سجال بين الحلبوسي وكردستان على مدافع أميركية لـ«البيشمركة»

رئيس «تقدم» قال إنه يخشى من استخدامها في الصراع الداخلي

محمد الحلبوسي مترئساً إحدى جلسات البرلمان العراقي (رويترز)
محمد الحلبوسي مترئساً إحدى جلسات البرلمان العراقي (رويترز)
TT

سجال بين الحلبوسي وكردستان على مدافع أميركية لـ«البيشمركة»

محمد الحلبوسي مترئساً إحدى جلسات البرلمان العراقي (رويترز)
محمد الحلبوسي مترئساً إحدى جلسات البرلمان العراقي (رويترز)

أعاد رئيس البرلمان السابق وحزب «تقدم» محمد الحلبوسي، التذكير بموقفه الرافض لتسليح قوات البيشمركة الكردية بمدافع قصيرة المدى، ومع ذلك تعرض لانتقادات شديدة اللهجة من المتحدث الرسمي باسم حكومة الإقليم وشخصيات سياسية كردية أخرى.

كان الحلبوسي رفض الأسبوع الماضي، عبر تدوينة بمنصة «إكس»، تسليح قوات البيشمركة، وعاد لتكرار رفضه في مقابلة تلفزيونية، بثت مساء الجمعة.

ورغم أن الحلبوسي أشاد «بتضحيات قوات البيشمركة الكردية»، وأكد «الصداقة الوطيدة التي تجمعه مع زعيم الحزب الديمقراطي مسعود برزاني»، فإنه تلقى ردود أفعال قوية من جانب الكرد.

ورد المتحدث باسم حكومة إقليم كردستان، بيشوا هوراماني، عبر منشور في «فيسبوك» قائلاً، إن «الوفاء غال جداً، فلا نتوقعه من شخص رخيص».

وعاد القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ووزير الخارجية الأسبق، هوشيار زيباري، إلى مهاجمة الحلبوسي مرة أخرى، وقال إن مقابلته «مؤشر بأنه لن يعود إلى رئاسة مجلس النواب رغم حنينه».

وتابع زيباري، أن «معاداة الحلبوسي الواضحة للإقليم وتسليح قواته وفق القانون والدستور وعدم دفاعه عن المكون (السُّنّي) أصبح ورقة محروقة رغم تقلباته مع الحشد والجيران»، في إشارة إلى إيران.

وأقيل الحلبوسي من منصبه رئيساً للبرلمان، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بتهمة «التزوير» بقرار من المحكمة الاتحادية، إلا أن حزبه «تقدم» عد القرار حينها «استهدافاً سياسياً».

ما القصة؟

استند الحلبوسي في رفضه تسليح «البيشمركة» بهذا النوع من الأسلحة إلى أنه «لم يكن يعلم بتسليم الحكومة المركزية في بغداد المدافع لقوات البيشمركة قبل الأسبوع الماضي، وإلا لكان رفض ذلك».

وقال الحلبوسي: «لو كنت في موقعي السابق رئيساً للبرلمان لاستجوبت المسؤولين عن تسليم المدافع إلى الإقليم».

وكان وزير شؤون البيشمركة، شورش إسماعيل، أعلن في بيان رسمي، يوم 6 أغسطس (آب) الماضي، تسلم «البيشمركة» مجموعة مدافع بموافقة الحكومة الاتحادية العراقية، ما يدفع مراقبين إلى التشكيك بأن الحلبوسي لم يكن على دراية.

وقال الحلبوسي، إن «رئيس الحكومة السابق مصطفى الكاظمي سأله عن رأيه بمنح الكرد مدافع أميركية، وقد أبلغه برفض ذلك». وتابع: «الكاظمي أخذ برأيي ولم تسلم المدافع حينها للكرد، وبقيت في ميناء أم قصر».

صورة من حساب الحلبوسي في «إكس» مع رئيس الحكومة محمد شياع السوداني

مدافع للصراع الداخلي

شرح الحلبوسي مخاوفه من تسليم المدافع، بأنها «ربما تستخدم في الصراع السياسي الداخلي، في مرحلة لاحقة».

وقال زعيم «تقدم»: «دعني أقول بوضوح، إن هناك مناطق متنازع عليها بين العرب والكرد على حدود إقليم كردستان، والجماعات التي تسكن هناك ليس لديها الأسلحة التي تمتلكها (البيشمركة)».

وذهب الحلبوسي خلال المقابلة، إلى أن «مدافع (البيشمركة) من نوع الأسلحة الهجومية»، وتساءل عن حاجة الإقليم لها: «سيهاجمون بها مَن؟ نينوى أم كركوك المحاذية للإقليم، لأنهم لن يردوا على هجوم من إيران وتركيا، فهذا قرار الدولة الاتحادية».

ويخالف خبراء عراقيون حديث الحلبوسي من الناحية الفنية. وقال الخبير العسكري أحمد الشريفي، إن مدافع «هاوتزر» الثقيلة، أميركية الصنع سلاح دفاعي لأن أقصى مدى تصله هو 40 كيلومتراً.

وكانت وزارة «شؤون البيشمركة» في إقليم كردستان، قد صرحت مطلع أغسطس الماضي، بأن وزارة الدفاع الأميركية زودت حرس الإقليم بمجموعة من المدافع الثقيلة بموافقة الحكومة الاتحادية العراقية، خلال حفل تسليم 24 مدفعاً، من نوع «هاوتزر» الأميركية، عيار 105 ملم ومن طراز «إم 119».

وقبل ذلك، دافعت وزارة الدفاع العراقية عن تسليم قوات البيشمركة مدافع «هاوتزر» أميركية الصنع.

وأكدت الوزارة، في بيان صحافي، أنَّ «قوات البيشمركة قوة وطنية لا يشك في ولائها للعراق».

وأوضحت الوزارة أنَّ التعاقد على شراء المدافع تم في فترة وزير الدفاع الأسبق عرفان الحيالي، وتم التعديل عليه في فترة وزير الدفاع السابق جمعة عناد، قبل تسليمها «بموجب مذكرة رئيس أركان الجيش للقائد العام للقوات المسلحة» في الحكومة الحالية.

رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ورئيس البرلمان المقال محمد الحلبوسي (أرشيفية - إعلام المالكي)

هل ينفذ الحلبوسي أجندة «إطارية»؟

أحدثت معارضة الحلبوسي ضجة سياسية، وأثارت حفيظة شخصيات عديدة من قوى «الإطار التنسيقي» ضد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لسماحه بتسليم المدافع لـ«البيمشركة».

وقال مصدر رفيع من قوى الإطار لـ«الشرق الأوسط»، الأسبوع الماضي، إن «كلام الحلبوسي تسبب بحرج كبير لقوى الإطار ووضعهم في موقف لا يحسدون عليه، خصوصاً أنهم يهيمنون على الحكومة، وجميع رؤساء الوزراء، منذ عام 2014، رفضوا المساعي الأميركية لتجهيز الكرد بأسلحة ثقيلة».

وفيما يفسر بعض الساسة الكرد رفض الحلبوسي بمثابة «شراء رضا قوى الإطار وحليفهم الإقليمي إيران»، يقول مصدر سياسي من حزب «تقدم» الذي يتزعمه الحلبوسي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحلبوسي لا يسمح لنفسه بتنفيذ أجندة إطارية، إنما يخشى من استخدام هذه المدافع داخلياً».

مع ذلك، تبدو مهاجمة الحلبوسي لتسليح البيشمركة، ولرئيس الوزراء، «مسألة لا تخلو من البعد السياسي»، فالحلبوسي لم ينس موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي تخلى عنه في الصراع على منصب رئاسة البرلمان، ولم يساهم في تمرير مرشحه للرئاسة شعلان الكريم، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، وكذلك الحال مع «تدخل رئيس الوزراء الحاسم في إحباط جلسة انتخاب مرشحه الكريم».

وقال الحلبوسي خلال المقابلة، إن السوداني «تدخل بشكل صارخ في مسألة انتخاب رئيس للبرلمان، وكان مستشاروه موجودين داخل قاعة البرلمان ويروجون لصالح مرشح سُنِّي للرئاسة».

وأضاف أن السوداني «استخدم سلطته للتأثير على ملف رئاسة البرلمان، وهذا أمر غير صحيح، وهو قفز على استحقاق المكونات وعلى مسألة الفصل بين السلطات».

ويفسر سياسيون من قوى مختلفة، انتقادات الحلبوسي للسوداني على أنها «جزء من سعيه لضرب تحالف محتمل بين السوداني والحزب الديمقراطي الكردستاني، استعداداً للانتخابات العامة عام 2025».


مقالات ذات صلة

ترمب يعلن مغادرة آخر القوات الأميركية العراق وانتهاء مهمة «التحالف الدولي»

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفقة رئيس مجلس النواب مايك جونسون (يمين)، يجيب على سؤال من وسائل الإعلام خارج الجناح الغربي للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 29 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

ترمب يعلن مغادرة آخر القوات الأميركية العراق وانتهاء مهمة «التحالف الدولي»

علن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الأربعاء، مغادرة آخر القوات الأميركية العراق، منهياً الوجود العسكري المرتبط بمهمة التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مقاتلون من «البيشمركة» الكردية يتخذون مواقعهم على جبل قره جوخ في قضاء مخمور جنوب أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق يوم 30 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

قلق كردي من «أشباح الماضي» وهجمات الفصائل

طمأن زعيم الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني، الأربعاء، مواطنيه بأن إقليم كردستان «ليس عرضة للتهديد» بعد انتهاء مهام «التحالف الدولي»...

فاضل النشمي (بغداد)
العالم العربي المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)

«العزم الصلب» تنتهي في بغداد... و«عُقدة» الفصائل دون حل

أنهت القوات الأميركية، الأربعاء، مغادرة قواعدها المتبقية في العراق، وسط مخاوف من ترك ملف سلاح الفصائل الموالية لإيران «عقدة دون حل»...

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي تشققات في «جهفة الباغوز» بدير الزور على الحدود السورية العراقية (سانا)

مسح التصدعات على الحدود «السورية - العراقية» في دير الزور

نفّذت فرق مختصة مسحاً في دير الزور على الحدود «السورية - العراقية»، بعد ظهور تصدعات وشقوق في جسم الجبل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة النفطي (رويترز)

العراق يعرض خصومات أكبر على النفط المقرر تحميله في أكتوبر

عرضت شركة تسويق النفط العراقية الحكومية «سومو» خصومات أكبر للمشترين بعقود محددة الأجل؛ لتشجيعهم على تسلم النفط المقرر تحميله في أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

طائرة «فلاي دبي» تنجو... والدوافع متباينة

ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
TT

طائرة «فلاي دبي» تنجو... والدوافع متباينة

ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)
ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)

نجا ما لا يقل عن مائة راكب كانوا على متن طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي» الإماراتية المتجهة إلى تل أبيب، أمس، من حادث ناجم - حسب إفادات أولية - عن مشادة بين طاقهما، وتسبب في هبوطها بشكل طارئ في مطار تبوك السعودي.

وبدت الدوافع بشأن الحادث متباينة؛ إذ أفادت الشركة الإماراتية بأن الأسباب «لا تزال غير معروفة في هذه المرحلة الأولية» وقيد التحقيق، فيما عدّ مسؤولون إسرائيليون رسميون الحادث «إرهابياً».

وأوضح متحدث باسم «فلاي دبي» في بيان، أن مشادة وقعت داخل قمرة القيادة. وأصدر مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز بمدينة تبوك، بياناً، جاء فيه أن مركز المراقبة الجوية تلقى نداء استغاثة من الرحلة، تطلب فيه تنفيذ هبوط اضطراري، وسُمح بهبوطها، مع تقديم الجهات المعنية الرعاية اللازمة للركاب في صالة المسافرين.

وأكد المطار التزامه بالأنظمة والتعليمات الصادرة عن الهيئة العامة للطيران المدني، وفقاً للمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بسلامة الملاحة الجوية والركاب وأطقم الضيافة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن ركاب الطائرة «نجحوا في تحييد المهاجم، ومنعه من التسبب في (كارثة كبرى)». غير أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، جزم بأن الحادث كان «محاولة هجوم جهادي»، على حد قوله. وأضاف: «‌المهاجم كان لديه هدف ⁠واحد ⁠هو تحطيم الطائرة».


سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
TT

سبعة قتلى في هجوم على حافلة في وسط سوريا

عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)
عناصر من قوى الأمن الداخلي في سوريا (رويترز)

قُتل سبعة أشخاص، الأربعاء، بإطلاق نار استهدف حافلة كانت تقل مدنيين في محافظة حمص وسط سوريا، وفق ما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

وأسفر الهجوم أيضا عن إصابة أربعة أشخاص. وكان مصدر أمني، طلب عدم كشف هويته، قال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن هجوما استهدف حافلة لنقل موظفين في شركة للكهرباء في محافظة حمص بوسط سوريا، موضحاً أن الحافلة كانت تقل «مهندسين وعمالاً في شركة كهرباء خاصة».

وأشارت «سانا» إلى أن قوى الأمن باشرت التحقيقات لتحديد المتورطين في استهداف الحافلة.

وأوضح المصدر الأمني أن الحافلة كانت تقل «مهندسين وعمالا في شركة كهرباء خاصة».

قبيل الهجوم، طاول انفجار خطا للغاز بالقرب من إحدى أهم محطات توليد الطاقة الكهربائية في ريف دمشق، وفقا لما أوردت وسائل الإعلام الرسمية، بعد يومين مما وُصف بـ«عمل تخريبي» استهدف خطا آخر في شرق سوريا.

منذ الإطاحة بحكم بشار الأسد في أواخر 2024، تواجه السلطات السورية الجديدة تحديات أمنية كبرى، لا سيما في دمشق ومحيطها.

في 22 أغسطس (آب) أسفر انفجار حافلة تابعة لقوى الأمن الداخلي قرب دمشق عن عدد من الإصابات في صفوف عناصرها.

وفي مطلع ذاك الشهر، أصيب 14 شخصا في تفجير استهدف حافلة نقل ركاب في مدينة جرمانا قرب دمشق.

وجرمانا ضاحية مكتظة جنوب شرق دمشق، تقطنها غالبية درزية وتضم كذلك مسيحيين وسكانا من محافظات عدة. وشهدت في أبريل (نيسان) 2025 اشتباكات دامية على خلفية طائفية أوقعت عشرات القتلى من الدروز.

وفي يوليو (تموز)، استهدف تفجيران متزامنان بعبوتين ناسفتين، محيط فندق أقام فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة أجراها إلى دمشق. وقالت السلطات السورية إن الخلية المتورطة بالتفجيرين تتبع تنظيم «داعش».


فرح وقلق... تباين مشاعر العراقيين إزاء انسحاب القوات الأميركية

أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
TT

فرح وقلق... تباين مشاعر العراقيين إزاء انسحاب القوات الأميركية

أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)
أنصار فصائل مسلحة موالية لإيران يتجمعون خلال مسيرة احتفالاً بانسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق في بغداد اليوم (أ.ف.ب)

احتفى العراقيون برحيل القوات الأميركية، اليوم الأربعاء، بعد أكثر من عقدين من الحرب، لكن كثيرين يخشون أن يؤدي أي فراغ أمني إلى زيادة نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران أو يتيح فرصة لعودة تنظيم «داعش».

وبانسحاب آخر القوات -الذي سيكون بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان شبه المستقل- تنتهي أكبر حرب خاضتها الولايات المتحدة هذا القرن، التي تسببت في دمار وفوضى على نطاق واسع لم يتعافَ منهما العراق تماماً بعد.

وترى إيران، التي رسخت نفوذها في العراق من خلال جماعات مسلحة متحالفة معها وتصمم على طرد جميع القوات الأميركية من الشرق الأوسط، أن الانسحاب الأميركي انتصار لما تسميه «محور المقاومة» من جماعات مسلحة حليفة في أنحاء المنطقة.

وانطلقت قوات عراقية في قافلة بالسيارات عبر شوارع بغداد ومدينة النجف التي تحظى بمكانة دينية لدى الشيعة احتفالاً بالانسحاب.

أشخاص يتجمعون خلال احتفالات بمناسبة الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق في بغداد اليوم (أ.ب)

وقال أحمد صلاح، أحد سكان بغداد، إن الانسحاب «يملأ قلوبنا فرحاً». وأضاف أنه يشعر كأنه وُلِد من جديد في سن السبعين. لكنه أشار أيضاً ‌إلى أن الوقت قد ‌حان الآن لكي تسلم الفصائل المسلحة القوية أسلحتها، قائلاً: «دع الحكومة تكون الجهة المسؤولة عن حماية كلينا، أنا ‌وأنت، ⁠براً وجواً وفي ⁠المياه».

وجرت الموافقة على الانسحاب في 2024 في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وتنفذه إدارة الرئيس دونالد ترمب حتى في الوقت الذي تشن فيه حرباً على إيران المجاورة.

وكانت قوات بقيادة الولايات المتحدة غزت العراق في عام 2003 للإطاحة بصدام حسين، ما أثار في ذلك الوقت اضطرابات وفوضى. وغادرت القوات الأميركية في البداية في آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ثلاث سنوات لمساعدة القوات العراقية بعد أن استولى مقاتلو تنظيم «داعش» على ثلث أراضي العراق وفرضوا حكماً قائماً على العنف.

ولقي أكثر من 4500 جندي أميركي حتفهم في العراق، وهو ما يبلغ مثلي عدد قتلاها في حرب متزامنة في أفغانستان. ويشير مشروع «ضحايا حرب العراق» إلى مقتل أكثر من 200 ألف مدني عراقي.

وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا رسمياً عملية العزم الصلب، ⁠مضيفة أن واشنطن ستواصل تقديم التدريب والدعم المخابراتي الموجّه للشركاء العراقيين.

أشخاص يتجمعون خلال احتفالات شعبية بمناسبة الانسحاب الكامل للقوات الأميركية وقوات التحالف من العراق في بغداد اليوم (إ.ب.أ)

ومن المتوقع أن يقود العراقيون جهود تأمين بلدهم، ‌الحليف لكل من واشنطن وطهران، والإبقاء على فلول تنظيم «داعش» تحت السيطرة.

وقال رئيس الوزراء ‌العراقي، علي فالح الزيدي، في بيان: «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن ‌أمنه واستقراره».

«الفراغ الأمني يمكن أن يكون بالغ الخطورة»

رغم أن الانسحاب يحظى بتأييد واسع بين العراقيين، يشعر البعض بالقلق من أن قوات الأمن التي ‌دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة على حماية البلد.

وقال جاسم البهادلي، وهو محلل عراقي يقدم المشورة لقوات الأمن: «الدرس المستفاد من العقدين الماضيين هو أن الفراغات الأمنية يمكن أن تكون بالغة الخطورة».

وقال عادل سلمان (45 عاماً)، وهو مدرس لغة إنجليزية في مدرسة ثانوية، إن العراقيين يجب ألا يتسرعوا في الاحتفال بالانسحاب.

وأضاف: «لا تزال الميليشيات تعمل خارج سيطرة الدولة، كما أن تنظيم (داعش) لم يختفِ بعد... أشعر بالقلق من أن يؤدي الانسحاب الأميركي إلى فترة جديدة من عدم الاستقرار. وفي نهاية ‌المطاف، سيحكم الناس على هذا القرار من خلال أمر واحد فقط: ما إذا كان الأمن سيظل مستقراً خلال السنوات المقبلة».

وتجمع مئات من أنصار الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران في بغداد للاحتفال بالانسحاب، مرددين ⁠هتافات «الموت لأميركا».

وحمل المحتفلون صور المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، وابنه مجتبى الذي خلفه، والجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني الذي قُتل في ضربة جوية أميركية استهدفت موكبه ببغداد في 2020.

ومع وجود القوات الأميركية جنباً إلى جنب مع الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران، انخرط العراق في حرب إيران هذا العام.

وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق سبعة من أصل 18 جندياً أميركياً أعلن عن مقتلهم منذ أن أطلق ترمب عملية «ملحمة الغضب» إلى جانب إسرائيل في فبراير (شباط). آخرهم جندي برتبة سيرجنت لقي حتفه في أثناء تفجير مُحكم لطائرة مسيّرة في قاعدة قرب أربيل في يوليو (تموز).

عناصر من الأمن العراقي يرفعون شارات النصر خلال مشاركتهم في قافلة احتفالاً بالانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق في بغداد اليوم (أ.ب)

وقال المحلل السياسي أحمد يونس المقيم في بغداد إن الانسحاب يثير «احتمال أن تشعر الجماعات التي تنشط بالوكالة عن إيران بمزيد من القوة في غياب الوجود العسكري الغربي. وقد تحاول هذه الجماعات توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية».

ويقول بعض المسؤولين الأمنيين العراقيين إن الانسحاب الأميركي ينطوي أيضاً على خطر منح مقاتلي تنظيم «داعش» فرصة جديدة للنشاط، إذ ما زالوا يحتفظون بشبكة من الخلايا النائمة رغم هزيمة الخلافة التي أعلنها التنظيم قبل نحو 10 سنوات.

وفي المرة السابقة التي انسحبت فيها القوات الأميركية أظهر الجيش العراقي أنه لا يقوى على مواجهة تنظيم «داعش»، إذ خلع الجنود زيهم العسكري وفروا عندما استولى التنظيم على الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، في عام 2014.

وقال الجنرال المتقاعد في الجيش العراقي محمد الجبوري، الذي قاد لواء في الحرب على التنظيم: «السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت المؤسسات الأمنية العراقية قد أعدت خطة بديلة قابلة للتنفيذ لمرحلة ما بعد التحالف».