سوريون أرهقهم الشتات يبدأون إعمار منازلهم رغم الصعوبات والمخاطر

الحرب غيّرت ملامح المنازل في أحياء شمال شرقي دمشق

أسرة سورية تمر بين أنقاض المنازل في أطراف شمال شرقي دمشق (الشرق الأوسط)
أسرة سورية تمر بين أنقاض المنازل في أطراف شمال شرقي دمشق (الشرق الأوسط)
TT

سوريون أرهقهم الشتات يبدأون إعمار منازلهم رغم الصعوبات والمخاطر

أسرة سورية تمر بين أنقاض المنازل في أطراف شمال شرقي دمشق (الشرق الأوسط)
أسرة سورية تمر بين أنقاض المنازل في أطراف شمال شرقي دمشق (الشرق الأوسط)

بعزيمة تقاوم سنوات عمره الذي تجاوز الستين، يحمل راضي أبو بسام مجرافاً وأدوات تنظيف يزيل بها ركام الحرب عن منزله الذي غادره قبل 7 سنوات تقريباً، ويقع في حي «برزة البلد» على الطرف الشمالي الشرقي لدمشق، لكن أبو بسام ليس وحده؛ فحاله مثل كثيرين عادوا إلى بيوتهم بعد سقوط الرئيس المخلوع بشار الأسد، وانهمكوا في إعادة إعمار منازلهم الواقعة في منطقة ظلت مسرحاً لعمليات عسكرية على مدار 14 عاماً، رغم الصعوبات المالية والمخاطر المحتملة لوجود عبوات لم تنفجر تحت الركام.

وأظهرت جولة لـ«الشرق الأوسط» في شوارع أحياء «برزة البلد» و«تشرين» و«القابون» الملاصقة للطريق الدولي السريع والممتدة نحو غوطة دمشق الشرقية، حجم الدمار الذي حلّ بالمنطقة؛ إذ تحول كثير من المنازل والمحال التجارية أثراً بعد عين، ولم يتبقَّ منها سوى الأطلال. أما تلك التي نجت من القصف المباشر ونيران المعارك، فلم تسلم نوافذها أو أبوابها وجدرانها من شدة ضغط الانفجارات في المناطق المحيطة بها.

«أرحم من الشتات»

يقول أبو بسام (65 عاماً) لـ«الشرق الأوسط» إن شارع «المشروح» الذي كان يسكنه قبل الحرب في حي «برزة البلد»، لم يتبقَّ منه سوى «أكوام الأنقاض وجبال الركام». وعلى الرغم من تقدم سنه قرر الرجل العودة لترميم ما يمكنه بناؤه والعمل بنفسه، آملاً الانتقال للسكن سريعاً ولو تحت رحمة سقف مشقق أو جدران متهالكة، ويقول: «تركت داري سنة 2017، وبعد سقوط الأسد رجعنا، عم أنظف بيدي لأرجع أسكن فيه أرحم من الغربة والشتات».

السوري راضي أبو بسام في حي «برزة البلد» بدمشق قرر إعادة بناء منزله المدمر (الشرق الأوسط)

وغادر سكان أحياء «برزة البلد» و«تشرين» و«القابون» مساكنهم، بعدما تحولت إلى منطقة عمليات عسكرية محاصرة منتصف 2017، وكان ذلك بعد خروج مسلحي المعارضة على خلفية اتفاق رعته روسيا يقضي بإجلاء كل من يرفض التسوية مع النظام الحاكم إلى مدينة إدلب شمال غربي سوريا.

ومنذذاك الحين تعرضت تلك الأحياء لمئات من الغارات الجوية والصاروخية من الطيران السوري والروسي، واستمر بعضها على مدى 80 يوماً دون توقف.

«10 قتلى من عائلة واحدة»

عائدة أخرى إلى مسقط رأسها هي ميسون المبيض (55 عاماً)، والتي غادرت منزلها قبل 12 سنة قضتها لاجئة في الأردن، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها قررت العودة مع زوجها وبناتها الثلاث للعيش مجدداً في منزلهم الذي تحول كومة من الأنقاض.

أثناء حديثها وقفت ميسون وشقيقها أمام بقايا منزل العائلة لتتساءل بحسرة: «ماذا فعل بنا الأسد؟! مو حرام عليه! رغم سقوطه وهروبه ترك إلنا الخراب والدمار وذكريات أقرباء ماتوا تحت التعذيب، كيف بدنا ننسى؟!»

وتحصي ميسون مقتل 10 من أفراد عائلتها (أخوها وثلاثة من أبناء خالها، واثنان من أبناء عمومتها، ونحو 4 أقارب آخرين)، وتقول إن هؤلاء جميعاً «قضوا نحبهم جراء تعرضهم للاعتقال والتعذيب»، واتهمت «وسيم الأسد، والفرقة الرابعة، بالمسؤولية عن تنفيذ جرائم بهذه المنطقة»، وكذلك اتهمت «(حزب الله) اللبناني، وميليشيات إيرانية كانت موجودة بالمنطقة، كانوا يقتلون الناس على الهوية».

ميسون كانت لاجئة في الأردن لنحو 12 سنة وقررت العودة لإعمار منزلها الذي بات كومة أنقاض (الشرق الأوسط)

ولا تزال شعارات «الفرقة الرابعة» التي كان يقودها شقيق الرئيس المخلوع ماهر الأسد، وأسماء قيادات من «حزب الله» اللبناني، وميليشيات إيرانية، منقوشة على الجدران المتهاوية في أحياء أطراف شمال شرقي دمشق، وبات يصعب التمييز بين شارع عام أو مدخل فرعي جراء حجم الدمار الهائل الذي طال أحياء «برزة البلد» و«القابون»، كحال غالبية المناطق التي سيطرت عليها المعارضة بداية سنة 2012 كمدن وبلدات الغوطة الشرقية، وحرستا، ودوما، وجوبر. أما أحياء دمشق مثل «داريا، وقدسيا، وتشرين»، فقد تهدمت مبانيها وامتلأت الطرقات بالأنقاض.

وتحتاج جهود إزالة الركام لتعاون دولي وأممي، وتفوق قدرات الجهات المحلية التي بالكاد فتحت بعض الطرقات بشكل جزئي.

ملامح البيوت تغيّرت

وينقل إقبال سعدي (45 عاماً) الذي كان يمتلك منزلاً وورشة لدهان السيارات، مشاعره لحظة عودته ليلة سقوط الأسد، وكيف صُدم بحجم الدمار الذي طال غالبية المنطقة فشوّه ملامح المنازل. ويقول: «ما قدرت أميز بين محلي ومنزلي اللذين كانا متجاورين، ويقعان على الشارع العام سابقاً، وما تبقى منهما هذه الكتلة الأسمنتية الخرسانية وذكريات حرب كبيرة دارت هنا».

ويُنظر إلى حجم الدمار الذي حلّ بسوريا منذ عام 2011 باعتباره «لا مثيل له في التاريخ المعاصر»، وفق ما وصف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث في إحاطة عام 2022.

ومنذ شهر يحاول مروان أبو الرضى نسيان الصور المثقلة وذكريات خروجه مكرهاً من حي القابون، غير أنه اليوم بدأ بجهود فردية بناء منزله بعد تهاوي جدرانه جراء الانفجارات التي وقعت في محيطه.

ويوضح أبو الرضى أنه قرر العمل بنفسه: «لن أنتظر وعود إعادة الإعمار، وحتى اليوم لم تبادر أي جهة بالمساعدة. سأقوم بنفسي بهذا العمل، وسكان القابون هم فقط من سيقومون بإعادة الروح إليها».

السوري مروان أبو الرضى قال إنه لن ينتظر جهود الإعمار وبدأ إصلاح منزله (الشرق الأوسط)

ووفق دراسة سابقة لمعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث، تعرّضت 16 مدينة رئيسة تتوزع على مساحة سوريا لدمار كبير لحق بعشرات الآلاف من المباني السكنية والمنشآت العامة والخاصة، أولها مدينة حلب أكبر المدن المتضررة بعدما وصل عدد المباني المدمرة فيها إلى نحو 36 ألف مبنى، ثم الغوطة الشرقية وأحياء البرزة والقابون بدمار أكثر من 35 ألف منزل، تلتها حمص التي دُمر فيها نحو 14 ألف مبنى، والرقة بنحو 13 ألفاً.

استدانة... وألغام محتملة

وعلى غرار نحو نصف مليون نسمة كانوا يسكنون أحياء القابون وبرزة البلد وتشرين، تعرض منزل محمود السيد (38 سنة) للدمار، وبعد عودته قبل شهر بدأ في بنائه وتلبين منزله وإصلاح ما يمكن إصلاحه.

يقول الرجل: «استدنت مبلغاً من المال، وقمت ببيع الثلاجة والغسالة، بهذه الأموال راح ضبّط غرفة ومنتفعات لتعود أسرتي للسكن هنا من جديد، تعبنا من الترحال الذي استمر 8 سنوات، والإيجارات أرهقتنا».

السوري محمود السيد عاد إلى منزله منذ شهر ويتولى تأهيله (الشرق الأوسط)

ويتفقد مدنيون من سكان هذه الأحياء يومياً منازلهم المدمرة، ويزيلون قسماً من الركام أمام ممتلكاتهم ومحلاتهم، ويعود آخرون منهم على متن سيارات وآليات محملة ببعض من حاجاتهم، في حين يخشى كثيرون الدخول إلى منازلهم خوفاً من انفجار لغم ما، كحال سميرة التي ذكرت: «فيه كثير من البراميل والصواريخ ومخلفات الحرب، نخشى أنها غير منفجرة. أعلمنا البلدية والدوائر الحكومية لمساعدتنا للإسراع في العودة لمنازلنا وأحيائنا».

وبقيت آثار الدمار مسيطرة على معظم المناطق في هذه الأحياء، وكانت أبرز سمة مشتركة لها، حيث انهار سقف كثير من المنازل وتهاوت على بعضها، أما المحال التجارية فقد تعرضت للدمار والبعض منها سُوّي بالأرض، وتناثرت شبكات أنابيب المياه وأسلاك الكهرباء ولم تعد صالحة لتشغيلها مرة ثانية، وأكبر الأحلام لدى سكان هذه الأحياء التخلص من الأنقاض وفتح الطرقات.


مقالات ذات صلة

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)
المشرق العربي انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)

الحسكة: «المكوّن العربي» يشكو استمرار «هيمنة قسد»

أكد نائب محافظ الحسكة السورية، أحمد الهلالي، السبت، أن مطالب الأهالي، خلال المظاهرات التي خرجت الجمعة، «مشروعة»، نافياً سيطرة «قسد» على المحافظة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي رجل أمن يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)

من المستفيد من نشر الفوضى في سوريا؟

لائحة المستفيدين من إضعاف الحكم السوري تشمل «داعش» وإسرائيل وإيران وبقايا نظام الأسد... وتشديد على ضرورة سرعة المعالجة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

أعلنت السلطات الأمنية السورية عن تنفيذ سلسلة عمليات ضمن حملة لملاحقة ضباط سلاح الجو السابق، أسفرت عن توقيف 16 ضابطاً بينهم قادة، خلال أقل من شهر.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.


رد عسكري على نتنياهو: هجمات المستوطنين في الضفة «منظمة ومتوحشة»

فلسطيني يتفقد الأضرار في مسجد أحرقه مستوطنون إسرائيليون في قرية مخماس قرب رام الله بالضفة الغربية الأربعاء (رويترز)
فلسطيني يتفقد الأضرار في مسجد أحرقه مستوطنون إسرائيليون في قرية مخماس قرب رام الله بالضفة الغربية الأربعاء (رويترز)
TT

رد عسكري على نتنياهو: هجمات المستوطنين في الضفة «منظمة ومتوحشة»

فلسطيني يتفقد الأضرار في مسجد أحرقه مستوطنون إسرائيليون في قرية مخماس قرب رام الله بالضفة الغربية الأربعاء (رويترز)
فلسطيني يتفقد الأضرار في مسجد أحرقه مستوطنون إسرائيليون في قرية مخماس قرب رام الله بالضفة الغربية الأربعاء (رويترز)

دخلت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في مواجهة غير مباشرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متهمةً مجموعة «شباب التلال» الاستيطانية في الضفة الغربية بأنها نواة «منظمة صلبة ومتوحشة تخوض حرباً استباقية لطرد الفلسطينيين من الضفة».

وقال مصدر أمني لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأربعاء، إن «الأمر لا يتعلق بحفنة هؤلاء ليسوا حفنة؛ من يقول ذلك لا يريد ببساطة حل المشكلة نحن نتحدث عن نواة صلبة تضم ما بين 300 و500 شخص أشبه بالوحوش الضارية».

وجاء تصريح المصدر الأمني في رد واضح على تصريحات سابقة لنتنياهو قال فيها إنه يجري تضخيم هجمات من وصفهم بـ«حفنة من المشاغبين القاصرين في الضفة الغربية»، مقابل ما قال إنها «هجمات قاتلة يشنها الفلسطينيون».

وبخلاف ما قاله نتنياهو، تؤكد المؤسسة الأمنية أن الهجمات الفلسطينية في تراجع كبير لكن الجريمة القومية (أي هجمات المستوطنين على الفلسطينيين) تمضي في اتجاه «معاكس وخطير ومتزايد ومتواصل».

وحسب بيانات من المؤسسة الأمنية، نشرتها «يديعوت أحرونوت» فإن عنف المستوطنين في ارتفاع ملحوظ، وفيما بلغ عدد الهجمات العام الماضي نحو 800 هجوم وصل العدد هذا العام، حتى أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إلى 950 هجوماً، وهو رقم قريب جداً من الذروة عام 2023، الذي شهد الحرب، حيث سُجلت 980 حادثة طوال العام.

وتقول المؤسسة الأمنية إن نقطة تحول حادة بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي، مع انطلاق عملية «زئير الأسد» العسكرية الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، حيث سُجلت قفزة أخرى في عدد الحوادث وخطورتها.

وقال المصدر الأمني: «هؤلاء مجرمون بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يحرقون المنازل على سكانها. وإذا كانوا في الماضي يبررون أفعالهم بأنها رد فعل على هجمات تقوم على مبدأ (دفع الثمن)، فقد تغير الأسلوب اليوم تماماً، فهذه عمليات مخطط لها مسبقاً، تهدف إلى تنفيذ عمليات ترحيل».

وأكد المصدر أن المستوطنين يحصلون على دعم سياسي. مضيفاً أن «هناك أعضاء في الكنيست ووزراء يأتون لزيارتهم في المناطق غير القانونية ويقدمون لهم دعماً كاملاً».

عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)

وصعد المستوطنون هجماتهم في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، وراحت الهجمات تأخذ منذ أكتوبر 2023 منحى دموياً، وتشمل تنفيذ هجمات واسعة شبه يومية على مناطق في الضفة تشمل كذلك المناطق تحت سيطرة السلطة الفلسطينية مثل «أ» و«ب»، وخلالها تم قتل فلسطينيين وإحراق منازل ودور عبادة ومساجد وتخريب ممتلكات ومركبات وأراضٍ وقتل مواشٍ وسرقة أخرى، والاستيلاء على أراضٍ ومنازل.

وهاجم مستوطنون الأربعاء عدة مناطق في الضفة الغربية، وأحرقوا مسجداً ومركبة في قرية مخماس شمال شرقي القدس المحتلة.

وأفادت محافظة القدس بأن مستعمرين اقتحموا القرية بعد منتصف الليلة الماضية، وأشعلوا النار في مسجد وشجرة زيتون قريبة منه، إضافة إلى إحراق مركبة بالكامل.

كما هاجم المستوطنون مزارعين من بلدات الفندقومية وجبع وسيلة الظهر جنوب جنين، وجرّفوا أراضي في بلدتي بيت دجن شرق نابلس، وبورين جنوبها.

وهاجم المستوطنون أيضاً قاطفي الزيتون في بلدة ترمسعيا، شمال رام الله، وأتلفوا شبكات ريّ وخطوطاً زراعية، وسرقوا محابس وعدادات مياه تعود إلى مزارعين في تجمع يرزا الشمالي شرق طوباس، وهاجموا مزارعين في بلدة قراوة بني حسان غرب سلفيت، ورشّوهم بغاز الفلفل، فيما منعوا المزارعين من قطف ثمار الزيتون في أراضي بيت فوريك.

فلسطيني يتفقد الأضرار في مسجد أحرقه مستوطنون إسرائيليون في مخماس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وقال رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، إن إحراق المستوطنين مسجداً ومركبة في قرية مخماس، شرق رام الله، يشكّل عملاً وحشياً وتصعيداً خطيراً في إرهاب المستوطنين. محمّلاً التراخي الدولي وعدم اتخاذ إجراءات عملية لإجبار حكومة اليمين الاستعمارية على وقف اعتداءات المستعمرين مسؤولية استمرار هذه الجرائم.

وأضاف فتوح أن حكومة الاحتلال تواصل توفير الدعم والحماية لعصابات المستوطنين. وتستمر هجمات المستوطنين في الضفة على الرغم من تعهدات قادة الجيش بالتصدي لهم، والتحذير المتكرر من أن هجماتهم ستشعل الضفة في نهاية المطاف.