تقدم للفصائل في ريف حماة... وغارات سورية ــ روسية على حلب وإدلب

سيطرت على بلدات وقرى... ومناوشات حول قلعة المضيق الاستراتيجية

TT

تقدم للفصائل في ريف حماة... وغارات سورية ــ روسية على حلب وإدلب

أثار الدمار  عقب غارة روسية على أدلب شمال سوريا 2 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
أثار الدمار عقب غارة روسية على أدلب شمال سوريا 2 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)

شنّ الجيش السوري والطيران الروسي غارات دامية على مناطق سيطرة الفصائل المسلحة في شمال غربي سوريا، (الاثنين)، مع السعي لاستعادة مناطق استحوذت عليها «هيئة تحرير الشام» وفصائل حليفة لها، في هجوم واسع بدأته الأسبوع الماضي.

وسيطرت فصائل عملية «ردع العدوان» التي تقودها «هيئة تحرير الشام» على قرى الجبين وتل ملح وجلمة والجبين وبريديج، واستعادت سيطرتها على بلدة كرناز في ريف حماة الشمالي.

ووصلت الفصائل المسلحة إلى مدخل قلعة المضيق بعد السيطرة على قرية الكركات؛ حيث تدور اشتباكات عنيفة وقصف متبادل بين القوات الحكومية من جهة، وقوات «ردع العدوان» من جهة أخرى التي تحاول إحراز تقدم على محور قلعة المضيق الاستراتيجية للسيطرة على سهل الغاب، بعد فشل هجوم متطرفين في كسر الخطوط الأمامية للجيش النظامي في سهل الغاب.

وشنّ الطيران الحربي أكثر من 32 غارة في ريف حماة الشمالي، بالإضافة إلى ضربات جوية من الطائرات المروحية تركزت على كرناز والقرى التي تمكنت قوات «ردع العدوان» من السيطرة عليها.

وفي ريف حماة الشرقي، حقّقت «هيئة تحرير الشام» والفصائل تقدماً ميدانياً في بادية حماة؛ حيث تمكّنت من السيطرة على قرية قصر أبو سمرة، تزامناً مع غارات جوية من الطيران الحربي على قرية سنجار. واستهدفت «الهيئة» والفصائل المشتركة معها، بواسطة عدد من الطائرات المسيّرة، تجمعاً كبيراً لقيادات عسكرية من القوات السورية في منطقة جبل زين العابدين شمال مدينة حماة، وسط معلومات عن وقوع قتلى وجرحى في صفوفهم. وتستخدم «الهيئة» سلاح المسيّرات بشكل مكثف خلال معاركها مع قوات الحكومة، مستهدفة مواقع عسكرية وآليات.

وعدّ الرئيس السوري بشار الأسد الذي تلقّى دعماً متجدداً من حليفتيه روسيا وإيران، أن الهجوم -وهو الأوسع منذ أعوام- محاولة «لإعادة رسم خريطة» المنطقة. في حين قالت تركيا الموجودة عسكرياً في شمال سوريا والداعمة لفصائل مسلّحة، إن الهجوم ليس «تدخلاً أجنبياً».

أحد عناصر «الخوذات البيضاء» يركض بعد قصف قوات الجيش السوري مدينة إدلب (أ.ب)

وبدأت «هيئة تحرير الشام» («جبهة النصرة» سابقاً قبل فك ارتباطها بتنظيم «القاعدة») وفصائل حليفة لها، هجوماً واسعاً، الأربعاء، أسفر عن خروج حلب، ثاني كبرى مدن سوريا، بالكامل عن سيطرة القوات الحكومية للمرة الأولى منذ اندلاع النزاع في البلاد عام 2011. وقُتل 11 مدنياً على الأقل، بينهم خمسة أطفال، الاثنين، جراء غارات نفّذها سلاحا الطيران، الروسي والسوري، على محافظة إدلب (شمال غرب)، أبرز معاقل الفصائل المسلحة، وفق «المرصد السوري لحقوق الإنسان».

وأفاد المرصد بأن الغارات استهدفت «مناطق عدة، بينها مدينة إدلب ومخيم للنازحين شمالها»، مما أسفر عن مقتل «11 مدنياً، بينهم خمسة أطفال وسيدتان، وإصابة العشرات بجروح».

وقال المدرّس حسن أحمد خضر (45 عاماً)، المقيم في المخيّم قرب مدينة إدلب: «كنت وجيراني نقف في الشمس، لنحصل على بعض الدفء وسط الجو البارد... عندما حصل القصف»، مضيفاً أنه استهدف «عائلات مهجرة تقطن عند أطراف المخيم»، مما أسفر عن مقتل طفل من تلاميذه مع شقيقاته الأربع، في حين نُقل الوالدان إلى المستشفى للعلاج.

في حماة التي تسيطر عليها الحكومة، قال «المرصد» إنّ هجوماً صاروخياً نفّذه المسلّحون أسفر عن مقتل 6 مدنيين، الاثنين. وأظهرت مقاطع فيديو لـ «وكالة الصحافة الفرنسية» مسلّحين يتقدّمون باتجاه محافظة حماة في وسط سوريا. كذلك، أشار «المرصد» إلى أنّ غارة على مدينة حلب أسفرت عن مقتل أربعة مدنيين، بينهم طفلان، مضيفاً أنّ الغارات الجوية استهدفت أيضاً حياً تقطنه غالبية مسيحية.

وأفاد الجيش السوري، من جهته، في بيان، بأن قواته تتحرّك «على عدة محاور في أرياف حلب وحماة وإدلب؛ للالتفاف على الإرهابيين وطردهم من المناطق التي دخلوها وتأمينها بالكامل، وتثبيت نقاط تمركز جديدة، للتحضير للهجوم التالي، مع استمرار وصول مزيد من التعزيزات العسكرية».

وأدّت المعارك والقصف، منذ الأربعاء، إلى مقتل 514 شخصاً، غالبيتهم من المسلحين، بالإضافة إلى 92 مدنياً، حسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان». في مدينة حلب، أظهرت فيديوهات لـ «وكالة الصحافة الفرنسية» مقاتلين مسلحين يجوبون الشوارع في سيارات عسكرية أو سيراً على الأقدام. وأحرق بعضهم العلم السوري، في حين رفع آخرون «علم الثورة».

صورة دمار من موقع غارة في إدلب بسوريا نُشرت في 2 ديسمبر 2024 (رويترز)

وكان القيادي في الفصائل السورية المسلحة، حسن عبد الغني، قد قال، الاثنين، إن مقاتلي الفصائل يتقدّمون على أكثر من محور في ريف حماة، وإنهم سيطروا على سبع مناطق هناك، في الوقت الذي تستمر فيه الغارات على مواقع «الفصائل» في ريفي حلب وإدلب. وقال «تلفزيون سوريا»، التابع للفصائل المسلحة، إن قذائف صاروخية سقطت على حي البعث بمدينة حماة؛ مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى. ولم يُعرف على الفور عدد ضحايا القصف.

وفي وقت سابق من يوم الاثنين، قالت القوات المسلحة السورية إنها قتلت أكثر من 400 مسلح في ريفي حلب وحماة في آخر 24 ساعة، وذلك في عمليات مشتركة مع القوات الروسية.

وشنّت فصائل مسلحة في شمال غربي سوريا، بقيادة «هيئة تحرير الشام»، هجوماً عسكرياً على مدينتي حلب ومعرة النعمان، وتواصل التقدم باتجاه مدينة حماة. وتؤمّن الفصائل الموالية لتركيا مواقعها في تلك المنطقة، وشنّت عملية عسكرية ضد تنظيمات مسلحة كردية والقوات الحكومية.

«حزب الله» ينأى بنفسه

في الأثناء، ذكرت ثلاثة مصادر مطلعة على تفكير «حزب الله» اللبناني، الاثنين، أن الجماعة لا تنوي حالياً إرسال مقاتلين إلى شمال سوريا لدعم الجيش السوري هناك. وقالت المصادر لوكالة «رويترز»، إن «حزب الله» لم يُطلب منه ذلك بعد، وإن الجماعة «ليست مستعدة لإرسال قوات إلى سوريا في هذه المرحلة»، بعد أن أنهى وقف إطلاق النار عاماً من الأعمال القتالية مع إسرائيل، بما في ذلك اشتباكات برية مكثفة في جنوب لبنان.

في سياق متصل، أعلنت وزارة الدفاع السورية، الاثنين، مقتل عشرات المسلحين في قصف سوري - روسي على تجمعاتهم في أرياف حلب وإدلب. كما ذكر بيان صادر عن رئاسة مجلس الوزراء في سوريا أن سلاحَي الجو، السوري والروسي، قصفا مواقع تسيطر عليها الفصائل السورية المسلحة في ريف حلب الشرقي؛ مما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات من قواتها.

وجاء في البيان أن «الطيران الحربي السوري - الروسي المشترك يوجّه ضربات متتالية على تجمعات الإرهابيين ومحاور تحركهم على أطراف بلدة السفيرة في ريف حلب الشرقي، مُوقعاً عشرات القتلى والجرحى في صفوفهم، بالإضافة إلى تدمير عدة عربات وآليات كانت بحوزتهم».

 


مقالات ذات صلة

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة تجمع صالح مسلم وعبد الله أوجلان خلال تشييع عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم الجمعة (رويترز)

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

شارك آلاف المشيعين في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، اليوم (الجمعة)، في جنازة السياسي الكردي البارز صالح مسلم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
TT

نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)

أفاد مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة بأن غارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في قطاع غزة، الخميس، ​في حين قتل جنود بالرصاص فتى يبلغ من العمر 15 عاماً خلال مداهمة للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة.

وقال مسعفون في غزة إن شخصاً قُتل في غارة جوية استهدفت خان يونس جنوب القطاع، وأسفرت عن إصابة آخرين. فيما أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه استهدف مسلحين ينقلون ذخيرة ويشكلون تهديداً لجنوده.

وأكد مسؤولون في قطاع الصحة مقتل 3 آخرين، بينهم أحد أفراد فرق الإنقاذ، ‌في غارة منفصلة ‌استهدفت مخيم المغازي للاجئين بمنطقة ​دير ‌البلح ⁠وسط قطاع ​غزة.

ولم يصدر عن الجيش الإسرائيلي أي تعليق بعدُ على تلك الغارة.

وتشن إسرائيل غارات متكررة على قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار؛ الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وتتبادل إسرائيل وحركة «حماس» الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار.

جنود إسرائيليون في بستان حيث تعمل جرافة على اقتلاع أشجار الزيتون في قرية اللبن الشرقية قرب نابلس (أ.ف.ب)

ولا توجد آلية لتطبيق ومراقبة الهدنة. وقتل 4 جنود إسرائيليين وأكثر ⁠من 780 فلسطينياً في قطاع غزة منذ بدء ‌سريان وقف إطلاق النار.

وفي «مجمع الشفاء ‌الطبي» بمدينة غزة، وهو أكبر مرفق ​طبي في القطاع، وقف الأقارب ‌بين المعزين الذين تجمعوا لدفن 5 أشخاص، بينهم 3 أطفال، كانوا راحوا ضحية غارة جوية إسرائيلية، الأربعاء، على بلدة في شمال غزة. وقال محمد بعلوشة، وهو من أقارب أحد الضحايا: «لا يوجد وقف لإطلاق نار، ولا هدنة، ولا أي شيء، العدو يضرب... ولا أمان في أي منطقة».

ولم ‌يصدر الجيش الإسرائيلي بعدُ أي تعليق على تلك الضربة، وفق وكالة «رويترز».

عنف في الضفة الغربية

في مدينة نابلس ⁠بالضفة الغربية، ⁠قال مسؤولون صحيون إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على فتى وقتلته خلال «مداهمة مستمرة» في المدينة.

وأعلنت وزارة الصحة، في بيان مقتضب، «استشهاد الطفل يوسف سامح اشتية (15 عاماً) برصاص الاحتلال في نابلس».

ورداً على استفسارات «وكالة الصحافة الفرنسية»، قال الجيش الإسرائيلي إنه يحقق في الحادث.

وكانت وزارة الصحة أعلنت أن مستوطنين إسرائيليين أطلقوا النار على رجل يبلغ من العمر 25 عاماً وقتلوه في بلدة دير دبوان قرب رام الله أمس، في أحدث حلقة من سلسلة وقائع وصفتها منظمات حقوقية بأنها تصاعد في العنف ضد الفلسطينيين من جانب المستوطنين والجنود الإسرائيليين.

ولم يصدر الجيش الإسرائيلي بعدُ أي تعليق على أي من الواقعتين.

وقالت وزارة الصحة الفلسطينية إن 15 شخصاً على الأقل قتلوا في هجمات المستوطنين الإسرائيليين ​هذا العام.


لبنان يجدد ثوابت التفاوض: انسحاب كامل ولا منطقة عازلة

بدأت جلسة الحكومة التي عقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون الخميس بالوقوف دقيقة صمت حداداً على اللبنانيين الذي قتلوا في الحرب ولا سيما الإعلاميين منهم إضافة إلى جنود «اليونيفيل» (رئاسة الجمهورية)
بدأت جلسة الحكومة التي عقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون الخميس بالوقوف دقيقة صمت حداداً على اللبنانيين الذي قتلوا في الحرب ولا سيما الإعلاميين منهم إضافة إلى جنود «اليونيفيل» (رئاسة الجمهورية)
TT

لبنان يجدد ثوابت التفاوض: انسحاب كامل ولا منطقة عازلة

بدأت جلسة الحكومة التي عقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون الخميس بالوقوف دقيقة صمت حداداً على اللبنانيين الذي قتلوا في الحرب ولا سيما الإعلاميين منهم إضافة إلى جنود «اليونيفيل» (رئاسة الجمهورية)
بدأت جلسة الحكومة التي عقدت برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون الخميس بالوقوف دقيقة صمت حداداً على اللبنانيين الذي قتلوا في الحرب ولا سيما الإعلاميين منهم إضافة إلى جنود «اليونيفيل» (رئاسة الجمهورية)

جدّد المسؤولون اللبنانيون تأكيدهم على جملة من الشروط والثوابت الأساسية المرتبطة بأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، في مقدّمها الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، ورفض إقامة أي منطقة عازلة، بالتوازي مع التشديد على حماية السيادة وحقوق اللبنانيين، وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار بوصفه مدخلاً لأي تسوية.

سلام: لا اتفاق من دون انسحاب

في هذا السياق، حثّ رئيس الحكومة نواف سلام، الإدارة الأميركية على الضغط على إسرائيل لتقليص مطالبها وإنهاء غزوها للبلاد. وشدد على أن لبنان لا يمكنه توقيع أي اتفاق لا يتضمن انسحاباً كاملاً للقوات الإسرائيلية.

وأكد: «لا يمكننا العيش مع ما يسمى منطقة عازلة، مع وجود إسرائيلي حيث لا يُسمح للنازحين اللبنانيين بالعودة، وحيث لا يمكن إعادة إعمار القرى والبلدات المدمّرة».

ودعا رئيس الحكومة في حديث لصحيفة «واشنطن بوست»، إلى تمديد وقف إطلاق النار الهش الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وينتهي بنهاية هذا الأسبوع، على غرار ما فعله الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي مدد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

وأضاف سلام: «اتخذنا قرارات جريئة وأحرزنا تقدماً بمصادرة الأسلحة وحظر العمليات العسكرية لـ(حزب الله)»، مشيراً إلى أن احتكار الدولة للسلاح مصلحة لبنانية بغض النظر عن مطالب إسرائيل، فالدولة لا يمكن أن تمتلك جيشين.

وأكد أن نزع السلاح عملية لا يمكن أن تحدث بين عشية وضحاها، لكن الأهم هو إظهار الجدية، مشدداً على «أن تقوية الجيش هو السبيل لتحقيق حصر السلاح بيد الدولة».

وناشد سلام واشنطن وباريس «المساعدة في توسيع وتعزيز جيشنا الذي يعاني ضائقة مالية في المعدات والتدريب، كما نناشد الشركاء توفير الأموال لمواجهة المأساة الإنسانية ولتلبية احتياجات إعادة الإعمار في لبنان».

الدعم السعودي

في إطار الدعم الذي يلقاه لبنان للتوصل إلى استقرار دائم، استقبل الرئيس جوزيف عون مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان، «حيث جرى عرض للأوضاع الراهنة في ضوء التطورات الأخيرة»، إضافة إلى «دور المملكة العربية السعودية في مساعدة لبنان على تجاوز الظروف الصعبة التي يمر بها».

كذلك، أعلنت رئاسة مجلس النواب «أن رئيس البرلمان نبيه بري تواصل مع وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، حيث جرى خلاله التداول بتطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة على ضوء مواصلة إسرائيل اعتداءاتها على لبنان، لا سيما استمرارها بأعمال التدمير الممنهج للقرى الحدودية الجاري على قدم وساق».

ولفت البيان إلى أن «الرئيس بري شكر للمملكة جهودها لمساعدة لبنان على مختلف الصعد، لا سيما تلك المتصلة بوقف العدوان الإسرائيلي الذي يستهدف لبنان وأمنه وسيادته واستقراره».

سيدات يحملن صور الصحافية آمال خليل التي قتلت في قصف إسرائيلي خلال تأديتها عملها في جنوب لبنان وذلك خلال تشييعها الخميس في بلدتها البيسارية في جنوب لبنان (رويترز)

الراعي: خطاب عون مفصلي

في موازاة ذلك، أكد البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي بعد لقائه الرئيس جوزيف عون، «أن المفاوضات التي تكلم عنها رئيس الجمهورية خالية من أي تضحية أو تفريط بحقوق لبنان، وأن الرئيس لا يقبل بذلك»، مشدداً على أنه «يكفينا حروباً وخراباً ودماراً».

وشدد على أن «ما طرحه رئيس الجمهورية واضح لجهة عدم التفريط بأي حق من حقوق لبنان، وأن الهدف هو تأمين حقوق اللبنانيين كافة، من السيادة إلى تحرير الأرض وعودة الأسرى وإعادة الإعمار»، داعياً إلى مقاربة هذا المسار بهدوء ووعي، ومؤكداً «أهمية الجيش ودور قائده والحاجة لدعمه من قبل الجميع».

وفيما لفت الراعي إلى أنه شكر رئيس الجمهورية على خطابه في 17 أبريل (نيسان)، وصف الخطاب بأنه «مفصلي، يردّ الكرامة إلى اللبنانيين ويترجم مبادئ الإخلاص للوطن، وحفظ الدستور، واستقلال البلاد، وسلامة أراضيها ووحدتها ويترجم مضمون خطاب القسم».

وكان موضوع المساعدات لأهالي الجنوب الصامدين حاضراً في اللقاء، حيث قال الراعي: «تكلمنا على وجوب تأمين الممرات الإنسانية للصامدين في قراهم في الجنوب، وهو حق ترعاه القوانين الدولية، بحيث تصل إليهم المساعدات الغذائية والأدوية، إضافة إلى إمكانية التحرك للاستشفاء».

وقف إطلاق النار مدخل للتفاوض

في الإطار نفسه، شدد وزير التنمية الإدارية فادي مكي بعد لقائه الرئيس عون على «الأهمية القصوى لتثبيت وقف إطلاق النار وتوسيعه، وضمان أن يكون شاملاً وكاملاً»، معتبراً أن ذلك يجب أن يشمل وقف كل الأعمال العدائية، بما فيها تدمير المنازل في القرى الحدودية، وأن هذا المسار يشكّل مدخلاً أساسياً لأي مفاوضات ويحمي المدنيين، ويعزز الاستقرار.

فضل الله للخروج من مسار التنازل

فيما يسود الترقب في لبنان لما ستؤول إليه الجهود المبذولة على خط المفاوضات، يستمر المسؤولون في «حزب الله» في رفع سقف مواقفهم لجهة رفض المسار التفاوضي، وهو ما عبر عنه مجدداً النائب في كتلة «حزب الله» حسن فضل الله، معتبراً أن «الحديث عن احتلال 55 قرية أو إقامة منطقة عازلة بعمق 10 كيلومترات غير دقيق»، وقال: «هناك وجود متفاوت بين المناطق، وأن المقاومين موجودون قرب الحدود في بعض النقاط».

شاب على متن دراجته النارية أمام جامع تعرض للقصف الإسرائيلي في بلدة كفرصير في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضح فضل الله أن «الاعتداءات بالنار تشمل هذه القرى عبر الطائرات المسيّرة أو القصف المدفعي أو إطلاق النار المباشر».

وفيما قال: «لن نقبل بوقف إطلاق نار من جهة واحدة، بينما يواصل العدو اعتداءاته من دون رد»، وأضاف: «الرد المناسب يُقرَّر من قبل قيادة المقاومة وفق المعطيات الميدانية».

وسياسياً، دعا النائب فضل الله السلطة اللبنانية إلى «الخروج من مسار التنازل الذي ورّطت لبنان به»، مطالباً بـ«وقف كل أشكال التواصل المباشر مع العدو».


توسعة تدريجية للقتال في جنوب لبنان تُعقّد المساعي الدبلوماسية

أطفال يقفون على متن شاحنة صغيرة أثناء مرورهم بجانب مبانٍ متضرّرة جرّاء غارة إسرائيلية في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)
أطفال يقفون على متن شاحنة صغيرة أثناء مرورهم بجانب مبانٍ متضرّرة جرّاء غارة إسرائيلية في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)
TT

توسعة تدريجية للقتال في جنوب لبنان تُعقّد المساعي الدبلوماسية

أطفال يقفون على متن شاحنة صغيرة أثناء مرورهم بجانب مبانٍ متضرّرة جرّاء غارة إسرائيلية في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)
أطفال يقفون على متن شاحنة صغيرة أثناء مرورهم بجانب مبانٍ متضرّرة جرّاء غارة إسرائيلية في بلدة المنصوري جنوب لبنان (رويترز)

تصطدم الجهود الدبلوماسية لحل أزمة جنوب لبنان مع تصعيد ميداني تدريجي، وتوسعة مساحة القتال من تفجيرات وانتهاكات إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية في الأيام الأربعة الأولى من الهدنة، ثم الانتقال تدريجياً إلى خارج المنطقة، مع بدء «حزب الله» استهدافات محدودة للقوات الإسرائيلية في العمق اللبناني، أو على الحدود مع إسرائيل.

وبينما تتكثف العمليات العسكرية الإسرائيلية من تفجير ونسف وحرق للمنازل، تتوسّع في المقابل خرائط التحذير ومنع العودة، بما يتجاوز البُعد العسكري إلى محاولة فرض واقع ديموغرافي وأمني جديد.

تصعيد واسع وخرائط منع العودة

ونفذ الجيش الإسرائيلي، الخميس، سلسلة عمليات طالت بلدات عدّة، بينها بيت ليف وحانين وميس الجبل والخيام؛ حيث دوّت انفجارات عنيفة وجرى نسف منازل وإحراق أخرى، بالتوازي مع قصف مدفعي استهدف وادي الحجير ووادي السلوقي والقنطرة. ولم تعد هذه العمليات تقتصر على الضربات عن بُعد، بل تعكس انتقالاً إلى تدمير البيئة العمرانية بشكل منهجي.

رجل يحمل متاعه الشخصي من داخل مبنى دمّرته غارة إسرائيلية في بلدة كفر صير جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي المقابل، سُجّل إطلاق صاروخ من «حزب الله» باتجاه مستعمرة المطلة، اعترضته القبة الحديدية، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي اعتراض «هدف جوي» أُطلق من لبنان. غير أنّ التطور الأكثر دلالة تَمثّل في توسيع التحذيرات الإسرائيلية، عبر تجديد دعوة سكان عشرات القرى إلى عدم العودة أو التحرك جنوب خطوط محددة، فيما يُشبه فرض «حزام أمني بالنار» يتجاوز طبيعته العسكرية ليأخذ بُعداً سياسياً وديموغرافياً، يهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا البشرية للمنطقة الحدودية.

ترقب ونزوح مستمر

بالتوازي مع هذا التصعيد، تكشف مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أنّ جزءاً كبيراً من الأهالي لم يعودوا إلى قراهم في قضاء النبطية، كما امتنع كثيرون عن العودة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، رغم إعلان الهدنة، في ظلّ انعدام الثقة باستمرارها.

وتُشير المصادر إلى أنّ «كل ما يحدث من تبادل ضربات في جنوب لبنان يدلّ على هشاشة الهدنة، وأنّ الهدوء النسبي شمال نهر الليطاني وفي العمق اللبناني قد ينهار في أي لحظة»، مضيفة أنّ «المؤشرات الميدانية تعكس مرحلة انتظار مشوبة بالحذر، لا استقراراً فعلياً».

وترى المصادر المحلية أنّ المؤشر الإداري يعكس عمق الأزمة، إذ «جرى نقل سجلات دائرة نفوس ميس الجبل من مركزها المؤقت في النبطية إلى وزارة الداخلية، في خطوة تتجاوز بعدها التقني لتكرّس واقعاً ميدانياً يمنع عودة مؤسسات الدولة، ويوازي عملياً حالة نزوح إداري مرافقة للنزوح السكاني».

جرافات ترفع أنقاض مبانٍ دمّرتها غارات إسرائيلية في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ولا تتوقف المؤشرات عند هذا الحد، إذ تُضيف شهادات نقلتها صحيفة «هآرتس» عن جنود إسرائيليين، تحدثوا عن تحوّل نهب ممتلكات المدنيين إلى «ظاهرة روتينية»، بُعداً آخر يعكس تفكيك البيئة الاجتماعية والاقتصادية للقرى الحدودية، بما يُعزّز فرضية «التفريغ الصامت»، وجعل العودة شبه مستحيلة عملياً.

الدبلوماسية تحت الضغط

هذه التطورات الأمنية انعكست على المواقف السياسية؛ إذ قال عضو كتلة «حزب الله» النيابية، حسن فضل الله، إن «الحزب يريد الالتزام بوقف إطلاق النار، لكن على إسرائيل الالتزام به أيضاً».

فيما أعلن النائب حسين الحاج حسن أن «الحزب لم يعد ملتزماً بوقف إطلاق النار، وسيَردّ وفق تقديره للموقف». ويبرز تأثير الميدان في المسار الدبلوماسي الذي يعوّل عليه لبنان لتثبيت وقف إطلاق النار. ورأى العميد المتقاعد ناجي ملاعب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الرد الذي ينفّذه (حزب الله)، ويصفه بأنه ضمن توازن الردع، لا يرقى فعلياً إلى هذا المستوى، في ظل الاختلال الواضح في ميزان القوى»، معتبراً أنه «يُربك المسار الدبلوماسي اللبناني في توقيت دقيق».

وأوضح أن «الأجدى كان أن يواصل لبنان تحرّكه الدبلوماسي في مواجهة الخروقات الإسرائيلية من دون الانخراط في ردود عسكرية، أيّاً تكن طبيعتها»، مشيراً إلى أن «العمليات الصاروخية، حتى لو أصابت أهدافاً موضعية، تسحب عملياً ورقة الضغط من يد الدبلوماسية اللبنانية».

نازح يُشعل ناراً قرب خيمته خلال هدنة 10 أيام يشهدها لبنان وينتظر تمديدها (رويترز)

ازدواجية دولية... وخرق محسوب

وتتقاطع قراءة ملاعب مع واقع دولي يميّز بين الخروقات، إذ أشار إلى أنّ «أي تحرّك عسكري من جانب (حزب الله) سيُستخدم دولياً، ولا سيما من قبل الولايات المتحدة، باعتباره خرقاً للهدنة، في حين يتم التغاضي عن مئات الخروقات الإسرائيلية».

ويعني ذلك، وفق ملاعب، أنّ «لبنان يخسر جزءاً من موقعه التفاوضي، خصوصاً في ظل الرهان على المسار الدبلوماسي الجاري في واشنطن»، ما يحوّل المواجهة إلى «حرب سرديات» تُقاس فيها الوقائع بميزان القوى لا بالمعايير القانونية.

أولوية تثبيت الهدنة

في مقاربته للحل، شدّد ملاعب على أنّ «الجهد اللبناني يجب أن ينصبّ على تثبيت وقف فعلي لإطلاق النار، بما يتيح للجيش اللبناني بسط سلطته ومنع أي أعمال تعوق انتشاره»، معتبراً أنّ هذا المسار «يتقاطع مع الرؤية الأميركية، لكنه يبقى رهناً بمدى التزام إسرائيل، وهو أمر غير مضمون»، محذراً من أنّ «أي تفاهم محتمل قد يتضمّن بنوداً تمنح إسرائيل هامشاً للتحرك تحت ذرائع أمنية، ما يعني عملياً استمرار الاستهدافات»، مؤكداً أنّ «ذلك سيقود حكماً إلى تصعيد متجدّد، إذ لن يبقى (حزب الله) خارج دائرة الرد».