وسط قتال «حزب الله» وإسرائيل على الحدود... الجيش اللبناني يترقب

جنود من الجيش اللبناني يجلسون على مركبتهم المدرعة أثناء قيامهم بدورية على الجانب اللبناني من الحدود اللبنانية الإسرائيلية في قرية كفركلا الجنوبية (أ.ب)
جنود من الجيش اللبناني يجلسون على مركبتهم المدرعة أثناء قيامهم بدورية على الجانب اللبناني من الحدود اللبنانية الإسرائيلية في قرية كفركلا الجنوبية (أ.ب)
TT

وسط قتال «حزب الله» وإسرائيل على الحدود... الجيش اللبناني يترقب

جنود من الجيش اللبناني يجلسون على مركبتهم المدرعة أثناء قيامهم بدورية على الجانب اللبناني من الحدود اللبنانية الإسرائيلية في قرية كفركلا الجنوبية (أ.ب)
جنود من الجيش اللبناني يجلسون على مركبتهم المدرعة أثناء قيامهم بدورية على الجانب اللبناني من الحدود اللبنانية الإسرائيلية في قرية كفركلا الجنوبية (أ.ب)

مع شن القوات الإسرائيلية أولى غاراتها عبر الحدود ورد «حزب الله» بإطلاق الصواريخ، انسحب الجيش اللبناني من مواقع المراقبة على طول الحدود الجنوبية للبنان وأعاد تمركزه على بعد نحو 5 كيلومترات.

وحتى الآن، لم تتقدم القوات الإسرائيلية إلى مراكز الجيش اللبناني، ولم تقع اشتباكات مباشرة بين الجيشين إلا في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول)، عندما أصابت نيران الدبابات الإسرائيلية موقعاً للجيش اللبناني في منطقة بنت جبيل، مما أسفر عن مقتل جندي، وأيضاً أمس (الجمعة) عندما قُتل جنديان في الجيش اللبناني في غارة جوية في نفس المنطقة.

وقال الجيش اللبناني إنه رد بإطلاق النار في المرتين.

وفي حين رفض الجيش اللبناني التعليق على كيفية رد فعله إذا تقدمت القوات البرية الإسرائيلية إلى أبعد من ذلك، قال محللون مطلعون على عمل الجيش اللبناني لـ«أسوشييتد برس» إنه إذا وصل التوغل الإسرائيلي إلى مواقع الجيش الحالية، فإنه سيقاوم، ولكن بشكل محدود.

استعراض عسكري لضباط في الجيش اللبناني خلال حفل تخرج بمناسبة عيد الجيش الرابع والسبعين في ثكنة عسكرية في ضاحية الفياضية ببيروت (أ.ب)

وأوضح الجنرال السابق في الجيش اللبناني حسن جوني أن «المهمة الطبيعية والأوتوماتيكية للجيش هي الدفاع عن لبنان ضد أي جيش قد يدخل الأراضي اللبنانية. وبطبيعة الحال، إذا دخل العدو الإسرائيلي، فسوف يدافع، ولكن في حدود القدرات المتاحة... من دون الذهاب إلى حد التهور أو الانتحار».

ووفق «أسوشييتد برس»، الجيشان اللبناني والإسرائيلي غير متكافئين، فالغزو الإسرائيلي الحالي للبنان هو الرابع للبلد المجاور في السنوات الخمسين الماضية. في أغلب الغزوات السابقة، لعب الجيش اللبناني دوراً هامشياً مماثلاً.

وكان الاستثناء الوحيد، بحسب آرام نركيزيان، وهو زميل بارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، في عام 1972، عندما حاولت إسرائيل إنشاء منطقة عازلة بطول 20 كيلومتراً لصد مقاتلي «منظمة التحرير الفلسطينية».

وفي ذلك الوقت، كما قال نركيزيان، نجح الجيش اللبناني في إبطاء وتيرة التقدم الإسرائيلي و«كسب الوقت للقيادة السياسية في بيروت للسعي إلى تدخل المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار».

ولكن الوضع الداخلي في لبنان وقدرات الجيش شهدا تدهوراً مع اندلاع حرب أهلية دامت 15 عاماً في عام 1975، احتلت خلالها القوات الإسرائيلية والسورية أجزاء من البلاد.

وكان «حزب الله» هو الفصيل الوحيد الذي سُمح له بالاحتفاظ بأسلحته بعد الحرب الأهلية، من أجل الهدف المعلن المتمثل في «مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان»، والذي انتهى في عام 2000.

وبحلول عام 2006، عندما خاض «حزب الله» وإسرائيل حرباً مؤلمة استمرت شهراً، قال نركيزيان إن الجيش اللبناني «لم يكن قادراً على الاستثمار في أي تحديث حقيقي بعد الحرب، ولم تكن لديه القدرة على ردع القوة الجوية الإسرائيلية» و«ترك مكشوفاً تماماً». «في المرات القليلة التي اشتبك فيها (الجيش اللبناني) والقوات الإسرائيلية عسكرياً، كان هناك تفوق كامل للجانب الإسرائيلي».

كانت المساعدات الدولية نعمة ونقمة في آن واحد، وفق الوكالة، فبعد اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011 وصعود تنظيم «داعش» هناك، شهد الجيش اللبناني تدفقاً جديداً من المساعدات العسكرية. ونجح في محاربة تنظيم «داعش» على حدود لبنان في عام 2017، وإن لم يكن وحده - فقد هاجم «حزب الله» المجموعة في نفس الوقت على الجانب الآخر من الحدود.

وعندما انهار النظام المالي والعملة في لبنان في عام 2019، تعرض الجيش لضربة. فلم تكن لديه ميزانية لشراء الأسلحة وصيانة الإمدادات والمركبات والطائرات الموجودة لديه.

ويبلغ متوسط ​​راتب الجندي الآن نحو 220 دولاراً في الشهر، ولجأ الكثيرون إلى العمل في وظائف ثانية. في مرحلة ما، قدمت الولايات المتحدة وقطر إعانة شهرية لرواتب الجنود.

وكانت الولايات المتحدة ممولاً رئيسياً للجيش اللبناني قبل الأزمة. قدمت نحو 3 مليارات دولار كمساعدات عسكرية منذ عام 2006، وفقاً لوزارة الخارجية، التي قالت في بيان إنها تهدف إلى «تمكين الجيش اللبناني من أن يكون قوة استقرار ضد التهديدات الإقليمية» و«تعزيز سيادة لبنان وتأمين حدوده ومكافحة التهديدات الداخلية وتعطيل تسهيل الإرهاب».

كما روجت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن للجيش اللبناني باعتباره جزءاً أساسياً من أي حل دبلوماسي للحرب الحالية، على أمل أن يؤدي نشر قواته المتزايد إلى إزاحة «حزب الله» في منطقة الحدود.

لكن هذا الدعم له حدود. وكانت المساعدات للجيش اللبناني مثيرة للجدل سياسياً في بعض الأحيان داخل الولايات المتحدة، حيث زعم بعض المشرعين أنه قد يقع في أيدي «حزب الله»، رغم عدم وجود دليل على حدوث ذلك.

في لبنان، يعتقد الكثيرون أن الولايات المتحدة منعت الجيش من الحصول على أسلحة أكثر تقدماً قد تسمح له بالدفاع ضد إسرائيل، أقوى حليف لأميركا في المنطقة والمتلقية لما لا يقل عن 17.9 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأميركية في العام منذ بدء الحرب في غزة.

وقال وليد عون، وهو جنرال متقاعد في الجيش اللبناني ومحلل عسكري: «رأيي الشخصي هو أن الولايات المتحدة لا تسمح للجيش (اللبناني) بالحصول على معدات دفاع جوي متقدمة، وهذا الأمر يتعلق بإسرائيل».

كما أشار نركيزيان إلى أن هذا التصور «ليس مؤامرة أو نصف حقيقة»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة أصدرت متطلباً قانونياً لدعم التفوق العسكري النوعي لإسرائيل مقارنة بجميع الجيوش الأخرى في المنطقة.


مقالات ذات صلة

يوسف هاشم المُعَاقب أميركياً... أرفع قيادي بـ«حزب الله» تغتاله إسرائيل

المشرق العربي رجال أمن لبنانيون في موقع استهداف إسرائيلي للقيادي العسكري البارز في «حزب الله» يوسف هاشم في منطقة الجناح بمحيط بيروت (رويترز)

يوسف هاشم المُعَاقب أميركياً... أرفع قيادي بـ«حزب الله» تغتاله إسرائيل

يتصدّر القيادي البارز في «حزب الله» يوسف هاشم لائحة الشخصيات العسكرية التي اغتالتها إسرائيل منذ بدء الحرب القائمة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)

خاص إعادة تموضع للجيش والأمن اللبنانيين بالجنوب لتجنب الوجود على تماس مع الإسرائيليين

ينفذ الجيش والقوى الأمنية اللبنانية إعادة انتشار لوحداتهما في الجنوب «وقائياً»، تحت ضغط النار الإسرائيلية لمنع وجود العناصر الرسمية على تماس مع القوات المتوغلة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الرئيس اللبناني في بيروت (الخارجية المصرية)

تحركات مصرية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

في تحرك مصري لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، زار وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، الخميس، العاصمة بيروت، معلناً مساندته للشعب اللبناني.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يقفون في الموقع الذي سقطت فيه شظايا صاروخ تم اعتراضه بمنطقة حارة صخر بقضاء كسروان شمال بيروت 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)

انفجار صاروخ إيراني على علو مرتفع فوق لبنان

أعلن الجيش اللبناني عن سقوط أجزاء من صاروخ إيراني «على نطاق جغرافي واسع» على الأراضي اللبنانية

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عامل إنقاذ يحمل طفلاً بُعيد استهداف إسرائيلي في محيط وسط بيروت (أ.ب)

إسرائيل توسع بنك أهدافها إلى بيروت لاختبار «تماسك» الداخل اللبناني

تشير الضربات الأخيرة إلى سقوط عملي لما كان يُعرف بـ«الاستثناء البيروتي»

صبحي أمهز (بيروت)

إسرائيل تنشئ المزيد من المواقع العسكرية في منطقة الخط الأصفر

منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تنشئ المزيد من المواقع العسكرية في منطقة الخط الأصفر

منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تُظهر التحركات الميدانية الإسرائيلية داخل قطاع غزة، إنشاء المزيد من المواقع العسكرية المستحدثة في المناطق الشرقية للقطاع، والواقعة داخل الخط الأصفر، وهي المناطق التي تسيطر عليها وتصل نسبتها إلى أكثر من 53 في المائة من مساحة القطاع.

وكان الجيش الإسرائيلي أنشأ بعد تشكيل الخط الأصفر عدة مواقع، وتوقف لأشهر عن إنشاء أخرى، لكنه في الشهرين الماضيين على الأقل بدأ بإنشاء خندق كبير لمسافات طويلة، ووضع سواتر ترابية كبيرة أمام الخندق، لينشئ لاحقاً مواقع عسكرية جديدة في تلك المناطق، وخاصةً شرقي مدينة غزة، وبلدتي جباليا وتل الزعتر شمال القطاع.

وتوسع القوات الإسرائيلية سيطرتها داخل قطاع غزة، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وعمقت سيطرتها على مناطق إضافية، بعدما تقدمت إليها، خاصةً على بُعد أمتار من شارع صلاح الدين الرئيس الذي يمتد على طول مناطق القطاع.

فلسطينيون يتلقون طعاماً من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وحسب مصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإنه لوحظ في الشهرين الماضيين، إنشاء ما لا يقل عن 4 مواقع عسكرية مستحدثة، وتم تزويدها بأجهزة الاتصال والرصد والإنارة، ووضع أبراج مراقبة إلى جانب رافعات مثبت عليها أسلحة تُطلق النار آلياً من خلال التحكم بها عند بُعد.

ووفقاً للمصادر، فإن القوات الإسرائيلية نفذت نشاطاً واسعاً قبل 3 أيام شرق مدينة غزة، في إطار مناورة ميدانية لفحص رفع الجهوزية لدى القوات الجديدة في المواقع المستحدثة، وكان يسمع أصوات صفارات الإنذار بشكل واضح عند تفعيلها، وسط إطلاق نار وقصف مدفعي كان يُسمع بشكل واضح في مناطق مدينة غزة وشمالها.

ولفتت المصادر إلى أن الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية ترصد بشكل واضح التحركات الإسرائيلية، التي تشير إلى نوايا واضحة بأنها لن تنسحب من تلك المناطق، وأنها تريد تثبيت وجودها لوقت طويل.

وقال مصدر قيادي في «حماس» من قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تم نقل رسائل واضحة حول هذا الخرق الفاضح لوقف إطلاق النار من قبل القوات الإسرائيلية، إلى الوسطاء، بهدف وقف هذه الانتهاكات والخروقات المستمرة، مشيراً إلى أن حركته اعتبرت في رسائلها أن ما يجري هدفه الاستمرار في احتلال القطاع، وهو ما يخالف خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، التي تنص على انسحاب إسرائيلي كامل في نهاية تنفيذ بنود الخطة.

طفلان فلسطينيان ينقلان الماء في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وحسب المصدر، فإن ما يجري على الأرض يشير إلى نوايا إسرائيلية بإقامة منطقة أمنية عازلة لعدة كيلومترات، وحرمان السكان الغزيين من العودة لأراضيهم المحتلة حالياً في نطاق الخط الأصفر.

وطالبت «حماس» خلال الأيام الماضية في اجتماعات مع مسؤولين من «مجلس السلام» ومصريين، بضرورة إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود المرحلة الأولى بالكامل من أجل الانتقال إلى المرحلة الثانية.

وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قد أكد منذ أشهر أن الخط الأصفر يمثل حالياً بالنسبة لقواته خط حدودي جديد. فيما قال ضابط كبير في فرقة غزة، بتصريحات للقناة الثانية عشرة، إن الانسحاب من الخط الأصفر ليس مطروحاً على جدول الأعمال بالنسبة لقواته، متهماً حركة «حماس» بمحاولة استغلال الحرب على إيران لإعادة بناء قدراتها العسكرية ومحاولات تنفيذ عمليات اختطاف.

وقال حازم قاسم الناطق باسم «حماس»، في تصريح صحافي، إن الاتهامات لحركته بالتخطيط لخطف جنود إسرائيليين، هي ادعاءات كاذبة ولا أساس لها من الصحة، ومحاولة من الاحتلال لتبرير خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار.

وحول تصريحات الضابط بشأن الخط الأصفر، قال قاسم: «تمثل هذه التصريحات خرقاً واضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وتكشف نوايا الاحتلال الدائمة بتخريب الاتفاق»، داعياً الجهات الوسيطة والضامنة و«مجلس السلام» لاتخاذ موقف واضح من هذه الخروقات والضغط عليه لتنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق.

ويأتي ذلك على وقع استمرار الخروقات الميدانية، وتردي الوضع الإنساني في قطاع غزة.

وأعلن، السبت، عن وفاة فلسطينية متأثرةً بجروحها إثر قصف إسرائيلي سابق قبل أيام على خان يونس، جنوبي القطاع، فيما أصيب ما لا يقل عن 4 فلسطينيين في إطلاق نار من مسيّرات وآليات إسرائيلية غرب الخط الأصفر شرقي غزة وخان يونس.

وحسب وزارة الصحة بغزة، فقد بلغ إجمالي الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ إلى 715، ونحو 2000 إصابة، ما رفع عدد الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72291، والإصابات 172068.

ولا يزال الوضع الإنساني في حالة تدهور كبيرة بفعل الإغلاق الجزئي لمعبر كرم أبو سالم التجاري الوحيد الذي تسمح إسرائيل بإدخال كميات محدودة من البضائع والمساعدات الإنسانية عبره، وتغلقه منذ أيام بحجة الأعياد اليهودية قبل أن تعيد فتحه السبت بشكل محدود جداً لإدخال بعض المساعدات فقط.


غياب التوافق يُهدد بحل البرلمان العراقي

البرلمان العراقي حدد يوم 11 أبريل لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
البرلمان العراقي حدد يوم 11 أبريل لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
TT

غياب التوافق يُهدد بحل البرلمان العراقي

البرلمان العراقي حدد يوم 11 أبريل لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
البرلمان العراقي حدد يوم 11 أبريل لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)

رغم استجابة قوى «الإطار التنسيقي» لطلب الزعيم الكردي مسعود بارزاني، رئيس الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، ومنحها مهلة إضافية للتوصل إلى اتفاق كردي - كردي بشأن اختيار مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية، فإن الوقت المتبقي من المهلة التي حددتها رئاسة البرلمان لعقد الجلسة الخاصة بانتخاب الرئيس وتكليف رئيس الوزراء أصبح ضئيلاً جداً.

فالبرلمان، الذي كان قد قرر عقد جلسة في 27 مارس (آذار) الماضي قبل نهاية المدة الدستورية بيوم واحد، اضطر لتأجيل الموعد مرة أخرى إلى 11 أبريل (نيسان) الحالي.

وجاء الطلب الذي تقدّم به بارزاني للقوى الشيعية لتأجيل جلسة البرلمان بعد قيام نحو 220 نائباً من مختلف الكتل السياسية بافتتاح الجلسة المقررة لانتخاب رئيس الجمهورية، عملاً بقرار المحكمة الاتحادية رقم 16 لسنة 2022، المفسر للمادة 70 من الدستور.

ومع ما بدا أول محاولة برلمانية جريئة لكسر العرف السياسي القائم على التوافق بين الزعامات السياسية في الغرف الموازية لا قاعة البرلمان، عندما قرر عدد كبير من أعضاء البرلمان المضي في عقد جلسة يتم من خلالها التصويت عبر الاقتراع السري المباشر للمرشحين لمنصب رئيس الجمهورية، ممن تقدموا إلى البرلمان، وقُبلوا من قبل لجانه المتخصصة بعد دراسة سيرهم الذاتية، فإن القوتين الرئيسيتين السياسيتين (الإطار التنسيقي والكردي) وجدا أن من شأن الذهاب مع هذا الخيار أن يفقدهما السيطرة على النواب في أول احتكاك مباشر معهم، ما يمكن أن يؤسس لنوع من الانفصام السياسي مع الرؤوس السياسية.

إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)

شبح الثلث المعطل

ويقضي العرف السياسي الذي مضت عليه العملية السياسية في العراق بعد 2003 بتقاسم المناصب السيادية العليا توافقياً على أساس المكونات، بحيث تكون حصة الكرد رئاسة الجمهورية، والعرب السنة رئاسة البرلمان، والشيعة رئاسة الوزراء، إلا أن هذا التوافق لم تتمكن أي قوة أو أي محاولة جادة، مثل حراك الشباب الاحتجاجي عام 2019، من تغييره، باستثناء محاولة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في تشكيل حكومة عابرة للمحاصصة، والتي أجهضت بعد ظهور الثلث المعطل لانتخاب رئيس الجمهورية.

وفي الوقت الذي تسلّمت فيه رئاسة البرلمان نحو 15 طلباً لشغل منصب رئيس الجمهورية، فإن أبرز المرشحين للمنصب هما فؤاد حسين، وزير الخارجية الحالي عن الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، ونزار أميدي، القيادي البارز في «الاتحاد الوطني الكردستاني».

في المقابل، تسلّمت قيادة «الإطار التنسيقي» طلبات مماثلة لشغل منصب رئيس الوزراء، بعد أن طلبت من الراغبين في الترشح تقديم سيرهم الذاتية لهذا الغرض.

ومن بين هؤلاء المرشحين ثلاثة رؤساء وزراء، اثنان سابقان هما نوري المالكي وحيدر العبادي، ورئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، في حين المتبقون في لائحة الترشيح هم قاسم الأعرجي، مستشار الأمن القومي، وحميد الشطري، رئيس جهاز المخابرات، وباسم البدري، رئيس هيئة المساءلة والعدالة.

ومع اشتراط انتخاب رئيس الجمهورية تصويت ثلثي أعضاء البرلمان، ما يجعل الثلث المعطل شبحاً يقف في مواجهة أي محاولة للانتخاب خارج التوافقية، فإن منصب رئيس الوزراء يحتاج إلى توافق داخل قوى «الإطار التنسيقي»، وهو ما لم يحصل حتى الآن رغم بدء العد التنازلي لمهلة البرلمان.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

هل يحل البرلمان؟

ومع استمرار الخلافات الكردية - الكردية بشأن المرشح الكردي لمنصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي - الشيعي حول منصب رئيس الوزراء، فإن مهلة البرلمان باتت مهددة، ما يُثير أسئلة حول إمكانية حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة.

وطوال الأسبوع الماضي، وبعد طلب الزعيم الكردي مسعود بارزاني مهلة إضافية للكرد لحسم أمرهم، لم يظهر أي مؤشر على توصل الكرد إلى مرشح متفق عليه لشغل منصب الرئيس، في حين يقف الشيعة عند مفترق طرق بشأن مرشحيهم نتيجة عدم التوصل إلى اتفاق نهائي حول فيتو ترمب ضد المالكي.

ومع أن المقربين من السوداني يرون أن حظوظه ارتفعت خلال الفترة الأولى من الحرب على إيران، فإنها عادت لتنخفض بعد بيان السفارة الأميركية الذي حمّل الحكومة العراقية عدم القدرة على مواجهة الفصائل المسلحة الموالية لإيران.


جنوب لبنان... من السيطرة العسكرية إلى الهندسة الأمنية للحدود

رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
TT

جنوب لبنان... من السيطرة العسكرية إلى الهندسة الأمنية للحدود

رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)

لم تعد المواجهة الدائرة في جنوب لبنان تُختزل في مشهد الدبابات أو خطوط التماس، بل تتخذ شكلاً أكثر تعقيداً وعمقاً. فإسرائيل، وفق المسار الذي ترسمه عملياتها وتصريحات قادتها، لا تبدو في وارد إعادة إنتاج نموذج الاحتلال التقليدي، بل تتجه نحو صياغة معادلة مختلفة: السيطرة الأمنية من دون احتلال كل الأرض.

هذا التحول لا يعكس مجرد تبدل في التكتيك، بل يُشير إلى انتقال في فلسفة إدارة الصراع، من السيطرة العسكرية التي تقوم على التقدم والتمركز، إلى الهيمنة الأمنية التي تقوم على المنع والتحكم وإعادة تشكيل الجغرافيا والسكان.

الحزام الأمني... نسخة محدثة

في قلب هذا التحول، يبرز مفهوم الحزام الأمني الذي عاد إلى الواجهة بصيغة مختلفة عن تلك التي سادت قبل عام 2000، وهو ما تحدّث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل «تواصل توسيع الحزام الأمني في جنوب لبنان».

بدوره، شدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على أن هدف إسرائيل هو «نزع سلاح (حزب الله)»، مؤكداً استمرار استهداف قادته وعناصره في «كل أنحاء لبنان». وأضاف أن المنازل التي تُستخدم مواقع للحزب «سيتم تدميرها وفق نموذج رفح وخان يونس»، مع السعي إلى السيطرة حتى نهر الليطاني ومنع عودة مئات آلاف السكان قبل تحقيق الأمن.

ورغم هذا التصعيد، لا تزال إسرائيل تُعلن أنها لا تسعى إلى احتلال كامل للبنان، إذ نقلت «هآرتس» عن الجيش الإسرائيلي أن هذا الخيار ليس هدفاً للحرب، رغم إقراره بأن نزع سلاح «حزب الله» قد يتطلب ذلك نظرياً.

هذا التناقض يعكس جوهر الاستراتيجية: تجنب تكلفة الاحتلال مقابل تحقيق نتيجته عبر وسائل أخرى، قوامها التحكم بالنار وإفراغ الجغرافيا.

تحركات إسرائيلية على الحدود (إ.ب.أ)

إشراف ناري وإعادة رسم الجغرافيا

في السياق، يكشف مصدر مطلع على الواقع الميداني لـ«الشرق الأوسط»: «أن إسرائيل تسعى إلى إعادة احتلال 18 موقعاً استراتيجياً كانت تُسيطر عليها قبل عام 2000، من بينها البياضة وشمع وبيت ليف وتلة العويضة وتلال الطيبة وقلعة الشقيف ومرتفعات إقليم التفاح المشرفة على البقاع الغربي».

ويؤكد أن «الهدف لا يتمثل في الانتشار العسكري الواسع، بل في فرض إشراف ناري شامل على كامل قضاء النبطية، يمتد إلى الزهراني وصيدا والبقاع الغربي وجزين، بما يسمح بالتحكم في الميدان من دون الحاجة إلى تمركز دائم».

ويضيف أن «ما تسعى إليه إسرائيل هو القدرة على إدارة الجنوب من المرتفعات والنقاط الاستراتيجية، بحيث تُصبح السيطرة بالنار بديلاً عن السيطرة المباشرة على الأرض».

كما يُشير إلى أن الحديث الإسرائيلي «عن منع عودة نحو 600 ألف لبناني لا يقتصر على الشريط الحدودي، بل يشمل نطاقاً جغرافياً أوسع يمتد إلى إقليم التفاح وقرى قضاء النبطية وأجزاء من البقاع الغربي، ما يعكس توجهاً لإعادة تشكيل الخريطة السكانية، وليس فقط العسكرية».

الهيمنة الأمنية... السيطرة من خارج الأرض

في قراءة أوسع، يوضح العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن «ما يجري لا يمكن فهمه ضمن إطار السيطرة العسكرية التقليدية، بل في سياق الهيمنة الأمنية، التي لا تعني احتلالاً برياً دائماً، بل القدرة على التحكم في الميدان عبر النار أو الجو أو حتى عبر قوى بديلة».

ويشرح لـ«الشرق الأوسط»: أن «هذا المفهوم يقوم على سيناريوهين متوازيين، إما عبر وجود عسكري مباشر يدير المنطقة، وإما إقامة منطقة عازلة قائمة على الأرض المحروقة، تُمنع فيها أي قدرة على التمركز العسكري أو العودة السكانية».

ويؤكد أن الطروحات الإسرائيلية، رغم تباينها، تلتقي عند هدف واحد متمثل في فرض تحكم أمني مستمر، سواء من داخل الأرض أو من خارجها.

أنقاض منزل دمّرته غارة إسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» (رويترز)

الجغرافيا بوصفها منصة للسيطرة

ويضيف ملاعب أن السيطرة العسكرية التقليدية تظهر في تركيز إسرائيل على «الهضاب الخمس» المحاذية للحدود، التي تؤمّن إشرافاً نارياً واسعاً على الجليل والجنوب اللبناني. ويلفت أنه «قد جرى ربط هذه النقاط بنحو 18 موقعاً عسكرياً لتشكيل ما يُشبه خط بدء الهجوم، يُستخدم نقاط ارتكاز لأي توغل بري، ضمن محاور مدروسة تتلاءم مع حركة الدبابات».

ويشير إلى أن «التوغل الفعلي لا يتجاوز 8 كيلومترات، ما يُعزز فرضية أن الهدف ليس احتلالاً شاملاً، بل تثبيت واقع ميداني يمكن التحكم فيه».

الأرض المحروقة وخط الدبابات

ويشرح ملاعب أن «الفارق الجوهري بين السيطرة العسكرية والسيطرة الأمنية يتمثل في أن الأولى تمسك بالأرض، في حين الثانية تمنع الخصم من استخدامها».

وفي هذا السياق، يُشير إلى أن «تهديد صواريخ (كورنيت) يدفع إسرائيل إلى إنشاء نطاق خالٍ بعمق يتراوح بين 6 و8 كيلومترات، يُسوّى بالكامل ويُحوّل إلى أرض محروقة، ويرتبط ذلك بما يُعرف بـ(خط الدبابات)، أي الحد الذي يمكن أن تصل إليه الآليات ضمن نطاق آمن، مرجحاً امتداده نحو مرتفعات استراتيجية مثل قلعة الشقيف، بما يتيح مراقبة نهر الليطاني والتحكم في الميدان».

ويعدّ أن «استهداف الجسور، ولا سيما على نهر الليطاني، لا يهدف فقط إلى قطع الإمداد، بل إلى التحكم في عودة السكان لاحقاً، بحيث تبقى المنطقة العازلة خالية أو محدودة الاستخدام».