مسيّرات «حزب الله»... رهانه في الحرب مع إسرائيل

تتحايل على الدفاعات الجوية وتنقسم إلى «استطلاعية» و«انقضاضية» و«قاذفة»

صورة نشرها الإعلام الإسرائيلي تُظهر الضرر في نافذة منزل نتنياهو
صورة نشرها الإعلام الإسرائيلي تُظهر الضرر في نافذة منزل نتنياهو
TT

مسيّرات «حزب الله»... رهانه في الحرب مع إسرائيل

صورة نشرها الإعلام الإسرائيلي تُظهر الضرر في نافذة منزل نتنياهو
صورة نشرها الإعلام الإسرائيلي تُظهر الضرر في نافذة منزل نتنياهو

تعد المسيّرات رهان «حزب الله» في الحرب مع إسرائيل، إذ لا تكمن أهميتها في إصابة أهدافها وحجم التدمير، بل بقدرة بعضها على الإفلات من رقابة الرادارات و«القبّة الحديدية»، بخلاف الصواريخ التي نجحت إسرائيل في التصدّي لقسم كبير منها وإسقاط معظمها قبل بلوغ الهدف، وفق ما يقول الجيش الإسرائيلي.

وأُحصيت منذ 17 سبتمبر (أيلول) وحتّى أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضيين 76 عمليّة إطلاق لأكثر من 170 مُسيّرة من مختلف الأنواع والأحجام، عبر بعضها حتى عمق وصل إلى 145 كيلومتراً بالضواحي الجنوبيّة لتل أبيب.

وأحصى الإعلام الإسرائيلي أكثر من 1200 طائرة مسيرة محملة بالمتفجرات توغلت داخل الأراضي الإسرائيلية منذ بدء هجوم «حزب الله» على الشمال في العام الماضي، ولا تزال المؤسسة الأمنية تواجه صعوبة في الرد على «التهديد القاتل».

«إنفوغراف» لأنواع المسيّرات التي يمتلكها «حزب الله» (إعداد الشرق الأوسط)

ويمتلك «حزب الله» أعداداً كبيرة من المسيّرات متعددة الأنواع والمهام. ويشير الخبير العسكري والاستراتيجي العميد خليل الحلو، إلى أن «كل المسيّرات الموجودة لدى (حزب الله) إيرانية الصنع، وتطير لمسافات بعيدة جداً، ونُقلت إلى لبنان على شكل أجزاء، حيث جُمّعت وأُدخلت تعديلات عليها تتلاءم مع واقع المواجهة وقرب المسافة من إسرائيل».

ويوضح الحلو لـ«الشرق الأوسط» أن «(الحزب) لديه 3 أنواع من المسيّرات: الأولى استطلاعية وهي (الهدهد) صغيرة الحجم، ويبلغ طولها 3.5 متر وعرضها 5 أمتار، وهي قادرة على المناورة، وتحلّق على علوّ منخفض وتطير لنحو 100 كيلومتر، أي إنها قادرة على الوصول إلى تلّ أبيب، ومزودة بكاميرات للتصوير، وأجهزة لتخزين المعلومات، ويمكن برمجتها للتحليق فوق المواقع المنوي تصويرها والعودة إلى القاعدة التي انطلقت منها في لبنان، أو التحكّم فيها من داخل القاعدة وإدخال تعديلات على مهامها الاستطلاعية».

ويشير الحلو إلى ناحية مهمة وهي أن «طائرات الاستطلاع لها مطارات خاصّة لإطلاقها، وهناك مطاران لها: الأول في جزين (جنوب لبنان)، والآخر في الهرمل (البقاع الشمالي)، بالإضافة إلى مطارات مشابهة داخل سوريا، وهي طائرات مُدَوْلَبَة (لها عجلات)، وتحتاج إلى مدرج للإقلاع والهبوط».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لمسيّرات مع شعار «نحن القادرون» خلال إحياء ذكرى عاشوراء الشهر الماضي (أ.ب)

وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» ذكرت هذا الأسبوع أن كثيراً من الطائرات من دون طيار، خصوصاً تلك المخصصة لجمع المعلومات الاستخبارية، تمكنت من الوصول إلى حيفا دون عوائق، بل ووصلت أبعد من ذلك، دون أن ترصدها على الإطلاق أنظمة الإنذار خلال عبورها من لبنان. وأشارت الصحيفة إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي لم يحاول اعتراضها.

وتتوقع مراكز أبحاث إسرائيلية أن تكون «الهدهد»، التي استُخدمت أخيراً لرصد مواقع في إسرائيل، هي من الجيل الأحدث، وهي مسيّرة كهربائية، ولا تتضمن بصمة حرارية أو صوتية، وتبلغ سرعتها القصوى 70 كيلومتراً في الساعة، ولها القدرة على الإقلاع والهبوط العمودي دون الحاجة إلى مدرج، وتتميز بتقنيات تصوير عالية الجودة، مع قدرة البث المباشر للصور، ويصعب اكتشافها وتتبعها نظراً إلى صغر حجمها وقصر موجاتها الرادارية.

وسبق لـ«حزب الله» أن عرض مقاطع فيديو لطائرات «الهدهد» التي صوّرت مواقع استراتيجية في حيفا وتل أبيب وغيرهما، ووضعتها ضمن «بنك الأهداف» التي تتولّى المسيّرات الهجومية استهدافها.

«إنفوغراف» لأنواع المسيّرات الاستطلاعية التي يمتلكها «حزب الله»... (إعداد الشرق الأوسط)

مسيّرات «انقضاضية»

ويلفت العميد حلو إلى أن «النوع الثاني من المسيّرات هو (الانقضاضية) أو (الجوالة)، ويطلق عليها اسم (شاهد)، وهي تقلع بمحرّك نفّاث، وتحمل ما بين 30 و40 كيلوغراماً من المتفجرات، وتطير ببطء، وهذه ميزة مهمّة جداً تسهّل على مطلقها التحّكم فيها بما يسمح بتوجيهها إلى الهدف وضربه بدقّة».

القاذفة

أما المسيّرة الثالثة فهي «القاذفة»، وفق تقدير العميد الحلو، الذي يقول إنها «قادرة على حمل صواريخ عدّة، وتستطيع أن تطلقها وتعود إلى مقرها، ويمكن أن ترمي الصواريخ وتنقضّ في الوقت نفسه على الهدف وتنفجر من أجل إيقاع ضرر كبير بالموقع المستهدف، وهذه الطائرة هي التي أُطلقت على الثكنة الخاصة بـ(لواء غولاني) في حيفا، حيث أطلقت الصواريخ التي تحملها واحتفظت بصاروخ واحد انقضت به على الهدف».

صعوبة الاعتراض

ولا يجد سلاح الجوّ الإسرائيلي علاجاً ناجعاً حتى الآن لإيقاف خطر هذه المسيّرات. ويؤكد منسّق الحكومة اللبنانية السابق مع قوات الـ«يونيفيل» العميد منير شحادة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «سلاح المسيّرات تحوّل إلى معضلة كبيرة للإسرائيلي، خصوصاً بعد نجاح (حزب الله) في إصابة منزل رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو محاولاً اغتياله، وعندما قصف (ثكنة غولاني) في حيفا وأوقع أكثر من 150 ضابطاً وجندياً بين قتيل وجريح، وهو أكبر خطر يواجه الكيان الإسرائيلي منذ إنشائه».

ويلفت شحادة إلى أن «محاولة اغتيال نتنياهو واستهداف (ثكنة غولاني) يثبتان أن المسيّرات التي يستخدمها (الحزب) منذ بداية الحرب حديثة ودقيقة وذات فاعلية».

«هدهد» و«شاهد»

لا معلومات دقيقة عن أسماء المسيّرات ونوعياتها؛ لأنها تعدّ من الأسرار وأوراق القوّة التي تربك الجانب الإسرائيلي. لكنّ النموذج الذي استُخدم منها يوفّر معطيات ولو محدودة عنها.

ويشير العميد شحادة إلى أن «(حزب الله) يستخدم طائرات استطلاعية مثل (هدهد) وطائرات إلهائية، وهي (درون) تُستخدم للتصوير، لكن بحجم أكبر، وهذه مهمتها شغل (القبة الحديدة) حتى تتمكن الطائرات الانقضاضية والصواريخ من تخطي (القبّة) والعبور نحو الهدف».

ويقول: «أهمية المسيّرة (شاهد 101) المصنّعة من مواد غير معدنية أنها تصعّب على الرادار رصدها. أما (شاهد 136) فهي طائرة انقضاضية تحمل صاروخين من نوع (سام5)، وقادرة على ضرب 3 أهداف، فتطلق صاروخاً على كلّ هدف، ويمكن أن تنقض هي على هدف ثالث، كما يمكن أن تضرب هدفاً واحداً لزيادة الأضرار. وهذه المسيرة مزودة بكاميرا تسمح لمشغلها بأن يتحكّم فيها من موقع إطلاقها وأن يختار الهدف المنوي ضربه».

وكانت «يديعوت أحرونوت»، قالت الشهر الماضي إن مسيّرة «حزب الله» التي هاجمت قاعدة «بنيامينا» الخاصة بـ«لواء غولاني» فى شمال إسرائيل أصابت هدفها بدقة، وإن المسيّرة هي على الأرجح من طراز «شاهد 107» التي تصنّع في إيران ويستخدمها «حزب الله» على نطاق واسع.

وأشارت الصحيفة إلى أنه يمكن برمجة مسار طيران المسيّرة لتغيير الارتفاع والاتجاه بشكل متكرر، مما يجعل من الصعب اكتشافها وتتبعها. ويبلغ مداها 100 كيلومتر، وهى صغيرة الحجم، ويعتمد اكتشافها على الحرارة المنبعثة من المحرك، ويصعب أيضاً رصدها عبر الوسائل البصرية.

«إنفوغراف» لأنواع المسيّرات الانقضاضية التي يمتلكها «حزب الله»... (إعداد الشرق الأوسط)

«شاهد 101» و«صياد 107»

وتحمل مسيّرة «شاهد 101» محركاً كهربائياً صامتاً، على حدّ تعبير العميد شحادة، الذي يلفت إلى أنها «لا تصدر صوتاً، وقادرة على حمل أكثر من 10 كيلوغرامات من المتفجرات، ويمكن استخدامها لضرب تجمعات عسكرية، والأهم أنها قادرة على تنفيذ اغتيالات واستهداف شخصيات محددة إذا توفرت معلومات دقيقة عن أماكن وجودهم». ويكشف شحادة عن مسيّرة جديدة تحمل اسم «صيّاد 107»، «وهي أيضاً مصنوعة من مواد غير معدنية، وتتميّز بوزنها الخفيف وقدرتها على التحليق لأكثر من 12 ساعة متواصلة، وهي المسيّرة نفسها التي عجز سلاح الجو الإسرائيلي عن رصدها في الأسبوع الماضي، وشكلت حالة خوف وإرباك كبيرة داخل إسرائيل».

اعتراض المسيّرات

خامنئي يستمع لشرح من قائد «الوحدة الصاروخية» في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده أمام نموذج لمسيّرة «شاهد 147» الانتحارية (موقع المرشد الإيراني)

ويؤكد الخبير العسكري العميد خليل الحلو أن «سلاح المسيّرات بات الأعلى أهمية وفاعلية في تحقيق الأهداف، ليس على مستوى الحرب ما بين إسرائيل و(حزب الله) فقط، بل حتى في الحرب الروسية - الأوكرانية»، لافتاً إلى أن أوكرانيا «تطلق يومياً عشرات المسيّرات على روسيا، ورصدت نحو ملياري دولار أميركي لإنشاء أكبر مصنع لإنتاج هذه المسيّرات».

ورغم تفوقها العسكري، فإن إسرائيل لا تجد حتى الآن حلاً للتخلّص من خطر مسيّرات «حزب الله». ويلاحظ العميد منير شحادة أن «(القبة الحديدية) تتحمل عبئاً كبيراً؛ إذ تضطر إلى استخدام صاروخ يقدر ثمنه بعشرات آلاف الدولارات لإسقاط مسيّرة مصنوعة بتكلفة تقدر بمئات الدولارات، ويمكن الاضطرار إلى تحليق طائرة (إف16) من أجل إسقاطها». ويقول: «يجري الحديث حالياً عن سلاحين سوف تستخدمهما إسرائيل، هما: رشاش (الفولكان) الذي يطلق 6 آلاف طلقة في الدقيقة، لكن المشكلة ما زالت في صعوبة كشف المسيّرات. أما الثاني فهو سلاح (الليزر)، وهو من صناعة كوريا الجنوبية، لكن لم تثبت فاعليته بشكل كافٍ؛ لأنه يفقد تأثيره في الطقس المتقلّب ومع تكون الغيوم».


مقالات ذات صلة

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

يوميات الشرق ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

«حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال...

فاطمة عبد الله (بيروت)
المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان من انفجارات في قرية الخيام جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

4 قتلى بغارتين إسرائيليتين على جنوب لبنان

قُتل 4 أشخاص، السبت، بغارتين إسرائيليتين على جنوب لبنان، وذلك رغم سريان وقف إطلاق النار في الحرب التي اندلعت منذ أكثر من 6 أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.