ما فعلته الحرب في بعلبك «مدينة الشمس» (صور)

تصاعد الدخان من مصنع مناديل بعد غارة إسرائيلية ليلية على مدينة بعلبك اللبنانية في وادي البقاع (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من مصنع مناديل بعد غارة إسرائيلية ليلية على مدينة بعلبك اللبنانية في وادي البقاع (أ.ف.ب)
TT

ما فعلته الحرب في بعلبك «مدينة الشمس» (صور)

تصاعد الدخان من مصنع مناديل بعد غارة إسرائيلية ليلية على مدينة بعلبك اللبنانية في وادي البقاع (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من مصنع مناديل بعد غارة إسرائيلية ليلية على مدينة بعلبك اللبنانية في وادي البقاع (أ.ف.ب)

منذ نحو شهر، فرغ فندق بالميرا بمدينة بعلبك في شرق لبنان من زوّاره تماماً، على وقْع دويّ غارات إسرائيلية لا تهدأ من حوله، لكن ربيع سليقة، الموظف منذ 24 عاماً، يرفض المغادرة.

في الفندق التاريخي الحجري المُطلّ على قلعة بعلبك الأثرية، يزاول ربيع (45 عاماً) عمله، برغم الحرب، فيمسح الغبار عن أثاثه القديم ومراياه، ويُزيل الزجاج المتناثر من عصف غارات تضرب في الجوار.

أشخاص يتحادثون في أحد شوارع مدينة بعلبك بشرق لبنان (أ.ف.ب)

ويقول الرجل المتحدّر من سوريا: «لم يقفل الفندق أبوابه منذ 150 عاماً حتى اليوم»، مضيفاً أن «أصحابه يريدون له أن يبقى مفتوحاً»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

في المدينة الملقبة بـ«مدينة الشمس» التي تُعدّ السياحة مصدر دخلها الأساسي، ألقت الحرب بظلالها على كلّ شيء، خصوصاً في الشهر الأخير، مع ازدياد وتيرة القصف الإسرائيلي على المدينة ومحيطها، على وقْع اتساع التصعيد بين «حزب الله» وإسرائيل.

تصاعدت أعمدة الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مدينة بعلبك بشرق لبنان في وادي البقاع (أ.ف.ب)

وتبدو الحياة فيها شبه متوقفة؛ إذ تغلق المتاجر أبوابها باكراً، ويتسوّق مَن تبقّى من السكان سريعاً خلال النهار، ونادراً ما يخرجون بعد الظهر.

يتذكّر سليقة بحنين الزمنَ الماضي، حين كان الزوّار من سيّاح ومشاهير يتدفقون إلى الفندق، لكن «اليوم لم نَعُد نُقدّم حتى فنجان قهوة واحد... لا نزلاء، والفندق خالٍ تماماً».

حين يحدّق بالقاعات الشاسعة الفارغة من حوله، يقول سليقة إنه يشعر «بغُصّة كبيرة في القلب».

لكنه برغم ذلك، لم تُراوِده فكرة العودة إلى مسقط رأسه في السويداء بجنوب سوريا إلى حين انتهاء الحرب.

بعلبك من كبرى مدن البقاع المنطقة الحدودية مع سوريا والتي تُعدّ من معاقل «حزب الله» (أ.ف.ب)

ويؤكد الرجل الذي غزا الشيب رأسه: «لا أستطيع أن أترك الفندق، لقد تربّيت هنا، وتعلّقت بالمكان كثيراً».

حياة متوقفة

تُعدّ بعلبك من كبرى مدن البقاع، المنطقة الحدودية مع سوريا، والتي تُعدّ من معاقل «حزب الله».

وبعدما بقيت طيلة نحو عام بمنأى عن التصعيد بين «حزب الله» وإسرائيل، فإن الغارات استهدفتها ومحيطها خلال الأسابيع القليلة الماضية.

ويقول رئيس البلدية مصطفى الشل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الغارات استهدفت «أماكن تجارية وسكنية».

المتاجر مغلقة في شارع فارغ بمدينة بعلبك شرق لبنان (أ.ف.ب)

ويضيف: «السوق التجاري تقريباً شبه مُقفَل، يفتح أبوابه ساعة في اليوم، وأحياناً لا يفتح».

أما المتبقّون في بعلبك وهم «نحو أربعين في المائة من سكانها، البالغ عددهم 250 ألف نسمة»، فيتركّزون خصوصاً في أحياء تقطنها غالبية من المسلمين السُّنة، بالمدينة المتنوعة طائفياً ومذهبياً.

ويحاول آخر المتبقين في بعلبك مع ذلك «ألا يُوجَدوا في الطرقات؛ خوفاً من أي غارة قد تسقط في أي لحظة»، وفق الشل.

آثار الدمار جرّاء الغارات الإسرائيلية (أ.ف.ب)

وبعدما خرج أحد مستشفيات المدينة من الخدمة تماماً، إثر أضرار نجمت عن غارة إسرائيلية قربه، لا تزال 5 مستشفيات أخرى عاملة، وفق رئيس البلدية.

ويضيف أن جُلّ ما تستطيع البلدية القيام به، مع غياب أي تمويل رسمي في بلد غارق بانهيار اقتصادي منذ عام 2019، هو «فتح الطرقات وتنظيفها بعد القصف»، و«تقديم بعض المساعدات العينية» لعدد قليل من النازحين في مراكز الإيواء.

سيارات ومبانٍ مُدمَّرة في بعلبك (أ.ف.ب)

وإضافةً إلى قلعتها الأثرية، تضم المدينة مقام السيدة خولة، الذي يحظى برمزية دينية لدى المسلمين الشيعة، ويستقطب وفق الشل «في حدود المليون زائر»، سنوياً.

وحسب تقديرات البلدية، دخل المدينة العام الماضي ستون ألف سائح أجنبي، وما بين 6 إلى 8 آلاف سائح عربي، إضافةً إلى مائة ألف من لبنان، أما هذا العام فقد سجّلت نسبة السياحة 5 في المائة مقارنةً بـ2023.

في السادس من أكتوبر تصاعدت سُحب دخان جرّاء قصف إسرائيلي خلف الأعمدة الرومانية الأثرية بقلعة بعلبك، المُدرَجة على قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) للتراث العالمي منذ 1984.

انهيار جزء من التاج العلوي لـ«قبة دورس» الأثرية المشيدة من حجارة وأعمدة القلعة في بعلبك (أ.ف.ب)

حينها، حذّر محافظ بعلبك، بشير الخضر، من أن لغارات مماثلة «أثراً سلبياً» على القلعة، «سواء من الدخان الأسود الذي يؤثر على الحجارة، أو من قوة الانفجار» الذي قد تؤثر ارتجاجاته على الموقع.

وأكّدت اليونيسكو أنها «تُتابع عن كثَب تأثير الأزمة الجارية في لبنان على مواقع التراث الثقافي، بما في ذلك مواقع التراث العالمي».

«لا يوجد أحد»

لم يكن حسين الجمّال (37 عاماً) يخال يوماً أن حياته ستنقلب «180 درجة»، على حد قوله، يتذكر الشاب الذي بقي مع والدَيه في بعلبك، كيف «كانت الطرقات تضجّ حياةً، القلعة تستقبل زوّارها، المطاعم مفتوحة، والأسواق مزدحمة» قبل الحرب، أما «الآن فلا يوجد أحد».

ويشير الصيدلي الذي يعمل في الجمعية اللبنانية للدراسات والتدريب، وهي منظمة غير حكومية، إلى أن بقاءه مرتبط فعلياً بمساعدة الباقين من أهالي المدينة، أو مَن نزحوا داخلها، بينما غادرت زوجته وطفلاه (5 و8 سنوات).

ويقول: «أعمل في المجال الاجتماعي والإنساني، لا أستطيع المغادرة، ولو غادر الجميع»، مضيفاً أن في حَيِّه «4 بيوت مأهولة بالسكان، معظمهم كبار في السن»، يتفقّدهم صباح كل يوم «لمعرفة متطلّباتهم».

وعلى غرار الجمّال، بقيت رشا الرفاعي (45 عاما) في المدينة مع والِدَيها المسنَّين، وتتذكر كيف أن «الحياة قبل الحرب كانت عادية جداً، عمل، نادٍ رياضي، سهر، أصدقاء... لم يكن لدينا الكثير لنفكر به»، أما اليوم «تغيّر كل شيء، نعمل عن بُعد، لا نرى أحداً».

وتروي الرفاعي، العاملة في مجال الدعم النفسي لنساء مُعرّضات للعنف القائم على النوع الاجتماعي، أنه منذ أن بدأت الحرب، انقطع تواصلها مع عديد منهن بسبب فرارهن.

وبرغم ذلك، تُلازِم العائلة منزلها لئلا تتكرّر معاناة عاشوها خلال حرب مدمّرة بين «حزب الله» وإسرائيل صيف 2006.

وتقول: «تهجّرنا حينها من بيت إلى بيت، وعشنا تجربة صعبة لا نريد أن نكرّرها، ما دام الوضع مقبولاً نحن باقون هنا».


مقالات ذات صلة

هدنة هشّة في لبنان محاصرة بالاحتلال والتهديدات

المشرق العربي جنود إسرائيليون خلال دورية في إحدى بلدات جنوب لبنان (أ.ف.ب)

هدنة هشّة في لبنان محاصرة بالاحتلال والتهديدات

دخل وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ عند منتصف ليل الخميس-الجمعة، لكن الساعات الأولى من يومه الأول بدت أقرب إلى هدنة هشّة تُدار تحت وقع النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عمال ينظفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)

«استعراض ناري» لمناصري «حزب الله» يثير مخاوف أمنية وسياسية

يفرض مشهد إطلاق النار الذي تزامن مع الساعات الأولى لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في لبنان، نفسه عنواناً مركزياً لمرحلة ما بعد الهدنة في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ب - أرشيفية)

عون: المفاوضات المباشرة مع إسرائيل «دقيقة ومفصلية»

عدّ الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات مع إسرائيل «دقيقة ومفصلية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مركبات على الطريق بينما يشق النازحون طريقهم للعودة إلى منازلهم بعد دخول وقف إطلاق النار الذي استمر عشرة أيام بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ... قرب مدينة صور اللبنانية 17 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: نازحون لبنانيون يعودون إلى ديارهم... وخرق إسرائيلي لوقف النار

بدأت أعداد من النازحين اللبنانيين يعودون إلى ديارهم التي تعرّضت لدمار شديد في الضاحية الجنوبية والجنوب، فيما قصف الجيش الإسرائيلي بلدة الخيام خارقاً الهدنة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
TT

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)

بدأ لبنان لملمة خسائره بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، في ظل هدنة هشّة، خرقتها إسرائيل بغارة من مسيّرة أدت إلى مقتل شخص، أمس، وفرض منطقة عازلة تضم 55 بلدة، حسبما أعلن الجيش الإسرائيلي، بينها 41 بلدة محتلة، ورفض عودة السكان إليها.

وتقدم الرئيس اللبناني جوزيف عون بالشكر للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية للمساهمة في التوصل إلى الاتفاق، معلناً الانتقال إلى مرحلة «العمل على اتفاقات دائمة». وأكد عون في خطاب وجّهه للبنانيين «نحن اليومَ نفاوضُ عن أنفسِنا، ونقرّرُ عن أنفسِنا. لم نعدْ ورقةً في جيبِ أيٍ كان، ولا ساحةً لحروبِ أيٍ كان، ولن نعودَ ابداً. بل عدنا دولةً تملكُ وحدَها قرارَها، وترفعُه عالياً، وتجسّدُه فعلاً وقولاً، من أجلِ حياةِ شعبِها وخيرِ أبنائِها لا غير».

وأضاف: «أنا مستعد للذهابِ حيثما كان، لتحريرِ أرضي وحمايةِ أهلي وخلاصِ بلدي». وزاد: «أقول لكم بكل صراحة وثقة، هذه المفاوضات ليست ضعفاً، وليست تراجعاً، وليست تنازلاً، بل هي قرار نابع ‌من قوة إيماننا بحقنا، ومن ‌حرصنا على شعبنا».

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده لم تنهِ المهمة بعد في حربها ضد «حزب الله»، قائلاً إن «هناك إجراءات نعتزم اتخاذها بشأن ما تبقى من تهديدات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ولن أتطرق إليها هنا».

في المقابل، حَظَرَ ترمب على تل أبيب قصف لبنان، وأكد أن بلاده «ستتعامل مع (حزب الله) بالطريقة المناسبة»، و«ستمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً»؛ لأن «الكيل قد طفح». ووعد بـ«جعل لبنان عظيماً مرة أخرى».


العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
TT

العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

تتجه الأنظار، اليوم (السبت)، إلى اجتماع حاسم لقوى «الإطار التنسيقي» في بغداد، وسط انقسامات متصاعدة وضغوط دستورية لتسمية رئيس الوزراء الجديد خلال مهلة محدودة.

ويُعقد اللقاء في منزل عمار الحكيم، أحد قادة التحالف الحاكم، بعد تأجيل سابق، في ظل تنافس بين ثلاثة خيارات: تجديد ولاية محمد شياع السوداني، أو ترشيح نوري المالكي أو من يمثله، أو التوافق على شخصية ثالثة.

وتشير مصادر إلى طرح صيغة تقضي باعتماد مرشح يحظى بدعم ثُلثي قادة التحالف؛ لتفادي الانقسام، رغم تعقيد التوازنات. وقالت المصدر إن هناك صيغة تفاهم أولية قيد النقاش، تقضي بأن المرشح الذي يحصل على دعم ثُلثَي قادة «الإطار التنسيقي» (8 قادة من أصل 12) سيتم اعتماده، على أن تلتحق بقية القوى لاحقاً بالقرار في محاولة لتفادي الانقسام.


الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
TT

الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، أن بلاده تعمل حالياً على إبرام «اتفاق أمني» مع إسرائيل، مشدداً على ضرورة انسحابها من مناطق حدودية سيطرت عليها في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.

وقال الشرع، خلال جلسة حوارية في إطار الدورة الخامسة لمنتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي انطلق في جنوب تركيا، أمس، إن الجولان أرض سورية محتلة من جانب إسرائيل باعتراف المجتمع الدولي، ولا يمكن لأي دولة الاعتراف بأحقية إسرائيل فيها، وسيكون هذا الاعتراف باطلاً. وتابع أن إسرائيل تنتهك اتفاق فض الاشتباك و«نعمل حالياً على الوصول إلى اتفاق أمني» يضمن عودتها إلى خطوط 1974.

في السياق ذاته، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، السفير توم براك، إن سوريا لم تُطلق منذ 8 ديسمبر 2024 رصاصة واحدة على إسرائيل، بل على العكس صرّح الرئيس الشرع، مراراً، بأنهم منفتحون على اتفاق عدم اعتداء وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.