هل يمكن وقف اشتباكات ما بعد سقوط الأسد في سوريا؟

عناصر مسلحة في موقع على طول سلسلة جبال لبنان الشرقية بالقرب من القصير في غرب محافظة حمص السورية (أ.ف.ب)
عناصر مسلحة في موقع على طول سلسلة جبال لبنان الشرقية بالقرب من القصير في غرب محافظة حمص السورية (أ.ف.ب)
TT

هل يمكن وقف اشتباكات ما بعد سقوط الأسد في سوريا؟

عناصر مسلحة في موقع على طول سلسلة جبال لبنان الشرقية بالقرب من القصير في غرب محافظة حمص السورية (أ.ف.ب)
عناصر مسلحة في موقع على طول سلسلة جبال لبنان الشرقية بالقرب من القصير في غرب محافظة حمص السورية (أ.ف.ب)

يواصل الأمن في شمال شرقي سوريا تدهوره؛ حيث تُهدد الاشتباكات المستمرة انتقال البلاد نحو عصر من الاستقرار والتعافي، ويتسبب النشاط العسكري المتزايد، المقترن بموجة من الدبلوماسية السريعة داخل البلاد وخارجها، في قلب توازن القوى، الذي ساد لفترة طويلة عندما كان الصراع في سوريا مجمّداً فعلياً.

ويقول ألكسندر لانجلوا، محلل السياسة الخارجية، والزميل المساهم في مؤسسة «أولويات الدفاع» الأميركية الذي يركز على الجغرافيا السياسية لبلاد الشام والديناميكيات الأوسع نطاقاً في غرب آسيا في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه مع استمرار القتال في شمال شرقي سوريا، يعمل المسؤولون في أنقرة وواشنطن على تعزيز مواقفهم داخل البلاد.

ويُركز كل منهما على الدبلوماسية المكثفة؛ حيث تعمل تركيا مع شركائها السوريين المحليين للضغط على «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة لطرد حلفائها المنتمين لـ«حزب العمال الكردستاني». وفي نهاية المطاف، تُعد هذه المحادثات مهمة للغاية لتأمين هذه المرحلة في العملية الانتقالية في سوريا؛ حيث يمكن أن تُحلّ القضية الكردية في تركيا وسوريا مع وضع الأساس لانسحاب عسكري أميركي، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي 30 نوفمبر (تشرين الثاني)، وفي ظل الهجوم العسكري الذي أطاح بالرئيس بشار الأسد، بدأ الجيش السوري عملية «فجر الحرية»، لطرد الجماعات المسلحة الأجنبية غير الحكومية، وتوحيد الأراضي السورية. ومع ذلك، تُركز العملية إلى حد كبير على فصل «حزب العمال الكردستاني» عن ذراعه السورية، وهي «وحدات حماية الشعب»، و«قوات سوريا الديمقراطية» الأوسع نطاقاً.

وأشار لانجلوا إلى أنه مع فرار قوات الأسد من حلب، قامت بتسليم مناطق استراتيجية لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، وهو آخر فصل في تعاونهما طويل الأمد في مواجهة المعارضة أو التهديدات التركية. ولكن «قوات سوريا الديمقراطية» لم تتمكن من الحفاظ على موقعها في مدينة تل رفعت شمال حلب، لإقامة ممر يمتد عبر شمال سوريا، ولجأت إلى جرائم حرب ضد المدنيين في محاولة لتأخير أي تقدم للجيش السوري.

ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن عملية الجيش السوري تنقسم إلى 3 مراحل؛ ركَّزت المرحلة الأولى على طرد «قوات سوريا الديمقراطية» من حلب؛ حيث كانت تحتل جيوبا في تل رفعت وحي الشيخ مقصود ذي الأغلبية الكردية تاريخياً في مدينة حلب. وتهدف المرحلة الثانية من العملية إلى عبور نهر الفرات، وطرد «قوات سوريا الديمقراطية» من مدينتي الرقة ودير الزور، اللتين تقطنهما أغلبية عربية نحو مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية.

وقال لانجلوا إنه اتضح صعوبة هذه المرحلة؛ حيث جرى تنشيط جبهات متعددة في وقت واحد. وحتى الآن، أجبرت العملية «قوات سوريا الديمقراطية» على الخروج من مدينة منبج بعد قتال عنيف، لكن خطوط الجيش الوطني السوري مجمدة الآن على طول النهر. وتهدف المرحلة الثالثة إلى حل «قوات سوريا الديمقراطية» و«وحدات حماية الشعب»، والقضاء على هيمنتهما على السياسة الكردية السورية وطرد العناصر الأجنبية ذات الأجندات الانفصالية؛ وتحديداً «حزب العمال الكردستاني».

ولمواجهة هذه العملية، اتخذت «قوات سوريا الديمقراطية» تدابير لتحويل نهر الفرات إلى حدود طبيعية، واستغلت المخاوف الكردية المشروعة إزاء ممارسات الجيش السوري السابقة، والافتقار العام إلى الوضوح بشأن مستقبل سوريا وسلامة أراضيها للحفاظ على السيطرة. كما بدأ القائد العسكري لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، مظلوم عبدي (فرهاد شاهين سابقاً)، مفاوضات إقليمية، وقام بشكل مستمر بتغيير مواقف «قوات سوريا الديمقراطية» في المحادثات، وتقديم تنازلات تدريجية لتعزيز مصالح مجموعته.

في غضون ذلك، تقوم المسؤولة البارزة في مجلس سوريا الديمقراطية، إلهام أحمد، بجولة دبلوماسية مكوكية مع الغرب، وتُثير مخاوف بشأن حقوق الأقليات وعودة ظهور «داعش» والتفسير المنحرف للإصلاح الدستوري القائم على الكونفيدرالية، وليس الفيدرالية.

وأضاف لانجلوا أن «وحدات حماية الشعب» سيطرت على قيادة «قوات سوريا الديمقراطية» منذ نشأتها، وكان ذلك جزئياً بقواتها، ولكن إلى حد كبير عبر «حزب العمال الكردستاني».

وقد صنّفت حكومة الولايات المتحدة «حزب العمال الكردستاني» منظمةً إرهابيةً أجنبيةً في عام 1997، وأدرجته منظمةً إرهابيةً عالميةً بشكل خاص في عام 2001 بموجب أمر تنفيذي. ويعمل الحزب إلى حد كبير من خلال فروع محلية في سوريا وتركيا والعراق.

ولكن على الرغم من تاريخها الطويل المرتبط بالتفجيرات الإرهابية، اختارت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، تدريب وتجهيز «وحدات حماية الشعب»، التي شكّلت «قوات سوريا الديمقراطية» في عام 2015، وقاد بريت ماكغورك هذه الجهود بصفته مبعوثاً خاصاً بسبب خبرته السابقة في العراق. واستخدم ماكغورك التمويل الأميركي المُخصص لهزيمة «داعش» لبناء هياكل إدارية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» رغم المخاوف الأمنية الوطنية في العراق وتركيا.

وقد حاولت الإدارة الأولى للرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إصلاح هذه الاختلالات الإقليمية، وكشفت سياسة ماكغورك المجزأة. وأجبر ترمب ماكغورك على الاستقالة وعيّن جيمس جيفريز لتقليص وجود القوات الأميركية، وإضفاء الطابع الرسمي عليه بموجب معاهدة ثنائية، والتحوّل من الدعم المباشر لجماعات مسلحة غير حكومية. ووعد جيفريز بالحد من تقديم مساعدات فتاكة لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، والتركيز على منع الممر البري الإيراني الذي كان يُزعزع استقرار سوريا باستمرار، ويُشكل تهديداً للقوات الأميركية.

وتحقق هذا الجهد جزئياً من خلال إخفاء جيفريز أعداد نشر القوات وتفاصيل أخرى عن الرئيس. وأوضح لانجلوا أن أحدث جهود دبلوماسية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» تشمل محاولة للتفاوض مع زعيم «حزب العمال الكردستاني» المسجون عبد الله أوجلان من أجل انسحاب عناصر «حزب العمال الكردستاني» من سوريا بشكل منظم. ويحدث هذا بالتوازي مع محادثات أنقرة الرامية إلى إنهاء حربها الأوسع مع المجموعة.

وكثّف المندوبون الأتراك والأميركيون اجتماعاتهم مع قادة الاتحاد الوطني الكردستاني في العراق، في محاولة أخيرة لحل مشكلة «حزب العمال الكردستاني» وإنهاء محور المقاومة المدعوم من إيران.

وقد قضت الاستخبارات التركية على قيادة «حزب العمال الكردستاني» في مدينتي الحسكة السورية والسليمانية العراقية في الأعوام الماضية، ما أضعف موقفهم التفاوضي.

ورأى لانجلوا أن إضعاف «حزب العمال الكردستاني» يمنح الأكراد السوريين غير المتحالفين مع «قوات سوريا الديمقراطية» -ومن بينهم المجلس الوطني الكردي- فرصة لتنظيم أنفسهم.

ومع ذلك، فإن جهودهم تُواجه عرقلة من القوة التي حظرت أنشطتهم، وسجنت قادتهم، وقيّدت تحركاتهم. وقد اكتسبت المحادثات المستمرة منذ سنوات للتعامل مع الجماعات السياسية الكردية السورية زخماً منذ سقوط الأسد.

صورة لأوجلان داخل أحد محلات البقالة في القامشلي بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)

وأشار إلى أن الشائعات بشأن حل الصراع بين تركيا و«حزب العمال الكردستاني» لا تعني بالضرورة حل الحزب بشكل كامل.

إن دعم عبدي لأي دعوة عامة من أوجلان لحل الحزب يمكن أن يساعد في الجهود المبذولة لحل «وحدات حماية الشعب/حزب العمال الكردستاني»، الأمر الذي يفسح المجال أمام الوحدة الكردية والسورية في سوريا. ويتسم الوضع بأنه هش، كما أظهرت المحادثات السابقة بين تركيا و«حزب العمال الكردستاني»، وقد يتطلب ذلك الحد الأدنى من القوة من جانب دمشق وأنقرة وبقايا «قوات سوريا الديمقراطية» لطرد المقاتلين الأجانب.

ويرى لانجلوا أنه في نهاية المطاف، هناك دور يتعيّن على واشنطن أن تقوم به، فقد قام مجلس الأمن القومي لإدارة الرئيس السابق جو بايدن -بمساعدة من الدعم القوي من الكونغرس لـ«قوات سوريا الديمقراطية»- بتوسيع وجود القوات في سوريا بشكل سري، لكنه عرّضها للهجمات بسبب مواقعها النائية.

وفشلت جهودهم في تحقيق الاستقرار؛ حيث حاولوا القيام بإدارة تفصيلية لجماعات مسلحة مراوغة بأكبر قدر ممكن من السرية، مع المبالغة في التهديدات لتبرير وجود القوات، ما يُسلط الضوء على التوسع في المهمات الذي أصبح يُحدد الانتشار العسكري الأميركي في الخارج.

وفي حين لا يزال تنظيم «داعش» يُشكل خطراً أمنيّاً، فإن التهديد مبالغ فيه ويستخدم مبرراً قانونياً معيباً للإبقاء على القوات الأميركية على الأرض، وتوسيع نطاقها. وفيما يتعلق بمنشآت الاحتجاز في شرق سوريا، فإن الإعادة إلى الوطن والملاحقة القضائية والعلاج هي الحل، مع تعزيز القوات الإقليمية والمحلية لأمن السجون مع تقدم هذه العملية.

وهكذا، فإن الإدارة الجديدة تواجه تحدياً لتعزيز انتقال منظم، ويكمن مفتاح هذا النهج في إيجاد أرضية مشتركة مع تركيا. ويشمل هذا قوات إقليمية، تحت قيادة أنقرة لإدارة العنصر الأمني للتحول في سوريا بجانب الحكومة الانتقالية السورية.

واختتم لانجلوا تحليله بالقول، إن هذا النهج يمكن أن يحقق انتصاراً سهلاً نسبياً مهماً للغاية للسياسة الخارجية الأميركية. وسيكون من الحكمة أن توظف إدارة ترمب دبلوماسية سريعة ترفض الوضع الراهن، وتتطلع إلى المستقبل بنظرة واضحة فيما يتعلق بالعملية الانتقالية في سوريا، وتعطي الأولوية للانسحاب العسكري.


مقالات ذات صلة

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

المشرق العربي صورة موزعة من المخابرات التركية للجاسوس الذي عمل لمصلحة نظام بشار الأسد أوندر سيغرجيك أوغلو بعد القبض عليه بالتعاون مع المخابرات السورية وإعادته إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

نجحت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية في القبض على مواطن تركي اختطف اثنين من قادة «الجيش السوري الحر» في عام 2011.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا الرئيس الألماني فرنك-فالتر شتاينماير يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع أمام قصر بيلفيو في برلين (أ.ب)

ميرتس: برلين ودمشق تتعاونان في ملف إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم

يُجري الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم، لقاءات مع مسؤولين ألمان، في أول زيارة لهذا البلد، لبحث حرب الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي مكتب المدعي العام في وزارة العدل الأميركية

محكمة أميركية تدين «رجل الظل» بتجارة المخدرات والسلاح في نظام الأسد

أقرَّ قسيس بأنه كان يعمل مباشرةً مع ماهر الأسد (شقيق الرئيس المخلوع بشار الأسد)، وغيره من كبار المسؤولين العسكريين في النظام البائد لإتمام الصفقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي أمطار غزيرة تغرق شوارع الحسكة شمال شرقي سوريا أمس (رويترز)

برلين تدعو الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز دعمه لسوريا واستقرارها

في ورقة موقف موجهة إلى المفوضية الأوروبية ودائرة الشؤون الخارجية، دعت الحكومة الألمانية إلى إمكانية الإعداد على المدى الطويل لاتفاق شراكة شامل مع سوريا

«الشرق الأوسط» ( بروكسل)
المشرق العربي فحص ما يعتقد أنه مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي في 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

هيئة المفقودين تستجيب لبلاغ عن موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية بريف اللاذقية

أفادت الهيئة الوطنية للمفقودين بأنها تتحقق من موقع يشتبه بأنه مقبرة جماعية في الحفة باللاذقية بعد تلقيها بلاغاً، وذلك في إطار الجهود الوطنية والإنسانية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

بغداد ترجع هجمات الفصائل إلى «محاولات فردية»

أفراد من «الحشد الشعبي» يقفون للحراسة خلال مظاهرة مؤيدة لإيران في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» يقفون للحراسة خلال مظاهرة مؤيدة لإيران في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بغداد ترجع هجمات الفصائل إلى «محاولات فردية»

أفراد من «الحشد الشعبي» يقفون للحراسة خلال مظاهرة مؤيدة لإيران في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» يقفون للحراسة خلال مظاهرة مؤيدة لإيران في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

سعت الحكومة العراقية، الجمعة، إلى احتواء تداعيات تصاعد الحرب الإقليمية، بعدما أطلقت الولايات المتحدة تحذيرات أمنية حادة بشأن احتمال تعرُّض مصالحها لهجمات داخل العراق، بينما شدَّد رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، على ملاحقة المتورطين في الهجمات وحوادث اختطاف الأجانب، مؤكداً أنَّ تنفيذ القانون سيتم «من دون خطوط حمراء».

ويأتي هذا التحرُّك في وقت تتسع فيه انعكاسات المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، على الساحة العراقية، سواء عبر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أو من خلال التداعيات الإنسانية والاقتصادية، بما في ذلك تمديد إغلاق الأجواء العراقية لأسبوع إضافي.

وقالت وزارة الخارجية العراقية، رداً على بيان صادر عن السفارة الأميركية في بغداد دعا المواطنين الأميركيين إلى مغادرة البلاد فوراً، إن العراق «ليس طرفاً في النزاع، ولا يرغب في أن يكون جزءاً منه»، مؤكدةً تمسُّكه بسياسة «النأي بالنفس» عن الصراع.

كانت السفارة الأميركية قد حذَّرت من احتمال تنفيذ «ميليشيات متحالفة مع إيران» هجمات خلال فترة وجيزة، في تصعيد يعكس حساسية المرحلة الإقليمية، والمخاوف من انتقال المواجهة إلى الداخل العراقي.

وأكدت وزارة الخارجية العراقية أنَّ ما يجري يمثل «محاولات فردية» لا تعبِّر عن سياسة الدولة، مشيرةً إلى أن بعض الجهات أو الأفراد قد يتخذون إجراءات أحادية «خلافاً لتوجهات الدولة». ووصفت تلك التصرفات بأنها «أفعال خارجة عن القانون» لا تعكس دور الحكومة أو مؤسساتها.

ورأت الوزارة أنَّ تحميل الدولة مسؤولية هذه الأعمال يمثِّل «تعميماً غير مُبرَّر»، في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً متزايدة نتيجة موقعه الجغرافي، وحساسية علاقاته مع كل من واشنطن وطهران.

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)

اجتماع أمني

بالتزامن مع هذه التطورات، ترأَّس السوداني اجتماعاً أمنياً في مقر وكالة الاستخبارات بوزارة الداخلية، بحضور قيادات أمنية رفيعة؛ لمتابعة التحديات المرتبطة باستهداف البعثات الدبلوماسية والمنشآت الحيوية، فضلاً عن ملف اختطاف المواطنين الأجانب.

وقال بيان رسمي إنَّ رئيس الوزراء شدَّد على «ضرورة اتخاذ أقصى التدابير» لملاحقة المتورطين، مؤكداً أن «تنفيذ القانون لن يواجه أي خطوط حمراء»، مهما كانت الجهة المسؤولة. كما دعا إلى تعزيز الجهد الاستخباري ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة التهديدات، لا سيما مع تصاعد حدة الصراع في المنطقة.

ويأتي ذلك في ظلِّ استمرار الغموض بشأن مصير شيلي كيتلسون، الصحافية الأميركية المختطفة، وسط غياب أي إعلان رسمي من جهة مسؤولة عن الحادثة، الأمر الذي يسلط الضوء على التحديات التي تواجهها السلطات العراقية في ضبط الأمن، ومنع تكرار استهداف المصالح الأجنبية.

ويرى مراقبون أنَّ توصيف بغداد لهذه الأعمال بأنها «فردية» يهدف إلى تجنب تحميل الدولة مسؤولية مباشرة، والحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الخارجية، خصوصاً مع الولايات المتحدة وإيران.

ضربة غامضة

ميدانياً، أفاد مصدر أمني بأنّ ضربة جوية استهدفت معملاً للحصى في قضاء الرطبة غرب محافظة الأنبار. وقال إن طائرات حربية «مجهولة» شنَّت الهجوم في ساعات الصباح الأولى من يوم الجمعة، من دون وقوع خسائر بشرية أو أضرار مادية تُذكر، في حين باشرت القوات الأمنية تحقيقات لمعرفة ملابسات الحادث والجهة التي تقف وراءه.

في غضون ذلك، أظهرت إحصاءات محلية أنّ إقليم كردستان تعرَّض منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي وحتى ظهر الجمعة الموافق 3 أبريل (نيسان) 2026، إلى 614 صاروخاً وطائرة مسيّرة.

وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل 14 شخصاً وإصابة 93 آخرين، بحسب الإحصاءات. وتوزَّعت على المحافظات الـ4 على النحو الآتي: أربيل 484 صاروخاً وطائرة مسيّرة، والسليمانية 103، ودهوك 25، واثنان على حلبجة.

ويعكس هذا التصعيد حجم الضغوط الأمنية التي يواجهها الإقليم، في ظلِّ استمرار استهدافه ضمن مسرح المواجهة الأوسع في المنطقة.

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة بتاريخ 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

نزوح داخلي

على الصعيد الإنساني، أفاد تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة بأن التوترات الإقليمية ألقت بظلالها على حركة النزوح داخل العراق.

وأشار التقرير إلى نزوح 90 أسرة داخل محافظة السليمانية حتى 24 مارس (آذار) الماضي؛ بسبب الخوف من ضربات الطائرات المسيّرة، خصوصاً من قرية زركوزلا في ناحية تانجرو باتجاه مدينة السليمانية.

كما سجَّلت بغداد وأربيل حالات نزوح محدودة لسكان غادروا المناطق المتضررة من الصواريخ أو الغارات الجوية إلى منازل أقاربهم أو مساكن مستأجرة في مناطق ريفية.

وفي إطار الإجراءات الاحترازية، قرَّرت سلطة الطيران المدني العراقي تمديد تعليق الملاحة الجوية في سماء البلاد لمدة 7 أيام إضافية.

وقالت السلطة، في بيان، إن القرار يسري من الساعة 12 ظهراً من الجمعة وحتى التوقيت نفسه من يوم الجمعة المقبل، 10 أبريل، واصفة الإجراء بأنه «احترازي مؤقت» يستند إلى التقييم المستمر للوضع الأمني.

ويعكس تمديد الإغلاق حجم المخاوف من اتساع نطاق العمليات العسكرية أو استخدام الأجواء العراقية في أي تصعيد جديد. ويضع هذا المشهد المتداخل الحكومة العراقية أمام اختبار بالغ الصعوبة، يتمثَّل في منع تحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوح، مع الحفاظ على التوازن في علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية.


«حماس» تأمل نجاح ضغوطها في تعديل خطة نزع سلاحها

مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)
TT

«حماس» تأمل نجاح ضغوطها في تعديل خطة نزع سلاحها

مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)

تتطلع حركة «حماس» إلى نجاح الضغوط التي تمارسها، عبر الوسطاء، في إحداث تعديلات على الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، إلى قيادة الحركة منذ أكثر من أسبوع، بهدف نزع سلاح قطاع غزة بشكل كامل، ومن دون أي استثناءات.

ويجري وفد من «حماس»، وصل منذ أيام إلى العاصمة المصرية، القاهرة، سلسلة من اللقاءات الثنائية والجماعية مع فصائل فلسطينية عدة أرسلت وفوداً إلى مصر، وبعضها يقيم بشكل شبه دائم هناك. كما أن وفد الحركة ووفود الفصائل تلتقي، وستعقد مزيداً من اللقاءات مع مسؤولين مصريين وجهات أخرى، في حين ستعقد لقاءات أوسع مع ممثلين عن «مجلس السلام»، ومن بينهم ميلادينوف، الذي التقى مجدداً مع قيادة «حماس»، كما علمت «الشرق الأوسط».

مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة الخميس (رويترز)

وقال مصدر قيادي من «حماس»، موجود في القاهرة، وفضل عدم ذكر هويته، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحركة ما زالت تجري نقاشات داخلية، وكذلك مع الفصائل، حول الخطة المطروحة، مؤكداً أنه تم نقل رسالة واضحة للوسطاء ولممثل «مجلس السلام» بأن ما طُرِح غير مقبول فلسطينياً، وأنه يجب إدخال تعديلات واضحة تلزم إسرائيل بتنفيذ بنود ما تبقى من المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار، وأن يكون هناك إلزام جدي لها بتنفيذ بنود المرحلة الثانية، خصوصاً فيما يتعلق بالانسحاب الكامل والفوري، وفق ما تنص عليه خطة الـ20 بنداً التي قدمها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال مفاوضات وقف إطلاق النار، في سبتمبر (أيلول) الماضي.

ووفقاً للمصدر، فإنه يتم تشكيل موقف فلسطيني موحد من خلال المناقشات التي تجري في القاهرة.

وقال المصدر إن الحركة ما زالت في طور المناقشات والمحادثات مع جميع الأطراف، ولم يتم اتخاذ موقف نهائي مما طُرِح بشأن قضية السلاح تحديداً، مشيراً إلى أن التصور الخاص بالسلاح سيتم إجراء مزيد من المناقشات الداخلية والفصائلية بشأنه قبل تقديم رد واضح عليه، مبيناً أن ذلك سيكون مرهوناً، من جانب آخر، بما سيتم من إجراء تعديلات على الخطة المطروحة بشأن إلزام إسرائيل بالانسحاب ووقف اعتداءاتها المتكررة وخرقها لوقف إطلاق النار بحجج واهية، إلى جانب استمرارها في منع دخول البضائع والمساعدات الإنسانية بشكل غير كافٍ، والعمل على هندسة تجويع غزة بطرق مختلفة، إلى جانب استمرار تلاعبها بفتح معبر رفح وتقليص حركة المسافرين من وإلى القطاع، واستخدامها للعصابات المسلحة في تفتيش وإهانة المسافرين.

ولفت إلى أن المحادثات مع الوسطاء وممثل «مجلس السلام» تهدف بشكل أساسي للضغط باتجاه إحداث التعديلات اللازمة على الخطة المطروحة.

أرشيفية لمسلّحين من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات وسط غزة (إ.ب.أ)

وقال مصدر ثانٍ من الفصائل الفلسطينية مطلع على التفاصيل، إن الخطة مجحفة بحق الفلسطينيين، ولذلك هناك تعديلات مهمة، ويجب أخذها في الاعتبار، ليس فقط فيما يخص السلاح ومحاولات ربط نزعه بباقي البنود، وإنما بنقاط أخرى، منها ما يتعلق بآليات الانسحاب وإعادة الإعمار، وأن يكون هناك حكم وطني فلسطيني خالص من دون تدخل أجنبي، ومحاولات فرض الوصاية، كما يسعى «مجلس السلام» وإسرائيل والولايات المتحدة، بحسب حديثه مع «الشرق الأوسط».

ورأى أن محاولات ربط نزع السلاح بكل بنود المرحلة الثانية، مثل إعادة الإعمار في المناطق التي يُنزع منها فقط السلاح، بمثابة ابتزاز للفلسطينيين في حقوقهم، مؤكداً على رفض الكل الفلسطيني لمثل هذا الربط، الذي يشير إلى محاولة المساومة على حقوقهم الحياتية.

ونقلت وكالة «رويترز» عن 3 مصادر، وهم مسؤولان مصريان وفلسطيني، أن «حماس» أبلغت الوسطاء بأنها لن تناقش نزع سلاحها من دون الحصول على ضمانات بانسحاب إسرائيل الكامل من قطاع غزة، وفق ‌المنصوص عليه في خطة نزع السلاح التي وضعها «مجلس السلام»، مقدمة مجموعة من المطالبة والتعديلات على الخطة، منها وقف الانتهاكات الإسرائيلية وتنفيذ جميع البنود وانسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، وتقديم توضيحات لها بشأن توسيع إسرائيل المستمر لرقعة سيطرتها على مناطق إضافية بالقطاع.

وأحجم مسؤولان من «حماس» عن التعليق بشأن فحوى الاجتماعات، فيما لم ترد الحكومة الإسرائيلية ولا ممثلو مجلس السلام على طلبات للتعليق، وفق «رويترز».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح نيكولاي ملادينوف في القدس - 26 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتصرّ إسرائيل على نزع سلاح غزة بشكل كامل، بما في ذلك الخفيف والثقيل، فيما تنص خطة «مجلس السلام» الجديدة على موافقة «حماس» والفصائل على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع غزة، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح.

وغرَّد ميلادينوف، في منشور على منصات التواصل ⁠الاجتماعي، أول من أمس (الأربعاء)، بأن جميع الأطراف الوسيطة أيَّدت الخطة، وهو أمر كانت أكدته مصادر لـ«الشرق الأوسط»، منذ أيام، وأنها شاركت حتى في صياغة الخطة، وأدخلت على بعض بنودها بعض الملاحظات والتعديلات، بهدف تطويرها قبل تقديمها لـ«حماس».

وقال ملادينوف في منشور على منصة «إكس»: «المجتمع الدولي يؤيد الخطة، حان الوقت للاتفاق على إطار تنفيذها... من أجل مصلحة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، لا مجال لإضاعة الوقت».


اطمئنان لبناني للضمانات الأميركية بتحييد البنى التحتية والمطار

أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
TT

اطمئنان لبناني للضمانات الأميركية بتحييد البنى التحتية والمطار

أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)
أطفال نازحون مع عائلاتهم عند الواجهة البحرية في وسط بيروت (إ.ب.أ)

يرتفع منسوب المخاوف اللبنانية حيال إصرار إسرائيل، مع دخول حربها مع «حزب الله» شهرها الثاني، على المضي في تدمير البلدات الواقعة على الحافة الأمامية وتحويلها إلى منطقة محروقة لا يصلح العيش فيها بذريعة أنها -كما تبلّغ من الولايات المتحدة الأميركية- تحتضن البنية التحتية العسكرية التابعة لـ«حزب الله»، وأن معظم هذه البلدات تحولت لمخابئ لتخزين السلاح لتهديد أمن المستعمرات الإسرائيلية.

وأكدت مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط» أن إسرائيل ماضية في تدميرها البلدات الأمامية على مدى يتراوح عمقه بين 4 و5 كيلومترات في جنوب الليطاني من دون أن تتجاوب الولايات المتحدة مع إلحاح الحكومة اللبنانية، للضغط عليها لوقف هذا التدمير.

ولفتت إلى أن إسرائيل بتدميرها هذه القرى تحظى بضوء أخضر أميركي لاستئصال الجناح العسكري لـ«حزب الله» من جنوب الليطاني، ونزع سلاحه على خلفية عدم تجاوبه مع خطة الحكومة الرامية لحصر السلاح بيد الدولة.

وسألت عن مصير الضمانات التي تعهّدت بها واشنطن، والقاضية بمنع إسرائيل من استهداف البنى التحتية الواقعة خارج المنطقة الممتدة بين شمال نهر الليطاني وجنوبه، بما في ذلك مطار رفيق الحريري الدولي، والمنشآت الحيوية لتوليد الطاقة، وشبكات الاتصالات، والطرقات، والمياه، وما إذا كانت هذه الضمانات لا تزال سارية المفعول، رغم تهويل إسرائيل، بين حين وآخر، باستهدافها.

عناصر الدفاع المدني يبحثون بين الأنقاض عن ناجين تحت مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة زبدين في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وكشفت المصادر أن التطمينات الأميركية للحكومة في هذا الخصوص ما زالت قائمة ولا عودة عنها، وأن واشنطن ترفض الاستجابة لطلب إسرائيل باستهداف المنشآت ذات الصلة بالبنى التحتية وتأمين الخدمات للمواطنين للضغط على الحكومة للتسليم بشروطها.

وقالت إن واشنطن تغض الطرف عن الغارات التي تشنّها إسرائيل على بعض الأحياء الواقعة ضمن النطاق الجغرافي لبيروت الكبرى، بذريعة أنها تأتي في سياق ملاحقتها لقادة وكوادر «حزب الله» واغتيالهم، فيما لا تكف عن تهديدها لضرب الضاحية الجنوبية بتوجيه إنذارات لسكانها لإخلائها.

وأفادت بأن واشنطن وإن كانت ترفض ربط لبنان بإيران، وهي على تفاهم مع إسرائيل بهذا الشأن، فإنها تبقي على دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، معلقة على ما ستؤول إليه الحرب المشتعلة على الجبهة الإيرانية التي لن تتوقف، من وجهة نظرها، ما لم تسلم إيران بشروطها للبدء بمفاوضات من بنودها وقف دعمها لأذرعها في الإقليم، وأولاها الجناح العسكري لـ«حزب الله».

ورأت أن إضعاف القيادة الإيرانية الجديدة سينسحب تلقائياً على الحزب، بحيث لم يعد له من خيار سوى الانخراط في مشروع الدولة، وإلا ستبقى يد إسرائيل طليقة لاستئصاله، ليس من الجنوب فحسب، وإنما من كل لبنان لبسط سلطة الدولة على كل أراضيها.

ورغم أن واشنطن تعوّل على دور فاعل لرئيس المجلس النيابي نبيه بري، ولا تُحبّذ الدعوات لانقطاع التواصل معه، فإنها في المقابل، وإن كانت تؤيد دعوة عون للتفاوض مباشرة مع إسرائيل، فهي تشترط أن يضم الوفد اللبناني المفاوض مَن يُمثل بري لتوفير الغطاء السياسي المطلوب لوضع ما ستؤدي إليه المفاوضات على سكة التنفيذ.

اجتماع سابق بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

فواشنطن، في رهانها على المفاوضات للتوصل إلى تسوية تقوم ركائزها الأساسية على إنهاء حال الحرب بين البلدين، ليست في وارد إعطاء الضوء الأخضر لانطلاقها، كما تقول المصادر، في غياب ممثل وازن عن الطائفة الشيعية يحظى برضا بري؛ إذ إنّها، من دونه، لا يمكن أن ترى النور فعلاً لا قولاً، حتى لو أفضت إلى اتفاق. وهذا ما يفسّر انفتاحها عليه، بالتوازي مع إسدائها النصائح لخصومه بوجوب التعاون معه، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لإنقاذ لبنان وإخراجه من أزماته.

لكن العطلة الميلادية ستُعيد الحرارة للاتصالات الرئاسية، وتحديداً بين رئيسي الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام، ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، بعد أن أدى المخرج الذي تم التوصل إليه بعد اعتبار السفير الإيراني المعيّن لدى لبنان محمد رضا شيباني غير مرغوب فيه، قراراً نافذاً مع وقف التنفيذ، ما أدى إلى كسر الجليد الذي كان وراء الفتور الذي شاب العلاقات بينهم.

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

وعليه، تدخل العلاقات الرئاسية مرحلة «غسل القلوب»، وهو ما يفسّر عدم إدراج قضية الشيباني على جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة التي شارك فيها وزراء «الثنائي الشيعي». كما تجنّب هؤلاء إثارتها من خارج الجدول، وكأنهم على علم مسبق بعدم إقحام الجلسة فيها، إفساحاً في المجال أمام سريان مفعول المخرج المؤقت لطيّ صفحة الفتور الذي أصاب العلاقات الرئاسية. وذلك رغم أن سبب هذا الفتور يعود، وفق مصدر في «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط»، إلى عتب بري على عون لعدم التشاور معه، وهو ما كان وراء معاودة تواصله مع «حزب الله» بعد انقطاع بينهما، تسبب به تَفلّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهّده بعدم التدخل عسكرياً إسناداً لإيران.