«حماس» تريد إبقاء التفاوض... وإسرائيل تتوسع في نتساريم

أثر قذيفة أصابت مقراً يعمل به موظفون من الأمم المتحدة ما أدى لمقتل أحدهم وإصابة 4 آخرين في دير البلح بوسط غزة يوم الأربعاء (أ.ب)
أثر قذيفة أصابت مقراً يعمل به موظفون من الأمم المتحدة ما أدى لمقتل أحدهم وإصابة 4 آخرين في دير البلح بوسط غزة يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

«حماس» تريد إبقاء التفاوض... وإسرائيل تتوسع في نتساريم

أثر قذيفة أصابت مقراً يعمل به موظفون من الأمم المتحدة ما أدى لمقتل أحدهم وإصابة 4 آخرين في دير البلح بوسط غزة يوم الأربعاء (أ.ب)
أثر قذيفة أصابت مقراً يعمل به موظفون من الأمم المتحدة ما أدى لمقتل أحدهم وإصابة 4 آخرين في دير البلح بوسط غزة يوم الأربعاء (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي، يوم الأربعاء، أنه وسَّع سيطرته على وسط محور نتساريم في قطاع غزة، في الوقت الذي واصلت فيه إسرائيل، لليوم الثاني على التوالي، غاراتها الجوية في قطاع غزة، مخلّفة مزيداً من الضحايا.

وقال أفيخاي أدرعي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي في منشور على منصة «إكس»: «خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، بدأت قوات جيش الدفاع عملية برية محددة ودقيقة في منطقة وسط قطاع غزة وجنوبها، بهدف توسيع منطقة التأمين، وخلق منطقة عازلة بين شمال القطاع وجنوبه».

وأضاف: «خلال العملية، سيطرت القوات ووسعت سيطرتها المتجددة على وسط محور نتساريم».

يجيء هذا في وقت لا تزال تلتزم فيه «حماس» عسكرياً بعدم الرد، رغم اغتيال العديد من قياداتها، الأمر الذي يشير إلى نيات الحركة إبقاء الفرصة سانحة أمام المسار السياسي، وإمكانية تحقيق تقدم في المفاوضات الجارية.

فلسطينيون يتفحصون آثار الدمار بعد ضربة جوية إسرائيلية بمدينة غزة يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

ويبدو أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الذي قال مساء الثلاثاء إن المفاوضات بعد الآن ستكون تحت النار، يحاول من خلال ذلك إرضاء وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، وكذلك إيتمار بن غفير، اليميني المتطرف الآخر العائد لمنصبه الليلة الماضية وزيراً للأمن القومي، الذي وافق على العودة للحكومة بعدما استؤنفت الحرب على غزة.

كما يبدو أنه يحاول ممارسة ضغط أكبر على حركة «حماس»، لتقديم تنازلات خلال المفاوضات الجارية، مستغلاً ما يراه البعض ضعف الحركة وتراجع قوتها، في وقت تؤكد فيه «حماس» على لسان ناطقين باسمها أنها لن تتنازل أو تتراجع عن أي من مطالبها.

اتصالات مكثفة

وتؤكد مصادر من الحركة لـ«الشرق الأوسط» أن الوسيطين المصري والقطري يكثفان من اتصالاتهما، منذ عودة القتال، مع قيادة الحركة وإسرائيل لمحاولة التوصل إلى اتفاق من أجل العودة لوقف إطلاق النار.

وأشارت المصادر إلى أن الحركة «معنية بالمسار السياسي، وإيجاد حل يوقف الجرائم الإسرائيلية بحق سكان القطاع، لكن المشكلة تكمن في حكومة الاحتلال».

وتكشف المصادر أن الوسطاء حاولوا العمل على وقف «مؤقت» لإطلاق النار لمدة محددة، والبدء في مفاوضات أكثر جدية لمحاولة التوصل لاتفاق، إلا أن إسرائيل رفضت ذلك وأصرت على التزام «حماس» بمقترح المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف التزاماً كاملاً دون أي تغييرات، الأمر الذي ترفضه الحركة.

وينص مقترح ويتكوف على الإفراج عن أكثر من 10 رهائن أحياء، ومثلهم أموات، وذلك في يوم واحد، مقابل وقف إطلاق النار لنحو 50 يوماً وإطلاق مفاوضات فورية للتوصل لاتفاق، وفي نهايتها يتم الإفراج عمن تبقى من رهائن.

وتعتبر «حماس» أن هذا المقترح لا يلبي مطالبها المتعلقة بانسحاب إسرائيل من محور صلاح الدين (فيلادلفيا)، وكذلك التزامها بإدخال الخيام والبيوت المتنقلة والمعدات الثقيلة، وفتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، إلى جانب التأكيد على وقف إطلاق النار الدائم وانتهاء الحرب.

وقال أحد المصادر: «لا ينص مقترح ويتكوف بشكل واضح على التزام إسرائيل بالبروتوكول الإنساني المتعلق بإدخال الخيام والبيوت المتنقلة والمعدات الثقيلة، ولا الانسحاب من محور صلاح الدين، كما أنه لا يشير إلى أي التزام بوقف إطلاق نار دائم ولا حتى مناقشة هذا الأمر في المفاوضات».

ووفقاً للمصادر، اعتبرت قيادة الحركة هذا المقترح مجرد محاولة لدعم إسرائيل في استعادة أسراها فقط دون أي مقابل، ولذلك قدمت رداً، يوم الجمعة الماضي، على مقترح ويتكوف وكذلك المبعوث الأميركي لشؤون الرهائن، آدم بوهلر، يضمن إطلاق سراح رهينة يحمل الجنسية الأميركية، إضافة إلى 4 جثث من حاملي الجنسية المزدوجة، كحل وسط، بما يُلزم إسرائيل بإدخال المساعدات فوراً وبدء مفاوضات فورية لتبادل الأسرى الآخرين والتوصل لاتفاق بشأن كل القضايا العالقة.

محاولة لإبعاد شبح الحرب

قالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إنه رغم التصعيد الإسرائيلي الجديد: «لا تزال الحركة ملتزمة بخيار المسار الدبلوماسي، مع الاحتفاظ بحقها في الرد على هذه الجرائم وفق الظروف التي يحددها الميدان»، مشيرة إلى أن هناك إجماعاً داخلها على التمسك بمطالبها لوقف الحرب وقفاً كاملاً.

وسبق أن قالت مصادر من «حماس» إن الحركة تدرس كل الخيارات بما فيها المسار السياسي «لتجنيب سكان القطاع عملية عسكرية أوسع، مع إتاحة الفرصة أمام جناحها العسكري لأخذ زمام المبادرة من جديدة بالرد على تلك المجازر».

وأضافت أن الحركة تسعى بكل قوة «لإبعاد شبح الحرب، لكن في حال فُرضت عليها فإنها جاهزة لكل الخيارات»، مشيرة إلى أن قيادة «حماس» تحرص على توقف الحرب تماماً، خصوصاً خلال شهر رمضان وفترة عيد الفطر، ولهذا اقترحت في ردها تسليم الرهينة الإسرائيلي الأميركي والجثث الـ4، تزامناً مع فتح معبر كرم أبو سالم وإدخال المساعدات فوراً.

وتتزامن جهود الوسطاء وتكثيف اتصالاتهم لمحاولة التوصل لوقف إطلاق النار، مع استمرار الغارات الإسرائيلية المتصاعدة، التي تخلّف مزيداً من الضحايا على مدار الساعة، وتُضاعف الأزمات الإنسانية في ظل نقص المعونات الغذائية وغيرها.

وشنَّت طائرات إسرائيلية سلسلة غارات جديدة، مستهدفة منازل وشققاً سكنية ومركبات في مناطق متفرقة من القطاع، ما أدى لمقتل ما لا يقل عن 40 فلسطينياً.

فلسطيني يتفحص كلباً أُصيب في ضربة جوية بمدينة غزة يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

وقُتل أجنبي واحد على الأقل وأصيب 5 آخرون من العاملين في عمليات الأمم المتحدة، إثر غارة شنتها طائرة إسرائيلية مسيرة استهدفت طابقاً علوياً في قصر «أبو سليم» الواقع شرق دير البلح وسط قطاع غزة، وذلك بعد يوم من استهداف المكان بقذيفة دبابة؛ حيث وصل الموظفون الأجانب لتفقد المكان قبل استهدافهم فيه.

وتشير تقارير إعلامية في إسرائيل إلى أن الجيش سيوسّع عملياته بغزة وفقاً لتطورات المفاوضات.

وتترافق هذه الخطوات مع تأزم الأوضاع الإنسانية بشدة، في ظل نقص بالغ في المواد الأساسية وارتفاع باهظ في أسعار ما يتوفر منها بالأسواق، الأمر الذي يزيد من أعباء الحياة بالنسبة لسكان القطاع خاصة في شهر رمضان.

ولا تزال القوات الإسرائيلية تغلق معبر كرم أبو سالم التجاري منذ 18 يوماً، لتضع سكان القطاع تحت حصار مشدَّد بعد انفراجة استمرت 58 يوماً، هي عمر وقف إطلاق النار في مرحلته الأولى.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.