هل يمكن وقف اشتباكات ما بعد سقوط الأسد في سوريا؟

عناصر مسلحة في موقع على طول سلسلة جبال لبنان الشرقية بالقرب من القصير في غرب محافظة حمص السورية (أ.ف.ب)
عناصر مسلحة في موقع على طول سلسلة جبال لبنان الشرقية بالقرب من القصير في غرب محافظة حمص السورية (أ.ف.ب)
TT

هل يمكن وقف اشتباكات ما بعد سقوط الأسد في سوريا؟

عناصر مسلحة في موقع على طول سلسلة جبال لبنان الشرقية بالقرب من القصير في غرب محافظة حمص السورية (أ.ف.ب)
عناصر مسلحة في موقع على طول سلسلة جبال لبنان الشرقية بالقرب من القصير في غرب محافظة حمص السورية (أ.ف.ب)

يواصل الأمن في شمال شرقي سوريا تدهوره؛ حيث تُهدد الاشتباكات المستمرة انتقال البلاد نحو عصر من الاستقرار والتعافي، ويتسبب النشاط العسكري المتزايد، المقترن بموجة من الدبلوماسية السريعة داخل البلاد وخارجها، في قلب توازن القوى، الذي ساد لفترة طويلة عندما كان الصراع في سوريا مجمّداً فعلياً.

ويقول ألكسندر لانجلوا، محلل السياسة الخارجية، والزميل المساهم في مؤسسة «أولويات الدفاع» الأميركية الذي يركز على الجغرافيا السياسية لبلاد الشام والديناميكيات الأوسع نطاقاً في غرب آسيا في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه مع استمرار القتال في شمال شرقي سوريا، يعمل المسؤولون في أنقرة وواشنطن على تعزيز مواقفهم داخل البلاد.

ويُركز كل منهما على الدبلوماسية المكثفة؛ حيث تعمل تركيا مع شركائها السوريين المحليين للضغط على «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة لطرد حلفائها المنتمين لـ«حزب العمال الكردستاني». وفي نهاية المطاف، تُعد هذه المحادثات مهمة للغاية لتأمين هذه المرحلة في العملية الانتقالية في سوريا؛ حيث يمكن أن تُحلّ القضية الكردية في تركيا وسوريا مع وضع الأساس لانسحاب عسكري أميركي، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي 30 نوفمبر (تشرين الثاني)، وفي ظل الهجوم العسكري الذي أطاح بالرئيس بشار الأسد، بدأ الجيش السوري عملية «فجر الحرية»، لطرد الجماعات المسلحة الأجنبية غير الحكومية، وتوحيد الأراضي السورية. ومع ذلك، تُركز العملية إلى حد كبير على فصل «حزب العمال الكردستاني» عن ذراعه السورية، وهي «وحدات حماية الشعب»، و«قوات سوريا الديمقراطية» الأوسع نطاقاً.

وأشار لانجلوا إلى أنه مع فرار قوات الأسد من حلب، قامت بتسليم مناطق استراتيجية لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، وهو آخر فصل في تعاونهما طويل الأمد في مواجهة المعارضة أو التهديدات التركية. ولكن «قوات سوريا الديمقراطية» لم تتمكن من الحفاظ على موقعها في مدينة تل رفعت شمال حلب، لإقامة ممر يمتد عبر شمال سوريا، ولجأت إلى جرائم حرب ضد المدنيين في محاولة لتأخير أي تقدم للجيش السوري.

ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن عملية الجيش السوري تنقسم إلى 3 مراحل؛ ركَّزت المرحلة الأولى على طرد «قوات سوريا الديمقراطية» من حلب؛ حيث كانت تحتل جيوبا في تل رفعت وحي الشيخ مقصود ذي الأغلبية الكردية تاريخياً في مدينة حلب. وتهدف المرحلة الثانية من العملية إلى عبور نهر الفرات، وطرد «قوات سوريا الديمقراطية» من مدينتي الرقة ودير الزور، اللتين تقطنهما أغلبية عربية نحو مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية.

وقال لانجلوا إنه اتضح صعوبة هذه المرحلة؛ حيث جرى تنشيط جبهات متعددة في وقت واحد. وحتى الآن، أجبرت العملية «قوات سوريا الديمقراطية» على الخروج من مدينة منبج بعد قتال عنيف، لكن خطوط الجيش الوطني السوري مجمدة الآن على طول النهر. وتهدف المرحلة الثالثة إلى حل «قوات سوريا الديمقراطية» و«وحدات حماية الشعب»، والقضاء على هيمنتهما على السياسة الكردية السورية وطرد العناصر الأجنبية ذات الأجندات الانفصالية؛ وتحديداً «حزب العمال الكردستاني».

ولمواجهة هذه العملية، اتخذت «قوات سوريا الديمقراطية» تدابير لتحويل نهر الفرات إلى حدود طبيعية، واستغلت المخاوف الكردية المشروعة إزاء ممارسات الجيش السوري السابقة، والافتقار العام إلى الوضوح بشأن مستقبل سوريا وسلامة أراضيها للحفاظ على السيطرة. كما بدأ القائد العسكري لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، مظلوم عبدي (فرهاد شاهين سابقاً)، مفاوضات إقليمية، وقام بشكل مستمر بتغيير مواقف «قوات سوريا الديمقراطية» في المحادثات، وتقديم تنازلات تدريجية لتعزيز مصالح مجموعته.

في غضون ذلك، تقوم المسؤولة البارزة في مجلس سوريا الديمقراطية، إلهام أحمد، بجولة دبلوماسية مكوكية مع الغرب، وتُثير مخاوف بشأن حقوق الأقليات وعودة ظهور «داعش» والتفسير المنحرف للإصلاح الدستوري القائم على الكونفيدرالية، وليس الفيدرالية.

وأضاف لانجلوا أن «وحدات حماية الشعب» سيطرت على قيادة «قوات سوريا الديمقراطية» منذ نشأتها، وكان ذلك جزئياً بقواتها، ولكن إلى حد كبير عبر «حزب العمال الكردستاني».

وقد صنّفت حكومة الولايات المتحدة «حزب العمال الكردستاني» منظمةً إرهابيةً أجنبيةً في عام 1997، وأدرجته منظمةً إرهابيةً عالميةً بشكل خاص في عام 2001 بموجب أمر تنفيذي. ويعمل الحزب إلى حد كبير من خلال فروع محلية في سوريا وتركيا والعراق.

ولكن على الرغم من تاريخها الطويل المرتبط بالتفجيرات الإرهابية، اختارت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، تدريب وتجهيز «وحدات حماية الشعب»، التي شكّلت «قوات سوريا الديمقراطية» في عام 2015، وقاد بريت ماكغورك هذه الجهود بصفته مبعوثاً خاصاً بسبب خبرته السابقة في العراق. واستخدم ماكغورك التمويل الأميركي المُخصص لهزيمة «داعش» لبناء هياكل إدارية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» رغم المخاوف الأمنية الوطنية في العراق وتركيا.

وقد حاولت الإدارة الأولى للرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إصلاح هذه الاختلالات الإقليمية، وكشفت سياسة ماكغورك المجزأة. وأجبر ترمب ماكغورك على الاستقالة وعيّن جيمس جيفريز لتقليص وجود القوات الأميركية، وإضفاء الطابع الرسمي عليه بموجب معاهدة ثنائية، والتحوّل من الدعم المباشر لجماعات مسلحة غير حكومية. ووعد جيفريز بالحد من تقديم مساعدات فتاكة لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، والتركيز على منع الممر البري الإيراني الذي كان يُزعزع استقرار سوريا باستمرار، ويُشكل تهديداً للقوات الأميركية.

وتحقق هذا الجهد جزئياً من خلال إخفاء جيفريز أعداد نشر القوات وتفاصيل أخرى عن الرئيس. وأوضح لانجلوا أن أحدث جهود دبلوماسية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» تشمل محاولة للتفاوض مع زعيم «حزب العمال الكردستاني» المسجون عبد الله أوجلان من أجل انسحاب عناصر «حزب العمال الكردستاني» من سوريا بشكل منظم. ويحدث هذا بالتوازي مع محادثات أنقرة الرامية إلى إنهاء حربها الأوسع مع المجموعة.

وكثّف المندوبون الأتراك والأميركيون اجتماعاتهم مع قادة الاتحاد الوطني الكردستاني في العراق، في محاولة أخيرة لحل مشكلة «حزب العمال الكردستاني» وإنهاء محور المقاومة المدعوم من إيران.

وقد قضت الاستخبارات التركية على قيادة «حزب العمال الكردستاني» في مدينتي الحسكة السورية والسليمانية العراقية في الأعوام الماضية، ما أضعف موقفهم التفاوضي.

ورأى لانجلوا أن إضعاف «حزب العمال الكردستاني» يمنح الأكراد السوريين غير المتحالفين مع «قوات سوريا الديمقراطية» -ومن بينهم المجلس الوطني الكردي- فرصة لتنظيم أنفسهم.

ومع ذلك، فإن جهودهم تُواجه عرقلة من القوة التي حظرت أنشطتهم، وسجنت قادتهم، وقيّدت تحركاتهم. وقد اكتسبت المحادثات المستمرة منذ سنوات للتعامل مع الجماعات السياسية الكردية السورية زخماً منذ سقوط الأسد.

صورة لأوجلان داخل أحد محلات البقالة في القامشلي بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ب)

وأشار إلى أن الشائعات بشأن حل الصراع بين تركيا و«حزب العمال الكردستاني» لا تعني بالضرورة حل الحزب بشكل كامل.

إن دعم عبدي لأي دعوة عامة من أوجلان لحل الحزب يمكن أن يساعد في الجهود المبذولة لحل «وحدات حماية الشعب/حزب العمال الكردستاني»، الأمر الذي يفسح المجال أمام الوحدة الكردية والسورية في سوريا. ويتسم الوضع بأنه هش، كما أظهرت المحادثات السابقة بين تركيا و«حزب العمال الكردستاني»، وقد يتطلب ذلك الحد الأدنى من القوة من جانب دمشق وأنقرة وبقايا «قوات سوريا الديمقراطية» لطرد المقاتلين الأجانب.

ويرى لانجلوا أنه في نهاية المطاف، هناك دور يتعيّن على واشنطن أن تقوم به، فقد قام مجلس الأمن القومي لإدارة الرئيس السابق جو بايدن -بمساعدة من الدعم القوي من الكونغرس لـ«قوات سوريا الديمقراطية»- بتوسيع وجود القوات في سوريا بشكل سري، لكنه عرّضها للهجمات بسبب مواقعها النائية.

وفشلت جهودهم في تحقيق الاستقرار؛ حيث حاولوا القيام بإدارة تفصيلية لجماعات مسلحة مراوغة بأكبر قدر ممكن من السرية، مع المبالغة في التهديدات لتبرير وجود القوات، ما يُسلط الضوء على التوسع في المهمات الذي أصبح يُحدد الانتشار العسكري الأميركي في الخارج.

وفي حين لا يزال تنظيم «داعش» يُشكل خطراً أمنيّاً، فإن التهديد مبالغ فيه ويستخدم مبرراً قانونياً معيباً للإبقاء على القوات الأميركية على الأرض، وتوسيع نطاقها. وفيما يتعلق بمنشآت الاحتجاز في شرق سوريا، فإن الإعادة إلى الوطن والملاحقة القضائية والعلاج هي الحل، مع تعزيز القوات الإقليمية والمحلية لأمن السجون مع تقدم هذه العملية.

وهكذا، فإن الإدارة الجديدة تواجه تحدياً لتعزيز انتقال منظم، ويكمن مفتاح هذا النهج في إيجاد أرضية مشتركة مع تركيا. ويشمل هذا قوات إقليمية، تحت قيادة أنقرة لإدارة العنصر الأمني للتحول في سوريا بجانب الحكومة الانتقالية السورية.

واختتم لانجلوا تحليله بالقول، إن هذا النهج يمكن أن يحقق انتصاراً سهلاً نسبياً مهماً للغاية للسياسة الخارجية الأميركية. وسيكون من الحكمة أن توظف إدارة ترمب دبلوماسية سريعة ترفض الوضع الراهن، وتتطلع إلى المستقبل بنظرة واضحة فيما يتعلق بالعملية الانتقالية في سوريا، وتعطي الأولوية للانسحاب العسكري.


مقالات ذات صلة

عام على تأسيس منصة «بداية جديدة في سوريا»... وزيرة التنمية الألمانية تدعو إلى حماية التنوع

المشرق العربي وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات تلتقي وزيرة التعاون الألمانية ريم العبلي رادوفان (السفارة السورية في برلين)

عام على تأسيس منصة «بداية جديدة في سوريا»... وزيرة التنمية الألمانية تدعو إلى حماية التنوع

أسهمت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية هند قبوات التي كانت حاضرة في لاحتفال بمرور عام على تأسيس «منصة بداية جديدة في سوريا» ببرلين.

راغدة بهنام (براين)
المشرق العربي حملة أمنية من أرشيف وزارة الداخلية

السلطات السورية تلقي القبض على 3 ضباط بارزين في نظام الأسد

ألقت السلطات السورية القبض على 3 ضباط أمنيين في نظام الأسد، خلال عملية أمنية نفذتها بمحافظة اللاذقية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي المسؤول السابق في أجهزة الأمن السورية إياد الغريب بمحكمة كوبلنز الألمانية حيث أُدين بجرائم ضد الإنسانية فبراير 2021 (أ.ب)

متابعة محاكمة محقق في ميليشيا «الدفاع الوطني» بجرائم حرب في سوريا

من المتوقع أن تقدم النيابة العامة في هولندا مرافعاتها الختامية ومطالبها بالحكم في 21 أبريل (نيسان) الحالي، وستصدر المحكمة حكمها في هذه القضية في 9 يونيو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))

ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)
TT

ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)

تشهد واشنطن، الخميس، جولة ثانية من المحادثات رفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، من المقرر أن يشارك فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومستشاره مايكل نيدهام، والسفيران الأميركيان: في لبنان ميشال عيسى، وإسرائيل مايك هاكابي، وفقاً لما كشف عنه مسؤول أميركي لـ«الشرق الأوسط»، في ظل ضغوط متزايدة لوقف «إبادة» القرى اللبنانية وبدء عملية نزع سلاح «حزب الله».

وفيما تسعى السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض إلى المطالبة بتمديد وقف إطلاق النار لما لا يقل عن شهر للسماح بانطلاق المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، تردد في واشنطن أن ضغوطاً تمارس على إدارة الرئيس دونالد ترمب لوقف سياسة «إبادة» القرى والبلدات اللبنانية التي تمارسها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بغطاء إزالة البنية التحتية العسكرية التي أقامها «حزب الله».

ويتوقع أن تطالب حمادة معوض السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر بـ«وقف عمليات التدمير المنهجية» التي تنفذها القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية المحتلة.

مسجد مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي على بلدة كفرصير في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتيسر وزارة الخارجية الأميركية «المحادثات المباشرة» بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. ويؤكد حضور الوزير روبيو والسفيرين هاكابي وعيسى للجلسة اهتمام الرئيس دونالد ترمب برعايته الشخصية لأي اتفاق يمكن أن يتوصل إليه الطرفان. ولم يتضح الأربعاء ما إذا كان المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، سيشارك في الجلسة الثانية على غرار ما فعل في الأولى التي عقدت في 14 أبريل (نيسان) الماضي.

مفاوضات في واشنطن؟

ويرتقب أن تدعو ندى حمادة معوض في الجولة الثانية إلى إجراء المفاوضات في واشنطن العاصمة، نظراً إلى الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة في هذه العملية. وبعد الاجتماع الأول، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن الجانبين اتفقا على بدء مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يتفق عليهما الطرفان.

وكان ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية قال إن «الولايات المتحدة ترحب بالانخراط المثمر الذي بدأ في 14 أبريل»، مضيفاً: «سنواصل تيسير النقاشات المباشرة بحسن نية بين الحكومتين» اللبنانية والإسرائيلية. وقال المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، الذي طلب عدم نشر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الزخم خلف هذه المحادثات التاريخية، التي جرى تمكينها بقيادة الرئيس ترمب، يتزايد». وأوضح أنه «خلال وجوده في واشنطن، سيجري السفير هاكابي مشاورات معتادة مع قيادة وزارة الخارجية والشركاء عبر الوكالات الأخرى، بما في ذلك حول مسائل إقليمية» لم يحدد طبيعتها.

وكان الرئيس ترمب قد أعلن وقفاً لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام، عقب اتصالين منفصلين أجراهما مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكانت هذه المكالمة الأولى من ترمب مع الرئيس عون منذ توليه منصبه.

خلال تشييع عناصر من «حزب الله» قتلوا في مواجهات بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ويسعى المسؤولون الأميركيون إلى البناء على المحادثات المباشرة التي أجريت بين لبنان وإسرائيل هذا الأسبوع، علماً أن لبنان وإسرائيل لا يزالان في حالة حرب منذ عام 1948.


«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن «حزب الله»، في بيان، اليوم (الأربعاء)، أن عناصره استهدفوا مربض مدفعية مستحدثاً تابعاً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة في جنوب لبنان، ردّاً على خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار.

وقال «حزب الله»، في بيانه، إنه استهدف مربض المدفعية المستحدث التابع لجيش العدو الإسرائيلي في بلدة البياضة بمحلّقة انقضاضية، وشوهدت النيران تشتعل في إحدى غرف إدارة النيران، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

يُذكر أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان قد أعلن عن وقف لإطلاق النار لمدة 10 أيام، بين لبنان وإسرائيل، ابتداء من منتصف ليل الخميس الماضي.

إلى ذلك، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات مع إسرائيل، ويتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، مشدداً على «أولوية عودة النازحين» إلى قراهم، بموازاة حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة وعدم التساهل في منع المظاهر المسلحة من أي جهة كانت.

وتعقد السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة، ندى حمادة معوض، مع سفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل ليتر، لقاءً ثانياً الخميس في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بهدف التباحث في تمديد الهدنة، وتحديد موعد وموقع المفاوضات بين الوفدين المفاوضين.


الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كشفت مصادر لبنانية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله»، تمهيداً لإعادة التواصل بينهما الذي انقطع منذ أن تفلّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهده لرئيس المجلس النيابي نبيه بري بعدم التدخل بإسناد إيران، وبلغ ذروته بتنظيمه حملة سياسية إعلامية ضد رئيس الجمهورية غلبت عليها لغة التهديد والتخوين، على خلفية موافقته على مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وقالت إن المحاولات قوبلت باشتراط الحزب على عون سحب المفاوضات المباشرة من التداول، وبعدها لكل حادث حديث.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في الإليزيه الثلاثاء (أ.ب)

وأكدت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن «حزب الله» ذهب بعيداً في تخوينه وتهديده لعون، وكان حرياً به الاكتفاء بتسجيل موقف معارض أسوة بحليفه بري من دون أن يهدم جسور التواصل مع عون. ولفتت إلى تسرّع الحزب في إصدار أحكامه على النيّات من دون أن يأخذ بتمسك عون بالثوابت التي يكررها على الدوام أمام الموفدين الأجانب والقيادات التي يلتقيها، وعدم تفريطه بحقوق لبنان كأساس لرهانه على المفاوضات. وقالت إن الحزب، كما تبين لها، ماضٍ في رهانه على المفاوضات الإيرانية - الأميركية برعاية باكستانية، اعتقاداً منه بأن ربطه وحدة المسار والمصير بإيران سيشمله بالحل الذي يتوقعه من المفاوضات، ويواصل حملته برفض المفاوضات المباشرة، مع أن لبنان باقٍ على موقفه برفض أي ربط بين المسارين.

ترمب يتفهم عون

ورأت المصادر أن الحزب لم يكن مضطراً لإعلانه الاستنفار في هجومه على عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وكان يُفترض بقيادته ألا تصدر الأحكام المسبقة عليهما والتعاطي مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للقاء بين عون ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وكأنها حاصلة، رغم أن عون كان صريحاً بإبلاغه بأن اللقاء لا يُعقد بالتزامن مع بدء المفاوضات بين البلدين، وإنما يأتي تتويجاً للتوصل لاتفاق يلبي الثوابت الوطنية التي يتمسك بها لبنان

عاملو إغاثة يرافقون جرافة تعمل على إزالة الركام من موقع استهداف إسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، نقلت مصادر نيابية متعددة الاتجاهات عن عون اطمئنانه للأجواء التي سادت اتصاله بترمب وتفهمه لوجهة نظره، سواءً بما يتعلق بعدم استعجال اجتماعه بنتنياهو وتمسكه بالثوابت اللبنانية التي تجمع عليها كل القوى السياسية على اختلاف انتماءاتها، وعدم التفريط فيها تحت أي ضغط.

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن عون كان ولا يزال يبدي انفتاحاً على جميع المكوّنات السياسية بلا استثناء، ويتفهّم ما صدر عنها بموافقتها على المفاوضات أو اعتراضها عليها، شرط أن تبقى تحت سقف الاحترام المتبادل لوجهات النظر، والتقيد بأصول الخطاب السياسي على أن يخلو من التهديد والتخوين.

تشاور مع جنبلاط

وكشفت عن أن عون على تواصل مع بري وسلام ورئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط، تحضيراً لبدء المفاوضات. وقالت إن إيجاد حل لسلاح «حزب الله» يبقى من وجهة نظره لبنانياً بامتياز، وهذا ما أبلغه لأصدقاء لبنان، وهذا ما أكده سلام أيضاً، وكان بدأ حواره مع «حزب الله» حول سلاحه قبل أن ينقطع.

وقالت المصادر إن حالة من القلق سيطرت لساعات على لبنان، وتحديداً ليل الثلاثاء - الأربعاء من جراء إطلاق «حزب الله» صلية من الصواريخ مدعومة بمسيّرة على موقع عسكري في شمال إسرائيل بذريعة الرد على خروق إسرائيل لوقف النار، لكنها سرعان ما تبددت بامتناع تل أبيب عن الرد، وربما بتدخل مباشر من الولايات المتحدة للحفاظ على التهدئة استعداداً للقاء سفيري البلدين، الذي يُفترض أن ينتهي إلى تحديد موعد لبدء المفاوضات في واشنطن وتمديد سريان مفعول الهدنة.

ورأت أن لا عودة عن تكليف السفير السابق سيمون كرم بترؤسه الوفد اللبناني المفاوض. وقالت إنه لم يتقرر حتى الساعة من سينضم إليه، وما إذا كان في عداده ضابط متخصص في ترسيم الحدود إلى جانب من يُنتدب لتدوين محاضر المفاوضات.

ورداً على سؤال، أكدت أن عون يتحدث بارتياح عن علاقته ببري، وهذا ما خرج به النواب الذين التقوه في اليومين الأخيرين، رغم أنهما يقاربان المفاوضات من موقع الاختلاف، ولكن على قاعدة تمسكهما بالثوابت اللبنانية وعدم التفريط بها. وقالت إن بري لن يكون منزعجاً في حال أدت المفاوضات لتحقيق ما يصبو إليه لبنان، مع أن لا عودة عن حصرية السلاح بيد الدولة التي التزمت بتطبيقه، وهي تحظى بتأييد محلي وعربي ودولي، وهي تترك للسلطة اللبنانية إيجاد حل لسلاح «حزب الله»، وهذا ما تبلّغته الولايات المتحدة التي تتفهم الموقف اللبناني وأبعاده حفاظاً على الاستقرار.

رهان «حزب الله» على مفاوضات إيران

وأضافت المصادر أن المأخذ على «حزب الله» يكمن في أنه لا يتّبع وحدة المعايير في موقفه من المفاوضات، وإلا فكيف يمنع على لبنان التفاوض المباشر، فيما ينزل بكل ثقله تأييداً للتفاوض بين إيران والولايات المتحدة برعاية باكستانية، وتتصرف قيادته بلا أي تردد وكأنها معنية بها وتواكب الاتصالات لمعاودتها؟

فموافقة «حزب الله» على الهدنة، يفتح الباب أمام سؤال الحزب: ماذا بعد هذا التمديد؟ وهل يستعيد الجنوب استقراره من دون الدخول في مفاوضات تؤدي، بإصرار من الجانب اللبناني، إلى انسحاب إسرائيل للحدود الدولية، خصوصاً أن عون لا يخفي اطمئنانه لما سمعه من ترمب؟

نساء يبكين خلال تشييع جماعي لمقاتلين من «حزب الله» قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

لذلك تستغرب المصادر رهان «حزب الله» على إيران، وربط مصيره بها، بذريعة أنها الأقدر على شموله بالحل، رغم إصرار لبنان على عدم الربط بين المسارين، وهذا ما أبلغه إلى الإدارة الأميركية. وهي تسأل، أي المصادر، ما إذا كان الحزب قرر وضع أوراقه في السلة الإيرانية، بما فيها سلاحه باعتبارها مصدره الوحيد، لعلها تتمكن من تحسين شروطها في المفاوضات، فيما يمتنع عن وضعه بعهدة الدولة، وأن لا مجال أمامه لشراء الوقت بعد أن جرب الحل العسكري وبات محكوماً بوقوفه خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي لعل المفاوضات تؤدي لانسحاب إسرائيل في إطار اتفاق ترعاه واشنطن، وهذا لن يتحقق ما لم يوافق على تسليم سلاحه؛ لأنه لا حل إلا بتطبيق حصريته على كافة الأراضي اللبنانية.

وعليه، يخطئ الحزب إذا قرر الاحتفاظ بسلاحه؛ لأنه، كما تقول المصادر، سيلقى معارضة شديدة في حال قرر استدراج لبنان لمغامرة عسكرية كان جربها، ويُدخل لبنان في أتون حرب لا قدرة له عليها بسبب الاختلال في ميزان القوى، والتي من شأنها زيادة حجم الأزمات التي ستترتب على لبنان مع ارتفاع عدد النازحين من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وبعض البلدات البقاعية الذين ينتظرون الاستقرار للعودة إلى قراهم، وهم عاينوا بأم العين التدمير الممنهج الذي ألحقته إسرائيل بمنازلهم لدى تفقدهم لها في اليوم الأول لبدء الهدنة، وهذا يتطلب من الحزب التواضع وقراءة التحولات جيداً، ومراعاة المزاج العام للشيعة الذي ينشد الاستقرار، ويتطلع لإعادة الإعمار، بعد أن جرّبوا حرب الآخرين على أرضهم، كما يقول خصومه، بقراره المنفرد بإسناده لغزة وطهران الذي حوّل الجنوب إلى أرض محروقة لا تصلح للعيش.