محكمة الحريري... اعتصام في بيروت كاد يشعل فتنة

«البرزخ»... بري يكشف وعلي حسن خليل يروي (1 - 2)

تجمع للبنانيين في اعتصام بساحة الشهداء (كتاب البرزخ)
تجمع للبنانيين في اعتصام بساحة الشهداء (كتاب البرزخ)
TT

محكمة الحريري... اعتصام في بيروت كاد يشعل فتنة

تجمع للبنانيين في اعتصام بساحة الشهداء (كتاب البرزخ)
تجمع للبنانيين في اعتصام بساحة الشهداء (كتاب البرزخ)

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات من كتاب «البرزخ - أيامٌ لوطنٍ لم يأتِ بعد»، الذي يكشف فيه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، على لسان النائب علي حسن خليل، جانباً من أبرز التطورات التي شهدها لبنان بين عامي 2006 و2008. يقول بري في مقدمة «البرزخ» (الصادر عن دار الكتاب العربي): «هذا الكتاب لا يشكل وجهة نظر كما قد يظن البعض، بل هو عصارة سرد تفصيلي لوقائع حصلت بالفعل والراوي الأخ علي حسن خليل من خلال مسؤولياته القيادية في حركة أمل وموقعه ومواكبته السياسية دوَّن كل شاردة وواردة وسجَّل كل تفصيل مهما كان صغيراً خلال محطات مفصلية من مرحلة صعبة من تاريخ لبنان، وكان في توثيقه للأحداث أميناً على كتابة كل شيء حرفياً، حريصاً على أن يصل بدقائقه إلى الرأي العام اللبناني حتى ولو أزعج البعض، ومنهم أصدقاء». تتضمن حلقة اليوم تفاصيل عن توترات شهدتها بيروت عام 2007 وهددت بشرخ طائفي. وجاءت تلك الأحداث على خلفية قانون المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2004.

لم تتوقف الأكثرية عن الدعوة المتكررة لعقد جلسة برلمانية من أجل إقرار المحكمة الدولية (الخاصة بمحاكمة المتهمين باغتيال الحريري عام 2004)، الأمر الذي دفع الرئيس (بري) إلى إصدار بيانٍ أكد فيه أن المجلس في حالة عدم انعقاد مع انتهاء الدورة العادية وعدم صدور مرسوم فتح دورة استثنائية، وأنّ أي مشروع قانون بشأن المحكمة الدولية لم يصل إلى المجلس النيابي، مؤكداً مرة جديدة عدم ميثاقية ودستورية كل الإجراءات التي حصلت قبل ذلك.

وبينما كانت البلاد على فوهة مواعيد مضطربة، وزعت الأمانة العامة لمجلس الوزراء جدول أعمال جلسة جديدة للحكومة يوم الجمعة التالي، من دون الالتفات إلى تحرّك المعارضة أو إلى رسالة رئيس الجمهورية (إميل لحود) الرافضة لعقد الجلسة الجديدة ولمقررات الجلسة السابقة يوم الخميس الأخير، واعتبار الرئيس لحود القرارات التي اتُّخذت فيها باطلة بطلاناً مطلقاً وكأنّها لم تكن، لصدورها عن هيئة فقدت مقوّمات السلطة الدستورية وفقدت الأهلية لممارسة السلطة الإجرائية.

وبموازاة ذلك، وزّعت الأمانة العامة لمجلس النواب عريضة المعارضة التي تدعو إلى عقد جلسة خاصة للمجلس لمناقشة «خرق» فؤاد السنيورة وأعضاء حكومته الدستور وإحالتهم إلى المحاكمة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، والتي كان الرئيس بري قد رفض أن يوقّعها أي من أعضاء كتلة التنمية والتحرير.

استباق التوتر

إنه صباح العاشر من يناير (كانون الثاني)، ومع متابعتنا حركة الاعتصام أمام وزارة الطاقة، وصلتنا أنباء عن محاولة من المعتصمين لدخول الوزارة، وظهور بوادر مشكلات مع قوى الأمن. عندها أصرّ الرئيس (بري) على العمل بحزم لضبط الوضع بأي شكل وإنهاء الاعتصام، استباقاً لانقلاب الرأي العام المتوتّر أصلاً، والخائف من حصول صدام، لا سيما مع الأجهزة الأمنية.

بري مجتمعاً مع خوجة (كتاب البرزخ)

كان التصعيد السياسي سمة المرحلة، مع حديث متزايد عن نيّة قوى «14 آذار» عقد جلسة برلمانية برئاسة فريد مكاري مجدّداً، وقد ردّ على هذا الخيار النائب محمد رعد «حزب الله»، مؤكداً أنه يشكّل انزلاقاً شيطانياً من شأنه أن يعيد الأمور إلى أسوأ مما كانت عليه قبل اتفاق الطائف، وكان هذا موضع تقويم بأنّه انقلاب، وفيه تحذير من العودة إلى الحرب الأهلية من قِبل قوى «14 آذار».

وفي لقائه مع الرئيس بري، ميّز النائب تمام سلام نفسه عن فريق الموالاة، مؤكداً مرجعية رئيس البرلمان ورهانه عليه لفتح كوّة في الجدار والعودة إلى أجواء الحوار.

وفي زيارة أخرى، استقبل الرئيس بري السفير المصري حسين ضرار الذي نقل أجواء لقائه نواب تكتل التغيير والإصلاح في منزل النائب غسان مخيبر، حيث طُرح هناك اقتراح يقضي بانتخاب رئيس انتقالي للجمهورية لمدّة سنتين كحلّ مرحلي.

رأى الرئيس مبالغة في تقويم جديّة هذا الطرح من قِبل السفير الذي كان يحاول لعب دورٍ سياسي استثنائي.

ومع استمرار النبرة التصعيدية في خطاب «14 آذار» واستعدادات المعارضة للخطوات اللاحقة، وخلال اتصال به بالخط الداخلي، أرسل السيد حسن (نصر الله، أمين عام حزب الله) اقتراحه بأن يكون موعد التحرك في 20 أو 21 الشهر الجاري.

بينما كان الرئيس يصدر مواقف جديدة خلال لقائه وفداً طلابياً مصرياً، ولقاء آخر جمعه بالتجمّع النسائي لقوى المعارضة، قال فيه: «إنّهم يسألون لماذا ما زلتُ صابراً، والحقيقة أنّ القضية هي قضية مصير وطن ومسؤوليتي أن أتحمّل، رغم علمي بأنّهم سيوصلون البلد بموقفهم إلى ما لا تُحمد عقباه».

بري مجتمعاً مع متقي (كتاب البرزخ)

وفي حين كان ذلك يحدث، جرت اتصالات بين الحاج حسين الخليل والسفير السعودي، وقد أبلغني الخليل أنّها لم تقدّم جديداً، وأنّه يكرّر الكلام حول ضرورة الانفتاح واللقاء مع السنيورة.

وكان الرئيس بري قد تحدث، مشيراً إلى سكوت الأكثرية النيابية عن موضوع الدول العشر التي رفضت التعاون مع لجنة التحقيق الدولية، وهذا ما كان قد أثاره السفير الروسي في مجلس الأمن. فردّ النائب سعد الحريري بأنّ على الرئيس بري أن يسأل نفسه قبل أن يسأل الأكثرية عن سرّ السكوت، عن تعطيل الجلسة النيابية لإقرار المحكمة الدولية.

وعلى لسان النائب علي بزي، رد الرئيس بري بأنه لم تكن هناك جلسة نيابية ليتم تعطيلها، فأي مشروع قانون حول المحكمة الدولية لم يصل المجلس، فضلاً عن عدم وجود حكومة كي تُقرّ مثل هذا المشروع، مضيفاً أن على الحريري أن يرشدنا - وهو العليم والخبير القانوني الشهير - لماذا يقود تدمير المؤسسات من رئاسة الجمهورية إلى الحكومة؟ إلا إذا كان الهدف من السؤال أسفه لعصمة المجلس النيابي ومنعته واستعصائه عن التدمير.

الحريري في حوار مع النواب في البرلمان (كتاب البرزخ)

ومع استمرار حركة الاعتصام للمعارضة السبت أمام قصر العدل، عقد الرئيس بري لقاء مع السفير السعودي عبد العزيز خوجة بحضوري والحاج حسين الخليل، والذي تحدث مجدداً عن حرصه على الوصول إلى تفاهم وأنّ هناك أجواء لقاءات إيرانية - سعودية في الرياض، ونقل ورقة للحل لا تختلف كثيراً عن ورقة التشاور وورقة عمرو موسى لكنّها كانت بحاجة إلى المزيد من الإيضاح، حيث ورد فيها أنّ الحكومة المزمع تأليفها تتشكل من 19 للموالاة و10 للمعارضة ووزير تسمّيه المعارضة. (...)

حمَّل الرئيس بري الحاج حسين الخليل رسالة إلى السيد نصر الله، يكرر فيها ضرورة الانتباه إلى الوقوع في الفتنة جرَّاء أي اقتراح للتصعيد، مع اعتقاده أنّ «14 آذار» لن ينصاعوا للتحرّكات السلمية المحدودة التي نقوم بها، وأنّه لا مشكلة بخصوص المواعيد المقترحة لتصعيد التحرّك.

(...)

جاء السفير السعودي ليضع الرئيس بري، بحسب قوله في أجواء ما حصل خلال زيارة علي لاريجاني للمملكة، ويبلغه بحصول اتفاق على اقتراح خمسة أسماء حياديين مرّة واحدة ليختار السنيورة واحداً من بينهم، وأن تكون المشاركة في الحكومة من المعارضة النيابية، أي: «أمل» و«حزب الله» و«كتلة عون»، وأن يُشكَّل فريقٌ لدراسة قرار المحكمة الدولية وفق الاقتراح السابق، مشيراً إلى أن لاريجاني والأمير بندر بن سلطان سيحضران إلى لبنان بطلب من الملك عبد الله وموافقة إيران لمتابعة هذا الأمر.

(...) صيغت مسودة مشروع الاتفاق على الشكل التالي:

1 - يشكَّل فريق عمل لدراسة بنود المحكمة ذات الطابع الدولي ويحدَّد وقت معين لإنهاء عمله.

2 - يبدأ البحث في توسيع الحكومة القائمة ليصبح عدد وزرائها ثلاثين وزيراً (بصيغة 19 + 10 + 1)، تتألّف من ممثلي الأكثرية القائمة و«حزب الله» و«حركة أمل» و«التيار الوطني الحر»، ويجري الاتفاق على آلية بخصوص الوزير الحادي عشر.

3 - يوقَّع ما يجرى الاتفاق عليه من قبل الفريقين، مع التزام سياسي وأخلاقي به لا يمكن نقضه من قِبل أي منهما.

4 - يُدعى إلى دورة استثنائية لجلسة مجلس النواب لإعلان هذا الاتفاق.

5 - ما يُتّفق عليه بخصوص مسوَّدة المحكمة الدولية يمرّ بعد ذلك عبر القنوات الدستورية. فيُقرّ في حكومة الوحدة الوطنية ويُرفع القرار إلى رئيس الجمهورية، ثم يُعاد في اليوم نفسه بالموافقة، ويُرفع بعد ذلك إلى مجلس النواب للتصديق عليه، ثم يُرسل إلى الأمم المتحدة.

6 - مهمة هذه الحكومة أيضاً متابعة الإشراف على «باريس 3»، والاتفاق على قانون انتخاب نيابي جديد، ثم انتخاب رئيس الجمهورية في موعده. أما بالنسبة إلى الانتخابات البرلمانية فتكون في موعدها عام 2009.

وإلى جانب هذه المعطيات، سُجّلت ملاحظة مهمة تمثلت بموافقة لاريجاني مع السعوديين على تسمية الأسماء الخمسة مرّة واحدة، يختار الرئيس السنيورة واحداً منهم، على أن يكونوا من المعارضة النيابية المحصورة في «أمل»، «حزب الله» وعون.

انزعاج وتحرك

وعلى انزعاجٍ واضح، طلب الرئيس مني الاتصال فوراً بالحزب وبالسفير الإيراني مجدّداً للاستفسار عن الموضوع.

لم تغير هذه الأجواء المريبة في مسار الاستعدادات للتحرّك الواسع الذي بدأنا الإعداد له ليلاً في اجتماع بيني وبين كل من أحمد بعلبكي والحاج حسين الخليل ومسؤول الحزب في بيروت، حيث اتفقنا فيه على تحرّك شامل، وجرى اختيار أماكن الاعتصام والحواجز حيث يوجد عمق بشري مؤيّد، مع تأكيد استمراره لأكثر من يوم، والتشديد على عدم النزول المسلّح أو السماح بالاحتكاك مع القوى العسكرية والأمنية أو مع تجمّعات للموالاة، إضافة إلى تأمين القدرة على السيطرة والتحكم. وأكدنا أنّه عند قرار إقفال أي شارع أو نقطة، فمن غير المسموح التراجع عن أي مواقع يتم إقفالها بما فيها المطار، وضبط حماية المؤسسات العامة والخاصة والتركيز على شمول التحرك كل لبنان، وإبلاغ قيادة الجيش بالأمر ليلة التحرك وإخطار قوى الأمن الداخلي، وخصوصاً فرع المعلومات بضرورة التنبه للشارع.

بري مستقبلاً جنبلاط في أحد لقاءاتهما (كتاب البرزخ)

ومع اختباره التجارب السابقة، أبدى الرئيس حرصه مجدداً على ألَّا نكرّر التحركات غير المجدية، وأن نناقش تفاصيل الخطّة لتكون ذات فاعلية، وهذا ما راعيناه في اللقاء مع التأكيد على الابتعاد عن التخريب والإشكالات الأمنية. وبينما كنا لا نزال في الشارع حيث أجرينا اللقاء، تلقيتُ اتصالاً من الحاج حسين الخليل ليتحدث عن طارئ جديد، وفيه أن السيد حسن اتصل بعد خروجنا وقال: «لماذا تحمّلون أنفسكم كل هذا العبء؟ يمكننا أن نقوم بمناورة، بتحرّك تحذيري ليوم واحد، ونرى بعدها ماذا سيحصل».

لم أفهم ما الذي حصل، وقلتُ للحاج حسين: «هذا أمر جديد كلياً، نحن لم نكن متحمّسين للخطوات على الأرض، لكن إذا أردناها فلتكن مجدية، أنا أخاف أن يجري استيعاب الأمر سريعاً إذا كان كما قلت، لكن في كل الأحوال نناقش الأمر ونتواصل لاحقاً».

كما أبلغني الحاج بأن السيد نصر الله سيلتقي جبران باسيل، على أن نتحدث بعد ذلك.

رسائل متسارعة

وفي صباح يوم الأربعاء، وكان السابع عشر من يناير، كنت في عين التينة، وهناك كان الرئيس متفاجئاً يتساءل حول السر المخفي والتطور غير المعلن الذي قلب الأمور. وبشيءٍ من الغضب قال: «أنا لا أحتمل هذا، إما أن نكون في كل الأجواء الحقيقية وإلّا فلن ندخل في هذا الموضوع كلياً».

وب

بري ونصرالله في دردشة أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

عدها طلب مني أن أرتّب اتصالاً مع الجنرال عون لاستكشاف مدى علمه بالتطورات. اتصلتُ بجبران باسيل، الذي نقل السماعة إلى عون، جسَّ الرئيس بري النبض وسأله عن أمر مختلف يتعلق بالسفير الفرنسي ليرصد ردّ فعله، وما إذا كان في أجواء جديدة، لكنه لم يلحظ شيئاً. قدَّر الرئيس بعد الاتصال أنَّه ربما لم يكن في أجواء ما يحصل، وشعر بأنه ربما طرأ تطوّر حقيقي على المسار السعودي - الإيراني، وربما كان هناك تهديد لإيران إذا ما استمرت المعارضة في التصعيد.

وطلب مني مجدداً أن أتصل بالحاج حسين الخليل الذي اتفقتُ معه على اللقاء عند السفير الإيراني، بعدما ذهبتُ إلى كلية العلوم لافتتاح معرض طلابي وإلقاء كلمة.

بدأ السفير الإيراني بالتعبير عن راحته بعدما سمع بالاستعداد للتصعيد، وقبل إكمال حديثه اتصل السيد نصر الله بالحاج حسين الخليل، وتحدّث أيضاً مع السفير الإيراني لدقائق باللغة الفارسية، قبل أن يتحدث إلي، ويحملني رسالة إلى الرئيس بري، فيها أنه (السيد) التقى بالأمس بمَن يتواصل مع السيد لاريجاني، الذي نقل أنّ اللقاء بينه وبين الملك السعودي كان فيه كلام عام من دون الدخول في التفاصيل، وأنّ الملك قال إنّ ما يهمه هو اتفاق اللبنانيين بين بعضهم بعضاً، لكنّ اللقاء المطوّل والمهم كان مع الأمير بندر بن سلطان، الذي أصرّ على تشكيل وفد يجمعه بلاريجاني لزيارة لبنان.

رئيس البرلمان نبيه بري (كتاب البرزخ)

ووفقاً لكلام السيد نصر الله فقد كان لاريجاني منفتحاً لكنّه لم يلتزم بشيء قبل أن يشاورنا، بل أبلغهم بالحاجة لدراسة الأمر وأبقى خط الرجعة مفتوحاً.

(...) أبقى لاريجاني الخط مفتوحاً من دون إعطاء أي جواب، وفق كلام السيد الذي أضاف أن لاريجاني ليس في صورة الانتخابات النيابية اللبنانية، ولم يجرِ البحث التفصيلي فيها.

تحرك تحذيريبعد إتمام السيد كلامه معي، لم أعلّق كثيراً، لكني سألته عن التحرك، فقال إن فكرته منذ البداية كانت أن نقوم بتحرّك تحذيري واسع ليوم واحد. فأطلعته على أن الشباب كانوا في جوّ مختلف بالأمس، ولم يطرحوا هذه الفكرة. فأرجع ذلك إلى خلل في التنسيق ربما يكون قد حصل، لكن أكد أن الحديث مع باقي المعارضة كان عن تحرّك ليوم واحد، وأن هناك خوفاً من مستوى التجاوب، لأنّ الناس يحتاجون الذهاب إلى أعمالهم، ولا يمكن تحميلهم الكثير. لكنه أضاف أننا في الأحوال كلها يمكننا أن نجمع، وأن نعلن يوم الثلاثاء المقبل يوم إضراب ونقطع الطرقات ونبقى في الشارع في الأيام الثلاثة اللاحقة (23 - 24 - 25 من يناير).

من جهتي، أجبته بأن الرئيس بري يهمه مسألتان كما قال لي: أن نقوم بخطوة مدروسة توصل إلى نتيجة، وألَّا تصل الأمور إلى حدود الصدام المسلّح والفوضى الأمنية. لذا فلا صيغة محدّدة لديه، لكنّ سؤاله كان عن التبدّل السريع في النقاش.

بري متوسطاً السنيورة (يمين) وخليل في جولة بالضاحية الجنوبية بعد حرب 2006 (كتاب البرزخ)

(...) ثم طرح السيد نصر الله اقتراحه، الذي يتمثل بالنقاط التالية:

- أن نبلغ الإيرانيين الآن أنّه من الخطأ أن تُقدِم إيران على أي مشروع من دون التنسيق مع سوريا، لأنّ هذا سيُدخلنا في مشكلة، وأنّ الخطر هو التفاهم مع الحريري ووليد جنبلاط وخسارة سوريا.

- خطر السير في المحكمة بالشكل الذي يريدون وبأي ثمن.

- أن نكمل التحرّك خلف مطلب الانتخابات النيابية المبكرة، الذي سنرميه في وجه الموالاة.

- أن نطلب من لاريجاني المجيء إلى سوريا للتحدّث معهم حول المشروع، وأن ندفع الإيرانيين إلى العمل وفق فكرة الرئيس بري التي طرحها سابقاً، بأنّ الحلّ يكون بتأجيل إقرار المحكمة حتى الانتهاء من التحقيق، وبهذا نأخذ وقتنا، وفي الوقت نفسه يبقى المسعى قائماً.

خرجتُ من السفارة مباشرة إلى عين التينة، وهناك كان الرئيس مجتمعاً مع ميشال المر، فوضعتُه في الأجواء بصورة عامة. وهو أبدى إصراره مجدّداً على سلمية التحرّك مهما كان شاملاً، وهو ما عكسه المر أيضاً في تصريحه بعد اللقاء.

(...) طلب مني الرئيس بري أن أُبلغ السفير الإيراني أنه لا مصلحة بزيارة لاريجاني والأمير بندر من دون تنسيق مع الجانب السوري، حيث سيخسرون حليفاً من دون أن يربحوا الآخر. أما إذا تمّ الأمر بالتنسيق مع السوريين، فهو أكثر من جيد، حيث إنّها المرة الأولى التي يدخلون فيها لبنان من باب سياسي واسع عبر تكريس التعاون مع السعوديين. وفي الوقت نفسه يقدمون خدمة إلى لبنان وسوريا من باب المحكمة الدولية، وحلّ مشكلتها ربما من خلال السير في محكمة عربية أو إسلامية أو أي أمر آخر نبتكره.

بري مستمعاً إلى وشوشة من خليل (كتاب البرزخ)

وطلب الرئيس أن نتابع البحث مع الحزب والتيار، على أن يحدّد موقفه بعد الاجتماع المشترك للهيئات الحركية عند السادسة من مساء اليوم نفسه.

انتقلتُ أنا وأحمد بعلبكي للغداء مع جبران باسيل قرب مجلس النواب. لم يكن جبران حاسماً في خيار تصعيد الشارع الذي يحتاج في رأيه إلى استعداد كبير على المستوى السياسي والإعلامي، وأعاد طرح ما كنّا قد اتفقنا عليه سابقاً لجهة إقدام الرئيس لحود على خطوة اعتبار الحكومة مستقيلة، وأشار إلى أنّ هناك خللاً في التنسيق مع «حزب الله»، معبراً عن امتعاضه من طريقة تعاطي الحاج حسين الخليل معه، وأوضح أنّهم أُحرجوا جداً عندما أصدروا بياناً ضدّ «باريس 3»، ليفاجأوا في اليوم التالي أنّ السيد حسن والحزب أصدروا بياناً يفصلون فيه بين «باريس 3» والإصلاحات، واقترح أن يتوقّف تحرّك الاتحاد العمالي وأن يبدأ الحلّ من عند الرئيس لحود، وسأل عن إمكانية أن يزوره الرئيس بري لهذه الغاية.

وعند طرح هذه الفكرة الأخيرة، كنت حاسماً وسريعاً في رفضها.

نصر الله وعلي حسن خليل في أحد لقاءاتهما (كتاب البرزخ)

وأعاد باسيل التذكير بخطأ التراجع عن احتلال السراي الحكومية، وكرّرتُ له قناعتنا بالموقف الذي اتّخذناه حينها.

ومساءً، عند السادسة بالتحديد، ترأّس الرئيس بري اجتماعاً مشتركاً للهيئات القيادية الحركية، شرح فيه مخاطر المرحلة وأبدى اعتقاده بأنّنا مقبلون على ظروف سيئة يجب ألاّ تُبعدنا عن ثوابت الخطاب الحركي بالصلابة في الدفاع عن حقوقنا ومكتسباتنا وعدم التراجع، وفي الوقت نفسه أبدى الحرص على السلم الأهلي وإبقاء الأبواب مفتوحة مع الجميع رغم قناعته بأنّ الحريري قد برهن على أنّ قراره مرهون للخارج، والمفاوضة على المحكمة ليست للوصول إلى الحقيقة، بل للضغط من أجل تحقيق مكاسب والتأثير على سوريا، وأنّ المقصود إبقاؤها سيفاً مسلطاً للاستخدام في أي لحظة مستقبلية، وأشار في العموم إلى الخطوة التي تُدرس حول تصعيد التحرّك من دون الدخول في التفاصيل.

تحرك مبتور

بعد الاجتماع طلب الرئيس تدوين الملاحظات للجواب على رسالة السيد حسن، على الشكل التالي:

- تجديد التذكير بأهمية إقدام الرئيس لحود على خطوة اعتبار الحكومة مستقيلة الآن، لأنّ الظروف الدستورية والسياسية يمكن أن تختلف لاحقاً.

- أي تحرّك ليوم واحد يكون مبتوراً ومن دون أفق، لن يؤدّي إلى تحقيق الأهداف.

- أي تحرّك يجب أن يحصل خلال انعقاد «باريس 3».

- فيما يتعلّق بالتحرك السعودي - الإيراني التشديد على التنسيق مع الجانب السوري والعمل على تحييد المحكمة.

حملت هذه الرسالة وانتقلتُ على عجلٍ إلى مكتب الحاج حسين الخليل، وهناك اتصلتُ بالسيد حسن، وأبلغتُه رسالة الرئيس. ومن جانبه علَّق على موضوع التحرك بالقول إنه من الأفضل أن ننزل إلى الشارع ونبقى فيه حتى حصول تغيير في الواقع السياسي، ومن دون إضراب عام.

ثم أضاف أن جبران زاره وتحدث معه عبر الهاتف أيضاً، معرباً عن قلقه الشديد مما سيأتي بعد النزول إلى الشارع، ومتحسراً على عدم الدخول إلى السراي في أول أيام الاعتصام، كون ذلك كان يمكن أن «يريحنا» منذ البداية. كان رد السيد أن دخول السراي كان يمكن أن يؤدي إلى الخراب أيضاً.

حسين الخليل، مساعد نصر الله، وعلي حسن خليل، مساعد بري (كتاب البرزخ)

وكان باسيل يعبر عن الحاجة إلى غطاء قانوني من خلال اعتبار الرئيس لحود الحكومة مستقيلة، وعندها ننزل نحن إلى الأرض، وهذا برأيهما يستطيع أن يحققه الرئيس بري إذا قام بزيارة لحود.

تغطية سياسيةأجابه السيد بأن ذلك لا يكفي، فالأمر يحتاج إلى تغطية سياسية. لكن باسيل لمح إلى دخول الوزارات واحتلالها، وهو ما تركه السيد للنقاش فيما بعد، متسائلاً إن كان إجراء مثل هذا يسقط الحكومة!

وعاد جبران ليقول إنّه إذا كنتم محشورين بالمشكلة مع السنة نتفهّم ونخرج معاً من الأمر، ونؤجّله إلى مرحلة لاحقة. لكن السيد أشار إليه بأنه لا يضمن أي نتيجة.

كان رأي جبران أن السيد نصر الله والرئيس بري استخدما لغة ذكية بالوقوف ضدّ الورقة الإصلاحية وليس «باريس 3»، متسائلاً: «لماذا نحن مضطرون أن ننزل قبل (باريس 3)، فنظهر أنّنا ضدّ المؤتمر وهذا ما لا نريده، وداعياً إلى القيام بالتحرّك في 26 - 27 من الشهر نفسه.

يقول السيد إنه لا يعرف ما إذا كان هذا الاقتراح من عنده أو من عند الجنرال عون، لكنّه اقترح فكرة أن ينزل كل من السيد والجنرال عون عند الرئيس بري، وأن يعقدوا جلسة سرّية جداً.

كان السيد يقترح أن يتم اللقاء في اليوم التالي إذا كان ذلك ممكناً. وأشار إلى إمكانية وصوله بأمان إلى عين التينة، وأن عون مستعد أيضاً، لافتاً إلى ضرورة التواصل معه في الخيارات الكبرى، لأنّه من الصعب أن نصل إلى نتيجة مع باسيل.

بري والحريري وبينهما خليل في البرلمان أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

عند التاسعة، وصلت مباشرة إلى عين التينة. وهناك حملني الرئيس رسالة الرد للسيد نصر الله، وفيها أن التقدير للموقف مشترك بينهما، لكن إذا حصل هذا الاجتماع، الآن فسيكون معلوماً أننا خططنا للنزول واحتلال الطرقات، إضافة إلى أن الرئيس لا يقبل في كل الأحوال بالمخاطرة بحياة السيد، ويقترح أن تؤيد المعارضة إعلان الإضراب الصادر عن الاتحاد العمالي العام، في سيناريو أن يستيقظ الناس في الصباح والشوارع مقطوعة بالإطارات المشتعلة، على أن تعقد جلسة تجمع علي خليل وحسين الخليل وسليمان فرنجية عند الجنرال عون، يتفق فيها على الخطوات. وفي الرسالة أيضاً إشارة إلى خطورة تحمل المسؤولية المباشرة والعلنية عن كل شيء، وأن الخطر الأكبر هنا يقع على الحزب فيما لو حدث شيء أكبر وهو الذي يؤكد دائماً أن السلاح غير موجه للداخل، ثم إنّه من غير المناسب أن تُكشف إدارة رئيس البرلمان المباشرة للحدث، كما أن العماد عون مرشح لرئاسة الجمهورية، ومن شأن ذلك أن يضر به.

ومع هذه الملاحظات، طلب إلى الرئيس إبلاغ السيد أنه في كل الأحوال، إن كان هناك إصرار على الاجتماع، فليكن عند السيد نصر الله من أجل أمنه الشخصي، وأي شيء يتم تقريره يلتزم هو فيه، وأنه لا يمانع أن يحصل لقاء ثنائي بين السيد وعون، يمثل فيه السيد الرئيس بري فيما يقرّر. باسيل ذكّر بخطأ التراجع عن احتلال السراي... وأراد السيطرة على الوزارات.

غداً حلقة ثانية


مقالات ذات صلة

حرص فرنسي على مواكبة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة

المشرق العربي ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حرص فرنسي على مواكبة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة

حرص فرنسي على مواكبة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة ورهان لبناني على الدور الأميركي، لكنه يحتاج لمساندة عربية - أوروبية حتى لا يكون وحيداً.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)

مسيّرة إسرائيلية تهاجم محيط مجرى الليطاني في جنوب لبنان

شنّت إسرائيل، الاثنين، هجوماً بمسيّرة في جنوب لبنان، على الرغم من وقف إطلاق النار المعلن لمدة عشرة أيام بين الدولة العبرية و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله خلال مقابلة مع صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية» في البرلمان اللبناني في بيروت... لبنان 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

فضل الله: «حزب الله» سيُسقط «الخط الأصفر» الذي أعلنته إسرائيل في جنوب لبنان

أكد النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله أن حزبه سيعمل على إسقاط «الخط الأصفر» الفاصل الذي أعلنت إسرائيل إقامته في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد من قرية الخيام اللبنانية القريبة من الحدود مع إسرائيل كما يُرى من شمال الدولة العبرية 18 مارس 2026 (رويترز)

جنوب لبنان: تطويق كامل وتدمير ممنهج وتكريس تدريجي لـ«المنطقة العازلة»

تحوّلت بنت جبيل والخيام إلى مركز الثقل في المشهد الميداني جنوب لبنان، حيث تتقدّم الوقائع العسكرية على إيقاع مختلف.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص رئيس مجلس النواب مستقبلاً السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

خاص لبنان مُصرّ على استغلال «الثقل الأميركي» في المفاوضات مع إسرائيل

كشف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري عن وجود مسعى أميركي لتمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

ثائر عباس (بيروت)

باريس حريصة على أن تكون قريبة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة

ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

باريس حريصة على أن تكون قريبة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة

ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)

تأتي زيارة رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، إلى باريس التي يصلها من دوقية لوكسمبورغ بعد لقاء وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في «لحظة حرجة» بالنسبة للبنان. وترى مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية أن جولة سلام، رغم اقتصارها على محطتين، «بالغة الأهمية» لجهة إيصال صوت لبنان إلى العواصم الأوروبية، مضيفة أنه رغم استبعادها من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المقبلة، فإن فرنسا قادرة على «لعب دور إيجابي ولصالح لبنان».

وتؤكد المصادر المشار إليها أن باريس «تريد أن تكون إلى جانب لبنان» في هذه المفاوضات، وأنها «لعبت وتلعب دوراً مهماً في إيصال مجموعة من الرسائل إلى الأطراف كافة». من هنا، فإنها عبرت عن «انزعاجها» من تصريحات يحيئيل ليتر، السفير الإسرائيلي في واشنطن، بعد جلسة المحادثات مع سفيرة لبنان ندى معوض بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وقال ليتر: «إننا، بالتأكيد، لا نريد أن نرى الفرنسيين يتدخلون في هذه المفاوضات» مضيفاً أن «وجودهم ليس ضرورياً؛ إذ ليس لهم أي تأثير إيجابي، لا سيما في لبنان». ومهما يكن الموقف الإسرائيلي، فإن المصادر الفرنسية تؤكد أن تواصلها مع الطرف الأميركي «قائم دوماً»، وأنها «دائمة التنسيق معه»، وقد «لعبت دوراً» لإقناع الرئيس دونالد ترمب بفرض وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» لمدة 10 أيام، وأنها تسعى لأن يتم تمديده.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب رئيس وزراء بولندا دونالد تاسك خلال زيارة مشتركة لمدينة غدانسك الاثنين (رويترز)

وهناك ملفات كثيرة ستُطرح خلال الاجتماع بين الرئيس إيمانويل ماكرون ونواف سلام، عصر الثلاثاء، في قصر الإليزيه الذي استبق الزيارة لإعادة التأكيد على المواقف الثابتة لباريس إزاء لبنان سواء بالنسبة لاحترام وقف إطلاق النار، أو دعم استقرار وسيادة الدولة على جميع أراضي الجمهورية، والوصول إلى حصرية السلاح بيد القوى الشرعية. وترى باريس أن الهدف الأخير يمثل «السبيل الوحيد لتوفير الاستقرار المستدام في لبنان، والعيش بسلام مع جيرانه»، في إشارة إلى إسرائيل.

دور فرنسي في المفاوضات

كان لا بد من أن تأتي باريس على أنواع الدعم الذي توفره للبنان، وتمسكها بالإصلاحات المطلوبة من الحكومة اللبنانية كمقدمة لمؤتمر دعم لبنان المؤجل حتى تنفيذ هذه الإصلاحات، علماً أن مؤتمر دعم الجيش كان مقرراً في 5 مارس (آذار) الماضي بسبب الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، ولا موعد جديداً لعقده حتى اليوم. والمستجد هو مقتل جندي فرنسي من قوة «يونيفيل» في حادث تحمِّل باريس مسؤوليته لـ«حزب الله»، وتشدد على ضرورة جلاء ظروفه، والقبض على المسؤولين عنه ومحاكمتهم.

لا شك أن ملف المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل سيحتل القسم الأكبر من لقاء ماكرون - سلام. وتجدر الإشارة إلى أن باريس أعدت «ورقة غير رسمية» لمفاوضات لبنانية - إسرائيلية تهدف إلى إنهاء حالة الحرب بين الطرفين. وقد حاول جان نويل بارو، وزير الخارجية، في زيارته للبنان وإسرائيل من 18 إلى 20 مارس الماضي تسويقها، لكن إسرائيل تحفظت عليها، كذلك عرضت باريس استضافة المفاوضات، لكن من الواضح أنها لن تحدث على الأراضي الفرنسية. وفي تصريحاته، الاثنين، لم يذكر الرئيس جوزيف عون زمن انطلاقها أو مكان انعقادها. وعلى أية حال، فإن الدبلوماسية الفرنسية لن تكون بعيدة عن هذه المفاوضات عند انطلاقها، رغم أن الجانب اللبناني يراهن على «الصديق» الأميركي «وفق تسمية عون»؛ للضغط على إسرائيل، ولجم تصرفاتها في لبنان. وعلى أية حال، فإن القناعة الفرنسية تؤكد أن لبنان «سيكون بحاجة لدعم أصدقائه» في العالم وأولهم، داخل الاتحاد الأوروبي، فرنسا.

رجل يقود دراجته النارية في منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يعم الدمار المكان (إ.ب.أ)

تريد باريس أن تحقق المفاوضات نتائج إيجابية؛ ولذا، فإن، وفق مصادرها، تعمل على تنفيذ بعض المقترحات «العملية» حول كيفية «تسهيل» مجرياتها حتى لا تواجه، منذ انطلاقها، جبلاً من الصعوبات وافتراق المواقف، خصوصاً في موضوع نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.

والسؤال المطروح: ما الذي يتعين أن يتحقق أولاً؟ حصر السلاح أم الانسحاب؟ والواضح أن كل طرف يستخدم موقف الطرف الآخر لتبرير موقفه؛ لذا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح العمل بمبدأ «الخطوات المتوازية والمتقابلة»، بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» أولاً وبالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية.

فراغ ما بعد «يونيفيل»

ثمة موضوعان إضافيان سيحظيان بالمناقشة بين ماكرون وسلام، الأول هو الاعتداء على عناصر من الوحدة الفرنسية العاملة في إطار قوة السلام الدولية في جنوب لبنان منذ عام 1978؛ حيث قُتل عنصر برتبة رقيب، وجرح ثلاثة آخرون. ويرتبط هذا الملف عضوياً بملف إضافي يدور حول كيفية ملء الفراغ في الجنوب اللبناني بعد رحيل «يونيفيل» مع نهاية العام الحالي. وتجدر الإشارة إلى أن قرار التجديد للقوة الدولية الذي تم، الصيف الماضي، نص على أنه الأخير، وذلك بضغط أميركي ــ إسرائيلي، بينما بذلت فرنسا جهوداً كبيرة لتجنبه. وليس سراً أن باريس تقوم بالعديد من الاتصالات، خصوصاً مع الدول الأوروبية المعنية بالإبقاء على حضور عسكري لها في الجنوب اللبناني، ومنها إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وهولندا... وثمة العديد من الطروحات قيد المناقشة، وتتناول مهمة القوة متعددة الجنسيات وانتدابها وتمويلها، علماً أن ثمة من يريد أن تكون تحت راية الأمم المتحدة. ولا شك أن المشاورات سوف تتكثف كلما اقترب موعد رحيل «يونيفيل».

ثلة من الجنود الفرنسيين تحمل نعش الرقيب الفرنسي فلوريان مونتورو الذي قتل في جنوب لبنان خلال نقله إلى طائرة في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (رويترز)

وبخصوص الموضوع الأول، فإن باريس سارعت لكشف ما تريده من السلطات اللبنانية وهو التحرك السريع لكشف المسؤولين عن الحادث وملاحقتهم ومحاكمتهم. وقال بارو، الأحد، إن باريس «تلقت تأكيدات بأن السلطات اللبنانية ستعطي الأولوية المطلقة للعثور على المسؤولين عن هذه الجريمة وتوقيفهم». ودعا الوزير الفرنسي إلى استئناف الخطة الحكومية المكونة من عدة مراحل لجمع سلاح «حزب الله» بدءاً من منطقة جنوب الليطاني، وقد أنجزت أولاها، نهاية العام الماضي. وبنظره «يجب استئناف (الخطة)؛ لأن... الحل السياسي الوحيد لضمان السلام والاستقرار في لبنان هو نزع سلاح (حزب الله)... ثم بالطبع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان».


سوريا تشهد تسريعاً في مسار عملية «العدالة الانتقالية»

الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل  (حساب الهيئة)
الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل (حساب الهيئة)
TT

سوريا تشهد تسريعاً في مسار عملية «العدالة الانتقالية»

الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل  (حساب الهيئة)
الاجتماع الثلاثي لرئيس هيئة العدالة ووزير الداخلية ووزير العدل (حساب الهيئة)

قال عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا المحامي رديف مصطفى إن وضع قوائم بأسماء المرتبطين بالنظام البائد ليس إقصاءً أو تعميم أحكام.

وتابع، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الهدف منها بناء قاعدة بيانات دقيقة ومنظمة، مع مراعاة «مبدأ عدم إدراج أي اسم دون أساس قانوني مثبت»، موضحاً أن هذه «البيانات» ستستخدم «كأداة مساندة في إعداد الملفات القانونية ضمن مسار شامل للعدالة الانتقالية».

وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية قد شاركت، الأحد والأربعاء، في جلسة عمل ثلاثية مع وزارتي العدل والداخلية، حضرها رئيس الهيئة العميد عبد الباسط عبد اللطيف ووزير الداخلية أنس خطاب ووزير العدل مظهر الويس، بهدف وضع منهجية متكاملة لإعداد قوائم بالأشخاص المرتبطين بالنظام البائد وبحث آليات حصر الأسماء وتدقيقها وفق معايير قانونية دقيقة تضمن موثوقية المعلومات وقابليتها للاعتماد القضائي، بالإضافة إلى بحث الأطر القانونية والإجرائية اللازمة لتنظيم قواعد البيانات وإعداد الملفات والتقارير القانونية، بما يمهّد لاتخاذ الإجراءات القضائية وفق الأصول المعتمدة.

وهدفت الجلسة إلى وضع منهجية متكاملة لإعداد قوائم بالأشخاص المرتبطين بالنظام البائد، حيث تم بحث آليات حصر الأسماء وتدقيقها وفق معايير قانونية دقيقة تضمن موثوقية المعلومات وقابليتها للاعتماد القضائي.

وفي بيان صادر عن الهيئة بعد الجلسة، أكدت أن دورها هو الدفع «نحو بناء منظومة عدالة متكاملة، وتعزيز التنسيق بين الجهات الوطنية بما يخدم مسار العدالة الانتقالية ويرسّخ سيادة القانون».

وقال عضو لجنة المحاسبة والمساءلة في الهيئة المحامي رديف مصطفى، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاجتماع الثلاثي «جاء في إطار تطوير أدوات مؤسسية تدعم مسار العدالة الانتقالية وترسّخ سيادة القانون». لافتاً إلى أنه «يتم العمل على تطوير منهجية قانونية واضحة تستند إلى معايير دقيقة، تشمل التحقق من المعلومات عبر مصادر موثوقة، والتقاطع بين الأدلة والوثائق، مع مراعاة مبدأ عدم إدراج أي اسم دون أساس قانوني مثبت».

وشدد على أن هذه القوائم (البيانات) ستستخدم «كأداة مساندة في إعداد الملفات القانونية، ودعم عمل الجهات القضائية المختصة، إلى جانب دورها في تنظيم عملية التوثيق وتحليل الأنماط المرتبطة بالانتهاكات، ضمن مسار شامل للعدالة الانتقالية».

وأكد مصطفى أن العمل في هذا الاتجاه «بدأ بالفعل على مستوى إعداد الأطر المنهجية والتنسيق بين الجهات المعنية، وسيتم الانتقال تدريجياً إلى مراحل التنفيذ وفق خطة عمل مدروسة تضمن الدقة والموثوقية»، مع التأكيد على أن هذا المسار «يتم وفق مقاربة قانونية ومؤسسية، توازن بين تحقيق العدالة، وحماية الحقوق، وضمان عدم التسرع أو التعميم».

رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» مع الأهالي في دير الزور بعد تسلم المبنى الخاص (حساب الهيئة)

من جانبه، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، الاثنين، أن «هناك مستجدات مهمة قريبة في ملف العدالة الانتقالية». وكتب البابا، في منشور على حسابه في «فيسبوك»: «يُخطئ المخلوع ومجرموه الفارّون من وجه العدالة إن ظنّوا أنّهم بمنأى عن المساءلة، أو أنّ جرائمهم قد طواها النسيان، فالدولة السورية ماضية بعزم لا يلين في مواصلة العمل ليلاً ونهاراً لتقديمهم إلى القضاء المختص»، لافتاً إلى أن الهدف هو إجراء محاكمات عادلة تُنصف الضحايا وتعيد الحقوق إلى أصحابها. وقال: «قريباً سيتم الإعلان عن مستجدات مهمة في ملف العدالة الانتقالية»، وإن هذه الخطوات تأتي ثمرة تنسيق مشترك بين وزارتي الداخلية والعدل، والهيئة العامة للعدالة الانتقالية.

وتشهد هيئة العدالة الانتقالية تسريعاً في نشاطها من حيث توسيع حضورها في المحافظات السورية، حيث استلمت، الأحد، مبنى فرعها في محافظة دير الزور، ليكون الفرع الثاني لها بعد فرع حمص.

وقالت الهيئة، في بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، إن افتتاح الفروع في المحافظات يشكّل خطوة أساسية نحو بناء مسار وطني متكامل للعدالة الانتقالية، قائم على القرب من المواطنين وتعزيز الثقة.

جلسة لـ«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في اللاذقية (حساب الهيئة)

وبدأت الهيئة، الأسبوع الماضي، تنظيم سلسلة جديدة من اللقاءات في المحافظات، بهدف تعزيز الشراكة مع مختلف الفعاليات، شملت عقد جلسات في حلب واللاذقية ودير الزور بمشاركة واسعة من الفعاليات الرسمية والمجتمعية، وأعضاء مجلس الشعب، وحقوقيين، ومديري مناطق، وقيادات أمنية، وممثلين عن المجتمع المدني في المحافظات الثلاث.

وناقشت الجلسات التحديات التي تواجه عمل الهيئة وأدوات العمل في التعامل مع الملفات الحساسة، وموقع هذا المسار في المرحلة الحالية. كما طرح الحضور تساؤلات حول مصير القضايا العالقة وآليات التوثيق، في حوار مباشر يعزز الفهم المشترك لدور الهيئة وآليات عملها.

رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» عبد الباسط عبد اللطيف (سانا)

يشار إلى أن الآلية الدولية المحايدة المعنية بالمساعدة في التحقيق في أخطر الجرائم في سوريا، التابعة للأمم المتحدة، اعتبرت في 15 أبريل (نيسان) الحالي، أن الانتقال السياسي في البلاد أتاح فرصاً جديدة وفريدة للمساءلة بما في ذلك عبر الحوار المباشر مع المؤسسات السورية والهيئات الوطنية المكرسة لتحقيق العدالة الانتقالية.

كما أكدت في تقريرها خلال اجتماع في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنها حققت تقدماً ملموساً في النهوض بالعدالة الشاملة في سوريا، رغم القيود الكبيرة والمستمرة المتعلقة بالموارد.

وشكلت السلطات السورية قبل نحو العام، الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، برئاسة العميد عبد الباسط عبد اللطيف، بهدف محاسبة كل من ارتكب الجرائم بحق السوريين في عهد النظام السابق. وتواجه الهيئة تحديات كبيرة ومعقدة في مسار عملها وسط انتقادات شعبية تتعلق بتأخر تحقيق العدالة الانتقالية وجبر الضرر لمئات الآلاف من ضحايا الحرب.


مسيّرة إسرائيلية تهاجم محيط مجرى الليطاني في جنوب لبنان

طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)
طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)
TT

مسيّرة إسرائيلية تهاجم محيط مجرى الليطاني في جنوب لبنان

طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)
طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)

شنّت إسرائيل، الاثنين، هجوماً بمسيّرة في جنوب لبنان، على الرغم من وقف إطلاق النار المعلن لمدة 10 أيام بين الدولة العبرية و«حزب الله»، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية.

وأوردت الوكالة أن «مسيّرة معادية استهدفت محيط مجرى نهر الليطاني في بلدة قعقعية الجسر»، من دون الإشارة إلى أي أضرار.

وكانت إسرائيل قد أعلنت أنها ستستخدم «كامل قوتها» للتصدي «لأي تهديد»، بالرغم من الهدنة.