صدمة وسط النازحين العائدين في أول يوم من بدء «اتفاق غزة»

«الشرق الأوسط» ترصد ذهول الناس بعد عودتهم إلى منازلهم المدمرة بـ«جباليا»

TT

صدمة وسط النازحين العائدين في أول يوم من بدء «اتفاق غزة»

غزيون نازحون لدى عودتهم إلى منازلهم المدمرة في مخيم جباليا الأحد مع بدء تنفيذ اتفاق وقف النار (الشرق الأوسط)
غزيون نازحون لدى عودتهم إلى منازلهم المدمرة في مخيم جباليا الأحد مع بدء تنفيذ اتفاق وقف النار (الشرق الأوسط)

صُدم آلاف الفلسطينيين لدى عودتهم إلى منازلهم في قطاع غزة الأحد تزامناً مع بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية، لمشاهد الدمار التي لحقت بالمباني المدمرة بفعل آلة الحرب الإسرائيلية. ورصدت «الشرق الأوسط» الذهول الذي أصاب النازحين العائدين بعدما اكتشفوا مدى الدمار الذي لحق بمنازلهم وأحيائهم المدمرة.

لم ينتظر سكان المناطق التي تمركزت بها القوات الإسرائيلية دخول موعد اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فسارعوا لتفقد مناطق سكنهم، إلا أن هول المشاهد كان أكبر من كل التوقعات بعد مسح مربعات سكنية بأكملها.

 

غزيون في حالة صدمة لدى عودتهم إلى أحيائهم المدمرة في مخيم جباليا الأحد مع بدء تنفيذ اتفاق وقف النار (الشرق الأوسط)

«أين بيتنا؟!»

«وين بيتنا؟!»... بهذه الكلمات عبرت آمال العسكري، من سكان مخيم جباليا، عن صدمتها الكبيرة بعدما فشلت في التعرف على منزلها الذي سُوِّي بالأرض أسوة بالمنازل المجاورة له والتي تحولت إلى كومة ركام. وقالت العسكري لـ«الشرق الأوسط» بلغة غاضبة: «ما بقي لنا شيء، حياتنا ومستقبلنا وعمرنا... دمروا بيوتنا ومستقبل أولادنا!». وأضافت: «جئت إلى جباليا على أمل أن أجد شيئاً من رائحة بيتي من ملابس وأثاث، لكن ما وجدنا شيئاً. كل البيت مدمر عن بكرة أبيه!».

تعرض مخيم جباليا إلى جانب بلدتَي بيت لاهيا وبيت حانون، إلى عملية عسكرية إسرائيلية استمرت أكثر من 100 يوم، استخدمت فيها إسرائيل كل قوتها العسكرية من قصف جوي وعمليات برية ونسف للمنازل والمستشفيات وغيرها.

ولم يكن حال العسكري أفضل من المواطن محمود السحار الذي كان يعتقد أن بيته ما زال قائماً، خاصة أنه شاهد منذ أيام صورة التقطها الجيش الإسرائيلي لقواته بالمكان الذي ظهر متضرراً جزئياً. ويقول السحار: «كانت صدمة كبيرة عندما وصلت إلى مخيم جباليا، ووجدت منزلي مدمراً، وهو الذي بنيته حجراً حجراً، حتى أضمن مستقبل عائلتي المكونة من 16 فرداً». وأشار إلى أن تدمير المنزل ربما تم قبل وقت قصير من انسحاب القوات الإسرائيلية، خلال عمليات النسف التي كانت تقوم بها تلك القوات، والتي كثفتها بشكل كبير في اليومين والساعات الأخيرة.

وقامت «الشرق الأوسط» برصد الأوضاع في المخيم، ولاحظت أنه لا يمكن لأي جهة في الفترة الزمنية القريبة أن تكون قادرة على تقدير حجم الدمار الهائل والخسائر المادية.

لم يستطع السكان أن يجدوا طرقاً ليسلكوها بهدف الوصول إلى مناطق سكنهم، وبعضهم لم يتعرف على الشوارع وكأنهم ضلوا طريقهم في مناطق لا يعرفونها.

ويبدو أن خطط بعض الجهات الحكومية والبلديات والفعاليات، ببدء إزالة الركام من الشوارع للسماح للسكان بالتحرك فيها بسهولة، اصطدمت بواقع لم يكن أحد يتخيله. ويمكن القول إن مخيم جباليا تحول إلى أكبر كومة ركام في القطاع.

 

غزيون نازحون يتفقدون منازلهم المدمرة في مخيم جباليا الأحد مع بدء تنفيذ اتفاق وقف النار (الشرق الأوسط)

«لم أتعرف على شارعنا»

لم يجد السكان أي مركبات أو حتى عربات تجرها حيوانات قادرة على الوصول لمخيم جباليا وغيره. وقال الشاب نمر النمنم: «تربيت منذ صغري في المخيم، لكنني لم أعرف شوارعه المدمرة». وأضاف: «قطاع غزة، وخاصة مخيم جباليا والمناطق المحيطة به، سيحتاج إلى أعوام لإزالة الركام من شوارعه ومنازله. وإعادة الإعمار قد تحتاج لعقود في ظل الظروف الحالية».

وأشار إلى أنه كان يأمل أن يعود سريعاً للسكن في مخيم جباليا، سواء داخل خيام أو مراكز إيواء، إلا أنه قال: «لا يوجد أي أثر يمكن أن يظهر أن هناك معالم للحياة... لا مياه ولا مكان يمكن أن يؤوينا. أتينا ووجدنا زلزالاً قد دمر المخيم!».

ولوحظ تعمد تدمير قوات الاحتلال الإسرائيلي لمقرات وكالة «الأونروا» والمقرات الخدماتية الحياتية، وتدمير آبار المياه وغيرها، في محاولة لمنع أي بوادر لإعادة الحياة في المنطقة سريعاً، خاصة أن البنية التحتية مدمرة بأكملها.

وأمام هذا الوضع، قدم البعض نصائح إلى الغزيين النازحين، ومنهم أقاربهم، بعدم العودة لمناطق سكنهم والتوجه بدلاً من ذلك إلى جنوب قطاع غزة.

وقالت الشابة دعاء منير لـ«الشرق الأوسط»، إنها نصحت أقاربها بالتوجه إلى جنوب القطاع؛ لأنه لا يوجد مكان يعودون إليه، «حتى لا توجد هناك ساحات يمكن استغلالها لإنشاء مخيمات نزوح من الخيام وغيرها». وسُمعت مثل هذه الدعوات من العديد من الغزيين خلال تفقدهم لمناطق سكنهم في مخيم جباليا.

ويوجد في جنوب قطاع غزة أكثر من مليون نازح من سكان شمال القطاع، يعيش غالبيتهم في خيام على شاطئ البحر وسط القطاع وجنوبه.

ووفقاً لما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار، فإنه سيُسمح لهم بالعودة من اليوم السابع منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ. ويتوق النازحون إلى لحظة عودتهم إلى مدينة غزة وشمالها، وكثيراً ما كانوا يرددون أنهم يفضلون نصب خيام عند منازلهم على أن يبقوا في مناطق مفتوحة قرب شواطئ وسط وجنوب القطاع.

واستغل مواطنون وقتهم في البحث في الشوارع عن جثث ضحايا سقطوا بتلك المناطق، والعمل على دفنهم، في حين تفقد آخرون قبوراً لأقاربهم في بعض المدافن التي تعرضت إلى النبش وأضرار نتيجة القصف. وعُثر على جثث متحللة إلى جانب أخرى يظهر أنها قُتلت حديثاً، وسط عمليات لإجلائها ونقلها للدفن.

يُذكر أنه منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حماس»، نزح معظم سكان غزة البالغ عددهم الإجمالي 2.4 مليون نسمة، مرة واحدة على الأقل، إلى أنحاء أخرى من القطاع. ويؤشر حجم الدمار اللاحق بغزة من جراء الضربات الجوية الإسرائيلية والقصف المدفعي وقتال الشوارع، إلى أن إعادة الإعمار قد تستغرق أكثر من خمس سنوات، وفق وكالات دولية. وبحسب آخر تقييم للأضرار أجراه مركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية (يونوسات)، فقد تضرّر حتى الأول من ديسمبر (كانون الأول)، أو دُمّر، ما يقرب من 69 بالمائة من مباني القطاع؛ أي ما مجموعه 170.812 مبنى. ووفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن إعادة الإعمار قد لا تنجز قبل عام 2040. وأكّدت إسرائيل وقطر الأحد أن وقف إطلاق النار الذي طال انتظاره في غزة بين إسرائيل وحركة «حماس» دخل حيز التنفيذ بعد تأخير، بعدما تلقت إسرائيل من «حماس» قائمة بأسماء ثلاث رهينات سيتم إطلاق سراحهن الأحد. وبحسب خطة وقف إطلاق النار، ستستعيد إسرائيل 33 رهينة تحتجزهم «حماس» في غزة منذ هجومها المفاجئ على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في سياق هدنة أولية. وأحصت وزارة الصحة التابعة لـ«حماس» الأحد مقتل 15 فلسطينياً وإصابة 25 آخرين بنيران الجيش الإسرائيلي خلال الساعات الـ24 الأخيرة في قطاع غزة، لافتة إلى أن حصيلة القتلى ارتفعت إلى 46913 شخصاً منذ بدء الحرب بين الحركة وإسرائيل قبل أكثر من خمسة عشر شهراً. وقالت الوزارة في بيان إن حصيلة الحرب «ارتفعت إلى 46913 شهيداً و110750 إصابة» منذ السابع من أكتوبر عام 2023.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.