«الشرق الأوسط» تستطلع عمل دوريات أهلية وسط دمشق لحين عودة الشرطة

مفتش اللغة الفرنسية يقود 100 متطوع في «حي الميدان» الدمشقي

متطوع في دورية راجلة بمنطقة الغواص بحي الميدان الدمشقي (الشرق الأوسط)
متطوع في دورية راجلة بمنطقة الغواص بحي الميدان الدمشقي (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» تستطلع عمل دوريات أهلية وسط دمشق لحين عودة الشرطة

متطوع في دورية راجلة بمنطقة الغواص بحي الميدان الدمشقي (الشرق الأوسط)
متطوع في دورية راجلة بمنطقة الغواص بحي الميدان الدمشقي (الشرق الأوسط)

بلباس مدني وأسلحة خفيفة ومجموعات من متطوعين نظموا لجاناً أمنية، قرر مفتش اللغة الفرنسية مروان هندية، ومجموعة من شبان حي الميدان أحد أعرق أحياء العاصمة دمشق، تشكيل لجنة أمنية والخروج في نوبات حراسة، في وقت لا تزال فيه سلطات الإدارة السورية الجديدة؛ تنظّم نفسها بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع بشار الأسد.

عند مدخل سوق الجزماتية التجارية المعروفة وأزقة منطقة الغواص، أحد معالم حي الميدان مروراً بسوق أبو حبل، امتداداً إلى جسر المتحلق الجنوبي، يحرس هؤلاء المتطوعون في دوريات راجلة الممتلكات الخاصة والمحال التجارية والمطاعم المنتشرة بكثرة في الحي القديم، من السرقات والاعتداءات التي انتشرت ظاهرتها بعد سقوط الأسد.

مفتش اللغة الفرنسية مروان هندية (الصف الأمامي يسار) يقود متطوعين في دورية راجلة بحي الميدان الدمشقي (الشرق الأوسط)

وبحسب المفتش الهنداوي، تنسق اللجان عملها بالتعاون مع «إدارة العمليات العسكرية»، وتأخذ تعليماتها من «إدارة العمليات العسكرية» التي تقدّم لهم السلاح الفردي وتغطي عملهم أمنياً بشكل مؤقت، ريثما تعود الضابطة العدلية ونقاط الشرطة لمهامها الأمنية.

في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يوضح موجه اللغة الفرنسية ومفتشها في مدارس الميدان، مروان هندية، كيف بدأت هذه المجموعات بالخروج في الشوارع والأحياء العامة بالميدان وغيرها من أحياء دمشق: «بعد ليلة السقوط (هروب بشار الأسد) في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، قررنا حماية ممتلكات الأهالي والمحلات والمطاعم منعاً للسرقات والتعديات، وحفاظاً على الأمن العام والسلم المجتمعي».

محيي الدين أبو طارق نجار موبيليا ومطرزات دمشقية داخل ورشته التي تضم خشب زان وماكينات ثمينة كان يخشى عليها من السرقة (الشرق الأوسط)

تخرج هذه المجموعات بشكل تطوعي في المساء، بدءاً من الساعة الثامنة حتى السادسة صباحاً، وتكون على شكل دوريات راجلة تتنقل في أكثر من نقطة وتغطي مساحة جغرافية محددة لتحركاتها. يقول هندية: «نحن رديف أمني للجنة تنظيم الحي، وعددنا أكثر من 100 متطوع من شبان حي الميدان».

وبحسب هذا المدرس الذي قضى نحو 40 عاماً في خدمة مدارس دمشق، تتشكل المجموعات من أطباء ومحامين وطلبة جامعات ومدرسين وعمال، ليزيد: «الميزة أننا من أبناء الميدان، والشيخ عبد الحليم أبو شعر، أحد وجهاء الحي، يشرف علينا ويساعدنا في التعرف على أي شخص غريب منعاً لوقوع حوادث تخيف سكان الحي».

مفتش اللغة الفرنسية مروان هندية ومجموعة متطوعين في دورية راجلة بمنطقة الغواص بحي الميدان الدمشقي (الشرق الأوسط)

تنحصر مهمة هذه اللجنة في صد أي اعتداء أو سرقة محتملة على الممتلكات والأفراد، بسبب النقص الكبير لدى قوات الأمن والشرطة بعد تسلم إدارة العمليات العسكرية حكم البلاد منذ سقوط النظام في 8 ديسمبر العام الماضي، وكثير من هؤلاء الشبان والمتطوعون يمتلك خبرة في حمل السلاح، وبعضهم خضع لتدريبات سريعة تحت إشراف السلطة الجديدة، وهناك قسم آخر خدم في الجيش سابقاً بحكم التجنيد الإجباري.

الحياة اليومية بحي الميدان وسط دمشق (الشرق الأوسط)

ولفت المفتش إلى أن السرقات والتجاوزات خفَّت بشكل عام، بعد القبض على بعض المشتبهين وتسليمهم إلى اللجان الأمنية التابعة للسلطات السورية «والتي بدورها تحيلهم للمحاكم والسجون».

هشام مروة صاحب «فرن الغواص» مرتاح لفكرة حماية حي الميدان من قبل مجموعة أهلية (الشرق الأوسط)

تجدر الإشارة إلى أن عمل هؤلاء المتطوعين لا يقتصر على حماية الأحياء في ساعات المساء، فقد انخرط بعضهم مع شرطة المرور لتنظيم حركة السير، وآخرون يتناوبون في أقسام الإطفائية وإدارة المدارس ومجالس البلدية. وينظر أهالي الميدان لعمل هذه اللجان بـ«إيجابية كبيرة»، كما يقول مروان وهو طالب في السنة الثالثة بكلية الصيدلة وأحد أعضاء اللجان. ويؤكد على بديهة أن كل إنسان عليه دور وواجب في مجتمعه المحلي وتجاه مؤسسات الدولة، «لا يجب أن يتوانى المواطن إذا كان قادراً على تقديم المساعدة لمجتمعه، حقيقة نعيش فرحة النصر والخلاص من نظام الأسد، وأضعف الإيمان حماية أحيائنا وأهلنا وتسيير شؤوننا حتى تفعّل مؤسسات السلطة الجديدة».

فتح الانتساب لصفوف الشرطة

يتجوّل صاحب «فرن الغواص» هشام مروة (57 عاماً) مع صديق له يدعى محيي الدين، في الأزقة الضيقة، وهما في حالة ارتياح وطمأنينة يلقيان السلام على عناصر الدورية التي عمدت إلى إخفاء السلاح الخفيف بين ملابسها، حفاظاً على السلم الأهالي وعدم إقلاق المدنيين منه.

ونقل مروة وصديقه أنهما متجاوبان مع أي نداء من هذه اللجان، منعاً لوقوع السرقات التي تستهدف المنازل والمحال والمطاعم، موضحاً: «نحن بحاجة لهم في هذا الوقت، وعلينا أن نقف يداً واحدة منعاً لوقوع المشاكل والحوادث، وحتى لا تنتشر الفوضى، لذلك نحرص على نجاح هذه اللجان ونتعاون معها».

فؤاد حماصنة مختار حي «ميدان وسطاني» (ميدان وسطاني) - (الشرق الأوسط)

أما فؤاد حماصنة وهو مختار حي ميدان وسطاني منذ عام 1998، فيروي كيف خلع مئات الجنود وعناصر الشرطة بزاتهم العسكرية ورموا أسلحتهم، بعد أن علموا بهروب بشار الأسد وقيادات كبيرة في البلاد ديسمبر الماضي، تاركين وراءهم سياراتهم ودراجاتهم النارية وخلت البلاد لأيام من أي حواجز أمنية أو نقاط تفتيش، ما دفع كثيراً من أبناء حي الميدان وباقي أحياء العاصمة دمشق، إلى الانتشار في أحيائهم بشكل عفوي لحمايتها.

جدران حي الميدان العريق في دمشق تتزين برموز ما بعد سقوط نظام الأسد (الشرق الأوسط)

وقال حماصنة في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «عبر تسيير الدوريات الليلية الراجلة في المواقع السكنية والشوارع التجارية، جرى الحد من وقوع الجرائم، لحين عودة رجال الشرطة وعمل المخفر». ونوه بأن عدد المتطوعين لا يكفي مقارنةً مع مساحة هذا الحي الكبير: «لكننا مستمرون في عملنا رغم الضغوط، وكثير من الشبان يتناوب في قسم الحراسة وقسم المرور وتنظيم البلدية بالوقت نفسه، ريثما نصل إلى العدد المطلوب لتحقيق الأمن والأمان».

الحياة اليومية بحي الميدان وسط دمشق (الشرق الأوسط)

تجدر الإشارة إلى أنه بالإضافة إلى لجان الحماية المحلية لهذه الأحياء الدمشقية، ينتشر بشكل محدود عدد من عناصر الشرطة التابعين للحكومة السورية الجديدة في نقاط رئيسية بشوارع دمشق، إضافة إلى عناصر شرطة المرور وعناصر إدارة العمليات العسكرية، لسد الفراغ الأمني الكبير.

وأعلنت وزارة الداخلية مؤخراً فتح باب التسجيل والانتساب ضمن صفوف الشرطة والالتحاق بكلية الشرطة، لإعادة بناء جهاز الضابطة العدلية والمخافر.


مقالات ذات صلة

ستارمر يبحث مع الشرع الهجرة وأمن الحدود ويشيد بجهود التصدي لـ«داعش»

أوروبا اجتماع الشرع ورئيس الوزراء البريطاني في مقر الحكومة بداوننغ ستريت بحضور مسؤولين من الطرفين (حساب الرئاسة السورية)

ستارمر يبحث مع الشرع الهجرة وأمن الحدود ويشيد بجهود التصدي لـ«داعش»

ذكر مكتب رئيس ​الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم (الثلاثاء)، أنه بحث مع الرئيس السوري ‌أحمد ‌الشرع، خلال ​اجتماع ‌في ⁠لندن، ​قضايا الهجرة.

«الشرق الأوسط» (لندن - دمشق)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يرفع العلم السوري فوق مبنى السفارة في العاصمة البريطانية لندن أكتوبر 2025 (حساب الخارجية)

الرئيس السوري في لندن... فماذا تتوقع الجالية السورية من الزيارة؟

الجاليات السورية حول العالم شريك فاعل في جهود إعادة البناء، والتنمية، وقد أظهرت التزاماً واضحاً في دعم إعادة الإعمار، والمساعدة في تسريع التعافي

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة موزعة من المخابرات التركية للجاسوس الذي عمل لمصلحة نظام بشار الأسد أوندر سيغرجيك أوغلو بعد القبض عليه بالتعاون مع المخابرات السورية وإعادته إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

نجحت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية في القبض على مواطن تركي اختطف اثنين من قادة «الجيش السوري الحر» في عام 2011.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي لقاء الرئيس أحمد الشرع والمستشار الاتحادي الألماني فريدريش ميرتس في مقر المستشارية الاتحادية الألمانية (سانا)

ميرتس يعلن في مؤتمر صحافي مع الشرع سعيه لإعادة 80% من اللاجئين السوريين

أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع أنه يسعى إلى إعادة 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (برلين) «الشرق الأوسط» (برلين - لندن)

غارة إسرائيلية على مبنى مجاور لطريق مطار بيروت

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

غارة إسرائيلية على مبنى مجاور لطريق مطار بيروت

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

استهدفت غارة، الثلاثاء، مبنى محاذياً للطريق الرئيسية المؤدية إلى مطار بيروت الدولي، كما أظهر بثّ مباشر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد إنذار الجيش الإسرائيلي سكان المنطقة المحيطة به بالإخلاء لوجودهم قرب «منشأة تابعة لـ(حزب الله)».

وتصاعدت سحابة دخان ضخمة من المبنى الواقع على تخوم ضاحية بيروت الجنوبية على أثر الغارة، بينما أظهر مقطع فيديو جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، صاروخاً يصيب الطوابق العلوية من المبنى وتناثر حجارة على طريق المطار التي قطعتها الأجهزة الأمنية بعد الإنذار الإسرائيلي.

وهذه الغارة الثانية، الثلاثاء، على ضاحية بيروت الجنوبية، التي نزح العدد الأكبر من سكانها منذ بدء الحرب، على وقْع الغارات والإنذارات الإسرائيلية.


الجيش اللبناني ينسحب من قرى مسيحية حدودية والأهالي يرفضون المغادرة

لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
TT

الجيش اللبناني ينسحب من قرى مسيحية حدودية والأهالي يرفضون المغادرة

لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)

على وقع التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، ومع تسجيل تقدّم ميداني متسارع في بعض المحاور الحدودية، اتخذ الجيش اللبناني قراراً بـ«إعادة التموضع» وانسحابه من عدد من القرى ذات الغالبية المسيحية في أقصى الجنوب، وتحديداً رميش ودبل وعين إبل، في خطوة يراد منها تجنب الاحتكاك المباشر مع الجيش الإسرائيلي، أو بقاء قواته في الخطوط الخلفية للإسرائيليين.

وفيما تندرج هذه الخطوة في إطار حسابات «أمنية سياسية» مرتبطة بالجيش اللبناني في غياب أي قرار بالتصادم مع الجيش الإسرائيلي، قوبلت برفض من الأهالي الذين تمسكوا بالبقاء في أرضهم، وعدوا أن غياب القوى الأمنية يهدّد وجودهم في هذه المنطقة الحدودية الحساسة. وتقع القرى الثلاث في أقصى جنوب لبنان ضمن بنت جبيل ومرجعيون، بمحاذاة الخط الأزرق الحدودي جنوب نهر الليطاني، أي ضمن نطاق العمليات العسكرية.

رميش: «نريد الدولة... ولن نغادر»

ورفع الأهالي صوتهم رافضين المغادرة، وتجمعوا في ساحات القرى، مطالبين الجيش اللبناني والقوى الأمنية بالبقاء في مراكزهم، وهو ما عبّر عنه كاهن رميش الأب نجيب العميل قائلاً: «نريد البقاء تحت جناح الدولة... هناك مراكز للقوى الأمنية من الجيش وقوى الأمن الداخلي في البلدة واليوم طُلب منهم الإخلاء والتوجه نحو بيروت... هذا نرفضه لأننا سنبقى في كنف الدولة».

وأكد: «حتى لو نُفّذ الانسحاب نحن لن نغادر، سنبقى في مناطقنا، ويجب أن تبقى مراكز الجيش... وجود القوى الأمنية يعطينا حماية... نحن مستعدون أن نتحمّل وأن نبقى في أرضنا».

واستعاد محطات تاريخية قائلاً: «في عام 1976 تركنا هنا وبقينا 25 عاماً رافضين تطويعنا (في إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي)، واتهمونا بأننا عملاء ونحن لسنا كذلك... نحن لبنانيون ونريد المحافظة على لبنان... وفي عام 2000 بعد التحرير رجعنا لكنف الدولة التي نطالب بها دائماً».

مدخل بلدة رميش في جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

عين إبل: الجيش صمام الأمان الأخير

وفي عين إبل أيضاً، حصل تحرّك مماثل، حيث رفض الأهالي مغادرة الجيش مركزه في البلدة، مؤكدين التمسّك بالأرض ورفض أي فراغ أمني.

وفيما قال رئيس بلدية عين إبل أيوب خريش: «نتفهم أسباب الجيش بالإخلاء لكن قرارنا هو البقاء في البلدة»، وصدر عن أهالي البلدة بيان قالوا فيه: «في ظلّ التطورات الأمنية الخطيرة التي تشهدها منطقتنا، نُفاجأ بطلب انسحاب القوى الأمنية اللبنانية من أرضنا، في وقتٍ نحن بأمسّ الحاجة إلى حضور الدولة ومؤسساتها لحماية المدنيين الأبرياء. إنّنا، أهالي عين إبل، نعلن بوضوح لا لبس فيه: نرفض رفضاً قاطعاً أي انسحاب للقوى الأمنية من بلدتنا، ونعد أن ترك المواطنين دون حماية هو أمر غير مقبول، ويشكّل خطراً مباشراً على حياتهم وأرزاقهم ووجودهم في أرضهم».

سكان عين إبل بجنوب لبنان يرحبون بالبطريرك الراعي في زيارة سابقة له إلى المنطقة (البطريركية المارونية)

وأضاف البيان: «لقد كان للجيش اللبناني والقوى الأمنية دور أساسي وحيوي في هذه المرحلة، حيث واكبوا قوافل المؤن والمحروقات، وأسهموا في تأمين وصولها إلى البلدة، كما عملوا على مواكبة الأهالي في تنقّلهم، سواء عند خروجهم من البلدة أو عودتهم إلى منازلهم في الأطراف، ما شكّل عامل أمان في ظل الظروف الراهنة»، مؤكداً أنّ «هذا الدور لا يمكن الاستغناء عنه، بل يجب تعزيزه، لأنّ أي انسحاب اليوم يعني تعريض هذه الجهود للخطر وترك الأهالي في مواجهة واقع أمني بالغ الحساسية دون أي حماية».

وشدّد البيان على أنّ «الجيش اللبناني والقوى الأمنية صمّام الأمان الأخير لأهلنا، ووجودهم إلى جانبنا هو عنصر ثبات وصمود، وغيابهم يفتح الباب أمام المجهول ويزيد منسوب الخطر على المدنيين».

وطالب الأهالي بالتراجع الفوري عن القرار، وتعزيز حضور الدولة بدل تقليصه، مؤكدين أن «تمسّكنا بالدولة اللبنانية هو خيار نهائي لا رجعة عنه، وأنّ صمودنا في أرضنا مرتبط بوجودها إلى جانبنا، لا بانسحابها من بيننا».

ويأتي انسحاب الجيش من هذه القرى مع التقدم الإسرائيلي المتواصل في جنوب الليطاني واستهداف الجيش اللبناني الذي كان أكثر من مرة عُرضة لنيران إسرائيلية في رسالة واضحة له لإبعاد العسكريين، وآخرها كان «تعرّض حاجز للجيش في بلدة العامرية على طريق القليلة - صور لاعتداء إسرائيلي، ما أدى إلى استشهاد أحد العسكريين وإصابة آخرين بجروح»، حسبما أعلنت قيادة الجيش.


«نموذج رفح وبيت حانون»… الدمار الذي تسعى إسرائيل لتطبيقه في جنوب لبنان

لقطة جوية التقطتها طائرة مسيرة تظهر منازل ومباني فلسطينية مدمرة في رفح العام الماضي (رويترز)
لقطة جوية التقطتها طائرة مسيرة تظهر منازل ومباني فلسطينية مدمرة في رفح العام الماضي (رويترز)
TT

«نموذج رفح وبيت حانون»… الدمار الذي تسعى إسرائيل لتطبيقه في جنوب لبنان

لقطة جوية التقطتها طائرة مسيرة تظهر منازل ومباني فلسطينية مدمرة في رفح العام الماضي (رويترز)
لقطة جوية التقطتها طائرة مسيرة تظهر منازل ومباني فلسطينية مدمرة في رفح العام الماضي (رويترز)

في ظل التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن إنشاء منطقة أمنية داخل جنوب لبنان، برزت إشارة خطيرة إلى «نموذج رفح وبيت حانون» في قطاع غزة، بوصفه نموذجاً يمكن تكراره في جنوب لبنان.

فقد قال كاتس إن الجيش الإسرائيلي سيُبقي سيطرته على مساحة واسعة من جنوب لبنان حتى بعد انتهاء الحرب الحالية ضد «حزب الله»، وقال إن مئات الآلاف من النازحين اللبنانيين «سيُمنعون منعاً باتاً» من العودة إلى بيوتهم إلى حين ضمان أمن شمال إسرائيل.

وأضاف: «سيتم هدم جميع المنازل في القرى المتاخمة للحدود في لبنان، على غرار نموذج رفح وبيت حانون في غزة».

فما المقصود بـ«نموذج رفح وبيت حانون»؟

دمرت إسرائيل خلال الحرب على قطاع غزة التي اندلعت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، واستمرت عامين، مدينتي رفح وبيت حانون.

وطال الدمار الواسع البنية التحتية والمناطق السكنية على حد سواء.

فقد تحولت أحياء كاملة في المدينتين إلى كتل من الركام، بعد عمليات قصف مكثف ونسف ممنهج للمباني؛ ما أدى إلى محو معالم الحياة المدنية في المدينتين.

هذا الدمار لم يقتصر على المنازل، بل امتد ليشمل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والمرافق الحيوية، في ظل نزوح واسع للسكان ومنع كثيرين منهم من العودة إلى مناطقهم.

صورة التقطتها طائرة مسيرة تظهر منازل دُمرت خلال الهجوم الإسرائيلي في بيت حانون شمال قطاع غزة (رويترز)

ويُنظر إلى ما جرى في رفح وبيت حانون بوصفه نموذجاً لواقع ميداني قائم على الإخلاء والتدمير الشامل، وهو ما يثير مخاوف من تكرار هذا السيناريو في مناطق أخرى، أبرزها جنوب لبنان، في ضوء التصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشأن إقامة مناطق أمنية، ومنع عودة السكان إليها.

جنديان إسرائيليان في رفح جنوب قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

وتقع رفح أقصى جنوب قطاع غزة، على الحدود بين القطاع ومصر جنوباً، وتحدُّها إسرائيل شرقاً، ومحافظة خان يونس من الجهة الشمالية، وفي غربها البحر المتوسط.

ولعقود طويلة، كانت رفح محط اهتمام إسرائيل، نظراً لموقعها الاستراتيجي على الحدود بين قطاع غزة ومصر، خصوصاً في منطقة محور فيلادلفيا، الذي عدته إسرائيل «منطقة حساسة أمنياً لمنع تهريب الأسلحة».

جانب من الدمار في رفح (رويترز)

ووفق دراسات وتقارير صادرة عن مراكز بحثية دولية وتقارير الأمم المتحدة، فقد شهدت المدينة عمليات عسكرية متكررة منذ الانتفاضة الثانية، شملت توغلات وهدم منازل بدعوى إقامة مناطق عازلة.

كما أكدت تقارير «هيومن رايتس ووتش» و«منظمة العفو الدولية» أن هذه السياسات أدت على مدار سنوات إلى تدمير أحياء سكنية وتهجير آلاف السكان، في إطار ما وصفته بمحاولات للسيطرة الأمنية على الشريط الحدودي.

ويعكس هذا التاريخ الطويل من العمليات في رفح سياقاً أوسع لفهم ما شهدته المدينة لاحقاً من دمار واسع خلال الحرب الأخيرة.

جانب من الدمار في رفح (أ.ب)

أما مدينة بيت حانون فتعد بوابة قطاع غزة الشمالية. وتحدها شمالاً مستوطنات ومواقع إسرائيلية في أراضي عام 1948، وكذلك من شرقها؛ في حين تقع جنوبها وغربها بلدة بيت لاهيا.

وقبل الحرب، كان يربط المدينة بالعالم حاجز «إيرز» الذي كان يمر منه المرضى والأجانب وغيرهم من القطاع وإليه، ويُسمح في بعض الأحيان بسفر حالات إنسانية؛ إلا أنه كان في السابع من أكتوبر 2023 مركز اهتمام هجوم «حماس»، على أساس أن المخابرات الإسرائيلية تستخدمه بشكل كبير لتجنيد فلسطينيين للعمل لصالحها استخباراتياً.

صورة من الجو التقطتها مسيّرة تظهر حجم الدمار في بيت حانون بشمال قطاع غزة (رويترز)

وتمكنت «حماس» من قتل وجرح وأسر كثير من الجنود في الهجوم، واقتناص معلومات استخباراتية من داخله، بعد أن تمكنت عناصرها من دخول مكاتب ضباط جهاز الأمن الداخلي «الشاباك» هناك.

صورة التقطتها طائرة مسيرة تظهر الدمار في بيت حانون شمال قطاع غزة (رويترز)

وكانت المدينة من أوائل المناطق التي تعرضت لعمليات قصف جوي ومدفعي منذ لحظة الهجوم، وشهدت سلسلة عمليات برية خلال الحرب.