وفاة 6 رضع برداً تُظهر عمق الأزمة في غزة

البرد القارس والقيود الجديدة... سلاحان موجهان لسكان القطاع رغم صمت الآليات

الرضيعة الفلسطينية شام الشنباري التي توفيت الثلاثاء من جراء البرد القارس في غزة يقبلها أحد أقاربها قبل دفنها (الشرق الأوسط)
الرضيعة الفلسطينية شام الشنباري التي توفيت الثلاثاء من جراء البرد القارس في غزة يقبلها أحد أقاربها قبل دفنها (الشرق الأوسط)
TT

وفاة 6 رضع برداً تُظهر عمق الأزمة في غزة

الرضيعة الفلسطينية شام الشنباري التي توفيت الثلاثاء من جراء البرد القارس في غزة يقبلها أحد أقاربها قبل دفنها (الشرق الأوسط)
الرضيعة الفلسطينية شام الشنباري التي توفيت الثلاثاء من جراء البرد القارس في غزة يقبلها أحد أقاربها قبل دفنها (الشرق الأوسط)

وسط أجواء شتوية قاسية، لم تقتصر على غرق خيام النازحين بقطاع غزة بسبب المطر الغزير أو اقتلاعها من جرَّاء رياح عاتية، أُعلن اليوم الثلاثاء عن ارتفاع عدد الأطفال الرُضع الذين واجهوا الموت نتيجة سوء الأحوال الجوية إلى ستة رُضع بوفاة ثلاثة منهم «تجمداً» خلال الساعات الماضية.

وتوفي خمسة أطفال تتراوح أعمارهم بين شهر واحد وشهرين في شمال غزة خلال الأسبوعين الماضيين نتيجة البرد القارس، حسبما أعلن الدكتور سعيد صلاح، المدير الطبي لمستشفى جمعية أصدقاء المريض الخيرية بمدينة غزة، في حين أُعلن الثلاثاء عن وفاة رضيعة عمرها شهران برداً في خيمتها بمنطقة المواصي في مدينة خان يونس.

وأشار الدكتور صلاح في تصريحات للصحافيين، الثلاثاء، إلى وجود عدة أطفال في حالة حرجة بالعناية المركزة، وسط مخاوف متزايدة من تسجيل وفيات جديدة مع استمرار موجة البرد الشديد، مؤكداً أن الأوضاع الإنسانية كارثية مع النقص الحاد في وسائل التدفئة، مما يجعل الأطفال أكثر عرضة للخطر.

وأضاف أن المستشفى استقبل في الساعات الماضية ثمانية أطفال حديثي الولادة يعانون انخفاضاً حاداً في حرارة الجسم نتيجة شدة البرد، وأن ثلاثة منهم فارقوا الحياة بعد ساعات من وصولهم، وأنهم كانوا في حالة «تجمد».

أسرة فلسطينية تحاول التدفئة يوم الاثنين في مخيم للنازحين بالمواصي في رفح جنوب غزة (أ.ب)

فيما أعلن الدكتور أحمد الفرا رئيس قسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس بجنوب قطاع غزة، عن وفاة الطفلة شام يوسف الشنباري (60 يوماً) داخل خيمتها في منطقة المواصي بسبب البرد الشديد.

وأكد الدكتور الفرا أن حالات الوفيات بين الأطفال مرشحة للزيادة بسبب سوء الأحوال الجوية والتدهور الحاد في الأوضاع الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع، حيث يوجد أكثر من مليوني نسمة بلا مأوى حقيقي.

لا كهرباء... لا تدفئة... ولا حطب

كانت عائلة الطفلة شام الشنباري تعيش في بلدة بيت حانون بأقصى شمال قطاع غزة، ولكنها نزحت إلى منطقة المواصي بخان يونس جنوباً بعدما فقدت البيت وباتت بلا مأوى.

وفي حديث هاتفي مع مراسل «الشرق الأوسط»، قال الأب يوسف الشنباري إنه يعيش في خيمة صغيرة برفقة عائلته المكونة من خمسة أفراد أصغرهم «شام» التي ولدت في الأول من يناير (كانون الثاني) الماضي.

ويضيف أن طفلته كانت تعاني ظروفاً صحية صعبة منذ ولادتها نتيجة البرد الشديد، خاصةً أنها تعيش في خيمة لا تقي من برد الشتاء القارس ولا حر الصيف القائظ.

ومثل غيره من مئات الآلاف من سكان غزة، لا يجد الشنباري ولا عائلته أي سبيل للتدفئة، نظراً لعدم توفر الكهرباء من جانب، وانعدام توفر الخشب والحطب لإيقاد النار من جانب آخر، ناهيك بارتفاع أسعار ما تبقى من كميات الفحم المحدودة بالقطاع.

ويقول: «هذا حالنا، وما في مفر. لا قادرين ندفي حالنا ولا ندفي أولادنا اللي بيموتوا قدام عينينا ومش عارفين شو نعمل إلهم».

الفلسطيني يوسف الشنباري يحمل رضيعته شام التي توفيت الثلاثاء من جراء البرد القارس في غزة (الشرق الأوسط)

والشنباري، مثله مثل جموع الفلسطينيين بالقطاع، لا يجد سبيلاً للعمل، ويعتاش على ما يتحصل عليه من مساعدات من مؤسسات دولية.

لم تعد لدى الشنباري القدرة على العودة للسكن في بلدة بيت حانون، فالعودة تحتاج إلى أموال طائلة، لأن أسعار المواصلات من جنوب القطاع إلى شماله أعلى من نطاق قدراته.

ووصلت أسعار انتقال النازحين من جنوب قطاع غزة إلى شماله لما يقرب من خمسة آلاف شيقل (نحو 1400 دولار)، وهي أرقام فلكية بالنسبة لكثير من أهل غزة.

تنصل وصمت

عدّت حركة «حماس» وفاة الأطفال الستة نتاج ما وصفته في بيان «بالسياسات الإجرامية» للحكومة الإسرائيلية، ومنعها إدخال المساعدات الإنسانية ومواد الإيواء لسكان القطاع.

واتهمت الحركة المجتمع الدولي بالصمت عن معالجة الكارثة الإنسانية غير المسبوقة في القطاع نتيجة العدوان والحصار، وطالبت الوسطاء بالتحرك الفوري لوقف انتهاك إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار وإلزامها بتنفيذ البروتوكول الإنساني وضمان إدخال مستلزمات الإيواء والتدفئة والمساعدات الطبية العاجلة لأهالي القطاع.

وتتنصل إسرائيل من الالتزام بتنفيذ البروتوكول الإنساني المتعلق بإدخال الخيام والبيوت المتنقلة (الكرفانات) والمواد الطبية اللازمة للمستشفيات، ومواد الإيواء مثل الأسمنت والطاقة الشمسية وغيرهما.

وقالت مصادر حكومية من غزة لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل لا تزال تتهرب من استحقاقات أخرى، وبدأت فرض مزيد من القيود على العديد من المواد الأساسية، وبضائع أخرى كانت قد سمحت بإدخالها بعد وقف إطلاق النار ثم تراجعت عن ذلك.

الطوابير... «ملخص الحياة»

ومع اقتراب شهر رمضان نهاية الشهر الحالي، يخشى سكان قطاع غزة والتجار من ارتفاع أكبر للأسعار نتيجة السياسات الإسرائيلية.

وقال التاجر محمد حميد: «الأسعار ترتفع وتنخفض وفقاً لظروف إدخال البضائع عبر معبر كرم أبو سالم. ومنذ عدة أيام تم تعليق تنسيق إدخال بعض البضائع دون معرفة الأسباب، ما زاد سعر بعض المواد».

وما زالت الطوابير ممتدة أمام المخابز والمحال رغم مرور أكثر من شهر على وقف إطلاق النار، ويشكو السكان من قلة المياه الصالحة للشرب.

فلسطينيون يتجمعون لشراء الخبز في دير البلح بوسط قطاع غزة أكتوبر الماضي (رويترز)

وعن مدى تأثير وقف إطلاق النار على حياة السكان، قالت أنسام نعمان (47 عاماً)، وهي ربة منزل من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة: «حياتنا مثل ما هي ما تغيرت، من طابور لطابور».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «من أول ما يشقشق النهار الساعة 6 صباحاً بنتصف طابور من شان نتحصل على 5 لترات مياه محلاة للشرب. وبعد ساعتين بنستنى المياه العادية، وبنقسم حالنا... إشي بيروح بيقف طابور على الخبز، وإشي على شحن الجوالات والبطاريات من شان نشوف بالعتمة في الليل. هذا ملخص حياتنا بغزة».

وأشارت السيدة التي لديها ثمانية من الأبناء والبنات إلى أن المياه التي تتحصل الأسرة عليها لا تكاد تكفيها يوماً واحداً، ورجحت استمرار معاناة أهالي القطاع في ظل الظروف الصعبة الحالية.

ويعاني قطاع غزة تدميراً كاملاً للبنية التحتية، وتشير التقارير الدولية إلى أنه بحاجة إلى 53 مليار دولار من أجل إعادة الإعمار وإعادته للحياة مجدداً، وأن ذلك سيستغرق نحو عقد من الزمن أو أكثر.

وحذرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) مؤخراً من تفاقم معاناة الأطفال حديثي الولادة في غزة، مشيرة إلى وجود نحو 7700 رضيع يفتقرون إلى الرعاية الطبية اللازمة وسط تدهور الأوضاع المعيشية ونقص الإمدادات الأساسية.


مقالات ذات صلة

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن بنيويوك الثلاثاء الماضي (الأمم المتحدة)

«حماس» غاضبة من ملادينوف: يربط كل شيء بنزع السلاح

أبدى قياديون بحركة «حماس» غضباً تصاعد خلال الأيام القليلة الماضية، تجاه الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، على خلفية إحاطته أمام مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص النيران تتصاعد من مخيم للنازحين في دير البلح بوسط غزة بعد غارة إسرائيلية الأربعاء (أ.ف.ب) p-circle

خاص «اغتيالات وأجهزة تجسس تنفجر ذاتياً»... كيف تتحرك إسرائيل في مناطق «حماس»؟

يُخيم الجمود النسبي على المسار السياسي بشأن مستقبل قطاع غزة؛ غير أن ذلك لم يمنع إسرائيل من مواصلة اغتيالاتها قيادات عسكرية، معتمدةً على أجهزة تجسس تنفجر ذاتياً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية تصاعد سحابة من الدخان من موقع غارة جوية على طهران يوم 17 مارس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

هجمات جديدة مع استمرار حرب إيران... وحركة دبلوماسية بالكواليس

تتواصل الهجمات الصاروخية والقصف في الشرق الأوسط مع استمرار حرب إيران فيما تنشط حركة دبلوماسية في الكواليس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».