خلافات أهل السلطة تحرم اللبنانيين لسنوات بهجة عيد الاستقلال

إلغاء الاحتفال المركزي 8 مرات لظروف قاهرة و5 بسبب الفراغ الرئاسي

رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يضع إكليلاً من الزهور على نصب شهداء الجيش بحضور وزير الدفاع الوطني موريس سليم وقائد الجيش العماد جوزف عون (قيادة الجيش)
رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يضع إكليلاً من الزهور على نصب شهداء الجيش بحضور وزير الدفاع الوطني موريس سليم وقائد الجيش العماد جوزف عون (قيادة الجيش)
TT

خلافات أهل السلطة تحرم اللبنانيين لسنوات بهجة عيد الاستقلال

رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يضع إكليلاً من الزهور على نصب شهداء الجيش بحضور وزير الدفاع الوطني موريس سليم وقائد الجيش العماد جوزف عون (قيادة الجيش)
رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يضع إكليلاً من الزهور على نصب شهداء الجيش بحضور وزير الدفاع الوطني موريس سليم وقائد الجيش العماد جوزف عون (قيادة الجيش)

تحلّ الذكرى الـ81 لاستقلال لبنان، على وقع حربٍ إسرائيلية تدميرية أفقدت المناسبة الوطنية الجامعة رمزيتها، وغيّبت معها الاحتفال المركزي الذي يقيمه أركان الدولة سنوياً، لكنّ الحرب رغم قساوتها لم تكن السبب المباشر في تغييب الاحتفال الوطني، بل الأزمة الداخلية الناشئة عن الفراغ الرئاسي الذي دخل عامه الثالث على وقع خلافات القوى السياسية حول مواصفات الرئيس وتمسّك كلّ فريق بانتخاب الشخصيّة التي تناسبه.

قد يكون لبنان البلد الوحيد في العالم أو من البلدان النادرة التي تلغى فيه احتفالات الاستقلال بفعل الأزمات الداخلية، ولا يكفي أن توقفت الدولة عن إحياء هذه المناسبة طيلة سنوات الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً (1975 - 1989)، وعادت إليها فور إقرار اتفاق الطائف الذي أنهى هذه الحرب وأسس لمرحلة سلام بين اللبنانيين، لكن بعدما تعطلت الاحتفالات الرسمية المركزي 13 عاماً، ثماني مرّات بسبب الظروف القاهرة، وخمس مرّات نتيجة الفراغ الرئاسي، وكلّها تتقاطع عند معادلة واحدة، هي ضعف الدولة وغيابها أو تغييبها.

المرّة الأولى التي أقيم فيها احتفال شبه مركزي في عيد الاستقلال، شهده مقرّ الرئاسة المؤقت في منطقة الصنائع في بيروت ــ مقرّ وزارة الداخلية حالياً في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 (كان القصر الجمهوري في بعبدا تحت سيطرة رئيس الحكومة العسكرية آنذاك العماد ميشال عون الذي تمرّد على اتفاق الطائف) برعاية رئيس الجمهورية المنتخب حديثاً رينه معوّض، إلّا أنه بعد دقائق على انتهاء الاحتفال ومغادرة معوّض مقرّه جرى اغتياله بواسطة سيارة مفخخة على بعد 300 متر أودت بحياته مع عدد من مرافقيه.

بعد انتخاب الرئيس إلياس الهرواي الذي حصل بعد أيام من اغتيال معوّض، غابت الاحتفالات المركزية للاستقلال، إلى حين عودة الهراوي إلى القصر الجمهوري في بعبدا، بعد تنفيذ الجيش السوري عملية عسكرية أطاحت عون في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ومنذ عام 1993 أقيمت ذكرى الاستقلال بشكل منتظم طيلة عهد الهرواي الأصلي وسنوات التمديد الثلاث، وكذلك استمرت لستّ سنوات من عهد الرئيس إميل لحود بالإضافة إلى السنة الأولى من التمديد له، أي عام 2005 وكانت السنة الأولى التي يحتفل فيها لبنان بالاستقلال بعد خروج الجيش السوري من لبنان على أثر اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري.

في عام 2006 ألغي الاحتفال المركزي؛ إذ حلّت المناسبة بعد حرب إسرائيلية طاحنة على لبنان، وخلافات حادّة عصفت بما يعرف بفريقي 8 و14 آذار (مارس) على آلية تشكيل المحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال رفيق الحريري؛ ما تسبب باستقالة الوزراء الشيعة الستة من الحكومة، بالإضافة إلى الوزير يعقوب الصراف المحسوب على الرئيس إميل لحود، كما ألغي الاحتفال في عام 2007 لأن الجيش اللبناني كان منخرطاً في معركة مخيم نهر البارد في شمال لبنان، للقضاء على تنظيم «فتح الإسلام» الإرهابي، الذي استولى على المخيم ونفّذ عملية إعدام بحق 17 جندياً من الجيش اللبناني على مدخل المخيّم.

بعد انتخاب الرئيس ميشال سليمان في عام 2008 أقيمت احتفالات الاستقلال من دون انقطاع، لكن مع انتهاء عهد سليمان ودخول لبنان بفراغ رئاسي ألغي الاحتفال عامي 2014 و2015، ثم عاد مجدداً بعد أقلّ من شهر على انتخاب الرئيس ميشال عون، حيث أقيمت الاحتفالات المركزية في أعوام 2016 و2017 و2018 وتوقفت بعدها بشكل نهائي، وفي عام 2019 لم تتجرّأ السلطة السياسية على إقامة هذا الاحتفال لأنه جاء بعد شهر واحد على اندلاع انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) التي عمّت كل لبنان وشلّت البلاد وطالبت برحيل السلطة السياسية بكلّ رموزها من رئيس الجمهورية إلى المجلس النيابي والحكومة، وأعقبت اندلاع الانتفاضة استقالة حكومة سعد الحريري.

منذ 2019 لم يشهد لبنان أي احتفال مركزي بالاستقلال، ففي عام 2020 ألغي بسبب انفجار مرفأ بيروت الذي دمّر نصف العاصمة، خصوصاً الواجهة البحرية التي كان يقام عليها هذا الاحتفال، وفي عام 2021 ألغي جراء جائحة كورونا، أما في الأعوام التي تلتها فألغيت بسبب الفراغ الرئاسي، إذ غادر الرئيس ميشال عون قصر بعبد في 31 أكتوبر 2022 ولا يزال البلد يعيش هذا الفراغ الذي تمدد على كلّ مؤسسات الدولة وبات يهدد بنية الدولة وبقاء المؤسسات وليس احتفالية ذكرى الاستقلال فحسب.

صحيح أن الدولة برموزها انكفأت عن هذه الذكرى الوطنية، إلّا أن الجيش اللبناني حافظ على إحيائها في وزارة الدفاع عبر وضع أكاليل الزهور على أضرحة جنود الجيش الشهداء وأحياناً بمشاركة الرؤساء، وعزا الوزير السابق رشيد درباس هذا الأمر إلى «الخلل السياسي في أداء أهل السلطة». ورأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «ما شهدناه في السابق ونشهده اليوم سببه التلاعب بالدستور وجعله عرضة للعبث والتمزيق من قِبل القوى الأكثر سيطرة على الدولة». وشدد على أن «تغييب وإلغاء الاحتفالات الرسمية بعيد الاستقلال، لا يلغي احتفال اللبنانيين باستقلالهم ولو بتعليق الأعلام اللبنانية على شرفات المنازل». وتمنّى درباس أن «يتخذ السياسيون عبرة مما وصلت إليه حال البلد والحرب التي نعيشها الآن»، معتبراً أن «خطاب أمين عام (حزب الله) الشيخ نعيم قاسم الذي أعلن فيها أن الحزب سيعود بعد الحرب إلى ممارسة دوره السياسي تحت اتفاق الطائف، هو مؤشر جيّد على انخراطه في الدولة».

ودعا درباس القوى السياسية إلى «البحث عن برنامج لمرحلة ما بعد الحرب، وكيف نبني دولة تحتضن الجميع».


مقالات ذات صلة

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

المشرق العربي رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر غير دقيق.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أنه على إسرائيل أن تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)

تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

شدّدَ اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني بشارة الراعي في الصرح البطريركي مع سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري على أولوية تثبيت الاستقرار في لبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

استحدث الجيش الإسرائيلي «منطقة حمراء» غير معلنة في جنوب لبنان، تحاذي منطقة الخط الأصفر التي أعلن عنها قبل أسابيع

نذير رضا (بيروت)

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

تحشد واشنطن مع أطراف في بغداد ضغوطها لعزل الفصائل المسلحة الموالية لإيران عن الحكومة العراقية الجديدة، حسبما أفادت مصادر موثوقة.

ورحبت البعثة الأميركية في بغداد، أمس (الأربعاء)، بتكليف علي الزيدي تشكيل الوزارة الجديدة، ودعت إلى «تشكيلها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين».

وقالت المصادر، إن «الزيدي أبلغ قادة أحزاب بأن برنامجه يستند إلى إبعاد الجماعات المسلحة»، لكنها أشارت إلى أن «تمرير تشكيلة وزارية بعيدة عن المسلحين يشكل اختبار قوة حاسم».

ويخشى خبراء أن تلجأ فصائل مسلحة إلى خيار المراوغة بشأن وجودها في المؤسسات الحكومية، أو التصعيد مجدداً ضد الأميركيين.

إلى ذلك، قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.


سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
TT

سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)

أشعلت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سجالاً كلامياً بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، بعد أن قال عون إنه نسَّق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نَقُلْ غير ذلك».

وكان عون قد قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع بري وسلام». ورد بري على ذلك، سريعاً، إذ قال في بيان، إن الكلام الذي ورد على لسان عون «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

ميدانياً، فرضت إسرائيل بالنار «خطاً أحمر»، يهدد عشرات القرى اللبنانية، ويحاذي منطقة الخط الأصفر التي أُعلن عنها قبل أسابيع، وهي عبارة عن منطقة جغرافية واسعة تتعرض للقصف المتواصل ولإنذارات إخلاء وتمتد إلى مسافة تبعد 25 كيلومتراً عن الحدود إلى العمق.


بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».