بلينكن بالأردن... زيارة «ثقيلة» في توقيت ضيق ومتوتر

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يتحدث إلى الصحافيين قبل مغادرة الأردن إلى تركيا (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يتحدث إلى الصحافيين قبل مغادرة الأردن إلى تركيا (أ.ب)
TT

بلينكن بالأردن... زيارة «ثقيلة» في توقيت ضيق ومتوتر

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يتحدث إلى الصحافيين قبل مغادرة الأردن إلى تركيا (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يتحدث إلى الصحافيين قبل مغادرة الأردن إلى تركيا (أ.ب)

اختصر البيان الرسمي الأردني عن زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى مدينة العقبة (400 كيلومتر تقريباً جنوب عمّان)، ولقائه الملك عبد الله الثاني، الخميس، مناقشات الملف السوري بعبارة «تجديد موقف المملكة من احترام خيارات الشعب السوري، والحفاظ، في الوقت نفسه، على أمن سوريا وسلامة مواطنيها».

لكن زيارة بلينكن، التي تأتي في وقت ضيق؛ إذ يُتوقع أن تكون الأخيرة مع اقتراب تسلم الرئيس الأميركي الجمهوري دونالد ترمب السلطة، خَلفاً للديمقراطي جو بايدن، قد لا تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المملكة، ولا سيما في ظل تسارع وتوتر الأحداث على الأراضي السورية، والتي انتهت بإسقاط حكم الرئيس السوري بشار الأسد، وفراره إلى موسكو، وتسلُّم قوى المعارضة، التي تتصدرها «جبهة تحرير الشام»، الإدارة المؤقتة للمدن السورية.

وفي الوقت الذي تشهد فيه أروقة صناعة القرار بالأردن مراجعات سياسية شاملة تهدف إلى رسم سيناريوهات للتعامل مع الإدارة الأميركية الجمهورية الجديدة، فإن عمّان تتحضر للتعامل مع خيارات صعبة قد تطرحها إدارة ترمب تستهدف صياغة حلول قد لا تكون مُرضية للأردن في تسوية القضية الفلسطينية، وذلك أمام التصعيد الذي تشهده مناطق الضفة الغربية، والانتهاكات المستمرة للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، واستمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

مصادر مطّلعة ذكرت، لـ«الشرق الأوسط»، أن محادثات بلينكن مع الملك عبد الله الثاني ركزت على «استمرار التنسيق المشترك والجهود الأمنية المبذولة لمواجهة خطر التحركات المحتملة لخلايا تنظيم (داعش) الموجود في جيوب داخل البادية السورية، ومواجهة تحديات تهريب المخدرات من الجنوب السوري».

وبينما ركز الخبر الرسمي عن اللقاء على أن الخطوة الأولى لتحقيق تهدئة شاملة بالمنطقة هي وقف الحرب الإسرائيلية على غزة، شدّد العاهل الأردني على أن تحقيق هذه الخطوة يستدعي تحركاً دولياً فورياً وجاداً.

أما على صعيد الملف السوري، فقد جدد عبد الله الثاني موقف بلاده من التطورات المتسارعة داخل الجارة الشمالية، مؤكداً احترام الأردن خيارات الشعب السوري، والحفاظ، في الوقت نفسه، على أمن سوريا وسلامة مواطنيها.

«تصريحات غير موضوعية»

ووصفت مصادر أردنية مطّلعة، تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، زيارات بلينكن بأنها «ثقيلة»؛ نظراً لتكرار وزير الخارجية الأميركي «تصريحاته غير الموضوعية حيال الحرب على غزة، والكارثة الإنسانية التي تسبب بها العدوان الإسرائيلي».

وأضافت المصادر، إلى أسباب النظر لها أردنياً على أنها زيارة «ثقيلة»، أن الولايات المتحدة الأميركية لم تستجب للتحذيرات الأردنية من تطور الأوضاع بالضفة الغربية، وخطورة الإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب، والاعتداءات المستمرة على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

وإن أسرّت مصادر سياسية، لـ«الشرق الأوسط»، بعدم «ترحيب» الأردن بزيارات بلينكن الدبلوماسية، خلال زياراته الأخيرة إلى المنطقة، ومع ذروة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، فقد ذكرت مصادر، لـ«الشرق الأوسط»، في وقت سابق، أن الملك عبد الله الثاني طالب الوزير بلينكن بـ«طرح سناريوهات جادة لصالح وقف حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على المدنيين في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، وتدمير البنى التحتية الضرورية في قطاعات الصحة والتعليم وتأمين الغذاء والدواء والحاجات الأساسية».

فلسطينيون بين أنقاض المباني المنهارة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

«أمن سوريا»

وأفاد بيان لـ«الخارجية» الأردنية بأن بلينكن ونظيره الأردني أيمن الصفدي «شددا على دعم عملية انتقالية سياسية جامعة يقودها السوريون لبناء نظام سياسي يلبي طموحات الشعب السوري ويحترم إرادته ويضمن حقوقه، ويضع سوريا على طريق بناء مستقبل يسوده الأمن والاستقرار، كما شددا على ضرورة احترام وحدة سوريا وتماسكها وسيادتها، وتعزيز جهود مكافحة الإرهاب».

ونقل البيان عن الصفدي قوله إن «أمن سوريا واستقرارها ركيزة لأمن المنطقة، ما يستدعي تكاتف الجهود لدعم عملية سياسية انتقالية جامعة لتطبيق قرار مجلس الأمن (2254)، ومساعدة الشعب السوري الشقيق على تلبية طموحاته في بناء نظام سياسي يحترم حقوق كل السوريين، ويعيد لسوريا عافيتها دولة آمنة مستقرة ذات سيادة خالية من الإرهاب، ومهيأة للعودة الطوعية للاجئين». كما أدان «احتلال إسرائيل أراضي سورية، وشدد على ضرورة انسحاب إسرائيل فورياً، واحترام سيادة سوريا وسلامتها الإقليمية».

في السياق نفسه أكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، خلال اتصال هاتفي تلقّاه من المستشار الألماني أولاف شولتس، «أن على السوريين وضع مصلحة بلدهم في مقدمة أولوياتهم، خلال المرحلة المقبلة، مشدداً على احترام الأردن خياراتهم»، مشيراً «إلى أهمية الحفاظ على أمن سوريا واستقرارها ومؤسساتها».

مخاوف الفوضى

ولا يُخفي رسميون أردنيون مخاوفهم من عودة الفوضى إلى مناطق سورية بعد الخروج الصادم للرئيس السوري السابق بشار الأسد، ولجوئه إلى موسكو، حيث ترى مصادر أمنية أن احتمالات الفوضى مدفوعة بمخاوف التنازع المحتمل على السلطة من قِبل تنظيمات قد تكون لها ولاءات خارجية، وتمتلك كميات من السلاح المنتشر.

وترى مصادر أمنية أردنية، تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، أن «تسارع الأحداث مع بدء تحرك (هيئة تحرير الشام)، وحتى فرار الرئيس السوري السابق، مدفوع من قوى إقليمية ودولية».

وتعتقد المصادر الأمنية الأردنية أن «إعادة تأهيل شخصية أبو محمد الجولاني (قائد هيئة تحرير الشام) بنسخته الجديدة، الذي كشف عن هويته الأصلية واسمه الصريح أحمد الشرع، والتحولات اللافتة في خطابه (أمر يحتاج لاختبار على المديين القصير والمتوسط)».

القلق الأردني من تطورات الأحداث السورية نابع من تعدد الجهات المؤثرة في الداخل السوري، وتضارب مصالح دول تتصارع على حصتها من «الكعكة السورية».

كما يتصل الأمر في التقدير الأردني باحتمالات «تعرض سوريا ودول جوار سوريا لموجات من «التطرف والإرهاب المدجَّج بأسلحة وترسانات مخزَّنة في مناطق مجهولة»، وقد يُعقِّد المهمة أكثر حجم تعارض الأجندات الداخلية المدفوعة برغبة الانتقام والثأر.

الثقة المُبالغ بها

وصحيح أن الأردن الرسمي أبدى موقفاً مرحِّباً بـ«خيارات الشعب السوري وإرادته»، لكن ما لم يقُلْه الرسميون صراحةً هو حجم المخاوف من الثقة المُبالَغ بها بشخصيات انتمت سابقاً لـ«تنظيم القاعدة»، ثم «داعش»، قبل الانشقاق عنهما وتأسيس «جبهة النصرة»، قبل إعادة إنتاج دورها وشكلها تحت مسمى «هيئة تحرير الشام»، بقيادة الجولاني المدعوم تركياً.

وبعيداً عن شكل انتقال السلطة في سوريا، وانهيار النظام السابق بسرعة مفاجئة، فإن الحسابات الأردنية تأخذ في الحسبان أن تنظيم «داعش» يمتلك جيوباً في البادية السورية، وأن احتمالات عودة ميليشياته تفرض نفسها على طاولة التحديات والمخاوف.

المصادر الأمنية أكدت، لـ«الشرق الأوسط»، متابعتها حركة الجماعات المسلحة في الداخل السوري، وبالأخص في البادية السورية، وأن منظومة الاتصالات الأردنية لم تنقطع مع العشائر السورية وجيشها وجماعات معتدلة في مناطق درعا وما حولها، ما سيساعد في إعادة تشكيل جبهة دفاع متقدمة تسبق المنطقة العازلة بين الحدود الأردنية السورية البالغ طولها نحو 370 كيلومتراً.

وفي رأي أمنيين أردنيين، فإن مرحلة «كمون داعش» قد تكون لصالح إعادة نشاطه العملياتي من خلال التسرب من بوابات الفوضى المحتملة، واستعادة نشاطه عبر توسيع قواعد تحالفاته مع مليشيات جاهزة للدخول في مسرح الفوضى السوري؛ خدمة لأجندات خارجية طامحة بالاستثمار في الموارد السورية الاستراتيجية.


مقالات ذات صلة

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)
المشرق العربي انتشار لقوى الأمن الداخلي السورية خلال مظاهرات يوم الجمعة في الحسكة (مديرية الإعلام في الحسكة)

الحسكة: «المكوّن العربي» يشكو استمرار «هيمنة قسد»

أكد نائب محافظ الحسكة السورية، أحمد الهلالي، السبت، أن مطالب الأهالي، خلال المظاهرات التي خرجت الجمعة، «مشروعة»، نافياً سيطرة «قسد» على المحافظة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي رجل أمن يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)

من المستفيد من نشر الفوضى في سوريا؟

لائحة المستفيدين من إضعاف الحكم السوري تشمل «داعش» وإسرائيل وإيران وبقايا نظام الأسد... وتشديد على ضرورة سرعة المعالجة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب- أرشيفية)

سوريا: توقيف 16 طياراً بسلاح الجو السابق في أقل من شهر

أعلنت السلطات الأمنية السورية عن تنفيذ سلسلة عمليات ضمن حملة لملاحقة ضباط سلاح الجو السابق، أسفرت عن توقيف 16 ضابطاً بينهم قادة، خلال أقل من شهر.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.