من «إدارة إدلب» إلى «حكم سوريا»... الفارق بين «النموذج» و«الواقع»

الرئيس السوري زار المدينة لساعات وتفقد مخيماً للاجئين

رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير يتحدث في 28 نوفمبر 2024 في إدلب (أ.ف.ب)
رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير يتحدث في 28 نوفمبر 2024 في إدلب (أ.ف.ب)
TT

من «إدارة إدلب» إلى «حكم سوريا»... الفارق بين «النموذج» و«الواقع»

رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير يتحدث في 28 نوفمبر 2024 في إدلب (أ.ف.ب)
رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير يتحدث في 28 نوفمبر 2024 في إدلب (أ.ف.ب)

اختار الرئيس السوري، أحمد الشرع، محافظة إدلب لتكون الجهة المحلية الأولى التي يزورها، منذ معركة «ردع العدوان» التي قادها انطلاقاً من هذه المحافظة، وانتهت بإطاحة نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

هذه الزيارة السريعة إلى ما يمكن تسميته «نقطة الانطلاق» وصولاً إلى تسلم مقاليد بلد كبير، بإمكانياته ومتاعبه ومشكلاته، تفرض مقارنة بين «حكم سوريا» و«حكومة الإنقاذ» القادمة من إدلب، بخبرات متواضعة، في إدارة دفة البلاد، مع تساؤلات في الشارع السوري عن مدى قدرة حكومة دمشق الجديدة على إيصال البلاد كاملة إلى بر الأمان، متجاوزة تحديات جمة تفوق بكثير تلك التي كانت تحيط بعملها في إدلب، شمال غربي سوريا.

تجربة إدلب... إدارة خدمية متعددة

كثيراً ما تحدث كبار مسؤولي الإدارة السورية الجديدة، وعلى رأسهم الشرع، عن نجاح تجربة إدارتهم لإدلب ومحيطها، وعبروا عن ذلك منذ وصولهم إلى قصر الشعب في دمشق، وفي عشرات المقابلات والمؤتمرات.

باتجاه إدلب (المرصد السوري)

في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، وُلدت «حكومة الإنقاذ» بمحافظة إدلب؛ كي تكون جسماً إدارياً، وذلك بعد «المؤتمر السوري العام» الذي انعقد في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، وتمكنت على مدار كل تلك السنوات من المحافظة على حالة من الاستقرار النسبي في مناطق عملها. فقد أعادت تأهيل شبكات المياه والكهرباء، وعملت على استجرار الكهرباء من تركيا، واستدامة توافرها ضمن المناطق التي تحكمها. ونجحت المؤسسة العامة لمياه الشرب في إدارة عملية ضخّ المياه، وإيصالها ضمن وحدات موزعة على المدن والقرى، وجهّزت البنية التحتية للكهرباء وإيصالها وإدارتها تحت غطاء شركات خاصة. ووفق موقعها الرسمي، تمكنت «الإنقاذ» من تنفيذ مشاريع تأهيل وتعبيد طرقات محورية وعادية، ومرافق خدمية، يجري استخدامها منذ سنوات. وسعت بعد مرحلة التأسيس، التي ركزت فيها على هيكلة مؤسسات خدمية، إلى تنفيذ مئات المشاريع التي تنوعت بين تركيب الإنارة في الساحات والشوارع، وتأهيل ومد شبكات جديدة لمياه الشرب والصرف الصحي.

منظر عام لمخيم للنازحين في شمال إدلب 25 سبتمبر 2022 (رويترز)

وفي عام 2023، أُنجز نحو 710 مشروعات طرقية بطول 50 كيلومتراً، و1854 مشروع تمديد صرف صحي بطول 4 كيلومترات، و185 مشروع إنارة وتجميل وصيانة. وفي مجال التعليم، وفرت «حكومة الإنقاذ» الدعم لـ1658 مدرسة، بلغ عدد طلابها 474 ألف طالب وطالبة، تلقوا التعليم، إلى جانب 410 مدارس جرى إنجازها في مخيمات النزوح، و571 مدرسة للتعليم الخاص، ضمت 109 آلاف طالب وطالب، إلى جانب إنشاء عدد من الجامعات التي استفاد منها مئات الطلاب. ولعل أبرز ما يميز إدارتها لإدلب، هو اعتمادها على حرية اقتصادية واسعة وإعفاءات جمركية، خففت الأعباء المالية على السكان، وشجعت حركة التجارة، فانتعشت الأسواق.

انتقادات قديمة جديدة

رغم كل الإنجازات التي كانت تخرج من جعبة «حكومة الإنقاذ» فإنها كانت تحت مجهر النقد من قبل عدد من سكان إدلب، بسبب بعض الممارسات على مستوى الإدارات وتولية المقربين منها على حساب الكفاءات، إضافة إلى بعض الاحتكارات. كذلك سجل عليها توجسها تجاه منظمات المجتمع المدني، الأمر الذي قد يعزز عند البعض المخاوف من نقل التجربة من إدلب إلى عموم سوريا.

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل لمرات عدة مع مكتب رئيس الوزراء في الحكومة السورية الانتقالية محمد البشير، ومع عدد من وزرائه لاستيضاح رؤيتهم للمرحلة المقبلة لكن من دون رد.

موظف يعدّ نقوداً في «البنك المركزي السوري» بدمشق بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

إلا أن مصدراً في رئاسة مجلس الوزراء رد على عدد من التساؤلات التي نقلتها «الشرق الأوسط» من بعض المتخوفين من عدم قدرة حكومة البشير على إدارة كامل البلاد بالطريقة التي يتمناها السوريون، إلى جانب النقد من اختيارات اللون الواحد للمؤسسات.

وقال المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه: «لا شك أن إدارة إدلب شكلت مرحلة مهمة ونقطة تحول نحو المأسسة، وهي نواة تم البناء عليها، لكن إدارة بلد بحجم سوريا وموارده تتطلب ترتيباً مختلفاً، والطموح هو تحقيق نتائج سريعة على جميع الأصعدة، بما يناسب تاريخ سوريا ومكانتها بين دول المنطقة ودول العالم، حيث نسعى للاستفادة من تجارب عالمية رائدة لتحقيق النمو والتطور الذي ينشده السوريون».

وأضاف المصدر: «أما بالنسبة للون الواحد، فإن التعيينات بعد مرحلة التحرير أخذت هذا الطابع وهذا بديهي، وهو من مقتضيات المرحلة، فالمرحلة تطلبت فريق عمل منسجماً لفترة من الزمن لتحقيق نتائج مُرضية على جميع الملفات».

بسطات البالة (الملابس المستعملة) تأتي من تركيا عبر إدلب وحلب في منطقة الفحامة وسط دمشق (الشرق الأوسط)

تحديات الواقع تفوق النموذج

مما لا شك فيه أن سوريا تواجه تحدياً أكثر تعقيداً من تلك التي واجهتها «حكومة الإنقاذ» في إدلب. وعليه، فهناك أصوات تطالب الحكومة الجديدة في دمشق باتباع نهج اقتصادي شامل يراعي ضغوط العقوبات الدولية، وضرورة تحقيق التنمية الشاملة، حيث لا يمكن، وفق المطالبين، الاعتماد على نموذج إدلب بوصفه إطاراً شاملاً لإدارة الاقتصاد، بل يمكن الاستفادة من مرونته في التعامل مع الأزمات. وما يزيد من حجم التحديات وجود نحو 4 ملايين نازح، يعتمد غالبيتهم على المساعدات الإنسانية، بحسب تقارير الأمم المتحدة، منهم نحو 80 في المائة من النساء والأطفال، إضافة إلى معاناة الكثير منهم من فقدان الأمن الغذائي، إلى جانب عشرات المدن والبلدات المدمرة في كل سوريا.

رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير يتحدث في 28 نوفمبر 2024 في إدلب (أ.ف.ب)

ووفق نظرة عامة لسوريا، فإن الحرب على مدار 14 عاماً خلقت أعباء كبيرة على القطاعات الخدمية التي تحتاج قدراً كبيراً من الميزانية الحكومية، وخصوصاً في قطاعي الصحة والتعليم، التي تراجعت بشكل كبير. وفي سعيها للتخفيف من وطأة هذه التحديات لم توفر إدارة سوريا الجديدة فرصة للمطالبة برفع العقوبات عن سوريا، أبرزها على لسان الرئيس الشرع، الذي قال غير مرة إن «الجلاد ذهب، والضحية موجودة في سوريا»، مطالباً برفع العقوبات.

ويتوقع أن تلعب الإعفاءات الأميركية عن قطاعات مرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية، إلى جانب التحركات الأوروبية لرفع القيود عن قطاعات رئيسة في الاقتصاد السوري، مثل النفط والخدمات المصرفية والتجارة، إلى جانب العقوبات الفردية التي تستهدف النخب التابعة للنظام، دوراً في دفع عجلة التعافي في البلاد.

المحلل الاقتصادي، فراس شعبو شرح لـ«الشرق الأوسط» الفرق بين إدارة إدلب وسوريا، وأشار إلى قدرة الحكومة الانتقالية من الاستفادة من تاريخها العملي، وسبل التغلب على أي عوائق من الممكن أن تواجهها، قائلاً: «إن نموذج إدارة إدلب مختلف عن نموذج إدارة سوريا؛ إذ إن المساحة والجغرافيا مختلفتان، إلى جانب الوضع الديمغرافي. في إدلب كانت (الإنقاذ) تدير مؤسسات صغيرة في حيز جغرافي صغير ومعقد، أما اليوم فنحن أمام نظام دولة لديها موارد ومقدرات... حتى على الصعيد المالي والنقدي لم يكن في إدلب شيء اسمه مصرف مركزي ولا ضبط للعملة النقدية؛ لأن الناس كانت تتداول إما الدولار الأميركي وإما الليرة التركية؛ بمعنى أنه لم يكن هناك إدارة مالية بالمعنى الحقيقي، أما في الدولة فيوجد عملة وجمارك وضرائب ومصرف مركزي». وأضاف شعبو: «أعتقد أن الحكومة بحاجة لإدارة هذا الملف بحرص شديد؛ لأنها تسلّمت بلداً منهاراً متداعياً على جميع الأصعدة، ولذلك فإن وجوب الاستعانة بالكفاءات ولخبرات ضرورة لوضع الخطط لتحسين الوضع المعيشي والخدمي والاقتصادي».

وأشار إلى أن الأمر ليس سهلاً، «حيث لم يدخل إلى البلاد أي أموال من المساعدات في الوقت الذي لا تزال فيه العقوبات المصرفية موجودة، وهو ما يعني مشكلة معيقة». وتابع: «شهران على تسلم بلد مدمر ومنهك لا يمكن من خلالهما قياس عمل أي حكومة، وبالنسبة للتعافي فستظهر نتائجه خلال نحو سنتين»، مؤكداً إعطاء دور مؤثر للخبرات، وفسح المجال لتغيير كثير من الأنظمة والقوانين التي كانت سائدة وتلعب دوراً معيقاً في الانفتاح الاقتصادي. وأعرب عن اعتقاده بأن حكومة البشير ستستمر في تطبيق تجربة الاقتصاد الحر بسبب كثرة الملفات المحيطة، وأنها ستلجأ لخصخصة جزء كبير من القطاعات الحكومية؛ لأنها غير قادرة على إدارتها.


مقالات ذات صلة

ستارمر يبحث مع الشرع الهجرة وأمن الحدود 

أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (يمين) يلتقي الرئيس السوري  أحمد الشرع في لندن (د.ب.أ)

ستارمر يبحث مع الشرع الهجرة وأمن الحدود 

ذكر مكتب رئيس ​الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم (الثلاثاء)، أنه بحث مع الرئيس السوري ‌أحمد ‌الشرع، خلال ​اجتماع ‌في ⁠لندن، ​قضايا الهجرة.

«الشرق الأوسط» (لندن - دمشق)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يرفع العلم السوري فوق مبنى السفارة في العاصمة البريطانية لندن أكتوبر 2025 (حساب الخارجية)

الرئيس السوري في لندن... فماذا تتوقع الجالية السورية من الزيارة؟

الجاليات السورية حول العالم شريك فاعل في جهود إعادة البناء، والتنمية، وقد أظهرت التزاماً واضحاً في دعم إعادة الإعمار، والمساعدة في تسريع التعافي

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة موزعة من المخابرات التركية للجاسوس الذي عمل لمصلحة نظام بشار الأسد أوندر سيغرجيك أوغلو بعد القبض عليه بالتعاون مع المخابرات السورية وإعادته إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

نجحت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية في القبض على مواطن تركي اختطف اثنين من قادة «الجيش السوري الحر» في عام 2011.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي لقاء الرئيس أحمد الشرع والمستشار الاتحادي الألماني فريدريش ميرتس في مقر المستشارية الاتحادية الألمانية (سانا)

ميرتس يعلن في مؤتمر صحافي مع الشرع سعيه لإعادة 80% من اللاجئين السوريين

أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع أنه يسعى إلى إعادة 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (برلين) «الشرق الأوسط» (برلين - لندن)

بن عيفان: مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية

مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)
مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)
TT

بن عيفان: مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية

مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)
مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)

قال مسؤول ملاحي يمني إن مواني البحر العربي قادرة على أن تكون مراكز لوجستية عالمية بما تمتلكه من ميزة تنافسية وإمكانيات متعددة تُؤهلها لاستقبال مختلف أنواع السفن التجارية، وفي مقدمتها سفن الحاويات والبضائع العامة، إلى جانب سفن البضائع السائبة والسائلة.

وأوضح الدكتور نبيل بن عيفان، القائم بأعمال مدير الشؤون البحرية بالمكلا (شرق اليمن)، في تصريحات خاصة، لـ«الشرق الأوسط»، أن ميناء المكلا يتميز بقدرته على استقبال جميع أنواع السفن، بما فيها التقليدية مثل السفن الخشبية المعروفة محلياً بـ«الزعائم»، مشيراً إلى أنه يُعد من أكثر المواني في العالم استقبالاً لهذا النوع من السفن.

مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)

ووصف بن عيفان التجربة السعودية في تطوير قطاع النقل البحري والمواني بأنها «ناجحة» على المستويين الإقليمي والعالمي، مُعرباً عن أمله في أن تستفيد المواني اليمنية، وفي مقدمتها ميناء المكلا، من هذه التجربة، إلى جانب الدعم السعودي السخي لمشاريع البنية التحتية في البلاد.

خريطة طريق

كان محسن العمري، وزير النقل اليمني، قد أعلن مؤخراً خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى مشاريع ملموسة، خصوصاً فيما يتعلق بمواني: «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، و«قنا» في شبوة، و«قرمة» في أرخبيل سقطرى، إلى جانب مشروع توسعة ميناء المكلا، الذي يُعد ركيزة أساسية في النشاط الملاحي اليمني.

وتعهّد العمري بالعمل على تحويل مواني البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية، بما يعزز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.

مقوّمات كبيرة

وأشار بن عيفان إلى أن ميناء قنا في محافظة شبوة يمتلك مقوّمات كبيرة تُؤهله ليكون ميناء تجارياً ناجحاً، خصوصاً من حيث موقعه الجغرافي، وأعماقه، ومساحته الخلفية (الظهير)، إضافة إلى سَعة الأرصفة والساحات.

وتطرّق بن عيفان إلى دراسةٍ سابقة أجراها حول ميناء عدن وأهميته الاستراتيجية، مبيناً أن الميناء يمتلك مقوّمات تنافسية عالمية، وفي حال استثمارها بالشكل الأمثل يمكن أن يصبح من أبرز مواني المنطقة وأكثرها تداولاً للبضائع.

الدكتور نبيل بن عيفان القائم بأعمال مدير الشؤون البحرية بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأضاف: «على سبيل المثال، فإن الموقع الجغرافي للميناء يربط بين الشرق والغرب، ولا تحتاج السفن لأكثر من 4 أميال بحرية لتغيير اتجاهها والوصول إلى محطة الإرشاد، كما أنه ميناء محميّ طبيعياً من الأمواج والرياح الموسمية الشمالية الشرقية والجنوبية الغربية، ما يمكّنه من العمل على مدار العام دون توقف، ويقع على بُعد 105 أميال بحرية فقط من مضيق باب المندب، الذي تَعبره نحو 21 ألف سفينة سنوياً».

استمرار القدرة التشغيلية

ووفق تقرير أعدّته الأمم المتحدة، وفقاً لبن عيفان، فإن ميناء عدن يحتاج إلى حزمة استثمارية للحفاظ على استمرارية قدرته التشغيلية الحالية، في ظل تراجع هذه القدرة نتيجة نقص أعمال الصيانة وضعف البنية التحتية ومحدودية القدرات المؤسسية. كما أشار التقرير إلى غياب خطط استثمارية طويلة الأمد، وعدم إدماج إدارة المخاطر بشكل منهجي في عمليات صنع القرار، فضلاً عن ضعف الوعي بجوانب الصحة والسلامة والبيئة.

كان الوزير العمري قد أكد الجاهزية التشغيلية لميناء عدن، مشدداً على تقديم جميع التسهيلات الممكنة للخطوط الملاحية الدولية، بما في ذلك إبرام اتفاقيات استراتيجية مع الجانب الصيني لاستئناف نشاط «الترانزيت» المتوقف منذ عام 2010.

6 محاور

واستعرض عيفان ستة محاور رئيسية لتطوير المواني اليمنية، وفي مقدمتها ميناء عدن، تشمل: تطوير البنية التحتية، والتحول الرقمي، وتعزيز المنظومة الإدارية واللوجستية، وتنمية رأس المال البشري، وتحقيق متطلبات السلامة، والحفاظ على البيئة، إلى جانب ضرورة وجود منظومة قانونية متكاملة.

وأضاف: «لا يمكن إغفال دور القطاع الخاص في عملية التطوير، إذ يُعد إحدى الركائز الأساسية لنجاح تشغيل المواني، كما أثبتت التجارب أن إسناد تشغيلها إلى القطاع الخاص يسهم في رفع كفاءتها وتعزيز تنافسيتها».

أكد بن عيفان الرغبة في الاستفادة من التجربة السعودية بتطوير المواني (مؤسسة خليج عدن)

وفي حديثه عن الدور السعودي، أكد القائم بأعمال مدير الشؤون البحرية بالمكلا أن «هناك توجهاً مهماً لدى المملكة لدعم مشاريع البنية التحتية والاقتصادية في حضرموت بشكل خاص، واليمن بشكل عام، ونأمل أن تحظى المواني بنصيب وافر من هذا الدعم، انطلاقاً من اهتمامات المملكة وتجربتها الناجحة في هذا المجال».

وأضاف: «لمسنا هذا التوجه من خلال الزيارات واللقاءات التي عُقدت، إلى جانب السماح باستيراد سلع لم يكن مسموحاً بها سابقاً، فضلاً عن الاهتمام الإعلامي بنشاط المواني في اليمن، ومنها ميناء المكلا. ونأمل أن تُترجم هذه الجهود إلى توقيع مشاريع استثمارية في المواني الحالية والمستقبلية، ولا سيما مواني حضرموت في بروم والضبة، إلى جانب بقية المحافظات».

كما عبّر بن عيفان عن شكره للعمري، مُشيداً بالجهود التي يبذلها لتطوير الموانئ اليمنية، بما في ذلك مواني البحر العربي، وإعادة تشغيلها والاستفادة من مزاياها التنافسية، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني.


لقاء بعد عامين... أمٌّ غزّية تستعيد ابنتها بين وجع الفقدان وأمل النجاة

أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)
أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)
TT

لقاء بعد عامين... أمٌّ غزّية تستعيد ابنتها بين وجع الفقدان وأمل النجاة

أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)
أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)

في واحد من أكثر القصص إنسانيةً وسط أهوال الحرب، استعادت أمٌّ من قطاع غزة ابنتها التي أُجلِيَت رضيعةً إلى مصر قبل نحو عامين، بعد رحلة طويلة من القلق والانتظار. ويأتي هذا اللقاء ضمن عودة ثمانية أطفالٍ خُدّج أُجْلوا خلال الأسابيع الأولى من الحرب، بعد أن كانوا من بين أكثر من 30 رضيعاً في حالاتٍ حرجة داخل الحاضنات بمستشفى الشفاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

سندس الكرد، والدة الطفلة بيسان، وصفت مشاعرها لحظة الانتظار بأنها «ممزّقةً بين الخوف والفرح»، إذ خشيت ألا تتعرّف ابنتها إليها بعد هذا الغياب الطويل. وتروي أنها حاولت إخراج طفلتها من المستشفى خلال الاشتباكات، لكنها مُنعت بسبب وضعها الصحي الحرج، لتبدأ بعدها رحلة قاسية من الغموض، لم تعرف خلالها مصير ابنتها لأشهرٍ طويلة.

وتقول الأم: «عشت بين اليأس والأمل، أتابع الأخبار وأبحث في الصور، أحاول أن أشعر إن كانت تلك طفلتي أم لا». ولم تتلقَّ أي خبر مطمئن إلا بعد نحو عام، حين أُبلغت بأن بيسان على قيد الحياة وبصح جيدة في مستشفى ميداني بمصر، وقد تم التعرف إليها عبر سوار ورديّ وُضع لها عند الولادة. وتصف تلك اللحظة بأنها «حلم تحقق»، خصوصاً أنها كانت قد فقدت قبل ذلك طفلاً آخر ووالديها وشقيقها.

ويُعدّ لمّ شمل هؤلاء الأطفال مع عائلاتهم بارقة أمل نادرة في واقعٍ يهيمن عليه الدمار، ضمن مكاسب محدود رافقت هدنة غزة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. إلا أن هذه الهدنة لم تُنهِ حالة الغموض، حيث لا يزال مستقبل القطاع معلقاً بين الحرب والسلام.

ميدانياً، تسيطر القوات الإسرائيلية على نحو نصف قطاع غزة، فيما تُعزّز حركة «حماس» نفوذها في مناطق أخرى، وسط ظروف إنساني قاسية يعيشها السكان بين الأنقاض. كما يبقى ملف إعادة الإعمار مرتبطاً بشروط معقّدة، أبرزها نزع سلاح الحركة، دون مؤشرات واضح على تحقيق تقدّم.


مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
TT

مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)

في الوقت الذي كشفت فيه مصادر فلسطينية لـ«الشرق الأوسط» أن مصر وقطر وتركيا شاركت في صياغة الخطة التي قدمها «مجلس السلام» لنزع سلاح الفصائل من قطاع غزة، أقرَّت مصادر من حركة «حماس» بوجود «تباين» مع الدول الوسيطة بشأن تلك الخطة، ولكنها عدَّته «طبيعياً».

وأكدت المصادر الفلسطينية المطلعة على عمل «لجنة إدارة غزة» لـ«الشرق الأوسط» أن الدول الوسيطة في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة، كانت مطَّلعة بشكل كامل على خطة «مجلس السلام»، وذلك قبل تقديمها إلى «حماس» والفصائل.

مسلحون من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات وسط غزة (إ.ب.أ)

وكانت وثيقة نشرتها «رويترز» ووسائل إعلام أخرى، الأسبوع الماضي، قد أظهرت أن «مجلس السلام» الذي شكَّله الرئيس الأميركي دونالد ترمب قدَّم خطة لـ«حماس» تتطلب الموافقة على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع ​غزة، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر.

وتحدد الخطة جدولاً زمنياً يبدأ بتولي اللجنة الوطنية لإدارة غزة مسؤولية الأمن في القطاع، وينتهي بانسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وحسب المصادر القريبة من «لجنة غزة»، فإن الدول الوسيطة الثلاث بالتعاون مع الولايات المتحدة، شاركت في صياغة الخطة المقدمة إلى «حماس»، وأدخلت تعديلات، ووضعت ملاحظات عليها خلال صياغتها، بهدف تطويرها.

وبعد تأكيدهم تسلُّم المقترح، الأسبوع الماضي، أبدى قياديون في «حماس» غضباً تجاه الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وذلك بعدما قدم إحاطة أمام مجلس الأمن، الأسبوع الماضي، شدد فيها على أنه «لن يتسنى بدء إعادة الإعمار إلا بعد توثيق مراحل نزع السلاح».

«دعم الوسطاء للخطة»

وقال مصدران من «حماس» في غزة، إنه لا علم لديهما بشأن مشاركة الوسطاء في صياغة مقترح نزع السلاح، ولكنهما رجحا في إفادات منفصلة اطلاعهم على تفاصيله قبل طرحه على «حماس». بينما قال مصدر قيادي في «حماس» خارج غزة، إنهم «لم يتلقوا إفادات واضحة بمشاركة الوسطاء في إعداد المقترح، ولكن بعض الصياغات ودعم المقترح من الوسطاء يشير إلى أن تلك الدول كانت على علم به».

وكشف المصدر القيادي أن «المقترح تمت مناقشته داخلياً، وبُحثت بعض بنوده مع الدول الوسيطة خلال لقاءات عقدت في مصر وتركيا، خلال الأيام الأخيرة»؛ مشيراً إلى أن «الموقف الفلسطيني الجماعي سيقدَّم في إطار رؤية واضحة تهدف لإدخال تعديلات على بعض البنود المهمة، بما يرفض بشكل قاطع ربط ملف تسليم السلاح بالتقدم في كافة الخطوات».

جانب من اجتماع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ووفد حركة «حماس» برئاسة خليل الحية في أنقرة يناير الماضي (الخارجية التركية)

وأكد المصدر «ضرورة إلزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها، في ظل أن الخطة الحالية تمنحها القدرة على المراوغة والضغط على (المقاومة) بأساليب مختلفة، لتحقيق هدفها الأساسي، وهو إبقاء غزة منطقة منزوعة السلاح، وإبقاء الأمن بيدها».

«التباين طبيعي»

ورداً على سؤال بشأن وجود خلاف في المواقف بين «حماس» والوسطاء، حول خطة نزع السلاح، أجمعت المصادر الثلاثة من الحركة على وجود «تباين»، وصفه أحدهم بـ«الطبيعي». وفسَّر المصدر القيادي ذلك بأنه من وجهة نظر «حماس» والفصائل فإن «ما يطرح لا يلبي المطالب الفلسطينية كاملة، ويفرض على الفصائل تسليم سلاحها دون مقابل حقيقي تقدمه إسرائيل».

واستشهد المصدر القيادي بأنه «في مفاوضات وقف إطلاق النار الأولى، كان هناك تجاوب لدى دول الوساطة مع مطالب الفصائل، ما دفعها والولايات المتحدة للتعامل بإيجابية مع ما طُرح، وهو ما تأمل فيه الفصائل مجدداً».

ويبدو أن حركة «حماس» ستواجه صعوبة في رفض الخطة، ولذلك ستلجأ لتقديم «تعديلات» عليها لتحقيق ما تعتبرها «مكاسب وطنية فلسطينية». غير أن إسرائيل ترفض ذلك بوضوح، وتلوِّح بالعودة للحرب.

وتنص الخطة على نزع السلاح بشكل كامل، الخفيف والثقيل، والفصائلي والعشائري والشخصي، ضمن خطة تهدف إلى قانون واحد، وسلاح واحد، وبما يضمن عدم مشاركة «حماس» في حكم القطاع مدنياً وأمنياً.

وكشف مصدر مصري، قبل أسبوع تقريباً، لـ«الشرق الأوسط»، أن وزارة الداخلية المصرية ستستقبل آلافاً من المرشحين للعمل في الشرطة الفلسطينية، التي ستعمل على حفظ الأمن في قطاع غزة، وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وسيخضعون لتدريبات على كل أنواع العمل الشرطي لمدة 6 أسابيع؛ مشيراً إلى أن عدداً آخر من المرشحين سيتوجه إلى الأردن لحضور برامج مشابهة.

وخصصت اللجنة الوطنية لإدارة غزة، في الآونة الأخيرة، رابطاً للتقدم لوظيفة أمنية في القوة الفلسطينية الجديدة. وقد سجَّل عشرات الآلاف فيه، رغم أن ما كانت تهدف إليه مؤقتاً اللجنة هو نحو 5 آلاف عنصر شرطي.

وتسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل، إلى أن تبدأ عملية إعادة الإعمار في غزة انطلاقاً من مدينة رفح جنوب القطاع، وهي المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، قبل أن يتم البدء فيها بمناطق سيطرة «حماس»، والتي تربط الخطة الجديدة إعمارها بتسليم السلاح. وترفض «حماس» باستمرار ربط إعادة الإعمار بملفات أخرى مثل تسليم السلاح.