4 تحوّلات لـ«جبهة الإسناد»... ولبنان يخشى المرحلة الخامسة

إسرائيل تسعى لفرض معادلة عسكرية جديدة تعيد سكان مستوطنات الشمال

دخان يتصاعد في شمال إسرائيل جراء انفجارات بعد إطلاق صواريخ من جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد في شمال إسرائيل جراء انفجارات بعد إطلاق صواريخ من جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

4 تحوّلات لـ«جبهة الإسناد»... ولبنان يخشى المرحلة الخامسة

دخان يتصاعد في شمال إسرائيل جراء انفجارات بعد إطلاق صواريخ من جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد في شمال إسرائيل جراء انفجارات بعد إطلاق صواريخ من جنوب لبنان (أ.ف.ب)

العمليات الأمنية والعسكرية الأخيرة التي نفَّذتها إسرائيل في لبنان، سواءً تفجير شبكة الاتصال الخاصّة بـ«البيجر» والأجهزة اللاسلكية، أو اغتيال عدد من القادة العسكريين والأمنيين على رأسهم إبراهيم عقيل، خلطت أوراق الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، وحوّلت «جبهة الإسناد» مع غزّة إلى حرب استنزاف في لبنان، خصوصاً أن التطورات التي شهدتها الجبهة منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 حتى اليوم، جاءت من خارج حسابات الحزب، الذي اعترف أمينه العام حسن نصر الله بأنه «تلقى ضربات كبيرة وقويّة ومؤلمة».

تبدّلت عناوين المعركة لدى الطرفين. فـ«حزب الله» الذي فتح الجبهة على وقع الضربات المحدودة وعمليات «الإشغال»، تجنّب إلى حدّ كبير كسر قواعد الاشتباك، وكان يعتقد، وفق خبراء، أن إسرائيل «لن تغامر في عمليات كبيرة»، وأنه قادر على إرساء «توازن الردع» معها، قبل أن يفاجأ بأن الأخيرة استفادت من تفوقها التكنولوجي ونفّذت عمليات «اغتيال نظيفة» طالت عدداً من قادته الميدانيين من دون أن توسّع عملياتها.

نهج تدميري

ورأى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن (المتقاعد) الدكتور حسن جوني، أن «التورّط في حرب غزّة كان يحتّم على إسرائيل ألّا تفتح جبهة أخرى، بل تُبقي وضع الجبهة الشمالية على ستاتيكو العمليات المحدودة والاغتيالات الممنهجة لكوادر وعناصر (حزب الله) إلى أن تنتهي جبهة غزّة، فتعاملت مع الحزب وفق الواقع الميداني». وأكد جوني لـ«الشرق الأوسط» أنه «مع تطوّر عمليات الحزب واستهداف مستوطنات الشمال وتهجير أكثر من 100 ألف مستوطن، لجأت قوات الاحتلال إلى نهج تدميري لمناطق الجنوب، وترافق ذلك مع ضغوط سياسية ودبلوماسية على الحكومة اللبنانية و(حزب الله) وإرغامه على تطبيق القرار 1701، لكن مع انسداد أفق الحل السياسي الذي ترافق مع السيطرة شبه التامة على قطاع غزّة، حوّل جيش الاحتلال اهتمامه إلى الجبهة مع لبنان وتغيّرت عناوين المعركة لديه».

وأشار جوني إلى أن «عنوان المعركة مع لبنان بات إعادة سكان مستوطنات الشمال إلى منازلهم، الذي أدخلته القيادة الإسرائيلية في صميم الحرب. ونتنياهو يرى أن الوقت بات ملائماً له بعد تقدّمه عسكرياً في غزّة وإصابة (حماس) بشلل كبير».

وبقدر ما حاولت إسرائيل، ومعها الوسطاء الدوليون، فكّ الارتباط ما بين جبهتي غزّة وجنوب لبنان، أدار الجيش الإسرائيلي معركته على الجبهتين وفق مقتضيات كلّ منهما، لكنه ذهب بعيداً عندما استهدف عمق الضاحية الجنوبية باغتيال القيادي في «حماس» صالح العاروري، ثمّ القائد العسكري الأول للحزب فؤاد شكر، وأخيراً اغتيال القيادي الأبرز إبراهيم عقيل وعدد من رفاقه قادة «كتيبة الرضوان».

معادلة جديدة

وتحدّث مدير «مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية» الدكتور سامي نادر عن تنقّل المواجهات في جنوب لبنان على أربع مراحل، معتبراً أن إسرائيل «بقيت في الأيام الأولى التي تلت عملية طوفان الأقصى» تحت تأثير الصدمة، وترددت في الدخول إلى قطاع غزّة، وهذا ما أعطى (حزب الله) هامشاً من المناورة على الجبهة اللبنانية التي سمَّاها جبهة إشغال ومساندة».

وأوضح نادر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المرحلة الثانية بدأت مع ارتفاع وتيرة المعارك في شمال القطاع وتكثيف الضغط على (حماس)، ومن ثمّ السيطرة على شمال القطاع وجنوبه والدخول إلى رفح واحتلال محور فيلادلفيا، وهذه المرحلة ترافقت مع رفع وتيرة التدمير الإسرائيلي في جنوب لبنان وتكثيف الاغتيالات في صفوف الحزب لإضعافه، وإجباره على تطبيق القرار 1701 والانسحاب إلى شمالي مجرى نهر الليطاني».

وأضاف: «أصبحنا الآن في المرحلة الرابعة التي بدأت مع نقل إسرائيل قواتها من غزّة إلى الشمال، ومعها وضع بنيامين نتنياهو معادلة عسكرية جديدة، عنوانها إعادة الأمن إلى سكان الجليل وعودة النازحين إلى بيوتهم».

«ربط الجبهتين»

لكن كلّ هذه التغيّرات لم تدفع «حزب الله» إلى التخلّي عن شعاره بربط الجبهتين. وهنا ذكّر العميد جوني الذي شغل منصب قائد كليّة الأركان في الجيش اللبناني، بأن الحزب «وضع هدفاً استراتيجياً لجبهة المساندة ولم يتخلّ عنه بعد، ويتمثل في وقف الحرب على غزّة، لكنّه لم يرغب في تطوير الصراع وجرّ لبنان إلى هذه الحرب، من خلال ضبط استخدام الأسلحة والاستهدافات والردود التي لم يلجأ فيها إلى أسلحة استراتيجية حتى في أكثر اللحظات حرجاً، لكن إسرائيل ابتزته واستغلت عدم رغبته في الذهاب إلى الحرب مراعاةً للوضع اللبناني الصعب للغاية، رغم أنه طوّر عملياته في الفترة الأخيرة واستهدف مستوطنات ومواقع عسكرية جديدة»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن «حرب غزّة وجبهة لبنان بدأتا على توقيت (رئيس حركة حماس) يحيى السنوار، وليس أي طرفٍ آخر، وبناءً عليه شنّت إسرائيل الحرب على غزّة بهدفين معلنين هما تحرير الأسرى والقضاء على حركة (حماس)، لكن الهدف الحقيقي والخفي هو تدمير قطاع غزّة وإعادة احتلاله وقتل أكبر عدد من الفلسطينيين».

دخان يتصاعد فوق الضاحية الجنوبية لبيروت بعد الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

صحيح أن القصف الصاروخي للحزب تخطّى مواقع الجيش الإسرائيلي في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلّة، وكشف عن مسيرات الـ«هدهد» التي صوّرت مواقع عسكرية ونقاطاً استراتيجية، لكنّه يتجنّب ضرب منشآت مدنية واستراتيجية إسرائيلية.

لا حل إلا باتفاق سياسي

ورأى نادر أنه «مقابل عبور إسرائيل المراحل الأربع، لا يزال (حزب الله) عند المرحلة الأولى، أي وحدة الساحات، وربط جبهة الجنوب بوقف النار في غزّة»، مشدداً على أنه «رغم الخسائر التي يتكبدها الحزب، فإنه يبحث عن ذريعة لوقف الحرب، وهو أبقى الباب مفتوحاً أمام الحلّ السياسي، وهذا ما عبّر عنه خطاب وزير الخارجية اللبناني عبد الله بوحبيب، الذي أعلن أمام مجلس الأمن الدولي أن لبنان مستعدّ لتنفيذ القرار 1701، لكن لا نعرف وفق أي شروط».

وتخوّف نادر من أن «يدخل لبنان المرحلة الخامسة من الحرب، وأن تترجم إسرائيل تهديداتها بشنّ هجوم برّي على لبنان، وعندها لا أحد يستطيع أن يتنبّأ بالنتائج التي ستنتهي إليها هذه الحرب».

وإذا كانت أولوية الحكومة الإسرائيلية إعادة المدنيين إلى مستوطنات الشمال بالقوة، فإن ذلك لن يتحقق، وفق تقدير الخبير العسكري العميد حسن جوني، إلّا باتفاق سياسي، مؤكداً أنه «حتى لو نجح الجيش الإسرائيلي بفرض حزام أمني في الجنوب، فإن (حزب الله) قادر على الاستمرار بإطلاق الصواريخ من العمق اللبناني. وأضاف جوني أن إسرائيل ربما تسعى من خلال تسخين العمليات مع لبنان إلى الضغط على حكومة لبنان و(حزب الله) لجلب الجميع إلى مفاوضات برعاية دولية وفرض تطبيق القرار 1701، وهذا ما يمكن أن يقود إلى تسوية كبيرة في المنطقة».


مقالات ذات صلة

اعتكاف وزير الطاقة عن حضور جلسات الحكومة في لبنان

المشرق العربي وزير الطاقة جو الصدي خلال مؤتمر صحافي أعلن خلاله اعتكافه عن المشاركة في جلسات الحكومة (الشرق الأوسط)

اعتكاف وزير الطاقة عن حضور جلسات الحكومة في لبنان

نقل وزير الطاقة والمياه اللبناني جو الصدي أزمة الكهرباء من دائرة المعالجات التقنية والمالية إلى داخل مجلس الوزراء، بإعلانه الاعتكاف عن حضور جلسات الحكومة.

صبحي أمهز (بيروت)
خاص دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

خاص استقرار جنوب لبنان يتصدر جلسة التفاوض المقبلة مع إسرائيل

يفتح التحضير للجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في تامبا نقاشاً داخل لبنان حول طبيعة المرحلة الجديدة بإدارة ملف الجنوب 

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دورية لقوات «يونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

نواب لبنانيون يطالبون بإبقاء «اليونيفيل» لمنع الفراغ الأمني في الجنوب

دعا نواب لبنانيون، الاثنين، مجلس الأمن الدولي إلى إعادة النظر في القرار 2790 المتعلق بإنهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متفقداً سرية درك النبطية يوم الجمعة الماضي (الوكالة الوطنية للإعلام)

بري يكبح حملات «حزب الله» على رئيس الحكومة اللبنانية

دفع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري باتجاه إنجاز تهدئة بين رئيس الحكومة نواف سلام وجزء كبير من الجنوبيين، عكستها زيارة سلام الى النبطية يوم الجمعة الماضي.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي جنود ينتظرون عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان مع انتشار الجيش اللبناني في المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية 21 يوليو الماضي (رويترز)

لبنان يبدأ ملاحقة سليمان الأسد بحيازة أسلحة حربية ومخدرات

تخطّى توقيف سليمان هلال الأسد في لبنان إطاره القضائي، وملاحقته باتهامات تتصل بـ«حيازة الأسلحة الحربية والاتجار بها وبالمخدرات».

يوسف دياب (بيروت)

اعتكاف وزير الطاقة عن حضور جلسات الحكومة في لبنان

وزير الطاقة جو الصدي خلال مؤتمر صحافي أعلن خلاله اعتكافه عن المشاركة في جلسات الحكومة (الشرق الأوسط)
وزير الطاقة جو الصدي خلال مؤتمر صحافي أعلن خلاله اعتكافه عن المشاركة في جلسات الحكومة (الشرق الأوسط)
TT

اعتكاف وزير الطاقة عن حضور جلسات الحكومة في لبنان

وزير الطاقة جو الصدي خلال مؤتمر صحافي أعلن خلاله اعتكافه عن المشاركة في جلسات الحكومة (الشرق الأوسط)
وزير الطاقة جو الصدي خلال مؤتمر صحافي أعلن خلاله اعتكافه عن المشاركة في جلسات الحكومة (الشرق الأوسط)

نقل وزير الطاقة والمياه اللبناني جو الصدي أزمة الكهرباء من دائرة المعالجات التقنية والمالية إلى داخل مجلس الوزراء، بإعلانه الاعتكاف عن حضور جلسات الحكومة «إلى حين تحملها مسؤولياتها تجاه قطاع الطاقة، واتخاذ القرارات المطلوبة لضمان استمرارية التغذية».

وقال الصدي، خلال مؤتمر صحافي، إنه قرر «في هذه المرحلة» عدم حضور جلسات مجلس الوزراء، إلى حين «تحمّل الحكومة مسؤولياتها تجاه قطاع الطاقة، والتعامل الجدي مع الطروحات المقدمة لضمان استمرارية الكهرباء وحماية المواطنين من أعباء إضافية».

وشدد على أن قراره «ليس تخلياً عن المسؤولية»، مؤكداً أنه سيواصل ممارسة كامل مسؤولياته في الوزارة والعمل لحماية استمرارية المرفق العام وحقوق المواطنين.

واعتكاف صدي يعيد إلى الواجهة أسلوباً سياسياً استخدمه وزراء ورؤساء حكومات في مراحل سابقة، رغم أن هذه الخطوة لا تشكل حالة دستورية قائمة بذاتها، ولا ترتب نتائج قانونية كتلك التي تترتب على الاستقالة.

الوزير جو الصدي خلال إعلانه الاعتكاف عن حضور جلسات الحكومة اللبنانية (الشرق الأوسط)

خلاف على كلفة الكهرباء

جاء تصعيد الصدي بعد سلسلة مطالب رفعها إلى الحكومة لمعالجة الوضع المالي لمؤسسة كهرباء لبنان، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع القدرة على تأمين الفيول اللازم للإنتاج.

وقال إنه طالب الوزارات والمؤسسات العامة بتسديد فواتير الكهرباء المتوجبة عليها، لكن التجاوب كان «جزئياً ولمرة واحدة»، سائلاً: «كيف نطلب من المواطن أن يسدد فاتورته كاملة، فيما مؤسسات الدولة لا تقوم بواجباتها؟».

كما كشف عن أنه طالب الحكومة بتسديد قيمة الكهرباء التي تحملتها مؤسسة الكهرباء نتيجة إعفاءات مرتبطة بالمتضررين من الحرب، لاستخدام هذه الأموال في شراء الفيول وتأمين التغذية، لافتاً إلى أن هذا الطلب لم يلق تجاوباً.

ووضع الصدي المسألة في إطار أوسع من مسؤولية وزارته، معتبراً أن الحكومة تؤمن الاعتمادات اللازمة لقطاعات أخرى لمساعدة المتضررين والنازحين، فيما لا يجري تأمين كلفة الكهرباء المقدمة لهم، ومشدداً على أن مؤسسة كهرباء لبنان «مؤسسة عامة شأنها شأن المستشفيات الحكومية وسائر مؤسسات الدولة».

تعرفة متحركة

وفي موازاة الخلاف المالي، أعاد الصدي طرح اعتماد تعرفة كهرباء متحركة ترتبط بتغيّر أسعار الفيول، معتبراً أنها أحد المطالب الإصلاحية التي تسمح بالحفاظ على الاستدامة المالية لمؤسسة كهرباء لبنان وزيادة ساعات التغذية، وبالتالي خفض الكلفة على المواطن، خاصة أن كهرباء الدولة تبقى أقل كلفة من المولدات الخاصة.

وقال إن الوزارة «حذرت وقدمت الأرقام وطرحت الحلول وانتظرت المعالجات»، إلا أن الاجتماع الوزاري الأخير لم يسفر، وفق قوله، عن تجاوب فعلي مع الطروحات التي قدمتها.

وأضاف: «أنا وزير الطاقة، وأقوم بواجباتي في الوزارة لتطبيق القوانين واحترامها وتأمين تسيير المرفق العام بأقل كلفة وضمان استمرارية الخدمات للمواطن»، معتبراً أن المسؤولية الوزارية لا تختصر بحضور جلسات لا يحظى فيها ملف الطاقة، وفق رأيه، بالاهتمام الذي تتطلبه الأزمة.

جلسة لمجلس الوزراء اللبناني برئاسة نوّاف سلام (رئاسة الحكومة)

لا وجود دستورياً لـ«الاعتكاف»

ويفتح قرار الصدي مجدداً النقاش حول مفهوم «الاعتكاف» في النظام اللبناني، وما إذا كان يترتب عليه أي تغيير في الوضع القانوني للوزير.

وفي هذا الإطار، أوضح الخبير الدستوري سعيد مالك لـ«الشرق الأوسط» أن «الاعتكاف ليس مصطلحاً موجوداً في الدستور اللبناني، ولكنه طريقة أداء وتعبير عن موقف»، مشيراً إلى أن التجربة السياسية جعلته موقفاً يتخذه المسؤول للتعبير عن رفضه لما جرى أو عن عدم تنفيذ قرار سبق اتخاذه.

وقال مالك إن الاعتكاف «أمر متعارف عليه، ولو كان غير دستوري»، وإنه «موقف سياسي لا أكثر ولا أقل، لا يرتب أي نتائج قانونية»، بل يعكس اعتراض المسؤول على واقع سياسي أو على عدم تنفيذ قرار، كما أن مدته غير محددة زمنياً.

وفي حالة الصدي، يبدو نطاق الاعتكاف محدداً بوضوح؛ إذ حصره على عدم حضور جلسات مجلس الوزراء، وأكد في الوقت نفسه استمراره في ممارسة مسؤولياته الوزارية، ما يفصل خطوته عن الاستقالة ويضعها في إطار الاعتراض السياسي من داخل الحكومة.

بطرس حرب... السابقة الأقرب

ولا يشكل اعتكاف الصدي سابقة وزارية في لبنان. ففي 13 أغسطس (آب) 2015، أعلن وزير الاتصالات آنذاك بطرس حرب اعتكافه عن حضور جلسات الحكومة، احتجاجاً على عجزها عن اتخاذ القرارات رابطاً عودته بوجود توجّه جدّي يعيد إلى المجلس قدرته على اتخاذ القرارات.

مجلس الوزراء اللبناني مجتمعاً في القصر الجمهوري (أرشيفية - أ.ف.ب)

اعتكافات جماعية

وعرفت الحكومات اللبنانية أيضاً حالات اعتكاف أو مقاطعة جماعية، وإن كانت تختلف عن حالة وزير يتخذ القرار منفرداً.

ففي أواخر عام 2005، علّق خمسة وزراء يمثلون حركة «أمل» و«حزب الله» مشاركتهم في حكومة فؤاد السنيورة، في أزمة سياسية استمرت أسابيع، قبل عودتهم إلى مجلس الوزراء بعد تسوية الخلافات التي أدت إلى الاعتكاف.

وتكرر نموذج قريب في حكومة نجيب ميقاتي عام 2021، عندما قاطع وزراء «حركة أمل» و«حزب الله» جلسات مجلس الوزراء على خلفية الخلاف حول التحقيق في انفجار مرفأ بيروت.

عرف سياسي أقدم

ويبقى استخدام «الاعتكاف» في لبنان مرتبطاً تاريخياً بصورة أكبر برؤساء الحكومات. ففي عام 1969، لجأ رئيس الحكومة رشيد كرامي إلى اعتكاف استمر أشهراً على خلفية الاشتباكات بين الجيش والفصائل الفلسطينية، فيما اعتكف صائب سلام عام 1973 في خضم خلاف سياسي أعقب عملية اغتيال إسرائيلية لقادة فلسطينيين في بيروت، قبل أن ينتهي اعتكافه باستقالته.

وفي مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، استخدم رفيق الحريري الاعتكاف ورقة ضغط عام 1994، فيما امتنع تمام سلام عام 2015 لفترة عن دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد خلال أزمة النفايات.


مواصلة محاكمة متهمين بجرائم ضد الإنسانية في دمشق بينهم طبيب ومصور

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)
مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)
TT

مواصلة محاكمة متهمين بجرائم ضد الإنسانية في دمشق بينهم طبيب ومصور

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)
مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

علقت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق 4 جلسات من محاكمات الدفعة الثانية ضمن مسار العدالة الانتقالية، وذلك لاستكمال «إجراءات التبليغ والمطالبة والدفاع»، وفق «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا.

وأفادت المحكمة بأن الجلسات تضمنت تلاوة قوائم الاتهام لعدد من المشتبه بارتكابهم جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في عهد النظام السابق، بينهم طبيب شرعي ومصور متهم بإخفاء هوية ضحايا التعذيب من المعتقلين في سجون النظام.

وعقدت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية في دمشق 4 جلسات علنية، يوم الاثنين، جرى خلالها تلاوة أوراق الدعاوى على أحد عشر متهماً حضر منهم أربعة، وتغيب سبعة متوارين عن الأنظار. ولاستكمال إجراءات الدعوة تم رفع الجلسات إلى يومي 20 و21 من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

وبحسب «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، نظرت الجلسة الرابعة في الاتهامات الموجهة إلى الطبيب الشرعي الضابط في قوات النظام السابق برتبة عقيد، أيمن خلو بن محمد. وأكدت النيابة العامة تورط المتهم مع «سبق الإصرار ‏والترصد في جرائم بالقتل العمد، والتدخل في ‏التعذيب المفضي إلى الموت، والإخفاء القسري، ‏وإجراء الكشف على جثث المعتقلين في المشافي ‏بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، وإصدار شهادات طبية ‏كاذبة بأسباب الوفاة»، بحسب بيان للهيئة نشرته، الثلاثاء، في معرفاتها الرسمية.

‏ وشددت النيابة العامة على أن الجرائم التي ارتكبها العقيد أيمن خلو ترقى إلى «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية». وأنكر المتهم بدوره الجرائم المسندة إليه، متراجعاً عن اعترافاته السابقة أمام هيئة ‏المحكمة.

وفي الجلسة الثالثة، وُجهت اتهامات للرقيب في الشرطة العسكرية، عماد صلاح ‏صلاح، بتصوير وتوثيق الجثث في المشافي، ومنحها أرقاماً، وإخفاء ‏آثار التعذيب عن المعتقلين، وجعلهم مجهولي الهوية. وأكدت النيابة العامة، ‏ارتكاب المتهم للأفعال المنسوبة ‏إليه، مطالبة بإنزال أشد العقوبات بحقه.‏

محكمة الجنايات الرابعة بدمشق من صفحة وزارة العدل السورية

وكانت المحكمة في الجلسة الثانية قد نظرت في ملف ‏المسؤول في الشرطة العسكرية في النظام السابق، أكرم سلوم العبد الله، مع آخرين ما زالوا متوارين عن الأنظار، وهم: جمال محمد عباس، وعلاء علي ‏إبراهيم، وحسام عبد الرزاق مخلوف، وتم توجيه تهم اليهم بالقتل العمد، والتدخل في التعذيب المفضي إلى ‏الموت، بما يشكل جريمة ضد الإنسانية وجريمة ‏حرب.‏ ورفعت الجلسة لتحديد إجراءات التبليغ. ‏

كذلك رُفعت الجلسة الأولى التي حضرها واحد من المدعى عليهم هو سامي جبران، في حين غاب جمال ‏شريتح، ومفيد خضور، وعامر محمود أحمد، ‏ومحمود علي خلوف، المتهمون بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم ‏حرب.‏

‏ودعت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» كل من يملك معلومات موثوقاً بها عن ‏أماكن وجود المتهمين المتوارين عن الأنظار إلى ‏إبلاغ الجهات القضائية أو القنوات الرسمية المعتمدة، ‏بما يساعد على استكمال إجراءات العدالة.‏

وقال مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة، المحامي رديف مصطفى، إن الملفات التي نظرت فيها ‏المحكمة، تُظهر «أهمية التحقيق في ‏الأدوار المختلفة التي قد يكون أفراد ما قد اضطلعوا ‏بها ضمن منظومة الانتهاكات». وأكد في بيان نشرته الهيئة، الثلاثاء، أن «‏المحكمة وحدها هي صاحبة الاختصاص في تحديد ‏المسؤولية الجنائية، استناداً إلى الأدلة وضمانات ‏المحاكمة العادلة».‏

من جلسات محاكمة عاطف نجيب في مايو الماضي

وبحسب مصطفى، فإن «كشف الحقيقة ومحاسبة ‏المسؤولين لا يقتصران على من أصدر الأوامر أو ‏ارتكاب الانتهاك بصورة مباشرة، بل يشملان كل ‏دور تثبت مسؤوليته بالأدلة والقانون، دون انتقائية أو ‏انتقام أو مسؤولية جماعية».‏

للتذكير، انطلق مسار العدالة الانتقالية في أبريل (نيسان) الماضي بمحاكمة عدد من أبرز رموز النظام السابق، وابتدأت الدفعة الأولى بمحاكمة العميد مسؤول الأمن العسكري في درعا عام 2011 عاطف نجيب، وبشار وماهر الأسد وعدد من القياديين.

وفي أغسطس (‏آب) الماضي، أصدرت المحكمة قرارات غيابية بالإعدام بحق بشار وماهر الأسد، وحضورياً بحق عاطف نجيب رئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، ووسيم الأسد المتهم بارتكاب وانتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري. وعبد الناصر براقي، بينما حكم على المفتي السابق للجمهورية محمد حسون بالسجن المؤبد.


نواب يحذّرون من فراغ أمني في جنوب لبنان قبل الانسحاب الإسرائيلي

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً نيابياً سلّمه مذكرة موقعة من 86 نائباً بخصوص مهمة «يونيفيل» في جنوب لبنان (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً نيابياً سلّمه مذكرة موقعة من 86 نائباً بخصوص مهمة «يونيفيل» في جنوب لبنان (رئاسة الجمهورية)
TT

نواب يحذّرون من فراغ أمني في جنوب لبنان قبل الانسحاب الإسرائيلي

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً نيابياً سلّمه مذكرة موقعة من 86 نائباً بخصوص مهمة «يونيفيل» في جنوب لبنان (رئاسة الجمهورية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً نيابياً سلّمه مذكرة موقعة من 86 نائباً بخصوص مهمة «يونيفيل» في جنوب لبنان (رئاسة الجمهورية)

استكمالاً للمبادرة النيابية المطالبة بإعادة النظر في القرار 2790 والتمسك ببقاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «يونيفيل» في الجنوب، التقى وفد نيابي الثلاثاء رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، حاملاً مذكرة موقعة من 86 نائباً ودراسة قانونية حول تداعيات انتهاء مهمة القوة الدولية.

وكان نواب قد دعوا في مؤتمر صحافي، الاثنين، مجلس الأمن الدولي إلى إعادة النظر في القرار 2790، مطالبين بإبقاء قوات «يونيفيل» التي تنتهي مهامها نهاية العام الحالي، وتعزيز فاعليتها إلى حين انسحاب إسرائيل وتمكّن الجيش اللبناني من الانتشار وتولي المسؤولية كاملة في الجنوب، في استكمال للمبادرة التي وقّع عليها 86 نائباً.

استحالة تنفيذ القرار في ظل الاحتلال

والتقى النائب ملحم خلف على رأس وفد نيابي ضم نجاة عون، وميشال موسى، وعدنان طرابلسي، وقاسم هاشم، وناصر جابر، وسليم الصايغ، وفيصل الصايغ وإدغار طرابلسي، رئيس الجمهورية جوزيف عون في القصر الرئاسي حيث سلّمه دراسة قانونية حول القرار 2790، خلصت إلى وجود صعوبات جوهرية في تنفيذ بعض مندرجاته، ولا سيما تسليم المواقع التي تنسحب منها «يونيفيل» إلى الجيش اللبناني، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي على الخط الأزرق.

وقال خلف بعد اللقاء إن الوفد أجرى دراسة معمقة للقرار، وخلص إلى وجود «مخاطر كبرى» ناتجة عن استحالة تنفيذ بعض مندرجاته. وأوضح أن القرار يفرض تسليم المواقع التي تنسحب منها القوات الدولية إلى الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، فيما توجد 33 نقطة على امتداد الخط الأزرق يفترض تسليمها، متسائلاً عن كيفية تنفيذ ذلك في ظل وجود الاحتلال الإسرائيلي.

وأكد خلف أن مهمة «يونيفيل» لا تقتصر على الانسحاب، بل ترتبط بأهداف متكاملة، أبرزها التثبت من الانسحاب الإسرائيلي، وتأمين السلم والأمن الدوليين، ومساعدة الجيش اللبناني وتمكين الدولة من بسط سيادتها على كل أراضيها.

وحذر النائب اللبناني من أن انسحاب القوات الدولية في الظروف الراهنة سيترك فراغاً أممياً في الجنوب، مشيراً إلى الممرات الآمنة التي تؤمنها «يونيفيل» بين القرى، ومنها رميش ودبل وعين إبل، وإلى خطر انقطاعها وتعريض الأهالي للحصار. كما حذر من احتكاكات مباشرة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، مذكراً بما حصل سابقاً في دير ميماس وزوطر، حيث تولت «يونيفيل» معالجة الاحتكاكات.

ودعا خلف مجلس الأمن إلى إعادة النظر في القرار 2790، مشيراً إلى أن الرئيس عون طرح، في حال تعذر استمرار «يونيفيل» بصيغتها الحالية، البحث عن قوة بديلة تحت مظلة الأمم المتحدة، يمكن أن تكون أوروبية أو أوروبية - عربية، بحيث لا يُترك الجنوب أمام فراغ أمني ودولي.

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً وفداً نيابياً سلّمه مذكرة ودراسة قانونية حول تداعيات انتهاء مهمة «يونيفيل» في الجنوب (رئاسة البرلمان)

كذلك التقى الوفد النيابي رئيس مجلس النواب نبيه بري وسلّمه المذكرة، وأكد خلف أن الجولة على المرجعيات الرسمية تهدف إلى تثبيت الموقف المتمسك بالقرارات الأممية وبوجود القوات الدولية «باعتبارها مظلة أممية حمائية» لأهالي الجنوب.

وجدد خلف التأكيد بأن القرار 2790 يرتبط بموجبات مترابطة، بينها التثبت من الانسحاب الإسرائيلي، وتسليم مواقع «يونيفيل» إلى الجيش اللبناني، وإعادة بسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها، معتبراً أن عدم تحقق هذه الشروط يجعل الانسحاب مصدراً لفراغ قد يضعف الدولة بدلاً من تمكينها.

معوض: لا مفاوضات ناجحة من دون حصرية القرار

في موازاة ذلك، تستمر المواقف الداعمة لخيارات رئيسي الجمهورية والحكومة لا سيما فيما يتعلق بقرار التفاوض مع إسرائيل وحصرية السلاح، وهو ما كان محور لقاء النائب ميشال معوض مع عون. وأكد معوض بعد اللقاء أن «تعنت حزب الله» في تسليم سلاحه وقراره للدولة يدفع ثمنه جميع اللبنانيين، معتبراً أن الدولة اتخذت خيار المفاوضات لإنهاء الاحتلال والحرب والدمار.

ورأى معوض أن نجاح المفاوضات يتطلب أن تكون الدولة صاحبة القرار، داعياً إلى متابعة هذا المسار بالتوازي مع تطبيق قرارات الدولة المتعلقة بحصر السلاح والقرار.

اعتداءات إسرائيلية مستمرة جنوباً

في غضون ذلك، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية جنوباً، إذ أدى انفجار جسم من مخلفات الحرب الإسرائيلية قرب الميتم عند أطراف شوكين في قضاء النبطية إلى إصابة مواطنة بجروح. كما استهدف قصف مدفعي إسرائيلي أطراف كونين وعيناثا من جهة برعشيت، فيما تعرضت المنصوري لقصف مدفعي وتمشيط بالأسلحة الرشاشة، وتحركت آليات عسكرية إسرائيلية نحو منطقة الخزان بين مجدل زون والمنصوري جنوب شرقي صور، بحسب ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام».

وفي كفررمان، وبعد تداول خبر عن تهديد هاتفي لسكان أحد المباني، أخلت البلدية المبنى مؤقتاً، قبل أن يتبين، بحسب المعطيات المتوافرة، وفق «الوطنية» أن الرقم المتصل مصدره العراق ويرجح عدم وجود تهديد فعلي، فيما بقي الوضع في البلدة طبيعياً.