سجال بين الحلبوسي وكردستان على مدافع أميركية لـ«البيشمركة»

رئيس «تقدم» قال إنه يخشى من استخدامها في الصراع الداخلي

محمد الحلبوسي مترئساً إحدى جلسات البرلمان العراقي (رويترز)
محمد الحلبوسي مترئساً إحدى جلسات البرلمان العراقي (رويترز)
TT

سجال بين الحلبوسي وكردستان على مدافع أميركية لـ«البيشمركة»

محمد الحلبوسي مترئساً إحدى جلسات البرلمان العراقي (رويترز)
محمد الحلبوسي مترئساً إحدى جلسات البرلمان العراقي (رويترز)

أعاد رئيس البرلمان السابق وحزب «تقدم» محمد الحلبوسي، التذكير بموقفه الرافض لتسليح قوات البيشمركة الكردية بمدافع قصيرة المدى، ومع ذلك تعرض لانتقادات شديدة اللهجة من المتحدث الرسمي باسم حكومة الإقليم وشخصيات سياسية كردية أخرى.

كان الحلبوسي رفض الأسبوع الماضي، عبر تدوينة بمنصة «إكس»، تسليح قوات البيشمركة، وعاد لتكرار رفضه في مقابلة تلفزيونية، بثت مساء الجمعة.

ورغم أن الحلبوسي أشاد «بتضحيات قوات البيشمركة الكردية»، وأكد «الصداقة الوطيدة التي تجمعه مع زعيم الحزب الديمقراطي مسعود برزاني»، فإنه تلقى ردود أفعال قوية من جانب الكرد.

ورد المتحدث باسم حكومة إقليم كردستان، بيشوا هوراماني، عبر منشور في «فيسبوك» قائلاً، إن «الوفاء غال جداً، فلا نتوقعه من شخص رخيص».

وعاد القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ووزير الخارجية الأسبق، هوشيار زيباري، إلى مهاجمة الحلبوسي مرة أخرى، وقال إن مقابلته «مؤشر بأنه لن يعود إلى رئاسة مجلس النواب رغم حنينه».

وتابع زيباري، أن «معاداة الحلبوسي الواضحة للإقليم وتسليح قواته وفق القانون والدستور وعدم دفاعه عن المكون (السُّنّي) أصبح ورقة محروقة رغم تقلباته مع الحشد والجيران»، في إشارة إلى إيران.

وأقيل الحلبوسي من منصبه رئيساً للبرلمان، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بتهمة «التزوير» بقرار من المحكمة الاتحادية، إلا أن حزبه «تقدم» عد القرار حينها «استهدافاً سياسياً».

ما القصة؟

استند الحلبوسي في رفضه تسليح «البيشمركة» بهذا النوع من الأسلحة إلى أنه «لم يكن يعلم بتسليم الحكومة المركزية في بغداد المدافع لقوات البيشمركة قبل الأسبوع الماضي، وإلا لكان رفض ذلك».

وقال الحلبوسي: «لو كنت في موقعي السابق رئيساً للبرلمان لاستجوبت المسؤولين عن تسليم المدافع إلى الإقليم».

وكان وزير شؤون البيشمركة، شورش إسماعيل، أعلن في بيان رسمي، يوم 6 أغسطس (آب) الماضي، تسلم «البيشمركة» مجموعة مدافع بموافقة الحكومة الاتحادية العراقية، ما يدفع مراقبين إلى التشكيك بأن الحلبوسي لم يكن على دراية.

وقال الحلبوسي، إن «رئيس الحكومة السابق مصطفى الكاظمي سأله عن رأيه بمنح الكرد مدافع أميركية، وقد أبلغه برفض ذلك». وتابع: «الكاظمي أخذ برأيي ولم تسلم المدافع حينها للكرد، وبقيت في ميناء أم قصر».

صورة من حساب الحلبوسي في «إكس» مع رئيس الحكومة محمد شياع السوداني

مدافع للصراع الداخلي

شرح الحلبوسي مخاوفه من تسليم المدافع، بأنها «ربما تستخدم في الصراع السياسي الداخلي، في مرحلة لاحقة».

وقال زعيم «تقدم»: «دعني أقول بوضوح، إن هناك مناطق متنازع عليها بين العرب والكرد على حدود إقليم كردستان، والجماعات التي تسكن هناك ليس لديها الأسلحة التي تمتلكها (البيشمركة)».

وذهب الحلبوسي خلال المقابلة، إلى أن «مدافع (البيشمركة) من نوع الأسلحة الهجومية»، وتساءل عن حاجة الإقليم لها: «سيهاجمون بها مَن؟ نينوى أم كركوك المحاذية للإقليم، لأنهم لن يردوا على هجوم من إيران وتركيا، فهذا قرار الدولة الاتحادية».

ويخالف خبراء عراقيون حديث الحلبوسي من الناحية الفنية. وقال الخبير العسكري أحمد الشريفي، إن مدافع «هاوتزر» الثقيلة، أميركية الصنع سلاح دفاعي لأن أقصى مدى تصله هو 40 كيلومتراً.

وكانت وزارة «شؤون البيشمركة» في إقليم كردستان، قد صرحت مطلع أغسطس الماضي، بأن وزارة الدفاع الأميركية زودت حرس الإقليم بمجموعة من المدافع الثقيلة بموافقة الحكومة الاتحادية العراقية، خلال حفل تسليم 24 مدفعاً، من نوع «هاوتزر» الأميركية، عيار 105 ملم ومن طراز «إم 119».

وقبل ذلك، دافعت وزارة الدفاع العراقية عن تسليم قوات البيشمركة مدافع «هاوتزر» أميركية الصنع.

وأكدت الوزارة، في بيان صحافي، أنَّ «قوات البيشمركة قوة وطنية لا يشك في ولائها للعراق».

وأوضحت الوزارة أنَّ التعاقد على شراء المدافع تم في فترة وزير الدفاع الأسبق عرفان الحيالي، وتم التعديل عليه في فترة وزير الدفاع السابق جمعة عناد، قبل تسليمها «بموجب مذكرة رئيس أركان الجيش للقائد العام للقوات المسلحة» في الحكومة الحالية.

رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ورئيس البرلمان المقال محمد الحلبوسي (أرشيفية - إعلام المالكي)

هل ينفذ الحلبوسي أجندة «إطارية»؟

أحدثت معارضة الحلبوسي ضجة سياسية، وأثارت حفيظة شخصيات عديدة من قوى «الإطار التنسيقي» ضد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لسماحه بتسليم المدافع لـ«البيمشركة».

وقال مصدر رفيع من قوى الإطار لـ«الشرق الأوسط»، الأسبوع الماضي، إن «كلام الحلبوسي تسبب بحرج كبير لقوى الإطار ووضعهم في موقف لا يحسدون عليه، خصوصاً أنهم يهيمنون على الحكومة، وجميع رؤساء الوزراء، منذ عام 2014، رفضوا المساعي الأميركية لتجهيز الكرد بأسلحة ثقيلة».

وفيما يفسر بعض الساسة الكرد رفض الحلبوسي بمثابة «شراء رضا قوى الإطار وحليفهم الإقليمي إيران»، يقول مصدر سياسي من حزب «تقدم» الذي يتزعمه الحلبوسي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحلبوسي لا يسمح لنفسه بتنفيذ أجندة إطارية، إنما يخشى من استخدام هذه المدافع داخلياً».

مع ذلك، تبدو مهاجمة الحلبوسي لتسليح البيشمركة، ولرئيس الوزراء، «مسألة لا تخلو من البعد السياسي»، فالحلبوسي لم ينس موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تخلى عنه في الصراع على منصب رئاسة البرلمان، ولم يساهم في تمرير مرشحه للرئاسة شعلان الكريم، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، وكذلك الحال مع «تدخل رئيس الوزراء الحاسم في إحباط جلسة انتخاب مرشحه الكريم».

وقال الحلبوسي خلال المقابلة، إن السوداني «تدخل بشكل صارخ في مسألة انتخاب رئيس للبرلمان، وكان مستشاروه موجودين داخل قاعة البرلمان ويروجون لصالح مرشح سُنِّي للرئاسة».

وأضاف أن السوداني «استخدم سلطته للتأثير على ملف رئاسة البرلمان، وهذا أمر غير صحيح، وهو قفز على استحقاق المكونات وعلى مسألة الفصل بين السلطات».

ويفسر سياسيون من قوى مختلفة، انتقادات الحلبوسي للسوداني على أنها «جزء من سعيه لضرب تحالف محتمل بين السوداني والحزب الديمقراطي الكردستاني، استعداداً للانتخابات العامة عام 2025».


مقالات ذات صلة

ضباط في «الحرس الثوري» يرفضون طلبات عراقية لوقف الهجمات

خاص عراقي يلوّح بصورة للمرشد الإيراني علي خامنئي إلى جانب العلمين الإيراني والعراقي في ساحة التحرير وسط بغداد في 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ضباط في «الحرس الثوري» يرفضون طلبات عراقية لوقف الهجمات

يرفض ضباط في «الحرس الثوري» الإيراني، يشرفون على عمليات الفصائل المسلحة العراقية، محاولات أطراف محلية لوقف الهجمات ضد مصالح أميركية.

علي السراي (لندن)
المشرق العربي مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

واشنطن تحث بغداد على «تفكيك الميليشيات فوراً»

وجّهت واشنطن رسالة تحذير شديدة اللهجة للحكومة العراقية، مطالبةً إياها باتخاذ خطوات فورية لتفكيك الميليشيات.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي أضرار ناجمة عن تحطم طائرة مسيّرة على منزل في قرية زرغزاوي شمال أربيل في إقليم كردستان العراق (أ.ف.ب)

هدوء حذر في بغداد رغم تهديدات الفصائل

عاد المشهد السياسي والأمني في العراق إلى واجهة التوتر، بعد تهديدات أطلقتها فصائل مسلحة موالية لما يُعرف بـ«محور المقاومة» باستئناف الهجمات ضد إسرائيل.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي صبيّ يقود دراجة هوائية ويمرّ بجانب بقع دم في موقعٍ تعرّض فيه منزل لدمارٍ جزئي نتيجة مقذوف سقط فجر 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

العراق يتنفس الصعداء... والفصائل ترفض نزع السلاح

تنفّس العراقيون الصعداء بعد ليلة مليئة بالأحداث الأمنية الخطيرة التي سبقت إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة الاميركية وإيران.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)

جمود سياسي في بغداد رغم وقف إطلاق النار الإقليمي

وسط استمرار الانقسامات داخل القوى السياسية الرئيسة في العراق، تظل استحقاقات انتخاب رئيس الجمهورية، وتكليف رئيس الوزراء عالقة.

حمزة مصطفى (بغداد)

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب)
مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب)
TT

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب)
مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب)

أفادت مصادر لوكالة «رويترز» للأنباء بأن مجلس السلام بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها ​لغزة، مما حال دون تمكن ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل هذا القطاع الفلسطيني المدمر.

وقبل عشرة أيام من الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران التي أغرقت المنطقة في حرب، استضاف ترمب مؤتمراً في واشنطن تعهدت فيه عدة دول بتقديم مليارات الدولارات لإدارة غزة وإعادة إعمارها، بعد أن ألحقت بها إسرائيل دماراً شاملاً على مدى عامين.

وتتصور الخطة إعادة بناء المنطقة الساحلية على نطاق واسع بعد نزع سلاح حركة «حماس» الفلسطينية التي أدت هجماتها على إسرائيل إلى شن الهجوم على غزة، وانسحاب القوات الإسرائيلية.

كما كان الهدف من التعهدات المالية هو تمويل أنشطة اللجنة الوطنية لإدارة غزة الناشئة، وهي مجموعة من التكنوقراط الفلسطينيين مدعومة من الولايات المتحدة تهدف إلى تولي السيطرة على القطاع من «حماس».

وقال أحد المصادر، وهو ‌شخص على دراية مباشرة ‌بعمليات مجلس السلام، إنه من بين الدول العشر التي تعهدت بتقديم أموال، ​لم ‌تساهم سوى ⁠ثلاث دول - ​الإمارات ⁠والمغرب والولايات المتحدة نفسها - في التمويل.

وأضاف المصدر أن التمويل حتى الآن أقل من مليار دولار، لكنه لم يقدم مزيداً من التفاصيل. وأشار إلى أن الحرب مع إيران «أثرت على كل شيء»، مما أدى إلى زيادة الصعوبات التي كانت تواجه التمويل.

«لا توجد أموال متاحة حالياً»

وأضاف المصدر أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة لم تتمكن من دخول القطاع بسبب مشكلات التمويل والأمن. وحتى بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قال مسؤولو الصحة في غزة إن الهجمات الإسرائيلية أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 700 شخص في القطاع، بينما قالت إسرائيل إن هجمات المسلحين الفلسطينيين أودت بحياة أربعة من جنودها.

وقال المصدر الثاني، وهو مسؤول فلسطيني مطلع على هذه المسألة، إن ⁠المجلس أبلغ «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى بأن اللجنة الوطنية لإدارة غزة غير قادرة على دخول ‌القطاع في الوقت الحالي بسبب نقص التمويل.

ونقل المسؤول عن مبعوث المجلس نيكولاي ‌ملادينوفاس قوله للفصائل الفلسطينية: «لا توجد أموال متاحة حالياً».

وأكدت «حماس» مراراً استعدادها لتسليم ​مقاليد الحكم إلى اللجنة بقيادة علي شعث، وهو نائب وزير ‌سابق في السلطة الفلسطينية، التي تمارس حالياً حكماً ذاتياً محدوداً في أجزاء من الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل.

ومن المقرر أن ‌تتولى لجنة شعث السيطرة على وزارات غزة وإدارة قوات الشرطة فيها.

وقال مصدر دبلوماسي إن شعث وأعضاء لجنته البالغ عددهم 14 موجودون في فندق بالقاهرة تحت إشراف مسؤولين أميركيين ومصريين.

ولم يرد ممثلو مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة على بعد على طلب «رويترز» للتعليق.

وتقدر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دمر القصف الإسرائيلي نحو أربعة أخماس المباني في القطاع خلال عامين.

وهذا المخطط المتعثر لمستقبل ‌غزة مثال لمبادرات طموحة أخرى تبناها ترمب لكنها تراوح مكانها؛ فقد سعى الرئيس الأميركي إلى تقديم نفسه صانع سلام في العالم، لكنه أخفق في إنهاء الحرب في أوكرانيا مثلما ⁠وعد، في وقت تتعرض ⁠فيه الهدنة مع إيران هذا الأسبوع لضغوط شديدة منذ لحظتها الأولى.

محادثات نزع السلاح

قال مصدر في حركة «حماس» إن مصر، التي تستضيف محادثات نزع السلاح، دعت الحركة إلى عقد مزيد من الاجتماعات، غداً السبت.

وأوقفت مرحلة وقف إطلاق النار من الاتفاق الحرب الشاملة، لكنها أبقت القوات الإسرائيلية مسيطرة على منطقة خالية من السكان تشكل أكثر من نصف مساحة غزة، مع بقاء «حماس» في السلطة في جزء صغير من القطاع الساحلي.

ويقود فريق ترمب المفاوضات مع «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى بشأن نزع السلاح. وتقول إسرائيل إن على «حماس» تسليم أسلحتها قبل سحب القوات الإسرائيلية من غزة. غير أن «حماس» تقول إنها لن تمتثل ما لم تحصل على ضمانات بانسحاب إسرائيل ووقف لإطلاق النار.

وقال المصدر الدبلوماسي المطلع على محادثات نزع السلاح إن المفاوضات لا تزال تواجه أزمة، معرباً عن مخاوفه من أن تكون إسرائيل تسعى إلى إيجاد ذريعة لشن هجوم شامل جديد على غزة.

ويقول مسؤولون عسكريون إسرائيليون إنهم يستعدون للعودة سريعاً إلى حرب شاملة إذا لم تسلم «حماس» أسلحتها.

واندلعت حرب غزة عقب هجمات ​شنتها «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) ​2023، تشير إحصاءات إسرائيلية إلى أنها أدت إلى مقتل 1200 شخص.

أما في قطاع غزة فتقول سلطاته الصحية إن الحملة العسكرية الإسرائيلية التي استمرت عامين أودت بحياة أكثر من 72 ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين، وأدت إلى تفشي المجاعة ونزوح غالبية سكان القطاع.


«حزب الله» يحرك الشارع ضد سلام... والتفاوض

طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
TT

«حزب الله» يحرك الشارع ضد سلام... والتفاوض

طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)

يواجه «حزب الله» قرارات الحكومة اللبنانية التي يشارك فيها عبر التصويب على رئيسها نواف سلام، عبر تحركات لمناصريه في محيط السراي الحكومي وعدد من مناطق بيروت، في رسالة رفض واضحة لخطة «بيروت خالية من السلاح»، التي أقرتها الحكومة بهدف حصر السلاح بيد الدولة، كما لقرار التفاوض مع إسرائيل، كما أظهرت هتافات مناصريه، وهو ما قابله فرض إجراءات أمنية مشددة لضبط الوضع ومنع أي انفلات أمني في العاصمة.

ولليوم الثاني على التوالي تجمع مناصرون لـ«حزب الله» أمام السراي الحكومي، رافعين شعارات مندّدة بسياسات رئيس الحكومة نواف سلام، كما شهدت بعض شوارع بيروت تحركات مماثلة، حيث رفعت أعلام لـ«حزب الله» و«حركة أمل».

وتصادم المتظاهرون مع بعض سكان أحياء بيروت، حيث سجلت حوادث نار وتضارب، ما أدى إلى تدخل الجيش والقوى الأمنية لضبط الوضع.

مناصرون لـ«حزب الله» في تحرك في محيط السراي الحكومي في وسط بيروت (رويترز)

في المقابل، نفّذ الجيش اللبناني انتشاراً واسعاً في بيروت، لا سيما في محيط السراي، مع تسيير دوريات لأفواج المغاوير في عدد من الشوارع الرئيسية، في إطار تعزيز الاستقرار واحتواء أي توتر محتمل.

كما أفادت معلومات عن نشر قنّاصين تابعين للجيش على أسطح الأبنية المرتفعة في محيط السراي الحكومي، في خطوة احترازية لمراقبة التحركات على الأرض.

وتأتي هذه التحركات بعد قرار الحكومة حصر السلاح في بيروت، وتمسّك رئيس الحكومة نواف سلام بدور الدولة اللبنانية في تولّي التفاوض لوقف الحرب على لبنان، وذلك بعد ساعات على إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة على إجراء مفاوضات مباشرة مع لبنان.

وكان وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار قد دعا خلال معاينته موقع الغارات التي استهدفت بيروت، الأربعاء، إلى الالتفاف حول الدولة في هذه المرحلة الدقيقة، ومعرباً عن الأمل في التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار.

سيدات يشاركن في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)

وحذّر الحجار «من أي فتنة داخلية»، معتبراً أنها لا تخدم سوى إسرائيل وتضر بمصلحة لبنان، ومؤكداً أن «أمن البلاد يجب أن يشمل جميع المناطق دون استثناء، وأن القرارات الحكومية تصب في هذا الاتجاه».

وأضاف: «نعزّز الإجراءات الأمنيّة خصوصاً في بيروت بعد الضغط الكبير نتيجة النزوح»، لافتاً إلى أن «هناك تعويلاً كبيراً على وعي الناس؛ لأن الأزمة كبيرة، والحرب يدفع ثمنها الجميع، والدولة تقوم بكلّ جهودها وفق إمكاناتها لإنقاذ النازحين والتخفيف عن الناس، والإجراءات لا تنجح إلا بتعاون جميع اللبنانيين».


إسرائيل تصعّد في لبنان لفرض وقائع جديدة قبل مفاوضات واشنطن

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تصعّد في لبنان لفرض وقائع جديدة قبل مفاوضات واشنطن

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)

تسابق إسرائيل الوقت قبل موعد المفاوضات المرتقبة بينها وبين لبنان في واشنطن، ساعية إلى تحقيق مكاسب ميدانية تعزز موقعها التفاوضي؛ إذ أشارت المعلومات إلى أن تل أبيب طلبت من الإدارة الأميركية مهلة تتراوح بين يومين وخمسة أيام لتنفيذ سلسلة عمليات عسكرية واسعة تستهدف بنية «حزب الله».

غير أن التطوّر الأبرز تمثّل في استهداف الطيران الحربي الإسرائيلي السراي الحكومي في مدينة النبطية، ما أدى إلى مقتل 13 عنصراً من جهاز أمن الدولة وإصابة ضابط، وهي المرّة الأولى التي تُستهدف فيها مؤسسة حكومية لبنانية في هذه الحرب، كما وضع الإسرائيليون ضمن لائحة استهدافاتهم سيارات الإسعاف التابعة لكشافة «الرسالة الإسلامية»، باتهامها بأنها تُستخدم لأغراض عسكرية تخدم «حزب الله».

نوعية الأهداف

تأتي كثافة الغارات الجويّة ونوعية الأهداف بالتوازي مع التقدّم البري الذي حققه الإسرائيليون على محاور القتال في جنوب الليطاني، لا سيما في مدينة بنت جبيل، التي يصفها «حزب الله» بـ«عاصمة المقاومة»؛ لما تمثّله من رمزية معنوية في الصراع، وهو ما يعكس محاولة إسرائيلية لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل الدخول في المسار السياسي، بما يمنحها أوراق ضغط إضافية خلال التفاوض، ويؤثر مباشرة في توازنات أي تسوية محتملة.

أخطر عملية

وكثّف الطيران الحربي الإسرائيلي غاراته على الجنوب، حيث تعرضت مدينة النبطية لأكبر استهداف منذ بداية الحرب الحالية؛ إذ شنّ سلسلة غارات عنيفة استهدفت معظم الأحياء والشوارع فيها، وألحقت دماراً هائلاً، لكنّ أخطرها كان في الغارة بمحيط السراي الحكومي، ما أدى إلى تدمير مكتب جهاز أمن الدولة، ومقتل 13 عنصراً، كما أصيب ضابط برتبة ملازم بجروح مختلفة، وهرعت سيارات الإسعاف إلى نقل الضحايا والمصابين إلى المستشفيات.

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)

وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» إن «جميع عناصر المركز الأمني قضوا في الغارة، ولم ينجُ منها سوى الضابط المسؤول عنهم وهو برتبة ملازم». واعتبر أن العملية «تعدّ الأخطر في هذه الحرب؛ لأن الإسرائيلي تعمّد استهداف مؤسسة حكومية وقتل عناصر أمن من خلال قصف مركزهم بشكل مباشر ومتعمّد»، ويرى أن «غاية هذه العملية هو تفريغ مدينة النبطية كما غيرها من مناطق جنوب الليطاني من أي وجود للدولة اللبنانية ومؤسساتها».

سيارات الإسعاف في مرمى الاستهداف

وتحولت سيارات الإسعاف إلى هدف للجيش الإسرائيلي بعد تحذير وجّهه الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إليها، قائلاً إنها تُستخدم لأغراض عسكرية للحزب، وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن غارة إسرائيلية استهدفت بلدة ديرقانون راس العين، أدت إلى إصابة عدد من سيارات الإسعاف والإنقاذ والإطفاء للهيئة الصحية الإسلامية.

في المقابل، أعلنت وزارة الصحة العامة أنه لم يحصل أي إخلاء في الساعات الأخيرة للمستشفيات المستمرة في عملها في الضاحية الجنوبية لبيروت، مشيرة إلى أنها أجرت الاتصالات اللازمة مع منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي للمطالبة بعدم استهداف المستشفيات والمرافق الطبية، وقد تلقت الوزارة تطمينات دولية في هذا المجال.

واستهدف الطيران الإسرائيلي مغسلاً للسيارات وسط ساحة بلدة جباع في إقليم التفاح، مما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، وأفيد بأن صاحب المغسل وولديه وثلاثة مواطنين قضوا على الفور، كما قُتل شخص آخر في غارة شنتها مسيّرة استهدفته على دراجته في بلدة الشرقية.

ولقي عضو بلدية أرنون، علي عبد اللطيف غيث، حتفه، وجُرح ابنه حسن في غارة لمسيّرة إسرائيلية استهدفت مبنى يسكنه بُعيد منتصف فجر الجمعة في بلدة كفرتبنيت، كما شنت المقاتلات الحربية غارة فجر الجمعة على منزل في بلدة زفتا ودمرته بالكامل.

صورة لمبنى منهار إثر قصف إسرائيلي في النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يردّ

وكانت غارات جوية استهدفت منتصف ليل الخميس ـ الجمعة أوتوستراد النبطية - حبوش - دير الزهراني، وألحقت به دماراً هائلاً، كما أدت الغارات إلى تدمير عشرات المجمعات السكنية والمحال والمؤسسات التجارية على طول 4 كيلومترات، وغيرت معالم الأبنية على جانبَي الأوتوستراد.

وردّ «حزب الله» على التصعيد الإسرائيلي، وأعلن في بيان أنه استهدف تجمعاً لجنود الجيش الإسرائيليّ شرق معتقل الخيام بصاروخ نوعيّ، كما قصف مستوطنات المطلّة، ومرغليوت، ومسكاف عام، ودوفيف، وموقع الغجر، ومستوطنة كريات شمونة، بصليات صاروخية.

رمزية بنت جبيل

ويشي الواقع الميداني إلى تقدّم برّي ملحوظ للقوات الإسرائيلية، التي تخوض قتالاً شرساً مع مقاتلي الحزب داخل مدينة بنت جبيل، حيث أعلن الحزب أنه يخوض التحاماً مع الجيش الإسرائيلي من «نقطة الصفر»، وهو اعتراف واضح من الحزب بدخول إسرائيل إلى عمق هذه المدينة، ما يؤشر إلى أن الأخيرة تسعى سريعاً للسيطرة على المدينة؛ إذ يمهّد ذلك للسيطرة على جنوب الليطاني.

ويوضح الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد حسن جوني، أنّ مدينة بنت جبيل «تُعدّ مركز ثقل في ما يُعرف بالنسق الثاني من القرى؛ أي تلك التي قد تكون ضمن نطاق توسيع ما يُسمّى بالمنطقة العازلة»، مشيراً إلى أنه «لا يُنظر إلى بنت جبيل كموقع عادي، بل كعقدة وصل أساسية ضمن القطاع الأوسط، ما يمنح السيطرة عليها أبعاداً تتجاوز الإطار الجغرافي».

صحافيون في موقع استُهدف بغارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

الحسابات العسكرية

ويكتسب احتلال بنت جبيل أبعاداً مختلفة، ويرى جوني أنّ «البُعد الأول هو البعد المعنوي؛ إذ إن بنت جبيل، التي تُعرف بـ(عاصمة المقاومة)، شكّلت تاريخياً نقطة تحدٍّ بين الحزب والجيش الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، تحظى المدينة بأهمية خاصة في الحسابات العسكرية الإسرائيلية التي تسعى إلى تحقيق مكاسب ذات أثر معنوي على خصمها. وقد ظهر ذلك خلال حرب 2024؛ إذ أصرّ الجيش الإسرائيلي على السيطرة على محاور يعتبر أن سقوطها يحمل دلالات معنوية، مثل عيتا الشعب والخيام؛ لما لذلك من تأثير على صورة (حزب الله) ومكانته».

موقع استراتيجي

ويكتسب البعد الثاني أهدافاً ميدانية، وفق تعبير جوني، الذي قال إن بنت جبيل «تتميّز بموقع استراتيجي يجعلها عقدة وصل بين عدد من القرى والاتجاهات، ما يتيح، في حال السيطرة عليها، الإمساك بهذه العقدة الحيوية والتحكم بها، فضلاً عن التأثير على حركة (حزب الله) في محيطها، سواء عبر تعطيل تنقّلاته أو من خلال فتح المجال لتطوير العمليات العسكرية باتجاهات متعددة انطلاقاً منها».

وفي البعد الثالث يلفت جوني إلى «استخدام بنت جبيل كورقة مهمّة لاستكمال جغرافية المنطقة العازلة، وللضغط على الدولة اللبنانية لاستخدام هذه المدينة ورقة ضغط خلال المفاوضات، بحيث يصبح الانسحاب منها مشروطاً بالحصول على ترتيبات أمنية وسياسية معيّنة».

مدخل بلدة بنت جبيل بجنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها وبدء عودة الأهالي إليها عقب انتهاء الحرب في شهر نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

لا ثبات في المعركة

وتشكل معركة بنت جبيل تحولاً مهماً في العملية، ويضيف العميد جوني أنه «لم يسبق للقوات الإسرائيلية أن سيطرت على مدينة بالمعنى الكامل للكلمة ضمن هذا النطاق؛ إذ اقتصرت المعارك والتقدّم على القرى الحدودية أو المواقع المتقدمة، ما يجعل احتلال بنت جبيل، كمدينة كبيرة نسبياً في المنطقة، عاملاً يعزّز من ثقل الوجود العسكري الإسرائيلي، ويمنحه بعداً مختلفاً على مستوى الميدان والسياسة».

وأعطى العميد حسن جوني ملاحظة، مفادها أن الحزب قد لا يخوض معركة مستميتة من أجل الدفاع عن هذه المدينة، مشيراً إلى أن «التكتيك الذي يعتمده الحزب في هذه الحرب، هو أنه لا يضحّي من أجل الثبات، بل يضحّي من أجل إلحاق الخسائر بالقوات المهاجمة».