إطلاق سجناء حماة يحيي أمل أهالي المفقودين اللبنانيين في سوريا

عائلة المحرر علي العلي تعرّفت عليه وتطالب بإعادته سالماً

مقاتلون من «هيئة تحرير الشام» في شوارع حماة بعد دخولهم المدينة (أ.ف.ب)
مقاتلون من «هيئة تحرير الشام» في شوارع حماة بعد دخولهم المدينة (أ.ف.ب)
TT

إطلاق سجناء حماة يحيي أمل أهالي المفقودين اللبنانيين في سوريا

مقاتلون من «هيئة تحرير الشام» في شوارع حماة بعد دخولهم المدينة (أ.ف.ب)
مقاتلون من «هيئة تحرير الشام» في شوارع حماة بعد دخولهم المدينة (أ.ف.ب)

انتعشت آمال أهالي اللبنانيين المفقودين في سوريا منذ عقود، إثر إعلان «هيئة تحرير الشام» عن إطلاق سراح جميع السجناء الذين يقبعون في سجن النظام داخل مدينة حماة، وتم التعرّف على هوية السجين اللبناني علي حسن العلي الذي اعتقله الجيش السوري في لبنان قبل 39 سنة واختفى أثره.

وأعلنت فصائل المعارضة السورية أنها «تمكنت من إخراج مئات السجناء من السجن المركزي الذي تم اقتحامه في مدينة حماة، وتم الكشف عن أسماء عدة معتقلين، بينهم سجناء لبنانيون، كما تم التأكد من اللبناني علي حسن العلي، الملقب بـ(در إسماعيل) من بلدة تاشع في محافظ عكّار (شمال لبنان)، وهو مفقود منذ 40 عاماً في منطقة التبانة بطرابلس، ليتم العثور عليه بين سجناء حماة الذين تم تحريرهم».

وتناقل ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي أسماء عدد من السجناء، يزعمون أنهم لبنانيون ممن جرى تحريرهم، إلّا أنه لم يتمّ التعرّف عليهم باستثناء علي العلي الذي نشرت صورته وتعرّفت عائلته عليه وتنتظر نقله إلى لبنان بطريقة تحفظ أمنه ولا تعرّضه للوقوع بالاعتقال مرة جديدة، وأعلن معمّر العلي، شقيق السجين المحرر، أن العائلة «تعرّفت عليه من خلال الصورة، بالنظر لتطابق الشبه بينه وبين أشقائه بنسبة 99 بالمائة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن شقيقه «من مواليد 1968 كان متوجهاً من مدينة طرابلس إلى بيروت للالتحاق بالجيش اللبناني كجندي متطوّع، ولدى وصوله إلى حاجر المدفون التابع للجيش السوري (الواقع في منتصف السريع بين طرابلس والعاصمة بيروت) تمّ إنزاله هناك، ومنذ ذلك الوقت لم نعرف عنه شيئاً». وأكد معمّر العلي أن شقيقه «لم يكن أتمّ عامه الـ18 عندما جرى اعتقاله ولم نعرف السبب، خصوصاً أنه لا ينتمي إلى أي حزب أو تنظيم لبناني وغير لبناني». وقال: «علمنا بعد شهر تقريباً أنه نُقل من لبنان إلى فرع التحقيق التابع للمخابرات العسكرية في دمشق، وقمنا بزيارة الفرع فاعترفوا أنه كان موجوداً لديهم وأطلقوا سراحه بعد انتهاء التحقيق، ثم تواترت لدينا معلومات عن نقله إلى سجن فلسطين ثمّ صيدنايا وسجون سورية أخرى وقمنا بزيارتها كلّها لكنهم أنكروا وجوده لديهم».

وبثّت هذه المعلومات روح التفاؤل مجدداً لدى مئات اللبنانيين الذين فقدوا أبناءهم في سوريا، وبدأت التحريات بحثاً عن لبنانيين آخرين، وأشار معمّر العلي إلى أن شقيقه «لا يزال في مدينة حماة، وموجود مع باقي السجناء المحررين وفي مكان آمن، وهناك معلومات عن وجود لبنانيين آخرين، لكنّ شقيقي علي وحده من التقطت صورته عند مدخل السجن أثناء خروجه»، لافتاً إلى أن «جمعيات ومؤسسات تعنى بحقوق الانسان اتصلت به وأبلغته أنها تتابع القضية مع السفارة التركية في بيروت».

من جهته، عدَّ مختار بلدة تاشع السابق، سمير خالد إبراهيم، أن «أشقاء علي وأبناء عمّه تعرفوا جميعهم عليه وتأكدوا من هويته». واعتبر أن «حال السجين يشبه حال مئات اللبنانيين الذين اعتقلهم الجيش السوري في لبنان من دون سبب ونقلهم إلى سوريا واختفت آثارهم». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «عائلة هذا الرجل عانت كافة أنواع العذاب، وعاشت على وقع معلومات وشائعات متضاربة، وتحدد اسم السجن الذي يقبع فيه في سوريا، ولم يقصّروا في زيارة كل هذه السجون لكن لم يصلوا إلى نتيجة»، مشيراً إلى أنه «عند اندلاع الحرب في سوريا فقدوا الأمل بالعثور عليه نهائياً». وقال إن «والدته عانت مرارة فقدان ابنها بدون سبب، وعانت بعدها من الأمراض الجسدية والنفسيّة».

وشكّلت الدولة اللبنانية لجنة أمنية قضائية في عام 2002 للتنسيق مع الجانب السوري لتقصّي المعلومات عن المفقودين اللبنانيين في سوريا، وسلّمت الجانب السوري قائمة بحوالي 560 شخصاً، بينهم عضو المكتب السياسي في حزب «الكتائب اللبنانية» بطرس خوند، أكد ذووهم أنهم مسجونون في سوريا، إلّا أن النظام السوري أفرج عن 98 سجيناً لبنانياً في نهاية عام 2003، وأبلغ الدولة اللبنانية أنه لم يبق أي لبناني في السجون السورية.

قصف لـ«هيئة تحرير الشام» على أطراف حماة (أ.ف.ب)

وأفاد رئيس «المركز الإنساني لحقوق الانسان» وديع الأسمر بأنه «استقى معلومات من ناشطين في حماة ومراسلين إعلاميين عن وجود عدد محدد للبنانيين بسجن حماة، لكنّ الاسم الوحيد علي حسن العلي تمّ التأكد منه، وهو فاقد الذاكرة، بالإضافة إلى شخص ثانٍ يتم التدقيق في هويته». وأكد الأسمر لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة اللبنانية غائبة تماماً عن متابعة هذه القضية الإنسانية، ولم تقد بأي تحرّك بعد ورود هذه المعلومات»، لافتاً إلى أنه «جرى تكليف السفير اللبناني لدى تركيا للتواصل مع المعارضة، والتأكد من هويات اللبنانيين الذين كانوا في سجن حماة، وتأمين عودتهم سالمين إلى بلادهم». وقال الأسمر: «قبل عام 2005 وثّقنا حوالي 260 اسماً يعتقد أهلهم أنهم في السجون السورية، تبيّن أن هناك أكثر من 600 معتقل لبناني في سوريا، أغلبهم في سجون المزة وتدمر وصيدنايا، ولم نعد نعرف ماذا حصل بعد 2011 واندلاع الحرب في سوريا».

وعقدت، السبت، لجنة «أهالي المخطوفين والمفقودين» في لبنان مؤتمراً صحافياً حول هذه القضية، مؤكدة أن مأساة الأهالي بدأت مع بداية الحرب في 1975 ولم تنته مع نهايتها في عام 1990 إنما تستمر حتى اليوم.

وأكدت اللجنة «استمرار متابعة الملفّ حتّى الوصول إلى الحقيقة»، مشددةً على أن «الدولة اللبنانية مسؤولة عن العثور على الضحايا وتحديد مصيرهم وعلى مجلس الوزراء اتخاذ الإجراءات الفورية من أجل التأكد من هوية المفرج عنهم من سجن حماة».

وعلى أثر نشر هذه الأخبار، طالب رئيس «حزب الكتائب» النائب سامي الجميل، الحكومة اللبنانية، بـ«إيلاء هذا الموضوع أقصى الاهتمام ومتابعته مع أجهزة الأمن وجمع المعلومات وصولاً إلى إرسال فرق خاصة للكشف عن مصير المعتقلين هناك، وعلى رأسهم عضو المكتب السياسي الكتائبي القائد بطرس خوند، واستعادة من تحرّر بأقصى سرعة». وأشار إلى أن «لبنان الرسمي ملزم بمعرفة مصير أبنائه وعدم تركهم للمجهول بعد كل هذه السنوات من الإهمال والخضوع للنظام السوري المجرم، وآن الأوان لإقفال هذا الملف احتراماً لهم ولعائلاتهم الصابرة على آلامها منذ عشرات السنين».

أما عضو «كتلة نواب التغيير» إبراهيم منيمنة، فكتب على حسابه على منصة «إكس»: «الأخبار المتداولة عن خروج مواطنين لبنانيين من سجن حماة هي في حقيقتها أخبار مؤلمة، تذكر الدولة والسلطات المتعاقبة بمسؤولياتها وتقصيرها». وقال «هذا السجن والإخفاء القسري كان خارج إطار القانون، ويمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، حيث تم احتجاز المعتقلين دون محاكمات أو معلومات عن أوضاعهم، ويحتمل أن النظام السوري قد لا يزال يحتجز الكثير من اللبنانيين الآخرين في سجونه». وطالب بـ«الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين اللبنانيين وكشف مصيرهم ومحاسبة كل من تورط في هذه الانتهاكات الجسيمة»، داعياً الحكومة اللبنانية إلى «التحرك فوراً بالتنسيق مع المنظمات الدولية لتبيان مصير اللبنانيين في السجون السورية في حماة أو في السجون التي لا تزال تحت سيطرة النظام».


مقالات ذات صلة

مقتل شخصين في غارتين إسرائيليتين بجنوب لبنان

المشرق العربي تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قمم جبل الريحان في جنوب لبنان... 9 يناير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل شخصين في غارتين إسرائيليتين بجنوب لبنان

قُتل شخصان في غارتين إسرائيليتين على جنوب لبنان ليل الخميس وصباح الجمعة، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة لموقع تابع لقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان بالقرب من الحدود مع إسرائيل (رويترز - أرشيفية)

«يونيفيل»: قذيفتان تصيبان مهبط طائرات مروحية وبوابة موقع للأمم المتحدة في جنوب لبنان

أعلنت قوات «يونيفيل» أن قذيفتي هاون يُحتمل أنهما قنابل مضيئة أصابتا مهبط الطائرات المروحية والبوابة الرئيسية لموقع تابع للأمم المتحدة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري جلسة للحكومة عُقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (رئاسة الجمهورية)

تحليل إخباري لبنان: هاجس «الترويكا» حال دون إصدار موقف موحد كان يفضّله عون

أبدت مصادر وزارية ارتياحها لمواقف رؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون والبرلمان نبيه بري والحكومة نواف سلام بتأييدهم الإنجاز الذي حققه الجيش اللبناني.

محمد شقير (بيروت)
شؤون إقليمية العلَم الإسرائيلي... ويظهر جزء من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية في الخلفية بالضفة الغربية المحتلة يوم 14 أغسطس 2025 (رويترز)

إسرائيل تتراجع عن «الضربة الكبيرة» لـ«حزب الله»... لصالح «الضربات المحدودة»

أكدت مصادر مطلعة في تل أبيب أن القصف الإسرائيلي في لبنان هو الرد الذي اختاره الجيش على تصريحات رئيس الوزراء نتنياهو.

نظير مجلي (تل ابيب)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)

عون يدين الاعتداءات الإسرائيلية: توقيتها يثير تساؤلات عشية اجتماع «الميكانيزم»

دان الرئيس اللبناني جوزيف عون الاعتداءات الإسرائيلية التي طاولت في الساعات الماضية بلدات بقاعية وجنوبية عدة، وصولاً إلى مدينة صيدا.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: التطورات العسكرية على الأرض فرضت واقعاً جديداً للتفاوض

الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
TT

مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: التطورات العسكرية على الأرض فرضت واقعاً جديداً للتفاوض

الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)
الزعيم الكردي مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال المحادثات مع سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برّاك في مدينة بيرمام بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

قالت مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط» إن التطورات العسكرية على الأرض شرق وشمال سوريا، فرضت واقعاً جديداً فيما يخص عملية التفاوض مع «قوات سوريا الديمقراطية»، وإن عملية التفاوض اختلفت الآن، مرجحة أن المفاوضات في دمشق ستركز على «مسألة دمج قوات (قسد) في الجيش السوري بأسرع وقت ممكن ودون مماطلة»، مؤكدة أن دمشق مصرّة على فرض سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية بعد انتفاضة العشائر العربية ضد «قسد»، وإخراجها من دير الزور وصولاً إلى مشارف الحسكة.

وفرض تسارُع التطورات الميدانية في مناطق واسعة شرق الفرات تغييراً جذرياً في الأمور المطروحة على طاولة التفاوض، وفق الباحث السياسي بسام سليمان الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، ان الدولة السورية تضغط على "قسد" للاندماج في الجيش السوري كأفراد، كما يمكن أن يكون لقائد "قسد" دور في مستقبل سوريا، كونه "مختلف عن التيار المتطرف ويمكن أن يساعد كثيرا في تثبيت الأمن والاستقرار في محافظة الحسكة، كونه على معرفة واسعة بالتيارات القنديلية والطائفية وحتى فلول النظام التي استقطبتها التيارات داخل قسد خلال الفترة الماضية"، مضيفاً بأن الأحداث على الأرض تتجه نحو "بسط سيطرة الدولة على كامل مناطق الجزيرة السورية سواء سلما أم حربا".

خريطة من مركز «جسور» توضح مناطق نفوذ «قسد» بعد عمليات الجيش السوري في شرق وشمال شرقي سوريا

ولف إلى أن بقاء تنظيم «قسد» بهذا الشكل «لم يعد مقبولاً في المناطق التي سيطرت عليها العشائر العربية، ومن حق الدولة السورية إدارتها»، وهذا غير خاضع للتفاوض الآن. اليوم هناك دولة يجب أن تفرض سيطرتها على مختلف المناطق السورية، و«قسد» لم تعد في موقع يسمح لها بالتفاوض، لا سيما أن «الدولة السورية أعطتها فرصة كبيرة لتثبت أنها فاعل قادر على أن يدخل في مسار بناء الدولة، لكن للأسف استغلت الفرصة في تأجيج الفتن والصراعات، وإثارة النعرات والانقسامات، وخلق تحالفات عسكرية ضد الدولة السورية»، بحسب تعبير الباحث بسام سليمان.

وتابع قائلاً: «إننا أمام واقع جديد ومعطيات جديدة، وطاولة المفاوضات لن تكون كسابقتها، ومظلوم عبدي الذي كانت تحت سيطرته مناطق واسعة، اليوم أغلب تلك المناطق تشهد انهياراً متسارعاً؛ غرب الفرات انهيار كامل، شرق الفرات انهيار شعبي ومجتمعي وأخلاقي»؛ لذلك، أكد سليمان أن التفاوض الآن سيركز على «مصير (قسد)».

جنديان سوريان يمزقان صورة لأوجلان في مدينة الطبقة بمحافظة الرقة بعد انتزاع السيطرة عليها من «قسد» (أ.ف.ب)

أما الباحث السياسي وائل علوان، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن المؤشرات تتجه نحو احتمالين، الأول، أن تنجح مساعي الزعيم الكردي مسعود بارزاني، ويكون هناك قرار حكيم بالاندماج، والاحتمال الثاني: أن يبقى التيار المتشدد داخل «قسد» مصرّاً على المواجهة والسلوك الميداني المعادي للحكومة السورية، ومن ثم الهزيمة الكاملة

وانطلق علوان برؤيته من أن تسارع التطورات بعد السيطرة على دير حافر أعاد الحسابات ليس فقط للأطراف المحلية وإنما أيضاً أعاد حسابات الدول، وذلك بالنظر إلى الانهيار السريع لقوات «قسد»، وتزامن ذلك مع استياء كبير جداً كانت تشعر به الولايات المتحدة نتيجة مماطلة «قسد»، وعدم اندماجها الفعلي مع الحكومة السورية، وعدم تنفيذ اتفاق مارس (آذار) 2025، بالإضافة إلى تولي تيار متشدد ضمن «قسد» القرار الميداني الذي كان يميل إلى الصدام العسكري، بينما كانت الحكومة السورية تميل إلى تجنُّب اللجوء إلى الحل العسكري.

وكان قرار الحكومة السورية واحداً ومركزياً ومنسجماً مع التوجه الإقليمي والدولي. وكان هناك استياء أميركي من تعنت «قسد»، وسيصنع التقييم الأميركي الجديد لـ«قسد» بعد انهيار صفوفها طريقة جديدة لرسم الخريطة الداخلية لسوريا، ومن المرجح استمرار العمليات العسكرية ما دامت «قسد» لم تعلن بشكل جاد تنفيذ اتفاق مارس، والاندماج معه.

يُذْكر أن هناك تدخلات دولية وجهوداً يقودها الزعيم مسعود بارزاني، ولكنها تأخرت، ولا يزال التيار المتشدد في «قسد» متمسكاً بالمواجهة الميدانية رغم الخسائر الكبيرة، وفق المصادر المتابعة التي أكدت أن الأمور ميدانياً تتجه نحو سيطرة كامل بمحافظتي حلب والرقة التي بقيت أجزاء منها خارج سيطرة الدولة، ودير الزور وأجزاء من محافظة الحسكة، في حين أن الوساطة الإقليمية والدولية داعمة لتفاهمات قد ترضخ لها «قسد» بناءً على شروط جديد، بحيث ينفَّذ إدماج قوات «قسد» مع الحكومة السورية في أجزاء من محافظة الحسكة فقط، بحسب الباحث وائل علوان.

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق 10 مارس الماضي (إ.ب.أ)

وكانت الولايات المتحدة، لأكثر من عام كامل، متفقة على حل الإشكال مع «قسد» بالطرق الدبلوماسية، وعدم إدخال السوريين بمواجهات عسكرية تؤثر في الاستقرار، لكن تعنت «قسد»، وسيطرة التيار المتشدد فيها على القرار أفقداها كثيراً من الفرص، والولايات المتحدة الآن تتخلص من عبء ثقيل، وهو التيار المتشدد في «قسد» الذي هُزم، وستكون الولايات المتحدة الأميركية بشكل متفاعل مع المتغيرات الجديدة، وستتعامل بواقعية، وستخفف من وجود «قسد» التي تفاوض، ولا تلتزم.


دمشق: مدنيون قتلوا برصاص «قسد» في الرقة

قام سكان بإسقاط تمثال لمقاتلة كردية بعد سيطرة قوات الجيش السوري على البلدة من «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة (أ.ب)
قام سكان بإسقاط تمثال لمقاتلة كردية بعد سيطرة قوات الجيش السوري على البلدة من «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة (أ.ب)
TT

دمشق: مدنيون قتلوا برصاص «قسد» في الرقة

قام سكان بإسقاط تمثال لمقاتلة كردية بعد سيطرة قوات الجيش السوري على البلدة من «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة (أ.ب)
قام سكان بإسقاط تمثال لمقاتلة كردية بعد سيطرة قوات الجيش السوري على البلدة من «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة (أ.ب)

قُتل مدنيان اليوم (الأحد) برصاص «قوات سوريا الديمقراطية» في مدينة الرقة في شمال سوريا، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، على وقع اشتباكات اندلعت في المدينة بين القوات الكردية ومسلحين محليين، بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان».

وأفادت وكالة «سانا» بـ«مقتل مدنيَّين اثنين برصاص تنظيم قسد» في المدينة، الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» منذ طردها تنظيم «داعش» منها عام 2017.

وأشار «المرصد السوري» إلى «اشتباكات تشهدها أحياء المدينة بين (قوات سوريا الديمقراطية) ومسلحين محليين من أبناء العشائر العربية» على وقع التغيرات الميدانية المتلاحقة في مناطق مجاورة.


«الدفاع» العراقية أعلنت انسحاباً أميركياً كاملاً من قاعدة «عين الأسد» العسكرية

من «قاعدة عين الأسد» بعد الانسحاب الأميركي منها (وكالة الأنباء العراقية)
من «قاعدة عين الأسد» بعد الانسحاب الأميركي منها (وكالة الأنباء العراقية)
TT

«الدفاع» العراقية أعلنت انسحاباً أميركياً كاملاً من قاعدة «عين الأسد» العسكرية

من «قاعدة عين الأسد» بعد الانسحاب الأميركي منها (وكالة الأنباء العراقية)
من «قاعدة عين الأسد» بعد الانسحاب الأميركي منها (وكالة الأنباء العراقية)

أعلنت وزارة الدفاع العراقية، الأحد، انسحاب القوات الأميركية بالكامل من «قاعدة عين الأسد» الجوية في محافظة الأنبار غرب البلاد، وأن الجيش العراقي سيتولى السيطرة عليها وإدارتها بالكامل.

وتموضعت القوات الأميركية في القاعدة بعد احتلالها العراق عام 2003، ثم غادرتها عام 2011، قبل أن تعود إليها مجدداً خلال الحرب ضد تنظيم «داعش» عام 2014 والأعوام التي تلته.

وأشرف رئيس أركان الجيش، الفريق أول ركن عبد الأمير رشيد يارالله، على توزيع المهام والواجبات على الأصناف والتشكيلات العسكرية في «قاعدة عين الأسد»، بعد انسحاب القوات الأميركية منها وتولي الجيش العراقي إدارة القاعدة بالكامل، طبقاً لبيان صدر، السبت، عن وزارة الدفاع.

وأضاف البيان أن «رئيس أركان الجيش فور وصوله، تابع مراحل تسلّم الملف الأمني من خلال إشرافه الميداني على توزيع الأصناف والتشكيلات داخل القاعدة، والمتمثلة بلواء القوات الخاصة الخامس والستين وأفواجه، بالإضافة إلى توزيع المقرات الخاصة بقيادتي القوة الجوية وطيران الجيش».

رئيس أركان الجيش الفريق أول ركن عبد الأمير رشيد يارالله داخل القاعدة (وكالة الأنباء العراقية)

وتفقد يارالله «جميع أقسام القاعدة، بهدف تأمين المرافق الخدمية والبنى التحتية والجوانب الإدارية واللوجستية، وبما يضمن رفع مستوى الجاهزية لتنفيذ الواجبات المنوطة على أكمل وجه».

اهتمام إيراني بالانسحاب

وينظر بعض المراقبين إلى عملية الانسحاب بوصفها «مكسباً سيادياً» يمنح الحكومة هامشاً سياسياً وأمنياً في إدارة بلادها، ويجنبها صداماً مع الجماعات والفصائل المناهضة لوجود القوات الأميركية والمطالبة برحيلها.

ولم يغِب الاهتمام الإيراني عن «حادث» الانسحاب من القاعدة، حيث أشار إليه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده، الأحد، مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، وذكر أن «إخلاء قاعدة عين الأسد من القوات الأميركية، دليل على التعاون الوثيق بين طهران وبغداد».

وأضاف أن «خروج القوات العسكرية الأميركية من قاعدة عين الأسد وإنهاء مهمة بعثة (يونامي) يمثلان مؤشرات واضحة على ترسيخ استقلال العراق واستقراره وسيادته الوطنية».

وسبق أن قامت إيران والفصائل المرتبطة بها، باستهداف «قاعدة عين الأسد» مرات عديدة؛ كان أبرزها الهجوم بالصواريخ الباليستية الذي شنته على القاعدة في يناير (كانون الثاني) 2020، رداً على مقتل قائد «فيلق القدس» الإيراني قاسم سليماني، بهجوم أميركي قرب «مطار بغداد الدولي».

إعادة تموضع أميركي

بدوره، يؤكد الخبير في الشؤون العسكرية مخلد حازم، أن «انسحاب القوات الأميركية من القاعدة العسكرية، ليست له علاقة بالتوترات الإقليمية الحالية الناجمة عن احتمال اندلاع حرب أميركية - إسرائيلية مع إيران».

قاعدة «عين الأسد» في الأنبار (رويترز)

وقال حازم لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك جداول زمنية تم الاتفاق عليها عبر اللجنة العسكرية العليا الأميركية – العراقية، وفيها محددات زمنية تقتضي بانسحاب القوات القتالية نهاية 2025 من قاعدتي (عين الأسد) في الأنبار و(فيكتوريا) في بغداد باتجاه قاعدة (حرير) في أربيل».

وتابع أن «القوات الأميركية ستنسحب بشكل عام من العراق بحلول نهاية عام 2026، بحسب الاتفاقات المبرمة مع بغداد».

لكن حازم يرى أن «القوات الأميركية أعادت تموضعها في أربيل وسوريا من خلال وجودها في قواعد؛ حرير في أربيل، وخراب الجير وشدادي في سوريا، وذلك يسهل عمليات الإمداد والمرور وبقية الإجراءات الاحترازية إزاء إمكانية التعرض للمخاطر في حال نشوب حرب جديدة بين إسرائيل وإيران».

وذكر حازم أن «واشنطن تبني اليوم أكبر قاعدة عسكرية في سوريا، ويبدو أنها ستقوم بنقل مركز العمليات إلى هناك، لكن ذلك لن يبعد الأميركيون عن العراق حسب الاتفاقات الموقعة مع بغداد، وبخاصة بالنسبة للاتفاقية الأمنية المستدامة، واتفاقية الإطار الاستراتيجي... إن ما حصل هو إجراء إداري تم بموجبه تسليم مقر التحالف الدولي في القاعدة، إلى القوات العراقية».

مع ذلك، يتخوف بعض المراقبين العسكريين من أن الانسحاب الأميركي قد يترك فراغاً كبيراً في مناطق صحراوية شاسعة، وقد يؤدي إلى ثغرات مؤقتة في تعقّب خلايا «داعش» النائمة، في تلك المناطق، كما قد يتسبب في زيادة العبء على القوات العراقية الماسكة للأرض.

وكان نائب قائد العمليات المشتركة، الفريق أول ركن قيس المحمداوي، قال في وقت سابق، إن «نسبة التسلل عبر الحدود العراقية وصلت إلى الصفر في المائة»، في إشارة إلى تشديد الإجراءات الأمنية والتحصينات على الحدود المشتركة مع سوريا، بما يسهم في تقليص حركة عناصر «داعش» الإرهابي، وعمليات التهريب.