إسرائيل تهدد باستخدام القوة لإبعاد «حزب الله» عن الحدود

بوحبيب يتهمها بـ«الإرهاب» والأمم المتحدة تدعو الى التحقيق والمحاسبة

المندوب الإسرائيلي داني دانون متحدثاً في مجلس الأمن (صور الأمم المتحدة)
المندوب الإسرائيلي داني دانون متحدثاً في مجلس الأمن (صور الأمم المتحدة)
TT

إسرائيل تهدد باستخدام القوة لإبعاد «حزب الله» عن الحدود

المندوب الإسرائيلي داني دانون متحدثاً في مجلس الأمن (صور الأمم المتحدة)
المندوب الإسرائيلي داني دانون متحدثاً في مجلس الأمن (صور الأمم المتحدة)

حذر مسؤولون كبار في الأمم المتحدة من «حريق هائل» في الشرق الأوسط إذا لم يلجم المجتمع الدولي التصعيد الخطير على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، واصفة تفجير آلاف أجهزة الاتصال الإلكترونية في لبنان بأنه انتهاك للقوانين الدولية يوجب إجراء تحقيق ومحاسبة الضالعين فيه. فيما وجه لبنان تهمة «الإرهاب» لإسرائيل، التي قابلت ذلك بتهديدات بـ«استخدام كل ما لديها من وسائل» من أجل تراجع «حزب الله» بعيداً عن الخط الأزرق الى شمال نهر الليطاني.

وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو تتحدث خلال اجتماع مجلس الأمن حول التصعيد بين لبنان واسرائيل (صور الأمم المتحدة)

وفي مستهل اجتماع طارئ انعقد الجمعة بطلب من الجزائر وبحضور وزير الخارجية اللبناني عبد الله بوحبيب، قدمت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو، إحاطة وصفت فيها الوضع الحالي بين لبنان واسرائيل بأنه «مثير للقلق» بسبب «الخرق المتكرر لوقف الأعمال العدائية وانتهاك القرار 1701»، مؤكدة أن «خطر توسع دائرة العنف هذه خطير للغاية ويشكل تهديداً خطيراً لاستقرار لبنان وإسرائيل والمنطقة بأسرها». وأشارت الى أن انفجارات أجهزة الاتصال التي يستخدمها في المقام الأول أعضاء «حزب الله» أدت الى «إصابة المجتمع اللبناني - كباراً وصغاراً - بصدمة وذعر شديدين». وإذ حضت كل الأطراف «بقوة على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس لتجنب أي تصعيد آخر»، حذرت من أنه «إذا استمرت الأمور على هذا النحو، فإننا نخاطر برؤية حريق هائل قد يتضاءل أمامه حتى الدمار والمعاناة التي شهدناها حتى الآن»، معتبرة أنه «لم يفت الأوان بعد لتجنب مثل هذه الحماقة. ولا يزال هناك مجال للدبلوماسية، والتي يجب استخدامها من دون تأخير».

محاسبة الضالعين

وعبر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، عن شعوره بـ«الفزع على المدنيين» من نطاق الهجمات التي وقعت في 17 سبتمبر (أيلول) و18 منه في لبنان عبر أجهزة النداء وأجهزة الاتصال اللاسلكية وغيرها في ما «يمثل تطوراً جديداً في الحرب، بحيث تصير أدوات الاتصال أسلحة، تنفجر في وقت واحد عبر الأسواق، وفي زوايا الشوارع، وفي المنازل مع تطور الحياة اليومية». وإذ ذكر بأن «للحرب قواعد»، قال إنه «لا يجوز استهداف الأشخاص الذين لا يمارسون وظيفة قتالية مستمرة في جماعة مسلحة إلا عندما يشاركون بشكل مباشر في الأعمال العدائية»، مضيفاً أن «القانون الإنساني الدولي يحظر استخدام الأجهزة المفخخة في شكل أشياء محمولة تبدو غير ضارة»، مشدداً على أن «ارتكاب العنف بهدف نشر الرعب بين المدنيين يعد جريمة حرب». ودعا إلى «إجراء تحقيق مستقل وشامل وشفاف في ظروف هذه الانفجارات»، مضيفاً أن «الذين أمروا بهذه الهجمات ونفذوها يجب أن يحاسبوا».

المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك (صور الأمم المتحدة)

وقال المندوب الجزائري الدائم لدى الأمم المتحدة عمار بن جامع، إن الأعمال الاسرائيلية «تمثل انتهاكات صارخة لقرارات مجلس الأمن والقانون الدولي والسيادة اللبنانية»، واصفاً تفجيرات أجهزة النداء والأجهزة اللاسلكية بأنها «ترقى إلى جرائم حرب». واتهم اسرائيل بأنها «ليست مهتمة بالسلام».

المواقف الغربية

ثم تحدث نائب المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة روبرت وود، معتبراً أن «النزاع الأوسع» في الشرق الأوسط «ليس مرغوباً ولا هو حتمي». وإذ أكد أن الولايات المتحدة «لم تضطلع بأي دور» في الأحداث الأخيرة في لبنان، قال «إن الإجراءات التي يتخذها مختلف الأطراف في الأيام المقبلة، ستحدد مرة أخرى كيف يتطور الوضع»، مشدداً على ضرورة امتناع كل الأطراف عن أي إجراءات من شأنها أن تدفع المنطقة إلى «حرب مدمرة». وأضاف أن مجلس الأمن «لا يستطيع أن يتجاهل» أصل النزاع بين إسرائيل و«حزب الله». وذكر بأنه قبل هجمات «حماس» ضد اسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي «كان الهدوء قائماً إلى حد كبير على طول الخط الأزرق لمدة 18 عاماً، منذ اعتماد القرار 1701»، غير أن «الاستقرار تحطم» عندما هاجمت جماعات مسلحة غير حكومية من لبنان إسرائيل «من دون استفزاز». وكرر المطالبة بتطبيق القرارين 1701 و1559.

نائب المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة روبرت وود خلال اجتماع مجلس الأمن حول التصعيد بين لبنان واسرائيل (صور الأمم المتحدة)

وكذلك حمل نائب المندوب البريطاني جيمس كاريوكي على «حزب الله» الذي بدأ حرباً مع اسرائيل «من دون استفزاز» منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قائلاً إن بلاده «مستعدة للقيام بدورها في تحقيق التنفيذ الكامل للقرار 1701». وأضاف أنه «يجب أيضاً تنفيذ القانون الدولي بشكل كامل». ورأى أن «الآن هو الوقت المناسب لتهدئة العقول ووقف إطلاق النار الفوري».

وحذر المندوب الفرنسي نيكولا دو ريفيير، من أن «خطر الحرب المفتوحة ذات العواقب المأسوية المحتملة يتزايد مع كل يوم». ولكن «هذا احتمال يجب تجنبه بأي ثمن»، قائلاً إن «هناك حاجة ملحة لكل الأطراف من أجل العمل نحو خفض التصعيد» عبر تنفيذ القرار 2749 الذي أصدره مجلس الأمن في 28 أغسطس (آب) الماضي لتجديد تفويض القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان، «اليونيفيل». وطالب السلطات الإسرائيلية بـ«ممارسة أقصى درجات ضبط النفس» في لبنان، مذكراً أيضاً «بمطالبتنا لحزب الله بوقف هجماته على الأراضي الإسرائيلية على الفور».

روسيا والصين

وأكد المندوب الروسي الدائم فاسيلي نيبينزيا، أن القصف المدمر والغارات الجوية وعملية «التطهير الوحشية» التي تقوم بها إسرائيل منذ قرابة عام صارت «واقعاً يومياً قاتماً» في الشرق الأوسط. وقال إنه «على رغم احتجاجات المجتمع الدولي، فإن الممارسة البغيضة المتمثلة في التصفية المستهدفة تتوسع. ويبدو أنه في مرجل العنف هذا لم يعد هناك أي عمل لا ندينه جميعاً مراراً في هذه القاعة». وأضاف أن الهجمات بالأجهزة الإلكترونية في لبنان وسوريا تشكل «بعداً جديداً للتكنولوجيا العالية»، في «تحول خطير تدينه روسيا بشكل قاطع». وأضاف: «نحن نعتبر ما حدث عملاً إرهابياً يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وله عواقب لا يمكن التنبؤ بها على منطقة الشرق الأوسط بأكملها».

وقال نظيره الصيني فو كونغ، إن الصين «شعرت بصدمة عميقة» إزاء الأحداث «المروعة» التي وقعت في شوارع لبنان، مضيفاً أن «الأطفال الذين كانوا يلعبون في الشوارع فقدوا أعينهم، والأمهات اللواتي كن يتسوقن في المتاجر الكبرى شاهدن أطرافهن مشوهة». ووصف الهجمات بأنها «انتهاك صارخ» للسيادة الوطنية اللبنانية و«خرق صارخ للقانون الدولي». وطالب إسرائيل بـ«التخلي عن هوسها باستخدام القوة ووقف عملياتها العسكرية في غزة من دون تأخير».

لبنان واسرائيل

ووصف وزير الخارجية اللبناني عبد الله بوحبيب، تفجير آلاف أجهزة الاتصال في لبنان، بأنه هجوم «إرهابي»، محملاً إسرائيل مسؤوليته. وأكد أن ما حصل «أسلوب حرب غير مسبوق في وحشيته وإرهابه»، مضيفا أن «استهداف آلاف الأشخاص من مختلف الأعمار يمارسون أعمالهم في منازلهم، في الشوارع، في وظائفهم، في مراكز التسوق، هو ببساطة إرهاب». وحذر من أن «المغامرة الجديدة التي تبشرنا بها اسرائيل قد تؤدي إلى حرب إقليمية طاحنة تختلف عن كل سابقاتها من حيث رقعتها الجغرافية على امتداد الشرق الأوسط».

وزير الخارجية اللبناني عبد الله بوحبيب يتحدث خلال اجتماع مجلس الأمن حول انتهاكات اسرائيل (صور الأمم المتحدة)

وقال المندوب الإسرائيلي داني دانون، إن اسرائيل «لن تسمح لحزب الله بمواصلة استفزازاته»، مدعياً أنها «لا تسعى إلى صراع أوسع نطاقا». ولكنه أضاف: «لن نسمح بأن يعيش شعبنا تحت التهديد المستمر. ولن نسمح لحزب الله باستخدام الأراضي اللبنانية كمنصة لإطلاق أعمال العنف»، مهدداً بأنه إذا لم يتراجع الى شمال نهر الليطاني فإن «اسرائيل ستستخدم كل ما لديها من أدوات لحماية شعبها».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير (أ.ف.ب)

زامير: مستعدون «للعودة فوراً وبقوة» للقتال على جميع الجبهات

قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إن الجيش «لا يزال في حالة تأهب قصوى ومستعد للعودة إلى القتال على جميع الجبهات»، في ظل الهدنات الهشة بإيران ولبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي نازحون فلسطينيون في مخيم بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

«حماس»: إجراء محادثات بالقاهرة لاستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة

أعلنت حركة «حماس» الفلسطينية أنها أجرت سلسلة لقاءات مع وسطاء وأطراف فلسطينية في القاهرة؛ لبحث سبل استكمال تنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.