سوريون أرهقهم الشتات يبدأون إعمار منازلهم رغم الصعوبات والمخاطر

الحرب غيّرت ملامح المنازل في أحياء شمال شرقي دمشق

أسرة سورية تمر بين أنقاض المنازل في أطراف شمال شرقي دمشق (الشرق الأوسط)
أسرة سورية تمر بين أنقاض المنازل في أطراف شمال شرقي دمشق (الشرق الأوسط)
TT

سوريون أرهقهم الشتات يبدأون إعمار منازلهم رغم الصعوبات والمخاطر

أسرة سورية تمر بين أنقاض المنازل في أطراف شمال شرقي دمشق (الشرق الأوسط)
أسرة سورية تمر بين أنقاض المنازل في أطراف شمال شرقي دمشق (الشرق الأوسط)

بعزيمة تقاوم سنوات عمره الذي تجاوز الستين، يحمل راضي أبو بسام مجرافاً وأدوات تنظيف يزيل بها ركام الحرب عن منزله الذي غادره قبل 7 سنوات تقريباً، ويقع في حي «برزة البلد» على الطرف الشمالي الشرقي لدمشق، لكن أبو بسام ليس وحده؛ فحاله مثل كثيرين عادوا إلى بيوتهم بعد سقوط الرئيس المخلوع بشار الأسد، وانهمكوا في إعادة إعمار منازلهم الواقعة في منطقة ظلت مسرحاً لعمليات عسكرية على مدار 14 عاماً، رغم الصعوبات المالية والمخاطر المحتملة لوجود عبوات لم تنفجر تحت الركام.

وأظهرت جولة لـ«الشرق الأوسط» في شوارع أحياء «برزة البلد» و«تشرين» و«القابون» الملاصقة للطريق الدولي السريع والممتدة نحو غوطة دمشق الشرقية، حجم الدمار الذي حلّ بالمنطقة؛ إذ تحول كثير من المنازل والمحال التجارية أثراً بعد عين، ولم يتبقَّ منها سوى الأطلال. أما تلك التي نجت من القصف المباشر ونيران المعارك، فلم تسلم نوافذها أو أبوابها وجدرانها من شدة ضغط الانفجارات في المناطق المحيطة بها.

«أرحم من الشتات»

يقول أبو بسام (65 عاماً) لـ«الشرق الأوسط» إن شارع «المشروح» الذي كان يسكنه قبل الحرب في حي «برزة البلد»، لم يتبقَّ منه سوى «أكوام الأنقاض وجبال الركام». وعلى الرغم من تقدم سنه قرر الرجل العودة لترميم ما يمكنه بناؤه والعمل بنفسه، آملاً الانتقال للسكن سريعاً ولو تحت رحمة سقف مشقق أو جدران متهالكة، ويقول: «تركت داري سنة 2017، وبعد سقوط الأسد رجعنا، عم أنظف بيدي لأرجع أسكن فيه أرحم من الغربة والشتات».

السوري راضي أبو بسام في حي «برزة البلد» بدمشق قرر إعادة بناء منزله المدمر (الشرق الأوسط)

وغادر سكان أحياء «برزة البلد» و«تشرين» و«القابون» مساكنهم، بعدما تحولت إلى منطقة عمليات عسكرية محاصرة منتصف 2017، وكان ذلك بعد خروج مسلحي المعارضة على خلفية اتفاق رعته روسيا يقضي بإجلاء كل من يرفض التسوية مع النظام الحاكم إلى مدينة إدلب شمال غربي سوريا.

ومنذذاك الحين تعرضت تلك الأحياء لمئات من الغارات الجوية والصاروخية من الطيران السوري والروسي، واستمر بعضها على مدى 80 يوماً دون توقف.

«10 قتلى من عائلة واحدة»

عائدة أخرى إلى مسقط رأسها هي ميسون المبيض (55 عاماً)، والتي غادرت منزلها قبل 12 سنة قضتها لاجئة في الأردن، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها قررت العودة مع زوجها وبناتها الثلاث للعيش مجدداً في منزلهم الذي تحول كومة من الأنقاض.

أثناء حديثها وقفت ميسون وشقيقها أمام بقايا منزل العائلة لتتساءل بحسرة: «ماذا فعل بنا الأسد؟! مو حرام عليه! رغم سقوطه وهروبه ترك إلنا الخراب والدمار وذكريات أقرباء ماتوا تحت التعذيب، كيف بدنا ننسى؟!»

وتحصي ميسون مقتل 10 من أفراد عائلتها (أخوها وثلاثة من أبناء خالها، واثنان من أبناء عمومتها، ونحو 4 أقارب آخرين)، وتقول إن هؤلاء جميعاً «قضوا نحبهم جراء تعرضهم للاعتقال والتعذيب»، واتهمت «وسيم الأسد، والفرقة الرابعة، بالمسؤولية عن تنفيذ جرائم بهذه المنطقة»، وكذلك اتهمت «(حزب الله) اللبناني، وميليشيات إيرانية كانت موجودة بالمنطقة، كانوا يقتلون الناس على الهوية».

ميسون كانت لاجئة في الأردن لنحو 12 سنة وقررت العودة لإعمار منزلها الذي بات كومة أنقاض (الشرق الأوسط)

ولا تزال شعارات «الفرقة الرابعة» التي كان يقودها شقيق الرئيس المخلوع ماهر الأسد، وأسماء قيادات من «حزب الله» اللبناني، وميليشيات إيرانية، منقوشة على الجدران المتهاوية في أحياء أطراف شمال شرقي دمشق، وبات يصعب التمييز بين شارع عام أو مدخل فرعي جراء حجم الدمار الهائل الذي طال أحياء «برزة البلد» و«القابون»، كحال غالبية المناطق التي سيطرت عليها المعارضة بداية سنة 2012 كمدن وبلدات الغوطة الشرقية، وحرستا، ودوما، وجوبر. أما أحياء دمشق مثل «داريا، وقدسيا، وتشرين»، فقد تهدمت مبانيها وامتلأت الطرقات بالأنقاض.

وتحتاج جهود إزالة الركام لتعاون دولي وأممي، وتفوق قدرات الجهات المحلية التي بالكاد فتحت بعض الطرقات بشكل جزئي.

ملامح البيوت تغيّرت

وينقل إقبال سعدي (45 عاماً) الذي كان يمتلك منزلاً وورشة لدهان السيارات، مشاعره لحظة عودته ليلة سقوط الأسد، وكيف صُدم بحجم الدمار الذي طال غالبية المنطقة فشوّه ملامح المنازل. ويقول: «ما قدرت أميز بين محلي ومنزلي اللذين كانا متجاورين، ويقعان على الشارع العام سابقاً، وما تبقى منهما هذه الكتلة الأسمنتية الخرسانية وذكريات حرب كبيرة دارت هنا».

ويُنظر إلى حجم الدمار الذي حلّ بسوريا منذ عام 2011 باعتباره «لا مثيل له في التاريخ المعاصر»، وفق ما وصف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث في إحاطة عام 2022.

ومنذ شهر يحاول مروان أبو الرضى نسيان الصور المثقلة وذكريات خروجه مكرهاً من حي القابون، غير أنه اليوم بدأ بجهود فردية بناء منزله بعد تهاوي جدرانه جراء الانفجارات التي وقعت في محيطه.

ويوضح أبو الرضى أنه قرر العمل بنفسه: «لن أنتظر وعود إعادة الإعمار، وحتى اليوم لم تبادر أي جهة بالمساعدة. سأقوم بنفسي بهذا العمل، وسكان القابون هم فقط من سيقومون بإعادة الروح إليها».

السوري مروان أبو الرضى قال إنه لن ينتظر جهود الإعمار وبدأ إصلاح منزله (الشرق الأوسط)

ووفق دراسة سابقة لمعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث، تعرّضت 16 مدينة رئيسة تتوزع على مساحة سوريا لدمار كبير لحق بعشرات الآلاف من المباني السكنية والمنشآت العامة والخاصة، أولها مدينة حلب أكبر المدن المتضررة بعدما وصل عدد المباني المدمرة فيها إلى نحو 36 ألف مبنى، ثم الغوطة الشرقية وأحياء البرزة والقابون بدمار أكثر من 35 ألف منزل، تلتها حمص التي دُمر فيها نحو 14 ألف مبنى، والرقة بنحو 13 ألفاً.

استدانة... وألغام محتملة

وعلى غرار نحو نصف مليون نسمة كانوا يسكنون أحياء القابون وبرزة البلد وتشرين، تعرض منزل محمود السيد (38 سنة) للدمار، وبعد عودته قبل شهر بدأ في بنائه وتلبين منزله وإصلاح ما يمكن إصلاحه.

يقول الرجل: «استدنت مبلغاً من المال، وقمت ببيع الثلاجة والغسالة، بهذه الأموال راح ضبّط غرفة ومنتفعات لتعود أسرتي للسكن هنا من جديد، تعبنا من الترحال الذي استمر 8 سنوات، والإيجارات أرهقتنا».

السوري محمود السيد عاد إلى منزله منذ شهر ويتولى تأهيله (الشرق الأوسط)

ويتفقد مدنيون من سكان هذه الأحياء يومياً منازلهم المدمرة، ويزيلون قسماً من الركام أمام ممتلكاتهم ومحلاتهم، ويعود آخرون منهم على متن سيارات وآليات محملة ببعض من حاجاتهم، في حين يخشى كثيرون الدخول إلى منازلهم خوفاً من انفجار لغم ما، كحال سميرة التي ذكرت: «فيه كثير من البراميل والصواريخ ومخلفات الحرب، نخشى أنها غير منفجرة. أعلمنا البلدية والدوائر الحكومية لمساعدتنا للإسراع في العودة لمنازلنا وأحيائنا».

وبقيت آثار الدمار مسيطرة على معظم المناطق في هذه الأحياء، وكانت أبرز سمة مشتركة لها، حيث انهار سقف كثير من المنازل وتهاوت على بعضها، أما المحال التجارية فقد تعرضت للدمار والبعض منها سُوّي بالأرض، وتناثرت شبكات أنابيب المياه وأسلاك الكهرباء ولم تعد صالحة لتشغيلها مرة ثانية، وأكبر الأحلام لدى سكان هذه الأحياء التخلص من الأنقاض وفتح الطرقات.


مقالات ذات صلة

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

المشرق العربي صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، الأربعاء، عن اعتقال اللواء عدنان حلوة، أحد ضباط النظام المخلوع المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

خاص السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

تسود أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب بريف حماة الغربي، عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق.

سعاد جروس (دمشق)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)

المنظمون: إسرائيل احتجزت 211 ناشطاً من «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة

تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)
تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)
TT

المنظمون: إسرائيل احتجزت 211 ناشطاً من «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة

تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)
تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)

أعلن منظّمو «أسطول الصمود» العالمي، الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض عليه، أن الجيش الإسرائيلي «اختطف» 211 ناشطاً، من بينهم مستشارة في بلدية باريس، خلال عملية نفّذها في المياه الدولية قبالة اليونان، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «غلوبال صمود – فرنسا»، هيلين كورون، الخميس في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن العملية جرت قرب جزيرة كريت، بعيداً من السواحل الإسرائيلية.

وكانت وزارة الخارجية الإسرائيلية ومنظمو الأسطول قد أعلنوا في وقت سابق من الخميس، أن البحرية الإسرائيلية اعترضت نحو 175 ناشطاً من «أسطول الصمود» قبالة اليونان وباتوا في طريقهم إلى الدولة العبرية.

وكتبَت الوزارة على منصة «إكس»: «نحو 175 ناشطاً كانوا على متن أكثر من 20 سفينة (...) يسلكون حالياً طريقهم إلى إسرائيل بشكل سلمي».

وكان منظمو هذا الأسطول الذي يضم ناشطين مؤيدين للفلسطينيين يسعون إلى كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة وتوصيل المساعدات إليه، قد أفادوا في وقت سابق بأن سفناً عسكرية إسرائيلية حاصرت قواربهم لدى وجودها قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية.

وكان الأسطول قد أبحر في الأسابيع الأخيرة من مرسيليا في فرنسا وبرشلونة في إسبانيا وسيراكيوز في إيطاليا.

وخلال ليل الأربعاء إلى الخميس، قال المنظّمون إن القوارب «حوصرت بشكل غير قانوني» من قبل سفن إسرائيلية.


«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
TT

«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)

أكد رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» في سوريا، باسل السويدان، أن «الأصول المستردة» من «التسويات الاقتصادية» التي تجريها اللجنة لرجال أعمال ارتبطوا بنظام الأسد وعملوا تحت مظلته «كبيرة»، عادت بوصفها حقوقاً للشعب السوري ضمن «برنامج الإفصاح الطوعي».

حمشو يوقع على تسوية مع الحكومة تحت برنامج الإفصاح الطوعي للفاسديناللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع (حساب فيسبوك)

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة تلقت مئات طلبات الإفصاح الطوعي، أُنجزت منها تسويات متعددة، فيما رُفضت طلبات أخرى لعدم استيفائها المعايير.

كيف تحدد اللجنة حدود الكسب غير المشروع؟ سؤال توجهت به «الشرق الأوسط» لرئيس اللجنة باسل السويدان، الذي شرح أن الكسب غير المشروع «مفهوم قانوني يرتبط حُكماً بالأشخاص، ويُعرّف بأنه كل زيادة غير مبررة في الذمة المالية لا تتناسب مع الموارد المشروعة المعروفة لصاحبها، ويعجز عن تقديم تفسير قانوني ومقنع لمصدرها»، وهذا يشمل الشركات والعقارات والأسهم والتدفقات المالية. كما يتم ضمن منهج تحقيقي محوكم يعتمد على جمع البيانات وتحليلها وربطها ضمن صورة مالية متكاملة.

اجتماع للجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا (سانا)

وأشار السويدان إلى أن اللجنة رغم ارتباط عملها بالأشخاص، تعتمد معايير موضوعية في اختيار الحالات، من بينها كون الشخص يمثل ظاهرة مالية كبيرة أو جزءاً من شبكة اقتصادية معقدة، أو وجود تضخم واضح في الثروة لا يمكن تفسيره ضمن الإطار المشروع. وأكد أن المساءلة تقوم على الأدلة والقرائن المالية، وليس على الموقع أو الصفة.

الإفصاح الطوعي

وأصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، في الرابع من مايو (أيار) 2025، القرار الرئاسي رقم 13، الخاص بـ«تشكيل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع»، لحماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة.

وفي 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 أطلقت اللجنة «برنامج الإفصاح الطوعي» لمدة ستة أشهر، والموقع الإلكتروني الرسمي لها، والذي يتضمن خدمات الإبلاغ والإفصاح الطوعي والاستفسار والتواصل مع اللجنة.

السويدان أوضح أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمثل أحد الأدوات الأساسية التي اعتمدتها اللجنة ضمن نظام عملها الداخلي، وهو جزء من صلب العمل القانوني وليس إجراءً استثنائياً. ويعرّف البرنامج بأنه «آلية تتيح للأشخاص الذين ترتبط أموالهم بشبهات كسب غير مشروع الإفصاح عنها طوعاً، وإخضاعها لتدقيق مالي وقانوني شامل، وصولاً إلى تسوية منظمة تُحدد من خلالها الأموال أو الأصول التي يجب استردادها لصالح الدولة».

رجل الأعمال وسيم قطان

وأشار إلى أن اعتماد هذه الآلية جاء استناداً إلى توصيات أممية وتجارب دولية مماثلة، حيث تُظهر تجارب الأمم المتحدة والتجارب العالمية في هذا المجال أن الإفصاح الطوعي والتسويات الاقتصادية تُعد من أكثر الأدوات فاعلية في معالجة إرث الكسب غير المشروع، خاصة في الدول الخارجة من النزاعات.

وأثبتت هذه التجارب أن الاعتماد الحصري على المسارات القضائية التقليدية قد يستغرق زمناً طويلاً، ويؤدي إلى تجميد الأصول أو فقدانها، في حين يتيح الإفصاح الطوعي استرداداً أسرع وأكثر كفاءة، مع الحفاظ على استمرارية الأصول ضمن الاقتصاد، مشيراً إلى أنه في هذا السياق، تم اعتماد البرنامج ضمن الإطار الذي نظمه القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025، مع تكييفه بما يتناسب مع خصوصية الواقع السوري.

رجال أعمال أجروا تسويات

وكانت «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» قد أعلنت، منتصف أبريل الحالي، انتهاء إجراءات استلام الأصول العائدة لكل من رجل الأعمال وسيم قطان وإخوته، والأصول المرتبطة بنعيم الجراح، وذلك في إطار طلبات الإفصاح الطوعي المقدمة إلى اللجنة والتسويات الاقتصادية.

ويملك قطان عدة شركات منها «لاروسا للمفروشات» و«مجموعة مروج الشام للاستثمار والسياحة»، ويشغل منصب مدير «شركة آدم للتجارة والاستثمار» و«شركة نقطة تقاطع». وهو أيضاً مدير وشريك مؤسس في عدة شركات أخرى. وأكد القطان أن تسليم «مول المالكي» و«مول قاسيون» بدمشق إلى اللجنة تم بالاتفاق والتفاهم، نافياً عبر «فيسبوك» صحة الأنباء التي تحدثت عن مصادرة مفاجئة لأصوله.

أما نعيم الجراح، فهو رجل أعمال فلسطيني سوري، كانت له شبكة علاقات واسعة داخل الأوساط الأمنية والاقتصادية في حقبة نظام الأسد، وفق تقارير أشارت إلى تلقيه دعماً من شخصيات نافذة ساعدته في تأسيس مجمع «أبتاون» الشهير في مشروع «دمر» بدمشق، و«القرية الشامية» التي صورت فيها حلقات مسلسل «باب الحارة».

رجل الأعمال الفلسطيني السوري نعيم الجراح

وشغل الجراح منصب رئيس مجلس إدارة «شركة خطوط كنده الجوية»، ومدير «شركة قتيبة» و«شركة جراح وشامي وأشقر للتطوير والاستثمار العقاري» وشركة «الجراح للاستثمارات» وشريك مؤسس في شركة «الرضا».

رجل الأعمال سامر الفوز أجرى تسوية اقتصادية مؤخرا (حساب فيسبوك)

كما أنجزت تسوية لرجل الأعمال سامر الفوز، الذي بدأ ظهوره خلال سنوات الحرب. وكشف السويدان في مقابلة صحافية نشرت مؤخراً عن أن هذه التسوية تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصول متنوعة، شملت شركات صلب وأسمنت وحديد وطيران، وشركات غذائية وهندسية وخرسانة، وفنادق ومطاعم ومنشآت سياحية، وحصص وأسهم في شركات تعدين وفوسفات، وأسهم في بنكين خاصين.

التسوية شملت أيضاً رجل الأعمال طريف الأخرس، وفق الإجراءات الرسمية المعتمدة، أما الأصول المرتبطة بعائلة فواز الأخرس (والد أسماء الأخرس زوجة الرئيس السابق بشار الأسد) فقد اتُّخذت بحقها إجراءات تحفظية كاملة شملت الحجز على الأصول محل الاشتباه، وفق السويدان.

غير أن أول تسوية أعلن عنها في إطار برنامج الإفصاح الطوعي كانت بداية يناير (كانون الثاني) الماضي مع رجل الأعمال، محمد حمشو، الذي كان يوصف بأنه أحد «حيتان» الاقتصاد السوري في حقبة حكم الأسد. وتضمنت وفق مصادر مطلعة، تسليم حمشو 80 في المائة من الأموال والأصول التجارية والصناعية والعقارية التي لديه للدولة، فيما نقلت تقارير أنه تمت استعادة ما قيمته نحو 800 مليون دولار من أموال وأصول.

وأثار الإعلان عن تلك «التسوية»، في حينها، استياء في الشارع السوري، باعتبار أن حمشو كان جزءاً من الحرب التي شنها النظام البائد على المعارضة، إذ كان، حسب كثيرين، ذراعاً مالية عبر شركاته، وعسكرية عبر تشكيله ميليشيات رديفة للجيش، ودعائية عبر قنوات تلفزيونية كان يملكها.

وشدد السويدان، عبر تصريحات للإعلام الرسمي، على أن «التسويات الاقتصادية» التي أُجريت مع بعض رجال الأعمال لا تمنح أي حصانة جزائية، ولا تمس بحقوق الغير، ولا تؤثر في مسارات العدالة الانتقالية، موضحاً أنها تقتصر على معالجة الشق المالي الناتج عن جرم الكسب غير المشروع، فيما تبقى بقية المسارات القضائية قائمة.

عدم تعطيل القضاء

شدد السويدان على أن «الإفصاح الطوعي» لا يلغي المسار القضائي بل يعمل بالتوازي معه، موضحاً أن الهدف الأساسي هو تقليل الزمن الذي تستغرقه إجراءات التقاضي، وتخفيف العبء عن القضاء السوري، مع الحفاظ على استمرارية العمل القانوني.

وأكد أن اللجنة استمرت في تنظيم الضبوط وإحالة الملفات التي لم تستوفِ شروط الإفصاح، وهو ما سيشكّل الأساس للمرحلة التالية.

وكشف السويدان عن أن عدد الحالات التي تخضع للتدقيق يُقدّر بالآلاف، نتيجة تشعب الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالكسب غير المشروع، التي لم تكن ظاهرة فردية بل منظومة ممتدة.

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان يتوسط محمد الطويل نقيب المحامين يسار ورامي النومان من مكتب العلاقات العامة في النقابة (موقع الهيئة)

وأوضح السويدان لـ«الشرق الأوسط» أن الأصول التي جرى ضبطها أو استردادها ضمن برنامج الإفصاح الطوعي لا تزال في مرحلة استكمال الإجراءات، حيث يتم تثبيت الملكيات واستكمال التحقيقات وتحليل الارتباطات المالية، قبل تحديد المسار النهائي.

وأكد أن هذه الأصول ستتجه إلى أحد مسارين: التسوية ضمن برنامج الإفصاح الطوعي، أو الإحالة إلى القضاء المختص، وفق نتائج التحقيق.

انتهاء المهلة

وأكد أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمنح فرصة زمنية محددة لتسوية الأوضاع ضمن إطار قانوني محوكم، لكنه ليس متاحاً لجميع الحالات، بل يخضع لمعايير قبول دقيقة، ويشكّل فرصة حقيقية للبعض لإعادة الاندماج في الاقتصاد النظامي. وأن المرحلة التي تلي انتهاء المهلة تمثل انتقالاً منظماً إلى مرحلة تعتمد على تفعيل كامل للمسار القضائي.

ولفت إلى أن بعض الملفات تتضمن شبهات تتعلق بجرائم مالية أخرى، مثل غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو الاتجار بالمخدرات، وفي هذه الحالات يتم إحالة الملفات إلى النيابة العامة المختصة، لضمان تكامل الإجراءات القانونية.

وأضاف أن اللجنة ستواصل التنسيق مع الجهات الرقابية، وفي مقدمتها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، لمعالجة الجوانب المؤسسية المرتبطة ببعض الملفات.


سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
TT

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، الأربعاء، عن اعتقال اللواء عدنان حلوة، أحد ضباط النظام المخلوع المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية بريف دمشق يوم 21 أغسطس (آب) عام 2013.

وقال خطاب، في تدوينة عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «اللواء عدنان عبود حلوة، أحد أبرز الضباط المسؤولين عن (مجزرة الكيماوي) في الغوطة الشرقية عام 2013 بات اليوم في قبضة إدارة مكافحة الإرهاب».

ما نعرفه عن عدنان حلوة

وفق وسائل إعلام محلية، فإن عدنان حلوة كان المسؤول عن منطقة خربة الشيّاب في جنوب دمشق، ونائب مدير إدارة المدفعية والصواريخ في ريف دمشق.

اتُّهم حلوة بضلوعه خلال الثورة في إطلاق صواريخ «سكود» تجاه مدن الشمال السوري خلال عمله نائباً لإدارة المدفعية والصواريخ في ريف دمشق.

وكان مسؤولاً في الوحدتين «155» و«157»، اللتين ارتكبتا انتهاكات ضد المدنيين واستخدمت الصواريخ والأسلحة الكيماوية ضدهم.

وأصبح بعد ذلك المسؤول العسكري في منطقة خربة الشيّاب في جنوب دمشق، وكان مسؤولاً عن إدارة الحواجز العسكرية في المنطقة، المتهمة باحتجاز وإخفاء مئات المدنيين.

وشارك الحلوة ضمن وفد النظام السوري في مفاوضات آستانة عام 2017، وهو ضمن 13 شخصية سمتهم الولايات المتحدة الأميركية مسؤولين عن جرائم قتل ضد المدنيين.

وُضع على قائمة العقوبات الأوروبية في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2016.

«مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية

وقعت المجزرة بمنطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق يوم 21 أغسطس 2013، في هجوم أسفر عن مقتل أكثر من 1400 مدني بينهم مئات الأطفال والنساء.

وفي ذلك اليوم، استيقظ السوريون من أهالي عدد من بلدات الغوطة الشرقية على مشهد لمئات الجثث في الشوارع والمنازل لأشخاص قتلوا بغاز «السارين» السام، في واحدة من أعنف المجازر التي ارتكبتها قوات نظام الأسد بحق المدنيين على مدار سنوات الحرب.

ووفق «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، فإن نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد نفذ 217 هجوماً بأسلحة كيمياوية ضد مناطق سكنية كانت تحت سيطرة المعارضة في سوريا منذ بدأت الثورة عام 2011.

القبض على «سفاح التضامن» قبل أيام

يأتي هذا الإعلان بعد أيام من إعلان وزارة الداخلية القبض على أمجد يوسف، الملقب «سفاح التضامن»، وذلك بعملية أمنية في منطقة سهل الغاب بريف حماة.

والثلاثاء، نشرت وزارة الداخلية السورية على منصاتها، مقطع فيديو يظهر جانباً من تحقيقات مع 3 طيارين بالنظام السوري السابق، بينهم ميزر صوان الملقب «عدو الغوطتين»، الذي قال إن أمر القصف كان يأتي من الرئيس المخلوع بشار الأسد.