وزير ثقافة لبنان لـ«الشرق الأوسط» :الجيش الإسرائيلي تَعَمَّدَ استهداف المواقع التراثية والأثرية

وزير ثقافة لبنان لـ«الشرق الأوسط» :الجيش الإسرائيلي تَعَمَّدَ استهداف المواقع التراثية والأثرية
TT

وزير ثقافة لبنان لـ«الشرق الأوسط» :الجيش الإسرائيلي تَعَمَّدَ استهداف المواقع التراثية والأثرية

وزير ثقافة لبنان لـ«الشرق الأوسط» :الجيش الإسرائيلي تَعَمَّدَ استهداف المواقع التراثية والأثرية

تعمدت إسرائيل في حربها على لبنان تدمير وهدم مواقع تراثية وأثرية في الجنوب والنبطية والبقاع؛ «لمحو جزء من ذاكرة اللبنانيين التاريخية والثقافية والحضارية»، وهو ما بدا واضحاً بعد وقف آلة الحرب، وبدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

بيوت تراثية وثقافية

نالت مدينة النبطية حصة كبيرة من هذا العبث بالمقدرات التراثية والثقافية للمدينة، إذ حوّلت إسرائيل المقر السابق للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وهو بيت تراثي قديم بُني نحو عام 1935 في حي الميدان، إلى كومة ركام. ويقول رئيس فرع المجلس في النبطية، كامل جابر: «طوال أكثر من 20 سنة، وحتّى عام 2019 تحديداً، احتضنت دارة كمال ضاهر المقر الرسميّ للمجلس، وكان بمبادرة واهتمام شخصي من قِبل الأديب الراحل حبيب صادق».

وعن رمزية المكان وأهميته في المدينة النابضة بالثقافة والعلم، يحكي جابر لـ«الشرق الأوسط» كيف «شكّل هذا المركز الثقافي ملتقى اجتمع فيه كتّاب وفنانون من لبنان والعالم، مثل نعوم تشومسكي، ومحمد علي شمس الدين، وحسن داود، وبرهان علوية، وسمير قصير، وهاني فحص، وفتحية العسّال، وصادق جلال العظم، ومنير بشير، وطيب تيزيني، وزين العابدين فؤاد... وغيرهم الكثير. كما أقيمت فيه مئات الأمسيات الثقافية ومعارض الرسم والصور والندوات التي بدورها أضفت حركة ثقافية لافتة في المدينة، وحضرها جمهور متنوع».

وهذا المكان، تحديداً، كان حاضراً لدى كل من عرفه وقام بزيارته. يقول جابر: «أبدى الجميع إعجابه الشديد بهذا الموقع التراثي المحمّل بالدلالات الثقافية في المدينة، ولولا إصرار أصحابه على استعادته، بسبب ضائقة مادية، لما تركناه أبداً. والمؤسف اليوم أن إسرائيل أتت ودمرته».

تدمير الذاكرة

يرى جابر أن هذا الفعل جاء في سياق «تدمير جزء كبير من ثقافتنا وذكرياتنا ومن ذاكرة أبناء المدينة والراحلين الذين كانت أنفاسهم تملؤها، وتحوِّلها إلى أمكنة مليئة بالحياة»، لافتاً إلى أن إسرائيل اعتادت منذ عام 1974 قصف مثل هذه المباني، ومن ثم فهذا الفعل ليس بجديد عليها.

وعن سبب تعمُّد إسرائيل هدم مثل هذه المباني يقول جابر: «كما في كل مكان، لأجل التدمير وإحداث الخراب، على عكس ما يروِّجون له من استهداف عسكري أو حزبي».

ولم تكتفِ إسرائيل بذلك، بل استهدفت دارة آل شاهين، وهو بيت آخر من بيوت النبطية التراثية في حي السراي، وكذلك منزل آل خريزات التراثي. يُذكر أن الجيش الإسرائيلي دمَّر أحياءً بكاملها في النبطية وأبنيتها وشوارعها وسوقها التجارية منذ بدء العدوان.

قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وأعمدة معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)

في مدينة الشمس بعلبك

تطول قائمة الاستهدافات لتشمل، مبنى «المنشية» الأثري المتاخم لقلعة بعلبك التاريخية، وفندق بالميرا الشهير، في أهم المدن السياحية في شرق لبنان.

يحكي الفنان والناشط في مجال الحفاظ على التراث البعلبكي ياسر الشمالي لـ«الشرق الأوسط»، كيف «دمرت غارة إسرائيلية مقهى المنشية الواقع في حرم القلعة منذ أكثر من 150 سنة، وحوَّلته إلى ركام»، علماً أن المقهى، عبر السنين الماضية، تَحَوَّلَ إلى متحف تراثي، فيه أنواع السجاد المشغول على النول، والفخاريات القديمة وأشغال يدوية وملابس تراثية، يقصده الناس من لبنان وخارجه.

كذلك استهدفت إسرائيل ثكنة غورو ومتنزهات رأس العين في بعلبك. يقول الشمالي: «خفنا أن تستهدف القلعة التاريخية، إذ إن إسرائيل لا يردعها شيء، ونحن من جهتنا حاولنا إبعاد الناس عن المكان قدر المستطاع، حتّى لا يكون لدى إسرائيل أيّ حجة لقصفها وتدميرها» على أساس أن حجتهم في قصف المنشية كانت وجود سيارات من نوع «بيك آب» في المكان.

القرى الحدودية أيضاً

كذلك عمد الجيش الإسرائيلي، في الأسابيع الأخيرة للحرب على تفخيخ أحياء في القرى الحدودية، ضمن سياق حملة تدمير ممنهجة في ميس الجبل ومحيبيب والعديسة وعيترون ويارون.

يقول رئيس بلدية ميس الجبل عبد المنعم شقير: «نحن في ميس الجبل لنا في كل يوم موعد مع العدو، من قصف وتفخيخ وتدمير وقتل، حالنا حال كل القرى الحدودية، سقط في القرية أكثر من 5 آلاف قذيفة، وشُنت نحو 600 غارة جوية، دمرت أحياءً سكنية كاملة وآلاف البيوت، كما المستشفى الحكومي الذي يستفيد منه أكثر من 25 بلدة حدودية، والسراي الحكومي».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «حتى المساجد ودور العبادة التي تعود لمئات السنين، وبيوت الأحياء التراثية، ومدافن البلدة، لم تسلم من هذه الوحشية. إنه تدمير ممنهج لكل ما في البلدة»، علماً أن البلدة نفسها كانت مقصد المتسوقين من أبناء الجوار وكل لبنان، لشراء المفروشات والسجاد والأثاث وغيرها من الحاجيات، لكنها كحال القرى الحدودية، كان نصيبها كبيراً من الدمار والتفخيخ، كبلدة محيبيب».

ويختم: «دمرت إسرائيل البنى التحتية الثقافية والتراثية والأثرية والتربوية، حتّى لا يبقى شيء يُذْكَر من هذه المنطقة».

وفي قرية العديسة الجنوبية، دُمِّر منزل الفنان التشكيلي الراحل عبد الحميد بعلبكي الذي حوّله إلى متحف جمع فيه إرثاً ثقافياً كبيراً من كتب ومنحوتات ولوحات وتحف وآثار نادرة، وكان قبلة الزائرين من كل مكان.

وزارة الثقافة تتحرك

يقول وزير الثقافة اللبناني محمد مرتضى لـ«الشرق الأوسط»: «منذ بداية الحرب قام العدو باستهداف المواقع الثقافية، إذ تمّ الاعتداء على مدينة بعلبك التاريخية وفي محيط القلعة المباشر، وتدمير مبنى المنشية التاريخي، بالإضافة إلى تضرُّر جزء من سور المدينة العائد إلى الفترة الرومانية».

ويضيف مرتضى: «في مدينة صور أيضاً، تمّ قصف الكورنيش البحري والمدينة التاريخية الممتدة بين موقعي البص والمدينة المصنفين على لائحة التراث العالمي. وقد طال الاعتداء كثيراً من المواقع الأخرى كقلعة تبنين وقلعة شمع ومعبد قصرنبا وسوق النبطية التاريخية، وكثير من القرى التاريخية التي مُسِحت بشكل كلي».

وعن غاية إسرائيل يقول: «يستهدف هذا العدو وبشراسة التراث المادي وغير المادي بهدف محو الهوية والذاكرة والتاريخ وتجذُّر الناس في أرضها، ومحو ثقافة شعب يتألف من جميع الأديان، متعايش في هذه الأرض منذ آلاف السنين، فيقوم العدو عن سابق تصوُّر وتصميم بهدم القرى التاريخية ومحيطها الطبيعي كحقول الزيتون والخرُّوب والعنب والتين، بهدف محو المحيط الثقافي في لبنان».

ويؤكد الوزير أن «وزارة الثقافة بدأت منذ بداية الحرب اتخاذ جميع الإجراءات الممْكنة لحماية التراث اللبناني على الصعيد الداخلي، عبْر خطة حماية المواقع الأثرية والمتحف الوطني، بتعاون ومؤازرة كثير من الشركاء اللبنانيين، على رأسهم الجيش اللبناني عبْر وحدة حماية الممتلكات الثقافية في فوج الأشغال، وكثير من المنظمات غير الحكومية الموثوق بها من وزارة الثقافة».

كما تتعاون الوزارة على الصعيد الخارجي مع كثير من الدول الصديقة ومع منظمة «اليونيسكو» التي تعمل جنباً إلى جنب مع الوزارة لحماية ممتلكات لبنان الثقافية، ومع مؤسسة «ALIPH» التي تساعد في أعمال الحماية والترميم.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تكرّس منطقة أمنية بلا معالم في جنوب لبنان

المشرق العربي أهالٍ من بلدة المنصوري يراقبون تصاعد الدخان جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية وأدى إلى تدمير أجزاء من البلدة كما بدا من بلدة الحنية جنوب لبنان (أ.ب)

إسرائيل تكرّس منطقة أمنية بلا معالم في جنوب لبنان

تثير التفجيرات الإسرائيلية المتكررة في قرى جنوب لبنان تساؤلات بشأن أهداف استهداف مناطق سبق أن تعرضت لدمار واسع، خصوصاً في زوطر الشرقية والقنطرة ومحيط كفرتبنيت.

صبحي أمهز (بيروت)
يوميات الشرق حمولة أكبر من عُمر السائق الغائب (الشرق الأوسط)

«صبيّ صغير» لجورج يمّين: طفولة لم تعرف أنّ الرصاص ليس لعبة

في هذه الصور، يصعب فصل جاذبية القطعة عن العنف الذي أسهم في تشكيلها.

فاطمة عبد الله (بيروت)
العالم العربي مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)

إسرائيل تستعرض «فريق القتال الروبوتي» في جنوب لبنان

يتجه الجيش الإسرائيلي إلى توسيع استخدام «الروبوتات» والوسائل غير المأهولة في عملياته البرية بجنوب لبنان، في موازاة شهادات عن دخول مسيّرات صغيرة إلى منازل.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

قصف إسرائيلي يستهدف بلدات في جنوب لبنان

قصفت المدفعية الإسرائيلية، عصر اليوم الثلاثاء، أطراف بلدة عيتا الجبل في جنوب لبنان، كما طال القصف أطراف بلدتيْ ميفدون وزوطر الشرقية بجنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان في شهر نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

التفجيرات الإسرائيلية تغيّر معالم قرى الجنوب وتفاقم عزلتها

تتجاوز عمليات التلغيم والتفجير التي تنفّذها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان المواقع العسكرية والتلال، لتطول مناطق سكنية وأراضي زراعية وشبكات طرق وجسوراً.

صبحي أمهز (بيروت)

الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
TT

الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)

أكدت مصادر في وزارة الخارجية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»، أن السفارة اللبنانية في واشنطن تبلغت رسمياً من وزارة الخارجية الأميركية بقرار اعتبار القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة شخصاً غير مرغوب فيه، وإلزامه بمغادرة الأراضي الأميركية خلال مهلة أقصاها 48 ساعة.

وكانت معلومات قد أشارت إلى أن القرار جاء على خلفية الجدل الذي أثارته تقارير إعلامية أميركية، بعد نشرها منشورات قديمة منسوبة إلى شرارة على مواقع التواصل الاجتماعي، تناولت تفجير مقر مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في بيروت عام 1983، ووصفته بـ«المقاومة البطولية».

مواقفه السياسية

وفي التفاصيل، أورد موقع «واشنطن فري بيكون» الأميركي، في تقرير نشره في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، أن شرارة كتب في منشور يعود إلى عام 2021، في إشارة إلى ذكرى تفجير ثكنة المارينز، أن «المقاومة البطولية» أنهت «الاحتلال العسكري الأميركي» للبنان بـ«ضربة واحدة». كما نقل عنه منشوراً آخر جاء فيه: «من ثكنة المارينز في بيروت إلى قاعدة التنف... سنرفض المحتل ونهزمه»، في إشارة إلى الوجود العسكري الأميركي في سوريا.

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة (حسابه على فيسبوك)

ولفت التقرير إلى مواقف أخرى منسوبة إلى شرارة، بينها إشادته بعملية هروب ستة أسرى فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي عام 2021، فضلاً عن صورة غلاف حسابه على منصة «إكس» التي تظهر علماً إسرائيلياً يحترق، واقتباس في تعريفه الشخصي للكاتب والقيادي الفلسطيني غسان كنفاني.

منشور للقنصل إبراهيم شرارة يقول فيه «من ثكنة المارينز في بيروت إلى قاعدة التنف... سنرفض المحتل ونهزمه» (إكس)

غير أن توقيت القضية يرتبط بعودة هذه المنشورات إلى التداول عشية انتخابات التجديد النصفي. فقد ركز تقرير «فري بيكون» على حضور شرارة مناسبة للجنة العمل السياسي العربية الأميركية في ديربورن، شارك فيها المرشح عبد الرحمن السيد قبل فوزه بمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، ومرشحون ديمقراطيون آخرون. ونُشر التقرير قبل اقتراع 3 نوفمبر بيوم، فيما ظهرت أنباء الإجراء بعد الانتخابات بأيام. وعدّ هذا التسلسل السياق السياسي والإعلامي بمثابة محاولة للتأثير على ناخبي الولاية قبل التصويت، لكنه لا يثبت أن القرار عقاب على حضور المناسبة أو مرتبط بنتائج الانتخابات.

يذكر أنه من الناحية القانونية، تجيز المادة 23 من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية للدولة المضيفة إعلان مسؤول قنصلي شخصاً غير مرغوب فيه، بما يستدعي استدعاءه أو إنهاء مهامه. وإذا لم تستجب الدولة الموفدة خلال مهلة معقولة، يمكن سحب الإذن بممارسة مهامه أو التوقف عن الاعتراف بصفته القنصلية، علماً بأن هذا الإجراء لا يعد حكماً جنائياً بحد ذاته.

منشور للقنصل إبراهيم شرارة يقول فيه إن «المقاومة البطولية أنهت الاحتلال العسكري الأميركي للبنان بضربة واحدة» (إكس)

ومع ذلك، يمكن أن يتسبب القرار بتداعيات تتمثل في المباشرة المتوقعة في اضطرار بيروت لترتيب إدارة القنصلية وضمان استمرار خدمات الجالية، فضلاً عن احتواء الحرج الدبلوماسي. ولا يعني استهداف القنصل وحده قطع العلاقات أو إغلاق البعثة، لكن مدى اتساع القضية سيبقى مرتبطاً بالتوضيحات الأميركية والرد اللبناني.


آيزنكوت أمام سيناريوهات معقدة قد تفتح الباب لنتنياهو لإعادة الانتخابات

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

آيزنكوت أمام سيناريوهات معقدة قد تفتح الباب لنتنياهو لإعادة الانتخابات

زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)
زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو (رويترز)

على الرغم من أن الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يتجه، الأحد، إلى تكليف رئيس حزب «يشار»، غادي آيزنكوت، رسمياً بتشكيل الحكومة، بعد حصوله على توصية 67 نائباً خلال المشاورات التي أجراها في ديوان الرئاسة، مقابل 46 نائباً أوصوا بتكليف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فإن الطريق الذي قد يسلكه آيزنكوت لتشكيل حكومته لا يزال غير واضح، في ظل التعقيدات المرتبطة بتحالفه مع الأحزاب العربية من جهة، والأحزاب «الحريدية» من جهة أخرى.

وقالت «هيئة البث الإسرائيلية (كان)» إن قادة كتلة التغيير يواجهون خياراً صعباً، إذ سيتعين عليهم التراجع عن وعد انتخابي واحد على الأقل من أجل تشكيل الحكومة.

غادي آيزنكوت زعيم حزب «يشار» الإسرائيلي خلال لقاء مع أنصاره عقب إعلان نتائج أولية للانتخابات في 28 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

وأمام آيزنكوت طريقان لا ثالث لهما لتشكيل الحكومة: الأول، تشكيل حكومة بدعم من الأحزاب العربية لتكون حكومة أقلية، والثاني، التحالف مع الأحزاب الحريدية، التي طالما هاجمها، للوصول إلى 61 مقعداً. أما البديل فهو تشكيل حكومة وحدة برئاسة نتنياهو أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.

ويملك معسكر التغيير 48 مقعداً فقط مقابل 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو، الذي يضم الأحزاب الحريدية، فيما يملك العرب 19 مقعداً.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إنه مع مرور الوقت، تتضح الأمور على أرض الواقع، وتتضاءل فرص آيزنكوت. وأضافت أن نصف تحالف التغيير على الأقل، بقيادة رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان، أبلغ آيزنكوت فعلياً بأن خطته الطارئة لتشكيل حكومة من 48 مقعداً غير مقبولة ولن تُنفذ.

وإذا كان آيزنكوت قد قرر استبعاد العرب فعلاً، فلا يكفيه تعاون حزب «يهدوت هتوراة» الحريدي، الذي يمتلك 7 مقاعد في الكنيست الجديد، بل هو بحاجة إلى المقاعد الستة للحزب الديني الآخر «شاس».

ويعمل ليبرمان، شريك آيزنكوت الرئيسي، على تشكيل حكومة مع الحريديم، ويرى أن 61 مقعداً كافية لبدء العمل.

الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ يشدد مراراً على عدم الاضطرار لإجراء انتخابات جديدة مبكرة (أ.ف.ب)

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن الإحاطة التي عقدها ليبرمان هذا الأسبوع ترسم اتجاهاً واضحاً: «فيتو» مطلق على تشكيل حكومة من 48 مقعداً تعتمد على امتناع الأحزاب العربية عن التصويت، وحصر الخيارات في إمكانية واحدة فقط، هي تشكيل حكومة من 61 مقعداً بمشاركة الأحزاب الحريدية كتلةً واحدة.

وقال ليبرمان إنه لا مفر من «المرونة وتقديم التنازلات» في سلسلة من القضايا من أجل تشكيل الحكومة، بما في ذلك قضية قانون التجنيد.

وعلى الرغم من أن ليبرمان يخلف بذلك أحد وعوده الانتخابية، فإنه قد يُهيئ الرأي العام لتقبّل هذه الخطوة، وربما ينجح حيث سيفشل آيزنكوت.

ورغم أن مسؤولين في معسكر التغيير وصفوا هذه المهمة بالصعبة والمستحيلة، فإن آخرين يشعرون بالتفاؤل إزاء حقيقة أن حزب «يهدوت هتوراة»، رغم الضغوط الشديدة التي تعرّض لها، لم يوصِ أمام رئيس الدولة بأي مرشح لتشكيل الحكومة، وهو ما يرون فيه مؤشراً مشجعاً.

وإضافة إلى ليبرمان، يقف لاعب آخر هو نفتالي بينيت، الذي لم يُعلن بعد مواقفه علناً من القضايا المطروحة. والتقديرات تشير إلى أنه، مثل ليبرمان، لن يوافق على المشاركة في حكومة تعتمد بأي شكل من الأشكال على الأحزاب العربية.

نشطاء يمينيون إسرائيليون مؤيدون لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتظاهرون للمطالبة بانتخابات جديدة في مدينة حيفا بإسرائيل مساء 1 نوفمبر 2026 (إ.ب.أ)

وترى «يديعوت أحرونوت» أنه في ظل هذا الوضع، تراجعت في الأيام الأخيرة فرص كتلة التغيير، بل تضاءلت فرص آيزنكوت في تشكيل الحكومة، فأصبح الخيار إما تشكيل كتلة واحدة تضم جميع الحريديم، وإما الذهاب إلى انتخابات جديدة.

وفي محادثات مغلقة عقدها آيزنكوت مؤخراً، وعد بعدم إضاعة الوقت خلال فترة ولايته. وقال لمحاوريه: «إذا نجحنا فسننجح، وإذا لم ننجح فسنُعيد التكليف». وفي المقابل، يتربص نتنياهو وحلفاؤه بآيزنكوت، ويتمسكون بكل ورقة قد تمكنهم من عرقلته والإطاحة به.

وتثير السيناريوهات والتطورات المتعلقة بليبرمان والأحزاب الحريدية حالة من التوتر الشديد في مكتب نتنياهو. ويسود اعتقاد في محيط رئيس الحكومة بأنه، رغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن الأحزاب الحريدية وصلت إلى مرحلة النضج التي تسمح لها باتخاذ خطوة سياسية استثنائية.

ويرى مكتب نتنياهو أن حزب «يهدوت هتوراة» أكثر استعداداً من حزب «شاس» لاتخاذ هذه الخطوة، لكن موقف أرييه درعي لا يزال موضع تساؤل.

ونقل مكتب نتنياهو، حسب «هيئة البث الإسرائيلية»، رسائل تهديد إلى الأحزاب الحريدية، مفادها أنها لن تتمكن من العودة إلى معسكر اليمين في حال انضمامها إلى كتلة التغيير مقابل وعود تتعلق بقانون التجنيد قد لا يجري الوفاء بها. وقد يفتح هذا الوضع المعقد أمام آيزنكوت الباب في النهاية أمام نتنياهو.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن نتنياهو يُعيد طرح إمكانية تشكيل حكومة وحدة مع آيزنكوت، ومن المتوقع أن يدفع بقوة نحو هذا السيناريو في نهاية المطاف، مستنداً إلى إدراك جميع الأطراف في معسكر التغيير أن إجراء انتخابات جديدة خيار سيئ، خصوصاً بالنسبة إلى المعسكر الذي استنفد إلى حد كبير القدرة التصويتية المتاحة له.

وفي الغرف المغلقة، يُطرح أيضاً قلق حقيقي من أن محاولة حزب «الليكود» تقويض نتائج الانتخابات ليست سوى البداية، وأن إجراء انتخابات أخرى سيؤدي إلى تصعيد التشكيك في نتائج الانتخابات وزعزعة ثقة الجمهور بها، وهو سيناريو يحاول معسكر التغيير تجنبه.

وأكدت صحيفة «معاريف» أن كبار المسؤولين الأمنيين يخشون محاولة عناصر يمينية متطرفة منع أداء أعضاء الكنيست اليمين الدستورية، والإطاحة برئيس الكنيست أمير أوحانا، على غرار سيناريو «الكابيتول» عام 2021، حين خسر دونالد ترمب الانتخابات.

وقالت «يديعوت» إن الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) أعدّا، بالتعاون مع حرس الكنيست، خطة استنفار خاصة لمواجهة هذا السيناريو. وفي حال تحركت الشرطة و«الشاباك» على مستوى الدولة، فمن المفترض نشر آلاف من عناصر الشرطة ومقاتلي وحدة الأمن التابعة لـ«الشاباك» في محيط الكنيست وعلى الطرق المؤدية إليه.


البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)

تتصاعد التحذيرات اللبنانية من مخاطر جرّ البلاد مجدداً إلى مواجهة عسكرية، في ظل المخاوف من تجدد الحرب. وفي وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية تواجه تحديات كبيرة في تثبيت الهدوء ومنع التصعيد، تتلاقى مواقف سياسية وروحية وشعبية على ضرورة تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، ووضع قرار الحرب والسلم في يد الدولة ومؤسساتها الدستورية.

الراعي: الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر

وفي هذا السياق، أعرب البطريرك الماروني بشارة الراعي عن قلقه من احتمال توسُّع المواجهات العسكرية في المنطقة وانعكاساتها على لبنان، خلال استقباله السفير الفرنسي باتريك دوريل في بكركي، حيث تناول البحث الأوضاع اللبنانية والإقليمية والجهود الدبلوماسية المبذولة للمحافظة على الاستقرار. وشدد الراعي على أن «الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، وأن الحوار والحلول الدبلوماسية يبقيان السبيل الأفضل لمعالجة الأزمات».

البطريرك الراعي مستقبلاً السفير الفرنسي والوفد المرافق (الوكالة الوطنية للإعلام)

من جهته، أكد السفير الفرنسي ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية واحترام القانون وحصر قرار الحرب والسلم بالسلطات الدستورية، واعتماد الحوار الوطني لمعالجة القضايا الخلافية، بما يحفظ سيادة لبنان ووحدته واستقراره. كما تناول اللقاء الأوضاع في الجنوب ومستقبل قوات «اليونيفيل»، والجهود الفرنسية بالتنسيق مع الدول المعنية واللجنة الخماسية لتجنب أي فراغ أمني.

دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

نداء من النخب الشيعية الجنوبية: الجنوب ليس جغرافياً للآخرين

أما على المستوى الشعبي، فجاء «نداء جبل عامل والجنوب»، الذي أطلقته مجموعة تضم نحو 250 شخصية من النخب والفعاليات الشيعية الجنوبية. ووجه الموقعون رسالة إلى الرؤساء الثلاثة واللبنانيين، محذرين من أن يتحول النزوح المتكرر إلى اقتلاع دائم لأبناء القرى الحدودية، ورافضين أن يكون الجنوب «احتياطاً جغرافياً لإخفاقات إيران أو ورقة في حسابات الصراع الإقليمي».

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)

ودعا النداء إلى تحرُّك وطني عاجل لحماية الجنوب من خلال الدولة ومؤسساتها، ووضع حد لازدواجية القرار في القضايا المصيرية، وفي مقدمها قرار الحرب والسلم. وحدد الموقعون ثلاثة مطالب أساسية: الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة وانتشار الجيش اللبناني، وإطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار تضمن عودة المهجرين إلى بلداتهم.