرّست قناعة لدى الأخير بأنه لا خيار أمام واشنطن سوى دعم موقف لبنان فعلاً لا قولاً في المفاوضات، مبدياً تفهّمه لوجهة نظر عون، وضرورة إتاحة الفرصة لتطبيق ما يصبو إليه بتأييده المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية، باعتبارها النافذة الوحيدة لإخراج لبنان من أزماته، بعد أن جرّب «حزب الله» الحل العسكري الذي ألحق، كما نُقل عنه، الويلات بالبلد.

ونُقل عنه قوله أمام من التقاهم أن عون راهن ولا يزال، عن قناعة، على الحل الدبلوماسي، وهذا يتطلب من واشنطن توفير كل الدعم والتأييد له لتطويق إحراجه من قبل المعترضين على «اتفاق الإطار»، وعلى رأسهم «حزب الله».

وطالب غبريال بتقوية موقف الرئيس في وجه «حزب الله»، وهذا لا يمكن تحقيقه ما لم يحصل تقدم في المفاوضات بإحداث خرق يُعيد الاعتبار لـ«اتفاق الإطار»، وهذا ما نتطلع إلى تحقيقه في الجولة الثامنة، لعل المداولات تؤدي إلى إخراجها من الركود.

مؤتمر اقتصادي

وكشف أثناء لقائه وفداً يمثل هيئات اقتصادية أن التحضيرات جارية لعقد مؤتمر اقتصادي يشارك فيه رجال أعمال أميركيون إلى جانب نظرائهم اللبنانيين لتشجيعهم على الاستثمار في لبنان، وقال إنه سيُعقد في سبتمبر، وهذا ما اتفق عليه ترمب وعون في قمة واشنطن، آملاً في حصول تقدم في المفاوضات يستبق استضافة الولايات المتحدة للمؤتمر.

وعليه، يبقى السؤال: هل تقرر واشنطن التدخل -كما ألمح كليرفيلد- بفرض أمر واقع على لبنان وإسرائيل باختيارها الدفعة الثانية من البلدات الجنوبية المشمولة بتوسيع «المناطق التجريبية» لحسم الخلاف الدائر حولها؟ أم أن الجولة الثامنة ستنتهي مثل سابقاتها من دون تحقيق تقدم ملموس؟ وهل يتحمل عون وحكومة نواف سلام تمديد حالة الركود المسيطرة عليها بدلاً من أن تشكّل الجولة الثامنة رافعة دعم للبنان، ليس لتبرير رهان الرئيس على المفاوضات المباشرة فحسب، وإنما لأنها توفر بهذه الحال مادة دسمة لـ«حزب الله» لتبرير مضيّه في محاربة «اتفاق الإطار» لمصلحة «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية».