بعد اغتيال إسرائيل معظم كوادره... هل يعيد الإيرانيون هيكلة «حزب الله»؟

عناصر من «حزب الله» يحملون نعش وسام الطويل أحد قادة «قوات الرضوان» في «حزب الله» الذي قُتل بغارة إسرائيلية على خربة سلم جنوب لبنان يوم 9 يناير 2024 (رويترز)
عناصر من «حزب الله» يحملون نعش وسام الطويل أحد قادة «قوات الرضوان» في «حزب الله» الذي قُتل بغارة إسرائيلية على خربة سلم جنوب لبنان يوم 9 يناير 2024 (رويترز)
TT

بعد اغتيال إسرائيل معظم كوادره... هل يعيد الإيرانيون هيكلة «حزب الله»؟

عناصر من «حزب الله» يحملون نعش وسام الطويل أحد قادة «قوات الرضوان» في «حزب الله» الذي قُتل بغارة إسرائيلية على خربة سلم جنوب لبنان يوم 9 يناير 2024 (رويترز)
عناصر من «حزب الله» يحملون نعش وسام الطويل أحد قادة «قوات الرضوان» في «حزب الله» الذي قُتل بغارة إسرائيلية على خربة سلم جنوب لبنان يوم 9 يناير 2024 (رويترز)

«لقد أتاحت أنظمة المراقبة الجديدة التي تستخدمها إسرائيل، إمكانية تحديد مواقع (حزب الله) وكوادره؛ لمعرفة أماكن إقامتهم، وأين توجد مكاتبهم، ومع من يتناولون القهوة، وفي أي وقت يذهبون لممارسة الرياضة»، يقول «علي» (اسم مستعار)، وهو قيادي في «حزب الله»، لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

ويضيف: «(حزب الله) لا يعيش في كوكب آخر». إنه في منطقة الضاحية، التي ركزت عليها إسرائيل أقمار التجسس وطائراتها من دون طيار، وبمجرد أن جمعت الاستخبارات التكنولوجية معلومات عن هذا الهدف أو ذاك، جَنّد الإسرائيليون بَوّابِي المباني التي تعيش فيها أهدافهم أو مَن شربوا معهم قهوتهم.

وفق تقرير «لوفيغارو»، أمس (الأحد)، لم يشكّ أحد داخل «حزب الله» في وجود مثل هذه الشبكة التجسسية من جانب إسرائيل، التي تعلمت الدرس من الفشل الجزئي في حربها السابقة ضد الميليشيا الشيعية الموالية لإيران في عام 2006. وعندما وقعت أولى عمليات الاغتيال التي استهدفت كبار قادة «حزب الله»، في يناير (كانون الثاني) الماضي، صدر الأمر من «الحزب» بتخلي عناصره عن الهواتف الجوالة. يقول القيادي علي معلّقاً على هذا القرار: «لكن لم يكن هناك أي فائدة (من القرار). كان لدى الإسرائيليين تسجيل سلوك أولئك الذين أرادوا القضاء عليهم. كان على هؤلاء (القادة في حزب الله) أن يغيروا حياتهم بشكل جذري، لكن ذلك كان مستحيلاً».

تصاعد سحب الدخان من الضاحية الجنوبية لبيروت إثر غارات جوية إسرائيلية عنيفة على معقل «حزب الله» في 19 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

استخفاف «حزب الله» بعدوّه

«هاشم»، وهو مصدر مقرب من الميليشيا الشيعية، يفسر لصحيفة «لوفيغارو» عدم يقظة «حزب الله» لأجهزة البيجر وأجهزة الاتصال اللاسلكي. يقول: «كان من المفترض أن تستمر بطاريات أجهزة الاتصال اللاسلكي، التي تسلّموها (في الحزب) عام 2018، لمدة شهر، لكن البطاريات أصبحت فارغة بعد أسبوع فقط من الاستخدام. لم يتنبّه أحد إلى أن ذاك الأمر كان غريباً». وأضاف: «كما هي الحال مع أجهزة الاستدعاء، كانت بطاريات الليثيوم الخاصة بتلك الأجهزة تستمر وقتاً أقل من المتوقع، ومرة ​​أخرى، لم يعتقد أحد أن بعض البطاريات كانت مليئة بالمتفجرات. لقد مسح (الحزب) الأجهزة ضوئياً، لكن لم يكن من الممكن اكتشاف المتفجرات».

وفتح تحقيق داخلي بالتنسيق مع فريق من «الحرس الثوري» الإيراني. بالإضافة إلى استجواب مئات الأشخاص المشتبه في تقديمهم معلومات إلى «الموساد»، وكانت إحدى الأولويات هي تعلم درس «الإمداد الكارثي».

مروحية هجومية إسرائيلية من طراز «أباتشي» تطلق صاروخاً باتجاه جنوب لبنان وسط اشتباكات مستمرة بين «حزب الله» وإسرائيل... وفق ما شوهدت من قرب مستوطنة عين يعقوب شمال إسرائيل يوم 21 أكتوبر 2024 (رويترز)

وينتقد كثير من الشيعة، من القاعدة الاجتماعية لجماعة «حزب الله»، الآن «الحزب» الذي، بدلاً من أن يوفر لهم الحماية، دمّر بشكل غير مباشر وجودهم، وفق «لوفيغارو».

«لقد أعادونا 40 سنة إلى الوراء»، يقول «محمد» غاضباً، وهو أحد الوجهاء من جنوب البلاد؛ حيث الدمار الإسرائيلي كبير جداً.

وأضاف: «على (حزب الله) أن يعود إلى حظيرة الدولة. يجب أن نغلق مدارسهم، حتى لا يفرضوا الشادور على الفتيات»، وهو زي نسائي تقليدي إيراني الأصل. واستكمل «محمد» حديثه مندداً بتصرفات مسؤولي «حزب الله» التنفيذيين بشكل يومي على الأرض: «عندما تكون معهم، فأنت الملك، وتتلقى راتباً، ولكن في المقابل، يجب عليك تنفيذ أوامرهم، ويجب أن تمنحهم هذا الطفل أو ذاك. لكن إذا لم تكن معهم، فأنت مكروه».

ويتذكر محمد كلاماً سمعه من أحد أعضاء «حزب الله»، ويقول: «منذ نحو شهر ونصف، تفاخر أحد أعضاء (الحزب) أمامي بأنه سيحتل قريباً شاليهاً بأحد الكيبوتزات في إسرائيل. لقد جعلهم حسن نصر الله يحلمون».

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في طهران يوم 15 أكتوبر 2024 خلال تشييع الجنرال في «الحرس» عباس نيلفروشان الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية على بيروت أواخر سبتمبر الماضي (أ.ب)

ضباط إيرانيون يملأون الفراغ

وإذا كانت الحرب في سوريا قد سمحت لجماعة «حزب الله» بتعزيز قدراته القتالية بين عامي 2012 و2020، «فقد أدت أيضاً هذه الحرب إلى مفاقمة نقاط ضعفه. لقد جنّدت إسرائيل كثيراً من المعارضين السوريين الذين لجأوا إلى جنوب لبنان، وهم يعارضون بشدة (حزب الله) الذي حاربهم في الداخل لإنقاذ بشار الأسد»، وفق محمد.

علاوة على ذلك، فإن «حقيقة أن إسرائيل تمكنت في اليوم التالي من التأكيد على مقتل نصر الله بالفعل، تعني أن (الموساد) لديه مصادر بشرية ليست بعيدة عنه»؛ يضيف مصدر أمني. كما أن إفلاس البنوك اللبنانية؛ التي شهدت خسارة كثير من ممولي «حزب الله» كثيراً من الأموال، فتح ثغرات اندفع إليها التجسس الإسرائيلي، وفق «لوفيغارو».

ويتوقع دبلوماسي فرنسي مطلع على شؤون لبنان أن «إضعاف (حزب الله) يجب أن يؤدي إلى سيطرة إيران على الوضع (داخل الحزب)»، وهو رأي أكده مصدر إيراني مطلع بشكل عام قائلاً: «سيملأ الضباط الإيرانيون الفراغ داخل الجناح العسكري لـ(حزب الله)، الذي أصبح ضعيفاً الآن. ويحتاج الشباب الذين سيتولون المسؤولية إلى المشورة بشأن الاستراتيجية العسكرية. ولذلك؛ فإن الوجود العسكري الإيراني من المتوقع أن يكون أكبر. وقد حدث هذا بالفعل بين عامي 1982 و1987 في السنوات الأولى لوجود (حزب الله)». وهو ما يتعارض مع الهدف الإسرائيلي المتمثل في تقليص «البصمة الإيرانية» بين حلفاء إيران الإقليميين.

هناك شيء واحد يبدو مؤكداً: «من الوهم الاعتقاد أن (حزب الله) قد تم تدميره»؛ يؤكد الدبلوماسي الفرنسي. ويضيف: «لقد تكبد (حزب الله) خسائر كبيرة، خصوصاً فيما يتعلق بالقدرة الباليستية، لكنه لا يزال يمتلك 50 ألف مقاتل. وإذا ضعف (حزب الله) أمام إسرائيل، فهو لن يضعف على الساحة السياسية اللبنانية».


مقالات ذات صلة

أمين عام «حزب الله»: الحرب على إيران قد تشعل المنطقة هذه المرة

المشرق العربي أنصار لجماعة "حزب الله" خلال مسيرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

أمين عام «حزب الله»: الحرب على إيران قد تشعل المنطقة هذه المرة

حذّر الأمين العام لجماعة «حزب الله» نعيم قاسم، الإثنين، من أن أي حرب جديدة على إيران من شأنها أن «تشعل المنطقة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عنصرين من قوى الأمن السورية يقفان بجوار شحنة أسلحة كانت معدة للتهريب إلى لبنان (سانا)

سوريا تحبط تهريب شحنة صواريخ إلى لبنان

قالت وزارة الداخلية السورية، اليوم الاثنين، إنها أحبطت محاولة تهريب شحنة أسلحة إلى داخل الأراضي اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي 
دورية مشتركة بين الجيش اللبناني وقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان (حساب «يونيفيل» على «تلغرام»)

بري لفتح قنوات التواصل بين عون و«حزب الله»

يسعى رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، لاحتواء التصعيد الذي سيطر على علاقة رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، بـ«حزب الله»، ولإعادة فتح قنوات التواصل من خلال.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي فتاة تحمل صور 20 أسيراً من «حزب الله» لدى إسرائيل خلال وقفة تضامنية نظمها الحزب دعماً لهم في الضاحية الجنوبية يوم الأحد (أ.ب)

التصعيد الإسرائيلي متواصل ضد «حزب الله»

في ظلّ تصعيد ميداني إسرائيلي متواصل تمثّل الأحد في سلسلة غارات جوية على مناطق في جنوب وشرق لبنان، تتواصل انتقادات «حزب الله» ضد رئاسة الجمهورية والحكومة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عمليات بحث متواصلة تحت أنقاض المباني المنهارة في طرابلس (د.ب.أ)

الأبنية المتصدّعة خطر يُحدق بساكنيها في شمال لبنان

أعادت الكارثة الإنسانية في طرابلس، جراء انهيار مبنيين سكنيين في منطقة القبة شارع الجديد، مسألة واقع الأبنية القديمة إلى الواجهة.

حنان حمدان (بيروت)

أمين عام «حزب الله»: الحرب على إيران قد تشعل المنطقة هذه المرة

أنصار لجماعة "حزب الله" خلال مسيرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
أنصار لجماعة "حزب الله" خلال مسيرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

أمين عام «حزب الله»: الحرب على إيران قد تشعل المنطقة هذه المرة

أنصار لجماعة "حزب الله" خلال مسيرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
أنصار لجماعة "حزب الله" خلال مسيرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

أكد الأمين العام لجماعة «حزب الله» نعيم قاسم، الإثنين، إن حزبه سيكون مستهدَفا بأي هجوم محتمل على داعمته إيران، على وقع التهديدات الأميركية، محذّرا أن أي حرب جديدة من شأنها أن «تشعل المنطقة».

وفي كلمة ألقاها عبر الشاشة خلال لقاءات تضامنية مع إيران نظّمها الحزب، قال «أمام العدوان الذي لا يفرق بيننا، نحن معنيون بما يجري ومستهدفون بالعدوان المحتمل ومصممون على الدفاع». وأوضح «سنختار في وقتها كيف نتصرف... لكن لسنا حياديين»، محذّراً من أن «الحرب على إيران هذ المرة ستشعل المنطقة».

وهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرارا بتوجيه ضربات لإيران ردا على قمع حركة الاحتجاج الأخيرة في البلاد، لكنه بدا وكأنه تراجع عن التهديد الأسبوع الماضي، بعدما أكد أن طهران علّقت تنفيذ أحكام الإعدام التي كانت مقررة بحق متظاهرين.


واشنطن لبغداد: حكومة تسيطر عليها إيران لن تخدم مصالح العراق

صورة لإعلان عن اتصال هاتفي سابق بين وزير الخارجية الأميركي ورئيس الوزراء العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
صورة لإعلان عن اتصال هاتفي سابق بين وزير الخارجية الأميركي ورئيس الوزراء العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
TT

واشنطن لبغداد: حكومة تسيطر عليها إيران لن تخدم مصالح العراق

صورة لإعلان عن اتصال هاتفي سابق بين وزير الخارجية الأميركي ورئيس الوزراء العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
صورة لإعلان عن اتصال هاتفي سابق بين وزير الخارجية الأميركي ورئيس الوزراء العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

في غمرة انشغال القوى السياسية العراقية بمفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، تسعى الولايات المتحدة إلى تكثيف جهودها على الفاعلين السياسيين، وخصوصاً الشيعة منهم، باعتبار أكثريتهم وثقلهم النيابي، لتطويق النفوذ الإيراني في العراق.

وجاءت الضغوط الأميركية الجديدة عن طريق وزير الخارجية ماركو روبيو، بعد يومين من إعلان قوى «الإطار التنسيقي» ترشيح نوري المالكي لشغل منصب رئيس الوزراء في الحكومة الجديدة.

رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الاثنين، أن روبيو أجرى اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، تناول عدداً من الملفات الأمنية والسياسية ذات الاهتمام المشترك. وأشار البيان إلى أن الجانبين تطرقا إلى «مداولات العراق المستمرة لتشكيل حكومة، مؤكدين التزامهما المشترك بضمان أن يتمكن العراق من تحقيق كامل إمكاناته كقوة للاستقرار والازدهار والأمن في الشرق الأوسط».

وحذر روبيو من وجود حكومة تخضع لنفوذ طهران، قائلاً: «إن حكومة تسيطر عليها إيران لا يمكنها أن تضع مصالح العراق الخاصة في المقام الأول بنجاح، ولا أن تُبقيه خارج الصراعات الإقليمية، ولا أن تُعزز الشراكة ذات المنفعة المتبادلة بين الولايات المتحدة والعراق».

ولفت البيان الأميركي إلى أن روبيو أشاد بمبادرة حكومة العراق وقيادتها في تسريع عملية نقل واحتجاز «إرهابيي تنظيم (داعش) إلى منشآت آمنة داخل العراق، في أعقاب حالة عدم الاستقرار الأخيرة في شمال شرقي سوريا».

ولم يُصدر بعد المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء المنتهية ولايته أي بيان حول المكالمة التي جرت مع وزير الخارجية الأميركي.

ويعقد مجلس النواب العراقي جلسة لانتخاب رئيس للجمهورية، الثلاثاء، وهو منصب شرفي إلى حد بعيد، ولكن يتوجب على الرئيس خلال 15 يوماً من تاريخ انتخابه أن يكلف رئيساً للحكومة، من المرجح أن يكون المالكي.

«دولة القانون» تتفهم

وتتواصل الضغوط الأميركية على بغداد منذ أشهر، وترددت أنباء عن عدم قبول واشنطن بوصول شخصيات وقيادات في الفصائل المسلحة إلى مناصب في الحكومة الجديدة.

وتحدثت صحيفة «فايننشال تايمز» قبل بضعة أيام عن أن الولايات المتحدة غاضبة بعد تعيين القيادي في «عصائب أهل الحق» عدنان فيحان في منصب النائب الأول لرئيس البرلمان الاتحادي، وذكرت الصحيفة أن السفارة الأميركية طالبت بتغييره.

وتعليقاً على المطلب الأميركي الجديد، قال ضياء الناصري، القيادي في ائتلاف «دولة القانون» الذي يتزعمه المالكي، إنهم في الائتلاف «يتفهمون قلق ومخاوف جميع الدول، وخصوصاً دول الجوار».

وأكد الناصري لـ«الشرق الأوسط» أن أولوية ائتلافه في المرحلة المقبلة هي «التنسيق مع دول الجوار بهدف حماية أرض العراق وسيادته، وبالتعاون مع دول المنطقة».

وأضاف: «نريد خلق مناخ مناسب لتغليب مصالحنا المشتركة بعيداً عن استفزاز الآخرين؛ فنحن مهتمون بالتعاون المشترك مع المملكة العربية السعودية، ونراهن على عمقها وتأثيرها الدولي. كما أننا ندرك تماماً حجم وتأثير التنسيق مع قطر وتركيا، ونعرف مدى وأبعاد العلاقة مع الإمارات، فضلاً عن أهمية العلاقة مع عُمان والكويت والبحرين والأردن، إضافة إلى الجمهورية الإسلامية في إيران وحدودنا الجغرافية والمذهبية، فضلاً عن المشتركات الكثيرة الأخرى».

وأشار الناصري إلى أنه يتفق مع ما ذهب إليه المبعوث الأميركي الخاص توم برَّاك، حين أشار إلى ضرورة تشكيل حكومة عراقية «تواصل نهجها في التعاون مع الجيران ومع الغرب».

وخلص الناصري إلى تأكيد «بقاء التواصل مع القوى الدولية المؤثرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، من أجل مكافحة الإرهاب وضبط السلاح المنفلت، بهدف إرساء الاستقرار والتوجه إلى تنمية اقتصادية جامحة، وتحقيق نهضة اقتصادية تؤمِّن أرزاق المواطنين واستدامة التنمية البشرية فيها».

«عدم التدخل»

ويرى المحلل والدبلوماسي السابق غازي فيصل، أن واشنطن تريد التأكيد على أهمية بقاء العراق «بلداً مستقلاً يتمتع بالسيادة الكاملة، من خلال عدم تدخل دول الجوار في شؤونه السيادية؛ خصوصاً من إيران التي سبق أن وصفها الوزير روبيو بـ(الدولة الخبيثة)».

وقال فيصل لـ«الشرق الأوسط» إن واشنطن تسعى أيضاً إلى «مجابهة الدور والسياسات التدميرية التي ارتكبتها إيران في العراق في كافة المجالات، وخصوصاً الاقتصادية، من خلال شبكات تهريب النفط والجريمة المنظمة، فضلاً عن تبنيها لجماعات الفصائل المسلحة».

وحول إمكانية تأثير مطالب روبيو على حظوظ نوري المالكي في تولي منصب رئاسة الوزراء، قال فيصل: «المالكي سبق أن كانت له علاقات وثيقة بواشنطن، ووقَّع معها اتفاقية الإطار الاستراتيجي حين كان رئيساً للوزراء، ولكنه أيضاً زعيم لحزب (الدعوة الإسلامية) المتحالف تقليدياً مع إيران، بوصفه حزباً دينياً وجزءاً من منظومة الأحزاب التي تحظى بدعم إيراني».

ومع ذلك، يقر فيصل بصعوبة التكهن برد الفعل الأميركي تجاه تكليف المالكي رئيساً للوزراء، وبأن هذا «من الممكن أن يكون سلبياً أو إيجابياً». وهو يعتقد أن من مصلحة العراق «بناء أوثق العلاقات مع واشنطن؛ لأنه يرتبط بعلاقات استراتيجية معها تشمل معظم المفاصل الأمنية والاقتصادية في البلاد، إضافة إلى وجود شراكات استراتيجية تتعلق بمجال الطاقة الكهربائية والنفط».

وتتمتع الولايات المتحدة بنفوذ كبير في العراق؛ خصوصاً أن عائدات صادرات البلاد النفطية تودع في «الاحتياطي الفيدرالي» بنيويورك، بموجب ترتيب تم التوصل إليه بعد الغزو الأميركي عام 2003.

ومن أبرز مطالب الولايات المتحدة أن يمنع العراق عودة ظهور الفصائل الشيعية المسلحة المدعومة من إيران. ونال السوداني الذي تولى منصبه عام 2022 ثقة واشنطن، بفضل جهوده في كبح عنف هذه المجموعات.


ما كواليس استعادة إسرائيل جثة آخر أسراها في غزة؟

الشرطي الإسرائيلي ران غفيلي (صورة قدمتها حملة إسرائيلية لاستعادة الرهائن وبثتها «رويترز»)
الشرطي الإسرائيلي ران غفيلي (صورة قدمتها حملة إسرائيلية لاستعادة الرهائن وبثتها «رويترز»)
TT

ما كواليس استعادة إسرائيل جثة آخر أسراها في غزة؟

الشرطي الإسرائيلي ران غفيلي (صورة قدمتها حملة إسرائيلية لاستعادة الرهائن وبثتها «رويترز»)
الشرطي الإسرائيلي ران غفيلي (صورة قدمتها حملة إسرائيلية لاستعادة الرهائن وبثتها «رويترز»)

بشكل مفاجئ، نفَّذت قوات الجيش الإسرائيلي عمليات بحث مباشرة عن جثمان آخر أسير إسرائيلي في غزة، وهو الشرطي ران غفيلي.

وقال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه استعاد رفات غفيلي، مضيفاً أن استعادة ⁠جميع ‌الرهائن الأحياء ‍والمتوفين في غزة تستكمل بنداً أساسياً في الجزء الأول ​من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ⁠لإنهاء الحرب في غزة.

وتحت نيران القصف الجوي والمدفعي وإطلاق النار من آليات ومسيَّرات إسرائيلية، توغلت في ساعة مبكرة بعد منتصف ليل السبت - الأحد، عدة جرافات عسكرية، برفقة عربات مفخخة إلى غرب الخط الأصفر (مناطق سيطرة «حماس») في بحي التفاح شرق مدينة غزة.

ووفق شهود عيان ومصادر ميدانية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» فقد عاودت الجرافات طريقها شرق الخط الأصفر (مناطق سيطرة إسرائيل)، وبعدها انفجرت 3 عربات مفخخة هزَّ دويها مناطق واسعة من القطاع.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وشرحت المصادر أنه عقب التفجيرات العنيفة بوقت قصير، تقدمت دبابات ومدرعات وجرافات، ترافقها آليات حفر إلى تلك المنطقة، وتحديداً، إلى مقبرة البطش الواقعة بحي التفاح، غرب الخط الأصفر.

وتسبب القصف المدفعي وإطلاق النار المتواصل من آليات ومسيَّرات، في مقتل فلسطينيين على الأقل، وإصابة أكثر من 25 آخرين بعضهم بجروح خطيرة، وذلك في أوقات متفرقة، فيما تشير بعض المعلومات لدى جهاز الدفاع المدني إلى وجود ضحايا على الأرض، تمنع القوات الإسرائيلية انتشالهم.

ليست عملية اعتيادية

كانت التوقعات تشير بدايةً إلى أنها عملية اعتيادية لتوسيع نطاق الخط الأصفر كما جرى في الأحياء الشرقية لمدينة غزة؛ غير أنه تبين لاحقاً من تصريح صحافي نُشر لـ«أبو عبيدة»، الناطق باسم «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، أن الجيش الإسرائيلي ينفذ العملية هناك للبحث عن جثة آخر مختطف إسرائيلي، وهو الشرطي ران غفيلي، وهو ما أكده لاحقاً المتحدث باسم الجيش، وكذلك ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ومع هذا الإعلان المفاجئ، طُرح الكثير من التساؤلات حول أسباب هذا التغيير المفاجئ في التعامل مع انتشال جثامين المختطفين الإسرائيليين، خصوصاً أن «كتائب القسام» تولت هذه المهمة مسبقاً حتى داخل المناطق المصنفة صفراء والخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بالتنسيق مع فريق من الصليب الأحمر، وذلك بعد تنسيق مسبق بين «حماس» والوسطاء، وإسرائيل.

اعتراض إسرائيلي على مشاركة «القسام»

وتقول مصادر ميدانية من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان من المفترض أن يقوم فريق من «القسام» برفقة فريق من الصليب الأحمر بالعملية؛ إلا أن إسرائيل اعترضت وطالبت بتسليمها إحداثيات المنطقة التي يُعتقد أن الجثة فيها، وفعلياً نُقلت المعلومات عبر الوسطاء، ومن ثم بدأت العملية لاحقاً.

جنود إسرائيليون يقفون عند مدخل نفق في رفح بقطاع غزة 8 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأكد مصدر قيادي من المستوى السياسي له علاقة بمفاوضات وقف إطلاق النار، تلك الأنباء، موضحاً أن إسرائيل أصرت على أن تنفذ العملية بنفسها، لأسباب أرجعتها إلى «سرعة البحث عنه وتحديد مكانه، ولامتلاكها الإمكانات المتاحة لذلك لتحديد هويته وقدرتها على التعرف عليه سريعاً بدلاً من البحث عن الجثة ونقلها لفحصها.

وأشار المصدر إلى أن «الوسطاء أيَّدوا هذا الإجراء السريع، الذي يسمح لإسرائيل بنفسها باستخراج الجثة».

ويبدو أن «حماس» لم تمتلك معلومة دقيقة وكاملة حول مكان الجثة، ولكنها أشارت في إحداثياتها إلى مقبرة البطش ما بين حيي التفاح والشجاعية.

كانت هذه المرة الثانية التي تنفذ فيها إسرائيل عملية داخل مقبرة البطش منذ بداية الحرب على قطاع غزة، فيما قالت مصادر إنها العملية الثالثة التي تطول هذه المقبرة، والتي لم يُعثَر فيها سابقاً على أي جثث لإسرائيليين.

قرب منزل خليل الحية

وأظهرت مقاطع نشرتها وسائل إعلام عبرية من لقطات مسيَّرة إسرائيلية أن الآليات نبشت غالبية القبور فيها، وذلك حتى صبيحة، الاثنين، فيما قالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إنه تم نبش أكثر من 250 قبراً لفلسطينيين.

وجغرافياً تقع المقبرة على مسافة نحو 500 متر عن الخط الأصفر الأساسي، ومع توسيع الخط عدة مرات باتت لا تبعد سوى أمتار معدودة عن الخط المحدث.

مقابر مؤقتة لضحايا القصف الإسرائيلي في منطقة التفاح شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وشرحت المصادر الميدانية لـ«الشرق الأوسط»، أن المنطقة التي بُحث فيها عن جثة المختطف الإسرائيلي لا تبعد سوى 30 متراً عن شارع خليل الحية، نسبةً إلى منزل رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» في قطاع غزة، الذي يقود مفاوضات وقف إطلاق النار، كما أن هناك دبابات تتمركز في شارعه ومحيط المنطقة لتأمين القوات التي كانت تعمل في المقبرة.

كيف حددوا موقع الجثة؟

لم تفلح محاولات البحث السابقة عن جثة غفيلي التي تركزت في منطقتَي الزيتون والشجاعية، وسألت «الشرق الأوسط» مصادر ميدانية وسياسية من «حماس» بشأن سبب البحث مجدداً في منطقة حي التفاح، وقالت مصادر ميدانية إن بعض «المقاومين» كانوا على علاقة غير مباشرة بالجثة وقدموا معلومات أنه «في إحدى المرات دُفنت الجثة في تلك المقبرة، لكن لم يتم التأكد من تلك المعلومة بنسبة كبيرة، لأن جميع من كانوا على علاقة مباشرة بها قد اغتيلوا أو استُهدفوا في هجمات أو اشتباكات متفرقة خلال الحرب».

جنود إسرائيليون في نفق يقول الجيش إن مسلحي «حماس» استخدموه لمهاجمة معبر «إيريز» شمال قطاع غزة 15 ديسمبر 2023 (أ.ب)

ورجحت المصادر أن هذه المعلومات ربما تطابقت مع أخرى حصل عليها جهاز «الشاباك» الإسرائيلي، من ناشط في «الجهاد الإسلامي» اختطفه منذ نحو شهر من مدينة غزة، كان على علاقة باختطاف الشرطي الإسرائيلي والاحتفاظ بجثته.

ويبدو فعلياً أن إسرائيل كانت تمتلك معلومة عن إمكانية وجود الجثة في المقبرة قبل وصول المعلومة نفسها من «حماس»، إذ ربطت بدء البحث عنها بقرار فتح معبر رفح المتوقع أن يتم الثلاثاء أو على أبعد تقدير الخميس.

«حماس» تدعو لإلزام الاحتلال بالاتفاق

وقال حازم قاسم الناطق باسم «حماس»، في بيان، إن «العثور على جثة آخر الأسرى الإسرائيليين في غزة يؤكد التزام الحركة بكل متطلبات اتفاق وقف الحرب، بما فيها مسار التبادل وإغلاقه بالكامل وفق الاتفاق».

وأكد قاسم التزام الحركة بجميع جوانب الاتفاق، ومنها تسهيل عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة وإنجاحها، داعياً الوسطاء والولايات المتحدة إلى إلزام الاحتلال بوقف خروقه للاتفاق وتطبيق الاستحقاقات المطلوبة منه.