إسرائيل تشن «غارات نفسية» بالتزامن مع هجومها العنيف على لبنان

بعثت برسائل للبنانيين وبثت فيديوهات تحذيرية

رسالة تحذيرية من «حزب الله» تلقاها مستوطنون إسرائيليون (الشرق الأوسط)
رسالة تحذيرية من «حزب الله» تلقاها مستوطنون إسرائيليون (الشرق الأوسط)
TT

إسرائيل تشن «غارات نفسية» بالتزامن مع هجومها العنيف على لبنان

رسالة تحذيرية من «حزب الله» تلقاها مستوطنون إسرائيليون (الشرق الأوسط)
رسالة تحذيرية من «حزب الله» تلقاها مستوطنون إسرائيليون (الشرق الأوسط)

صعّدت إسرائيل في الساعات الماضية حربها النفسية على اللبنانيين، بالتوازي مع حربها العسكرية - الأمنية التي دخلت بدورها مستوى جديداً من التصعيد.

واستيقظ سكان الجنوب، الاثنين، على مئات الرسائل النصية والاتصالات مجهولة الهوية، التي تدعوهم إلى الابتعاد عن مواقع تدّعي الرسائل أنها أماكن يخزن فيها «حزب الله» أسلحته.

كذلك اخترقت إسرائيل إذاعات لبنانية وبثت عبرها تحذيرات بإخلاء بعض المناطق خلال ساعتين، قائلة؛ في رسالة سجلها أحد الأشخاص الذين يتحدثون العربية، إن «الجيش لا يريد المس» بهم، منبهة إلى أن «كل من يتواجد إلى جانب عناصر (حزب الله) يعرّض حياته للخطر».

رسوم متحركة

ووجه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، ما قال إنه «نداء هام وعاجل إلى اللبنانيين»، جاء فيه: «تعرفون البيوت الكثيرة في القرى اللبنانية مع غرفة مغلقة ومجهولة... بعضها مخزن للأسلحة، أخفاها عناصر (حزب الله) الذي يستخدمكم دروعاً بشرية. انتبهوا! واحذروا! فعلى كل من يمتلك سلاحاً في منزله، أو يتواجد قرب مواقع أو منازل أخفى فيها (حزب الله) أسلحته... عليه ترك المكان فوراً». وأرفق أدرعي رسالته بفيديو رسوم متحركة.

تهديدات لوزارات

ولم تُحصر الاتصالات والتهديدات في المواطنين العاديين، بل شملت عدداً من الوزراء والوزارات.

وقالت «الوكالة الوطنية للإعلام» إن مكتب وزير الثّقافة في حكومة تصريف الأعمال، محمد وسام المرتضى، تلقى اتصالاً «من شخص يتكلّم العربيّة الفصحى بلكنة غريبة»، دعاه فيه إلى مغادرة المكتب فوراً لأنّه مستهدَف.

كذلك أعلن وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال، زياد المكاري، أنه «في إطار الحرب النفسية التهويلية التي يعتمدها العدو الإسرائيلي، تلقى عدد كبير من المواطنين في بيروت والمناطق رسائل هاتفية عشوائية موحدة عبر الشبكة الأرضية، تدعو المجيب إلى إخلاء مكان وجوده»، لافتاً إلى أن «مكتب وزير الإعلام كان أحد الذين تلقوا الرسالة». وأكد المكاري أن «العمل في وزارة الإعلام مستمر وطبيعي، وجميع العاملين منصرفون إلى مهامهم اليومية التي تفوق أي رسائل أهمية في هذا الظرف الدقيق»، داعياً الجميع إلى «عدم إعارة الأمر أكثر مما يستأهل، علماً بأنه محل متابعة من الجهات المعنية».

80 ألف اتصال

وأعلن وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال، جوني القرم، تلقي 80 ألف اتصال هاتفي من قبل جهات تعمل لمصلحة إسرائيل، مؤكداً أن «ما يجري تداوله حول اختراق شبكة الاتصالات الأرضية في جنوب لبنان أمر غير صحيح».

وأوضح القرم أن «النظام المعتمد داخل (شبكة أوجيرو) لا يستقبل اتصالات من (الكود) الإسرائيلي، وأي اتصالات تجرى عبر كود أجنبي بديل من قبل العدو لا تعدّ خرقاً للنظام، بل تحايل على نظام الكود الدولي (إنترناشيونال كود)».

وزير الاتصالات اللبناني جوني القرم (الشرق الأوسط)

وأشار القرم إلى أن «هناك استخداماً لتطبيقات تسمح بتغيير أو إخفاء المصدر الحقيقي للمكالمة، مما يجعل النظام يظهر المكالمة كأنها تأتي من مكان آخر»، مشدّداً على أن «هذا النوع من العمليات يمكن أن يُعدّ غشاً للنظام، لكنه ليس اختراقاً مباشراً للبنية التحتية للاتصالات، وعلى اللبنانيين أن يطمئنوا».

وأوضح القرم أنه بعد ضبط الخطوط الأرضية يجري تباعاً العمل على ضبط الاتصالات الجوالة.

بدورها، دعت مصادر هيئة «أوجيرو» عبر موقع «ليبانون ديبايت»، «المواطنين الذين يتلقون اتصالات مشبوهة من هذا النوع إلى الإبلاغ عن الرقم المتصّل، لتجري متابعة الأمر ومعالجته بالشكل المناسب».

اجتياح لأنظمة الاتصالات

من جهته، عدّ الخبير في تقنيات الاتصالات، عامر الطبش، أن «ما يحصل ليس خرقاً فقط؛ إنما هو اجتياح لأنظمة الاتصالات التابعة للدولة اللبنانية، حيث لا وسائل حماية، و(داتا) المعلومات المحدثة باتت بأيدي الإسرائيليين، مع إمكانية تحديد مواقع الأشخاص للبعث بالرسائل إليهم».

خبير الاتصالات عامر الطبش (الشرق الأوسط)

ولفت الطبش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «البنى التحتية للاتصالات؛ سواء الهوائية والأرضية، باتت كتاباً مفتوحاً للعدو، وبدل اتخاذ إجراءات سريعة لسد الثغرات، نخرج ببيانات لإبعاد المسؤولية عنا، فيما الناس في حالة هلع».

رسائل تحذير من «حزب الله»

في المقابل، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي منشور يحمل شعار «حزب الله»، يطلب من المستوطنين الإسرائيليين الابتعاد عن أماكن وجود الجيش الإسرائيلي الذي وصفه بـ«الإرهابي».

وجاء في نص الرسالة الموجهة إلى الإسرائيليين: «تحذير عاجل إلى المستوطنين المتواجدين ضمن الأراضي الفلسطينية: إذا كنتم تتواجدون داخل المنطقة أو بجوار منطقة أو قاعدة يستخدمها جيشكم لتخزين الأسلحة أو وسائل قتالية، فعليكم إخلاء هذه المناطق والابتعاد عنها فوراً. كل من يتواجد بالقرب من الجيش الإسرائيلي الإرهابي أو أسلحته يعرض نفسه للخطر». ولم يتبنَّ «الحزب» هذه الرسالة.

وأكد «م.م» (40 عاماً)، وهو أحد سكان الجنوب، أن «التهديدات الإسرائيلية عبر وسائل الاتصال لا تؤثر على المواطنين؛ إنما ما يؤثر فيهم هو الحرب الفعلية القائمة وعمليات القصف المكثف»، قائلاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نبحث عن أماكن آمنة؛ سواء وصلت إلينا تحذيرات كهذه أم لم تصل».

وعدّ أن «ما تسعى إليه إسرائيل من خلال هذه الرسائل والاتصالات هو تأليب جمهور (حزب الله) عليه، خصوصاً من خلال بث فيديوهات تدعي فيها أنه يُخزن أسلحة بين المدنيين. لكن ما لا يدركه العدو هو أن جمهور المقاومة كان وسيبقى يفتح منازله لـ(الحزب) دون تردد».

إرباك إضافي لـ«حزب الله»

من جهته، أشار الناشط السياسي المعارض لـ«حزب الله»، علي الأمين، إلى «أننا أمام مشهد تصعيدي قد يأخذ أشكالاً متدرجة من العدوان الإسرائيلي، والرسائل المتوالية الإسرائيلية تهدف إلى مزيد من الضغط النفسي والاجتماعي على أهالي الجنوب».

علي الأمين (الشرق الأوسط)

وتحدث الأمين لـ«الشرق الأوسط» عن «حالة نزوح للسكان مرشحة للتصاعد خلال الأيام المقبلة، وهذا سيفرض وضعاً ضاغطاً على النازحين أولاً، وعلى مناطق النزوح ثانياً، ويفرض إجراءات على الدولة وسواها».

وأضاف الأمين: «بالتأكيد سيكون لهذا الشكل من الحرب الإسرائيلية تأثير كبير على المواطنين النازحين الذين يعانون بشكل متفاوت منذ بدء (حرب الإسناد)، ومن الطبيعي أن يفرض السلوك الإسرائيلي الحالي مزيداً من الإرباك والحيرة ويطرح أمام (حزب الله) مسؤولية استيعاب هذا المشهد المرشح للتفاقم، ولسان حال النازحين عموماً هو البحث عن وسيلة للخروج من مأزق الحرب، الذي ينذر بمزيد من التدمير والتهجير».


مقالات ذات صلة

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

في ظل الحراك القائم على خط المفاوضات الإسرائيلية – الأميركية، يسود ترقّب حذر في لبنان، مع تضارب المعلومات حول إمكان عقد لقاء مرتقب بين عون ونتنياهو

كارولين عاكوم (بيروت)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.