توقيف رياض سلامة أبرز حدث قضائي في 2024

وكيل الحاكم السابق لـ«مصرف لبنان» عدَّه «معتقلاً سياسياً»

حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة (أرشيفية)
حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة (أرشيفية)
TT

توقيف رياض سلامة أبرز حدث قضائي في 2024

حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة (أرشيفية)
حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة (أرشيفية)

كاد عام 2024 يعبر من دون أي حدث قضائي بارز في لبنان، لو لم يأتِ توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة من خارج التوقعات، ليُسقط كلَّ الرهانات القائلة إن سلامة «يتمتّع بحماية سياسية واسعة، منعت حتى القضاء الأوروبي من النيل منه وتوقيفه»، رغم الملاحقات القضائية التي فُتحت في سبع دول، ومذكرات التوقيف الفرنسية والألمانية التي تحوّلت إلى مذكرات توقيف دولية عُممت عبر الإنتربول، كما تمنع القضاء اللبناني من استكمال ملاحقته أو حتى التفكير بوضعه خلف القضبان.

توقيف رياض سلامة جاء في توقيت حسّاس جداً، أي في خضمّ الحرب الإسرائيلية على لبنان وانصراف الاهتمام عن كلّ القضايا الداخلية، وهو ما حمل وكيله القانوني المحامي مارك حبقة، على اعتبار أن موكله «بات معتقلاً سياسياً وليس موقوفاً بملفّ قضائي جنائي كما ورد في الادعاء».

خلفيتان للتوقيف

بغضّ النظر عن دوافع توقيف الحاكم السابق للبنك المركزي بقرار من النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، إلّا أن هذا الأمر جاء بخلفيتين: الأولى تراكم الدعاوى القضائية ضدّه في لبنان والخارج، وجلسات الاستجواب التي خضع لها أمام الوفود القضائية الأوروبية، وأدت إلى رفع عشرات الدعاوى في أوروبا، وصدور مذكرات توقيف في فرنسا وألمانيا جرى تعميمها عبر الإنتربول الدولي، فأحرجت القضاء اللبناني. والأخرى أن التوقيف استند إلى تقرير جديد تسلّمه القاضي الحجار من هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان يتهم الحاكم بـ«اختلاس أموال عامة مقدّرة بـ44 مليون دولار أميركي من حساب المصرف المركزي». ومن ثم ألحق هذا التقرير بادعاء شخصي ضدّه من مجلس إدارة المصرف.

«الصندوق الأسود»

حين خرج رياض سلامة من مكتب القاضي جمال الحجار مكبّل اليدين، وجرى سوقه إلى سجن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، تدافعت الأسئلة عن النتائج التي ستترتّب على هذا التوقيف، وهل بدأت معه مرحلة سقوط الطبقة السياسية التي أوصلت البلد إلى الإفلاس؟ خصوصاً أن سلامة الذي يسمّي «الصندوق الأسود» لمنظومة الحكم الفاسدة في لبنان ويختزن أسرارها، يعرف الكثير من ملفات هذه المنظومة التي أثرت على حساب الناس وأوصلت لبنان إلى الانهيار الشامل مع ديون تقارب الـ100 مليار دولار، أُنفقت على مشاريع بلا حسيب ولا رقيب، لا سيما على وزارة الطاقة التي أهدرت أكثر من 40 مليار دولار، وأبقت لبنان غارقاً في الظلمة.

غير أن مصادر قانونية متابعة لهذا الملفّ عن كثب، أكدت لـ«الشرق الأوسط»، أن «السلطة السياسية أخذت علماً مسبقاً بما يحضّر لسلامة، وكانت مطمئنة إلى أنها ستبقى بمنأى عن تداعيات توقيفه، لأن الملفّ الجديد الذي فُتح بوجهه يرتبط بشخصه، ومنفصل كلياً عن الصفقات التي أجرتها قوى السلطة».

وأوضحت أن الحاكم السابق «ليس بمقدوره أن يفتح ملفات الهدر والفساد التي يعرف عنها الكثير، لأن القضاء لن يمنحه فرصة التوسّع بإفاداته وفتح ملفات أخرى»، مشيرة إلى أنه «لو كان ثمة إمكانية لتوسُّع سلامة إلى قضايا أخرى لَمَا أخذ النائب العام التمييزي الضوء الأخضر بتوقيفه».

حسابات سياسية

هذه الفرضية قريبة جداً إلى الواقع، باعتبار أن كلّ شيء في لبنان خاضع للحسابات السياسية، حتى الملفات القضائية الحساسة، بدليل تجميد التحقيق في ملفّ تفجير مرفأ بيروت منذ نحو ثلاث سنوات، لكنّ مصدراً قضائياً بارزاً أكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا خلفية سياسية لتوقيف سلامة، وأن قرار النائب العام التمييزي استند إلى تحقيقات أولية أجراها بهذا الصدد، وإلى تقارير تلقاها من هيئة التحقيق الخاصة في المصرف المركزي، تفيد بأن سلامة استفاد من مبالغ مالية عائدة لحساب البنك المركزي بقيمة 44 مليون دولار»، مشيراً إلى أن «الملف بات في عهدة قاضي التحقيق الأول (في بيروت بلال حلاوي) صاحب القرار في إبقاء سلامة موقوفاً أو الإفراج عنه»، معتبراً أن «استمرار التوقيف يعني صوابية قرار الحجار».

خديعة الاستدراج

ودحض المصدر كل ما تردد عن «خديعة تعرض لها سلامة وعملية استدراج للتحقيق واستجوابه من دون محامٍ»، مشيراً إلى أن «مذكرة استدعائه حصلت قبل أسبوع من الجلسة، وأن الأخير حضر بملء إرادته، وأعلن استعداده للخضوع للاستجواب في غياب وكيله القانوني». لكنَّ المصدر استدرك وأقرَّ بأن الحاكم السابق «استُدعي للتحقيق بصفته شاهداً، وخلال الجلسة أُبلغ أنه بات مدَّعى عليه واتُّخذ القرار بتوقيفه».

متظاهر يقف إلى جانب قصر العدل بانتظار قرار توقيف رياض سلامة (أ.ب)

لم تمضِ ساعات على قرار الاحتجاز على ذمة التحقيق، حتى ادَّعى النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم على سلامة وكلّ من يُظهره التحقيق بجرائم «اختلاس أموال عامة والتزوير وصرف النفوذ»، وهي مواد جنائية تنص على عقوبة السجن ما بين ثلاث وعشر سنوات.

تكدُّس العراقيل

وكان منتظراً أن تتبع توقيف سلامة إجراءات قضائية متلاحقة، وربما توقيفات لأشخاص لهم علاقة بهذه القضية، لكن ما إنْ أدخل رياض سلامة السجن وصدرت مذكرة توقيف وجاهية بحقه عن قاضي التحقيق الأول في بيروت بالإنابة بلال حلاوي، حتى توقفت آليات التحقيق وبدأت العراقيل تتكدّس أمام استكمال الإجراءات القضائية، وهو ما حدا بوكيل سلامة المحامي مارك حبقة، إلى الحديث عن «أخطاء كبيرة تشوب إدارة هذا الملفّ من قاضي التحقيق»، معتبراً أن سلامة «تحوّل إلى معتقل سياسي وليس موقوفاً بقرار قضائي».

وذكّر حبقة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن استجواب موكله أمام قاضي التحقيق في اتهامات بهذه الخطورة «استغرق 45 دقيقة في الجلسة الأولى و30 دقيقة فقط في جلسة خُصصت لمواجهته مع أحد الشهود، وبعدها أسدل الستار على الإجراءات القضائية، كأن المطلوب وضع سلامة بالسجن لا أكثر ولا أقلّ». وكشف حبقة عن «تقديم أربع استشارات قضائية صدرت عن مراجع عليا في القانون، تؤكد عدم وجود مال عام وكلّ الأدلة تفيد بأنه غير مرتكب وهذا دليل على أن سلامة مجرد معتقل سياسي».

جمود الملف

ومنذ أكثر من ثلاثة أشهر لم يتحرّك ملفّ سلامة، ولا يزال الأمر ينتظر قرار الهيئة الاتهامية في بيروت لبتّ الدفوع الشكلية المقدمة من المحاميين مروان عيسى الخوري وميشال تويني المدعى عليهما في القضية نفسها، وأشار المصدر القضائي إلى أن «مصير سلامة رُهن باستجواب المدعى عليهما المذكورين، وبعدها قد يختم القاضي حلاوي التحقيق ويُصدر قراره الظني، علماً أن الأخير يرفض بشكل قاطع إخلاء سبيل سلامه قبل إنجاز هذه الخطوات».

حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة خلال لقائه موظفي «المركزي» في اليوم الأخير من ولايته 31 يوليو 2023 (إ.ب.أ)

وقال حبقة: «قدمنا عدداً من طلبات إخلاء السبيل، وكلما تقدمنا بطلب فوجئنا بصدور قرار ردّه بعد أقلّ من نصف ساعة، بحجة أن قاضي التحقيق ينتظر تلقي أذونات لاستجواب أشخاص مدعى عليهم، وللأسف مع مرور هذه الأشهر لم تأتِ الأذونات بعد، فهل يُعقل أن يبقى موكلي موقوفاً؟». ورأى أن «كل السياسيين مرتاحون لأنهم ألبسوا رياض سلامة تهمة انهيار الوضع المالي والاقتصادي، لأن سلامة ليس لديه حزب ولا ينتمي إلى حزب سياسي للمطالبة بتحريره، مما يجعل توقيفه احتياطياً ولهذه الفترة الطويلة موضع ريبة، علماً أننا أبدينا استعدادنا لدفع كفالة تعادل قيمة المبلغ المدعى باختلاسه».

ولم تكتفِ النيابة العامة المالية بالادعاء على سلامة بـ«اختلاس المال العام»، بل استتبعته بادعاء بتهمة «الإثراء غير المشروع»، واستغرب المحامي حبقة كيف أن قاضي التحقيق بلال حلاوي «لم يحدد جلسة لاستجواب سلامة رغم مضي 60 يوماً على الدعوى الجديدة».

الاستجواب الأوروبي

وسلكت ملفات رياض سلامة محطات، إذ إن وفوداً قضائية أوروبية، استجوبته لمرتين داخل قصر العدل في بيروت، وكان لا يزال على رأس حاكمية مصرف لبنان، وبعد انتهاء مهامها في بيروت جرى الادعاء عليه في فرنسا وألمانيا، وطالت الإجراءات الأوروبية رجا سلامة، شقيق رياض، ومساعدة الأخير وأحد أبنائه، كما أن المحامي العام الاستئنافي في بيروت القاضي رجا حاموش، ادعى على رياض سلامة وشقيقه رجا سلامة ومساعدته ماريان الحويك بجرائم، وكل من يُظهره التحقيق، بجرائم «اختلاس الأموال العامة والتزوير واستعمال المزور والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال، ومخالفة القانون الضريبي».

الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة وسط سبائك الذهب المحفوظة في خزائن المصرف نوفمبر 2022 (رويترز)

وأحالهم على قاضي التحقيق الأول في بيروت (السابق) شربل أبو سمرا، الذي استجوب سلامة ثلاث مرات وتركه رهن التحقيق بانتظار استجواب باقي المدعى عليهم، إلّا أن رئيسة هيئة القضايا في وزارة العدل القاضية هيلانة إسكندر استأنفت قرار تركه أمام الهيئة الاتهامية في بيروت، وطلبت فسخ قرار قاضي التحقيق وإصدار مذكرة توقيف وجاهية بحقّه، غير أن هذا الملف لا يزال عالقاً أمام الهيئة منذ عام ونصف العام بسبب دعاوى المخاصمة التي أقامها سلامة بوجه الهيئة الأصيلة وكل الهيئات التي عُيِّنت للنظر في هذا الملف.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي يجدد دعم المملكة لاستقرار لبنان

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)

وزير الخارجية السعودي يجدد دعم المملكة لاستقرار لبنان

جدد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، موقف المملكة العربية السعودية الداعم لاستقرار الجمهورية اللبنانية

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص أطفال يقفون على متن شاحنة صغيرة أثناء مرورهم بجانب مبانٍ متضرّرة جرّاء غارة إسرائيلية في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

خاص توسعة تدريجية للقتال في جنوب لبنان تُعقّد المساعي الدبلوماسية

يفرض الجنوب اللبناني نفسه مجدداً ساحةً مفتوحة على احتمالات متناقضة، تتراوح بين هدنة هشة تتآكل يومياً، وتصعيد ميداني يُعيد رسم الوقائع على الأرض.

صبحي أمهز (بيروت)
خاص وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)

خاص وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، أن لبنان «بدأ يستعيد تدريجياً حقه الطبيعي في تقرير مصيره بمعزل عن حسابات الآخرين».

ثائر عباس (بيروت)
المشرق العربي مسجد مدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل صحافية لبنانية بغارة إسرائيلية على الجنوب

قُتلت الصحافية اللبنانية آمال خليل، الأربعاء، جراء غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة الطيري القريبة من الحدود في جنوب لبنان، كما أعلن الدفاع المدني اللبناني

المشرق العربي تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

كشفت مصادر سياسية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله».

محمد شقير (بيروت)

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)

كشف تقرير إعلامي، الخميس، أن محكمة الجنايات الرابعة ستباشر، الأحد المقبل، جلسات المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب في عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وأوضح المصدر لموقع «تلفزيون سوريا»، أن هذه الخطوة تأتي بعد استكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بالقضية، ضمن ملف العدالة الانتقالية، وذلك بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام.

وعاطف نجيب، هو ابن خالة بشار الأسد، اعتقل خلال حملة أمنية لملاحقة فلول النظام في محافظة اللاذقية، في يناير (كانون الثاني) 2025، وتتهمه منظمات حقوقية وفصائل الثورة السورية لأنه كان المسؤول المباشر عن قمع الاحتجاجات الشعبية في محافظة درعا الجنوبية، بارتكاب جرائم قتل مروعة بحق الأطفال المشاركين في الحراك السلمي في مدينة درعا، وأبرزهم حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب في عام 2011.

وقال المصدر المشار إليه أعلاه، إن المحكمة ستعقد وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، ريثما يقر مجلس الشعب السوري بعد انعقاده مشروع (قانون العدالة الانتقاليّة)، الذي بُنيت مواده وفقاً للقوانين السوريّة المعمول بها، التي تصل في بعض موادها إلى عقوبة الإعدام، والذي أصبح جاهزاً بانتظار إقراره.

كسر حالة الإفلات من العقاب

ورغم أن قناة «الإخبارية السورية» نقلت، اليوم، عن رئيس «لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل»، القاضي جمعة الدبيس العنزي، أن جلسة محاكمة علنية لعاطف نجيب بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام ستعقد قريباً، فهذا لا يتناقض مع التصريح المنشور في موقع «تلفزيون سوريا»، إذ إنه من الواضح أن المحاكمة لم تعد بعيدة.

عبد الله يرفع صورة شقيقه حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب عام 2011

«الشرق الأوسط» سألت المعتصم الكيلاني، وهو خبير قانوني سوري مقيم في باريس ومتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، عن تقييمه لسير المحاكمات وإيقاعها في محاكمة مجرمي الحرب في عهد نظام بشار الأسد، وإن كان مسار العدالة الانتقالية يشوبه بعض البطء، أم أنه من طبيعة الأمور في القضاء عموماً؟

العميد عاطف نجيب الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (مواقع)

يعتبر الكيلاني، أن الإعلان عن بدء جلسات المحاكمة العلنية لعاطف نجيب يشكّل خطوة مهمة في اتجاه كسر حالة الإفلات من العقاب، خاصة مع حضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام، بما يعزز الشفافية وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. هذا التطور، من حيث المبدأ، ينسجم مع أحد أعمدة العدالة الانتقالية، وهو «العلنية والمساءلة».

لكن وبمنظور قانوني أوسع، يقول إنه لا يمكن اعتبار هذه الخطوة كافية بحد ذاتها، فالعدالة الانتقالية ليست محاكمة فردية، بل منظومة متكاملة تتطلب إصلاحاً تشريعياً ومؤسسياً عميقاً.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تعديل قانون العقوبات السوري ليشمل معايير التجريم الدولية، لا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفق التعريفات المعتمدة في القانون الدولي. فغياب هذه النصوص يخلق فجوة قانونية خطيرة، ويحدّ من قدرة القضاء الوطني على التعامل مع الانتهاكات الجسيمة بشكل صحيح.

كما أنه من المتطلبات الأساسية أيضاً إلغاء مبدأ «التقادم» على الجرائم الجسيمة، لأن طبيعة هذه الجرائم - بما فيها التعذيب والقتل خارج القانون - تستوجب عدم سقوطها بمرور الزمن، انسجاماً مع المعايير الدولية وضماناً لحقوق الضحايا في الملاحقة والمساءلة مهما طال الزمن.

كتابة على جدار في درعا تسببت بحبس أطفال وتعذيبهم في سجون النظام (متداولة)

ومن جهة أخرى، يقول الحقوقي السوري: «لا يمكن إغفال البعد المؤسسي، إذ يجب تدريب القضاة وأعضاء النيابة العامة وكوادر المحاكم تدريباً تخصصياً على معايير التجريم الدولية، وعلى كيفية التعامل مع الأدلة في قضايا الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك شهادات الضحايا، والأدلة السياقية، وسلاسل المسؤولية. فمن دون هذا التأهيل، تبقى المحاكمات مهددة بالقصور، حتى لو توفرت الإرادة السياسية. الاستفادة من تجارب سابقة، مثل محاكمات الساحل، أمر ضروري هنا. فقد أظهرت تلك التجربة بعض الإيجابيات، مثل العلنية، لكنها كشفت أيضاً ثغرات منها ضعف التأهيل المتخصص أحياناً، والحاجة إلى إطار قانوني أوضح يواكب طبيعة الجرائم».

صورة لبشار الأسد في القامشلي ممزقة بعد الإعلان عن سقوط النظام الحاكم 8 ديسمبر (رويترز)

وفي المحصلة، يؤكد الكيلاني أن لا سلم أهلياً حقيقياً دون عدالة انتقالية شاملة. وأي محاولة لبناء استقرار دون معالجة جذرية للانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها ضمن إطار قانوني سليم، ستبقى هشّة وقابلة للانهيار

من حيث المبدأ، تتسم المحاكمات في القضايا الكبرى المرتبطة بانتهاكات جسيمة بالتعقيد، وهذا يفرض بطئاً نسبياً لضمان دقة الإجراءات واحترام حقوق جميع الأطراف. هذا جانب طبيعي في أي نظام قضائي يحترم الأصول.

لكن في الحالة السورية، لا يمكن الاكتفاء بهذا التبرير. فالتأخير الطويل في إطلاق مسار العدالة أصلاً، إلى جانب استمرار بعض الانتهاكات، يجعل من عامل الزمن عنصراً حساساً للغاية. البطء المفرط هنا قد يُفهم باعتباره استمراراً غير مباشر للإفلات من العقاب، ويؤثر سلباً على ثقة الضحايا بالمؤسسات القضائية.

لذلك، المطلوب ليس تسريعاً على حساب العدالة، بل يجب تحقيق توازن دقيق: قضاء مهني، مستقل، مدرّب، يعمل وفق معايير واضحة، وفي إطار زمني معقول.

ويشدد المعتصم الكيلاني، على أنه إذا جرت المحاكمات (ضد مرتكبي جرائم حرب ضد الإنسانية) ضمن هذا الإطار المتكامل، يمكن اعتبارها خطوة إيجابية. أما إذا بقيت جزئية، أو افتقرت إلى الأساس القانوني المتين، أو لم تُدعَم بإصلاح مؤسسي حقيقي، فإنها قد تتحول إلى مسار محدود الأثر.

وفي جميع الأحوال، يبقى المبدأ الحاكم واضحاً: لا يمكن تحقيق السلم الأهلي في سوريا دون عدالة انتقالية حقيقية، قائمة على المساءلة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وبناء عقد اجتماعي جديد يحترم كرامة الإنسان وحقوقه.


3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

قُتل ثلاثة أشخاص بغارة إسرائيلية على جنوب لبنان، اليوم الخميس، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في أحدث هجوم رغم الهدنة القائمة منذ عشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة، في بيان أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «غارة العدو الإسرائيلي على طريق شوكين قضاء النبطية»، والتي تبعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود اللبنانية الجنوبية، «أدت إلى 3 شهداء»، في حين أسفرت غارة أخرى على بلدة ياطر إلى إصابة شخصين؛ بينهما طفل.

تأتي هذه الهجمات قبل ساعات من اجتماعٍ ثان يُعقَد في واشنطن بين سفيريْ لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن يطلب لبنان تمديد وقف إطلاق النار.

في غضون ذلك، أفاد الجيش الإسرائيلي، في بيان، بأن جنوده قتلوا «رجلين مسلّحين في جنوب لبنان، بعد أن اقتربا من جنود».


تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاط الفصائل الفلسطينية وتعافي حركة «حماس».

وقتلت القوات الإسرائيلية، منذ مساء الأربعاء وحتى منتصف نهار الخميس في غزة، 9 فلسطينيين، منهم 5 في غارة بطائرة مسيرة استهدفت خياماً للنازحين في منطقة مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر ميدانية، أن المستهدف الرئيسي بالغارة أصيب بجروح خطيرة، وهو قيادي ميداني في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، فيما قُتل اثنان من أطفاله، وطفل ثالث، ومواطنان آخران كانا يجلسان في نفس المكان.

فلسطيني يمرّ بجوار نقالة ملطخة بالدماء بعد غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبعد ساعات قليلة، قتلت القوات الإسرائيلية ناشطاً من «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، جنوب خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعد أن استهدفته بمسيرة.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان له عن الحدثين، إنه قضى على عناصر من «حماس» عملوا بمنطقة قريبة من الخط الأصفر شمالي قطاع غزة، فيما هاجم عدداً آخر جنوب القطاع، ما أدى للقضاء على أحدهم خلال نقلهم وسائل قتالية، وفق زعمه.

وتبع ذلك حدث ثالث، بقصف مركبة، ظهر الخميس، في أثناء مرورها على شارع صلاح الدين الرئيس، وتحديداً جنوب مخيم البريج وسط قطاع غزة، ما أدى لمقتل 3 فلسطينيين كانوا على متن المركبة.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

ووفقاً لمصدر ميداني، فإن المستهدفين في المركبة هم بعض نشطاء في «كتائب القسام»، وبينهم نجل أحد مسؤولي جهاز الدفاع المدني في وسط قطاع غزة، وجميعهم من سكان مخيمي البريج والمغازي.

ووفقاً لإحصائية وزارة الصحة بغزة، فإن عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ارتفع إلى 975 قتيلاً، وأصيب أكثر من 2235 بجروح متفاوتة بعضها خطيرة، فيما زاد إجمالي الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72568 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مفاوضات في القاهرة

ويأتي التصعيد الإسرائيلي على وقع مطالبات من «حماس» في القاهرة بوقف الخروقات المستمرة داخل القطاع، في إطار الالتزام بالمرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، فيما تتجاهل إسرائيل تلك المطالب بتوسيع هجماتها واستهداف نشطاء الفصائل، وخاصةً حركتي «حماس» و«الجهاد».

واعتبر حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، عمليات الاستهداف المتواصلة بأنها تمثل دليلاً جديداً على استمرار «حرب الإبادة ونشر الموت في مختلف مناطق القطاع دون توقف». كما قال، معتبراً أن هذه «الجرائم تكشف عن عجز متزايد لـ(مجلس السلام) عن إلزام الاحتلال بوقف خروقاته أو تنفيذ التزاماته ضمن أي اتفاقات قائمة».

يشق فتيان فلسطينيان طريقهما عبر أنقاض المباني المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأضاف قاسم، في تصريح صحافي له: «هذه الجرائم تعكس بوضوح أن الآلة العسكرية للاحتلال مسؤولة عن ارتكاب أعمال الإبادة وانتهاك القانون الدولي والإنساني»، مطالباً الوسطاء والدول الضامنة والمشاركين في «مجلس السلام» بالوقوف أمام مسؤولياتهم وإلزام الاحتلال بوقف «حرب الإبادة» ضد قطاع غزة. كما قال.

وتقول إسرائيل مؤخراً إنها تعمل على مهاجمة أي محاولات من «حماس» والفصائل الأخرى التي تنشط في داخل القطاع، لإعادة امتلاك السلاح أو تأهيل ما لديها من أسلحة وعتاد وغيره، ومنعها من إقامة تدريبات، كما أنها تعمل على تصفية مشاركين بهجمات سابقة ضدها.

وثيقة استخبارية

وتزامن التصعيد الإسرائيلي مع ما نقلته القناة الـ12 العبرية، مساء الأربعاء، عن وثيقة استخباراتية قدمها الجيش الإسرائيلي لجهات محددة في المستوى السياسي، خلال الأيام الأخيرة، تزعم أن حركة «حماس» تنجح في التعافي مجدداً بشكل ملحوظ، مستغلةً وقف إطلاق النار.

ووفقاً للوثيقة المسربة، فإن «حماس» تكسب الوقت المتعلق بوقف إطلاق النار، وتعمل على تنظيم وتحسين وبناء قوتها في القطاع، وإعادة تأهيل الجناح العسكري، وتسريع تجنيد نشطاء جدد، والسيطرة على البضائع، وإظهار السيادة المدنية والحكومية في المناطق التي تسيطر عليها. ونقلت أن «الحركة لم تنجح بعد في تحقيق قفزة نوعية، لكنها تتعافى تدريجياً».

وتسيطر إسرائيل على نحو 53 في المائة من مساحة قطاع غزة، بينما تسيطر «حماس» على ما تبقى منها.

جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

ويرى مسؤولون أمنيون إسرائيليون، نقلت عنهم «القناة الـ12»، أن «التطورات في الجبهات المختلفة، وخاصةً الحرب مع إيران ولبنان تخدم (حماس)؛ لأن الانتباه الأميركي موجه إلى مكان آخر، فيما تستغل الحركة ذلك، وتكسب الوقت ببساطة ولا تفي بالتزاماتها كما وردت في خطة السلام التي عرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفق قولهم.

وأكدت المصادر ذاتها أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ترى أنه في حال لم يكن هناك عملية نزع سلاح، وتفكيك للبنية التحتية لـ(حماس) وفصائل غزة، فإنه سيتم العودة إلى نقطة الصفر، وأن ما يحدث الآن هو تعافٍ مقابل لا شيء»، وفق قولهم.

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)

وما زالت قضية سلاح غزة مثار جدل بين حركة «حماس» والوسطاء والولايات المتحدة و«مجلس السلام»، وتصر إسرائيل على تسليمه كاملاً بلا استثناء، وهو أمر نصت عليه خطة المجلس التي قدمها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف إلى قيادة الحركة.

وفي المقابل تخوض الفصائل الفلسطينية مباحثات لإجراء تعديلات تتضمن إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار التي تركز على الاحتياجات الإنسانية وإدخال المساعدات، قبل الحديث عن المرحلة الثانية التي تركز على نزع السلاح من القطاع. ويسعى الوسطاء إلى تقديم مقاربة جديدة لدمج المرحلتين، أو تنفيذهما بالتزامن.