كيف فجرت إسرائيل أجهزة اتصالات «حزب الله»؟

الأجهزة أُعطيت للعناصر الأساسيين في الحزب بعد حظر الهواتف

TT

كيف فجرت إسرائيل أجهزة اتصالات «حزب الله»؟

كيف فجرت إسرائيل أجهزة اتصالات «حزب الله»؟

شرح خبيرا اتصالات لـ«الشرق الأوسط» كيف اخترقت إسرائيل موجة اتصالات «حزب الله» لتفجير مئات من أجهزة الاتصالات الخاصة بأعضائه في لبنان وسوريا بالتزامن، اليوم (الثلاثاء)، مخلفة مئات الإصابات.

وقال خبير اتصالات فضل عدم نشر اسمه، إن إسرائيل اخترقت النطاق الترددي (موجة الاتصال) الذي يستخدمه عناصر الحزب، ولم تخترق كل من يحمل جهاز بيجر pager أو لاسلكي، خصوصاً أن الأجهزة المماثلة مع قوى الأمن والمستشفيات لم تتضرر.

وأوضح أن كل نطاق ترددي تكون له قوة استيعاب محددة، وعبر الدخول على التردد يمكن تحميله أضعاف تلك القوة الاستيعابية، ما يؤدي إلى تسخين بطاريات الأجهزة المتصلة به، وبالتالي تفجيرها، وهو ما حدث للأجهزة المتصلة بالتردد المستخدم من قبل عناصر الحزب. وذكرت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن درجة حرارة بعض الأجهزة المستهدفة بلغت 120 درجة مئوية.

وإذا أضفنا إلى ذلك التقارير عن زرع إسرائيل متفجرات بوزن 25 غراما في كل جهاز بيجر ضمن شحنة طلبها الحزب من شركة تايوانية، يمكن فهم سبب شدة التفجيرات التي وقعت، ما يعني أن اختراق الموجة لعب على الأرجح دور زر التفجير.

ويشرح الخبير في تقنيات الاتصالات عامر الطبش، سيناريو للهجوم، قائلاً إن إسرائيل «اكتشفت الموجة التي يستخدمها عناصر (حزب الله) وخرقتها فبعثت عدداً هائلاً من الرسائل أدت إلى تعطل وانفجار البطارية أو رسالة معينة أدت إلى ذلك»، موضحاً أن «معظم هذه البطاريات هي بطاريات ليثيوم، أي إن انفجارها مؤذٍ جداً ويؤدي لإصابات كبيرة، أو لمقتل الشخص في حال كان على خاصرته».

وأوضح الطبش لـ«الشرق الأوسط» أن «أجهزة البيجر كانت تُستخدم بشكل أساسي في تسعينات القرن الماضي، وبخاصة من الأطباء والأمنيين، بحيث كان يتم مثلاً إرسال رقم 911 للأطباء للقول إن هناك حالة طوارئ».

ويشير الطبش إلى أن «هذه الأجهزة يتم تعليقها بشكل أساسي على الخصر ويمكن أن يتم عبرها إرسال شيفرات معينة»، مضيفاً: «بعد تعميم (حزب الله) على عناصره عدم استخدام الهواتف الخلوية أُشيع أنه جرى إعطاء أجهزة بيجر للعناصر الأساسيين لدعوتهم لمهمات أو اجتماعات طارئة... وقد ثبتت صحة هذه المعلومة اليوم».


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني يعتمد مقاربة «أمنية - سياسية» لتنفيذ ثاني مراحل حصر سلاح «حزب الله»

تحليل إخباري جنود لبنانيون ينتشرون في وسط بيروت بالتزامن مع حراك شعبي احتجاجاً على قرار الحكومة بزيادة الضرائب (أ.ب)

الجيش اللبناني يعتمد مقاربة «أمنية - سياسية» لتنفيذ ثاني مراحل حصر سلاح «حزب الله»

يعتمد الجيش اللبناني مقاربة أمنية - سياسية في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة «حصرية السلاح» التي أبلغ الحكومة بالشروع بها.

نذير رضا (بيروت)
خاص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس خلال اجتماع في أحد مقار الجيش (الحكومة الإسرائيلية)

خاص إسرائيل تربط الانسحاب من لبنان بنزع سلاح «حزب الله»: عودة إلى الشروط المتبادلة

في وقتٍ تكثّف فيه الدولة اللبنانية مساعيها لحصر السلاح، أتى موقف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ليعلن أن بقاء الجيش الإسرائيلي في «النقاط الخمس»

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي آليات وجنود لبنانيون في بلدة كفركلا الجنوبية على الحدود مع إسرائيل (أ.ف.ب) p-circle

لبنان: الحكومة تمهل الجيش 4 أشهر لإنجاز المرحلة الثانية من نزع سلاح «حزب الله»

أعلنت الحكومة اللبنانية، الاثنين، أن الجيش سيحتاج إلى أربعة أشهر على الأقل لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة نزع سلاح «حزب الله» في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي حفارة متضررة تقف على أنقاض مبنى تعرّض لضربة جوية إسرائيلية في قرية قناريت جنوب لبنان... 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف عنصر من «حزب الله» في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف عنصراً في جماعة «حزب الله» في منطقة طلوسة بجنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيسان اللبناني جوزيف عون والألماني فرنك فالتر شتاينماير خلال مؤتمر صحافي مشترك (الرئاسة اللبنانية)

شتاينماير يحضّ لبنان على مواصلة نزع سلاح «حزب الله»

دعا الرئيس الألماني فرنك فالتر شتاينماير السلطات اللبنانية إلى مواصلة نزع سلاح «حزب الله»...

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ترمب يعول على دور عالمي لـ«مجلس السلام»... ويؤكد الدعم الكبير لإعادة الإعمار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعول على دور عالمي لـ«مجلس السلام»... ويؤكد الدعم الكبير لإعادة الإعمار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام على متن طائرة الرئاسة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إن «مجلس السلام»، الذي أعلن عن تأسيسه الشهر الماضي كآلية دولية جديدة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، لن يقتصر دوره على تحقيق السلام في غزة؛ بل سيمتد عمله لإحلال السلام في كل العالم.

ويفتتح ترمب أعمال «مجلس السلام» يوم الخميس، في مركز يحمل اسمه في واشنطن، وسط توقعات بأن تتضمن الفعاليات جمع التبرعات، ومناقشة خطط الاستقرار وإعلان عن تشكيل «قوة الاستقرار الدولية».

وقال ترمب في تصريحات للصحافيين مساء الاثنين، خلال عودته من فلوريدا إلى واشنطن، إن قادة العالم المشاركين في الاجتماع يوم الخميس سيقدمون دعماً مالياً كبيراً لجهود إعادة الإعمار، وستكون أكبر مما أنفقته إدارتي (الرئيسين الأميركيين السابقين) جورج بوش، وباراك أوباما.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل وثيقة إنشاء «مجلس السلام» في دافوس بسويسرا الشهر الماضي (رويترز)

وأكد ترمب أن المجلس يملك فرصة كبيرة ليكون «أهم مجلس على الإطلاق لتحقيق السلام» في منطقة الشرق الأوسط، موضحاً أن المجلس سيتمتع بإمكانات غير محدودة وسيعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة التي تمتلك إمكانات هائلة «لكنها لم تستغلها بالشكل الأمثل» وفق قوله.

وكان ترمب، قال، الأحد الماضي، إن الدول الأعضاء تعهدت بأكثر من 5 مليارات دولار من المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار لقطاع غزة إضافة إلى توفير آلاف الجنود لقوة الاستقرار الدولية والشرطة المحلية للحفاظ على الأمن والسلام لسكان غزة.

مستويات التمثيل

لم يصدر البيت الأبيض تأكيداً بمستويات تمثيل الدول المشاركة حيث لا تزال عمليات التأكيد جارية. لكن التقديرات ترجح مشاركة 20 دولة من مؤسسي ميثاق «مجلس السلام» بمستوى رئاسي حيث يرأس قادة الدول وفود بلادهم إلى الاجتماع، وتشارك دول أخرى بمستوى رؤساء الوزراء (مثل المجر وباكستان وبلغاريا)، ودول أخرى بمستوى وزراء الخارجية، إضافة إلى مشاركة 4 دول بصفة مراقبين، ومشاركة ممثلين من عدة منظمات دولية.

ترمب وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» في دافوس يوم 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وقد وجّه الرئيس ترمب دعوات المشاركة في اجتماع مجلس السلام إلى نحو 60 دولة، ورحب وزراء خارجية السعودية ومصر وقطر والإمارات والأردن وتركيا وإندونيسيا وباكستان بالدعوة التي تم توجيهها إلى قادة دولهم من ترمب، للانضمام إلى مجلس السلام، ووافق على الانضمام إلى مجلس السلام نحو 27 دولة حتى الآن، حسبما قال المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف.

مسارات متعددة

وقال نيكولاي ميلادينوف، الممثل السامي لـ«مجلس السلام» لشبكة «سي إن إن»، يوم الثلاثاء، إن الاجتماع سيُناقش مسارات متعددة، الأول: هو ضمان تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واللجنة الفلسطينية من دخول غزة، وتولي زمام الحكم هناك، وهو أمر معقد ونحتاج إلى التأكد من نقل السلطة من «حماس» إلى اللجنة الدولية.

نيكولاي ميلادينوف الممثل السامي لمجلس السلام في دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)

وأضاف أن «المسار الثاني هو ضمان توقف انتهاكات وقف إطلاق النار المتكررة؛ لأننا نضع اللجنة التي ستدخل غزة في موقف خطر». متابعاً أن «المسار الثالث هو أن تكون اللجنة قادرة على تقديم المساعدة الإنسانية بسرعة، والأولوية هنا ليست في إعادة الإعمار؛ لأننا ما زلنا بعيدين عنها بل إيصال المساعدات الإنسانية، وإزالة الأنقاض وإعطاء الناس بيوتاً مؤقتة، وأملاً للمستقبل».

وأوضح أن هناك مساراً آخر يتمثل في «بدء عملية نزع السلاح في غزة، والاتفاق أنه لا يوجد حل سياسي مستقبلي للقضية الفلسطينية ما لم تتسلم اللجنة الانتقالية حكم غزة»، مشيراً إلى أن «شرط نزع السلاح هو الذي سيسمح للقوات الإسرائيلية بالانسحاب إلى السياج الحدودي، وتنفيذ خطة ترمب المكونة من 20 بنداً ومنها إعادة الإعمار في غزة، وضمها إلى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية».

وشدّد ميلادينوف على ضرورة «توافق كل الأطراف على هذه المسارات وتوحيد الجهود»، محذراً من أن «البديل سيكون استئناف الحرب، والأخطر من استئناف الحرب هو ترسيخ الوضع الراهن بسيطرة (حماس) على نحو 50 في المائة من أراضي غزة، وخضوع بقية المساحة لسيطرة إسرائيل».

وقبل الاجتماع أعلن الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو استعداد بلاده لنشر آلاف من قوات حفظ السلام في غزة في إطار مبادرة مجلس السلام وقال العميد دوني برامونو، المتحدث باسم الجيش الإندونيسي، إن نحو ألف جندي سيكونون على أهبة الاستعداد للانتشار في غزة بحلول أوائل أبريل (نيسان)، على أن يرتفع العدد لاحقاً إلى ثمانية آلاف جندي.

وأوضح أن «هذه القوة لن تشارك في القتال، وإنما ستعمل على تحقيق الاستقرار في غزة ودعم جهود إعادة الإعمار».

الدول الأوروبية

وتنظر الدول الأوروبية إلى مجلس السلام باعتباره اختباراً لشكل جديد من التعددية الدولية تقوده الولايات المتحدة خارج الأطر التقليدية. ويخشى الأوروبيون تهميش دورهم، وتقليص مركزية الأمم المتحدة في إدارة النزاعات. وقد قبلت كل من إيطاليا ورومانيا واليونان وقبرص دعوات إدارة ترمب للمشاركة بصفة مراقبين فقط دون الانضمام رسمياً لعضوية المجلس.

بينما قبلت المجر وبلغاريا فقط من دول الاتحاد الأوروبي دعوات المشاركة كعضوين، وسيحضر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الحليف المقرب لترمب، اجتماع يوم الخميس شخصياً.

وقد أشارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، سابقاً إلى أن الدستور الإيطالي يمنع روما من الانضمام، لكنها صرحت خلال عطلة نهاية الأسبوع بأن صفة المراقب تُشكل «حلاً جيداً» بعد تلقيها رسالة دعوة من الرئيس الأميركي. ودافع وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاجاني عن مشاركة إيطاليا بصفة مراقب لمواصلة تقديم الدعم لغزة مبدياً استعداد روما لتدريب الشرطة الفلسطينية في غزة ورفح.

وأعلن الاتحاد الأوروبي إرسال مفوضته لشؤون البحر الأبيض المتوسط دوبرافكار شويكا إلى واشنطن لحضور الاجتماع في إشارة تظهر أن بروكسل لا تريد التخلي عن التعاون مع المجلس الذي يرأسه ترمب، على الرغم من رفض معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الانضمام رسمياً في عضوية المجلس بسبب مخاوف قانونية لدى المفوضية الأوروبية بشأن ميثاق المجلس وحوكمته.

كما أن انضمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مجلس الإدارة بمجلس السلام يجعل العضوية غير ممكنة سياسياً لمعظم دول الاتحاد الأوروبي في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.

ولا تخفي المفوضية الأوروبية تحفظاتها بشأن ابتعاد مجلس السلام عن المرجعيات الدولية حول القضية الفلسطينية وقرارات مجلس الأمن الدولية ومحاولة توسيع دور المجلس كبديل للأمم المتحدة. وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية إن المبعوثة شويكا ستشارك في الجزء المخصص لغزة في إطار التزام الاتحاد الأوروبي بدعم وقف إطلاق النار وإعادة إعمار القطاع.

فلسطينيون يشاهدون مباراة كرة قدم وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وتتباين تقديرات مراكز الأبحاث الأميركية بشأن فرص تحقيق أهداف «مجلس السلام»؛ ويعتقد بروس جونز الباحث بمركز بروكينغز، أن «النظر الحالي إلى مجلس السلام يقوم على أنها مقاربة براغماتية قصيرة الأمد، قد تنجح في تثبيت الهدوء وإطلاق إعادة الإعمار»، لكنه يرى كذلك أنها «لن تنتج استقراراً مستداماً، ما لم تُدمج في مسار سياسي واضح».

ويحذر من أن التجارب السابقة أثبتت أن «السلام الاقتصادي، أي تحسين الظروف المعيشية دون معالجة القضايا السيادية، يخلق هدوءاً مؤقتاً»، مشيراً إلى أن «أي خطة لإعادة إعمار غزة تحتاج إلى ربط التمويل بإصلاحات حوكمة فلسطينية واضحة، وإلى أفق سياسي يحدد شكل الترتيبات النهائية».


رمضان غزة.. الغلاء يخنق فرحة الهدوء النسبي

فلسطينية تشتري سلعاً استعداداً لشهر رمضان في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
فلسطينية تشتري سلعاً استعداداً لشهر رمضان في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
TT

رمضان غزة.. الغلاء يخنق فرحة الهدوء النسبي

فلسطينية تشتري سلعاً استعداداً لشهر رمضان في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
فلسطينية تشتري سلعاً استعداداً لشهر رمضان في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

يهل ثالث رمضان على قطاع غزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وسط ظروف إنسانية ومعيشية صعبة وغلاء فاحش في الأسعار أذهب قدراً غير يسير من فرحة أهل غزة بشهر الصيام.

ورغم أن هذا ربما «أول رمضان» بلا حرب شعواء منذ ذلك الحين، ورغم الهدوء النسبي في ظل وقف إطلاق نار هش، خبت بهجة السكان مع غلاء «مفاجئ» في أسعار بعض السلع مع زيادة الطلب عليها.

يقول رامي سمارة (49 عاماً)، وهو من سكان حي الشجاعية والنازح في حي الرمال غرب مدينة غزة: «يمر شهر رمضان الثالث علينا منذ الحرب ونحن ما زلنا في خضم قسوتها على مستوى المعيشة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «رغم تراجع حدة القصف وعمليات القتل الجماعي التي شهدناها سابقاً، فإن الحرب هذه المرة أشد ضراوة اقتصادياً وحياتياً... جيوب الناس خاوية ولا يجدون ما يسدون به رمق أبنائهم».

نازحون يعلقون زينة رمضان فوق حطام بيوتهم المدمرة في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)

دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، مما فتح فُرجة لهدوء نسبي رغم القصف المتقطع والخروقات. وحل أول رمضان خلال الحرب في عام 2024 وسط ظروف قاسية، خاصةً بشمال القطاع الذي كان يعاني مجاعة حقيقية. وفي حين أن أكثر من نصف شهر الصيام في العام التالي مر في ظل الهدنة الأولى، استأنفت إسرائيل حربها في الثامن عشر من رمضان حينها.

غلاء فاحش

فوجئ سكان القطاع قبل دخول رمضان بأيام قليلة بارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية مثل الطحين (الدقيق) والزيتون والسكر وغيرها رغم تدفقها بشكل منتظم عبر المعابر.

وتقول فاتن حمدان (41 عاماً)، وهي من سكان حي النصر بمدينة غزة، إن ارتفاع الأسعار ينهك السكان الذين أنهكتهم الحرب بالفعل.

أسرة فاتن المحدودة الدخل مكونة من ستة أفراد، وكل ما يتمكن زوجها الموظف بالسلطة الفلسطينية من توفيره بعد معاناة هو 2000 شيقل (645 دولاراً)، وهو مبلغ بالكاد يكفي لمصاريف واحتياجات الخيمة التي يعيشون فيها بعدما دُمر منزلهم في الحرب.

فلسطينيون يتسوقون مع حلول شهر رمضان بمدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

وتتحدث السيدة عن ارتفاع «مفاجئ» في الأسعار، فزاد سعر كيس الدقيق زنة 25 كيلوغراماً لثلاثة أمثاله تقريباً، من 12 شيقلاً إلى 35، بحجة أن برنامج الأغذية العالمي لم يعد يسلم كل أسرة سوى كيس واحد بدلاً من اثنين كما كان يفعل في الأسابيع القليلة الماضية.

فمع قدوم شهر رمضان، استغل التجار الإقبال على شراء السلع لرفع أسعار معظمها.

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «من يدفع ثمن سياسات المؤسسات الدولية والتجار هو المواطن المسحوق الذي بالكاد يستطيع تدبر قوت يومه، بما في ذلك الموظفون الذين يتأخر صرف رواتبهم منذ أكثر من عام، كما أنها تُصرف بنسب محدودة، ما يزيد من أعباء الحياة القاسية، خاصةً في مثل هذا الشهر الفضيل الذي تكون احتياجاته أكبر من أي وقت آخر».

وتعتمد مئات الآلاف من العوائل في غزة على المساعدات الإنسانية المقدمة من مؤسسات مختلفة، وتكيات الطعام التي تشرف عليها بعض تلك المؤسسات، ومن أبرزها برنامج الأغذية العالمي، ومبادرات شبابية وغيرها، في حين أن عشرات الآلاف يعتمدون على ما يدخل من بضائع للقطاع الخاص.

نازح يعلق زينة رمضان فوق المنازل المدمرة في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الأحد الماضي (إ.ب.أ)

ويقول سمارة، النازح في حي الرمال، إن ما تقدمه المؤسسات من مساعدات وتكيات لا يكفي السكان، لافتاً إلى أنهم مضطرون بسبب الحاجة لأخذ ما يتوفر، أياً كانت نوعية الطعام وعدم جودة طهوه خاصةً في مخيمات النزوح. ويضيف: «هذه معاناة أخرى تضاف للمواطنين بغزة في ظل اعتماد غالبيتهم على ما يقدم في تلك التكيات».

ويشكو سمارة «تلاعب التجار» الذي يفاقم صعوبة الأوضاع اقتصادياً وحياتياً.

دعاية زائفة

وتستخدم إسرائيل إقدام بعض أصحاب رؤوس الأموال على فتح محال فارهة، كدعاية تروج لها على أنها تظهر تحسن الوضع الإنساني والاقتصادي في غزة. وبثت وسائل إعلام عبرية في الأيام الأخيرة تقارير متلفزة عن ذلك من قلب غزة، دون تسليط الضوء على حقيقة تراجع الوضع الإنساني.

ويقول الناشط علي اصليح لـ«الشرق الأوسط» إن الدعاية الإسرائيلية هدفها «تشويه الحقيقة الغائبة عن الكثيرين بأن سكان قطاع غزة يواجهون يومياً الموت، إما بآلة الحرب المباشرة بفعل الخروقات المستمرة، أو من خلال خنقهم اقتصادياً بحجج أمنية واهية»؛ لافتاً إلى منع دخول العديد من البضائع.

وأوضح اصليح أن الصور ومقاطع الفيديو التي ينشرها أصحاب المحال عن توفر اللحوم والدواجن المجمدة وبعض الكماليات مثل الشوكولاته والبسكويت وغيرهما «تُظهر وكأن غزة تعيش في عالم جديد، وكأن الحياة رغيدة ولم يعد فيها أي مشاكل».

ويضيف: «هذا ينافي الواقع الأليم لسكان الخيام وأصحاب المنازل المدمرة والمتضررة والأرامل والأيتام وأهالي الضحايا وأهالي المفقودين والأسرى وغيرهم».

معروضات رمضانية في أحد محلات مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

وأرجع اصليح ارتفاع أسعار بعض السلع والبضائع المهمة إلى «جشع التجار في استغلال حاجة المواطنين لها، وتراجع توزيع المساعدات الإنسانية من قبل المؤسسات المختلفة، إلى جانب شراء من يقومون على مبادرات شبابية مدعومة من الخارج كميات كبيرة من تلك المواد لتوزيعها على السكان»، وهو ما قال إنه أمر يدفع التجار لاستغلال الموقف.

ويقر أبو أسامة، وهو أحد التجار المعروفين بمدينة غزة، بأن إقبال المؤسسات وأصحاب المبادرات على شراء كميات كبيرة من السلع الغذائية كان سبباً في رفع التجار أسعار بعضها، خاصةً من تسمح لهم إسرائيل بإدخال البضائع دون غيرهم.

أما الجهات الحكومية المختصة التابعة لحكومة «حماس» فتؤكد أنها ما زالت تتابع الأسواق، وأنها وضعت خطة طوارئ لإلزام جميع المحال والتجار بالتسعيرة المتعارف عليها، والتعامل مع جميع الأوراق النقدية المتوفرة لدى السكان رغم تمزقها وتلفها بسبب عدم دخول عملات نقدية جديدة، مشيرةً إلى أنها أغلقت العديد من المحال التي لم تلتزم بذلك.


القضاء العراقي يبدأ استجواب «داعش»... ويعزل سجناء قاصرين

عناصر من «داعش» أثناء إيداعهم سجن الكرخ المركزي ببغداد (أ.ب)
عناصر من «داعش» أثناء إيداعهم سجن الكرخ المركزي ببغداد (أ.ب)
TT

القضاء العراقي يبدأ استجواب «داعش»... ويعزل سجناء قاصرين

عناصر من «داعش» أثناء إيداعهم سجن الكرخ المركزي ببغداد (أ.ب)
عناصر من «داعش» أثناء إيداعهم سجن الكرخ المركزي ببغداد (أ.ب)

في وقتٍ تواصل السلطات العراقية استجواب عناصر متهمين بالانتماء إلى تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من سوريا إلى العراق وعزل القاصرين منهم في أماكن خاصة، حذّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الثلاثاء، من أنهم قد «يواجهون خطر الإخفاء القسري وسوء المعاملة».

ويبدو أن المنظمة الدولية تستند في مزاعمها إلى اتهامات سابقة وجّهتها إلى أساليب التعذيب التي تستخدمها مؤسسات العدالة العراقية لانتزاع الاعترافات من المتهمين، الأمر الذي تنفيه السطات العراقية.

ووافق العراق، الشهر الماضي، رسمياً على تسلم آلاف السجناء من عناصر التنظيم المعتقلين في سجون شمال شرقي سوريا، في خطوة وُصفت بـ«الاستباقية» لحماية الأمن القومي العراقي ومنع هروب هؤلاء العناصر، وسط التطورات الميدانية في سوريا.

قافلة حافلات تحمل سجناء من «داعش» خلال توجهها من القامشلي إلى العراق (رويترز)

استجواب أولي

وأعلن مجلس القضاء الأعلى، الاثنين، إكمال الاستجواب الابتدائي لأكثر من 500 معتقل. وقال، في بيان، إن «رئيس محكمة استئناف الكرخ، القاضي خالد المشهداني، أجرى، برفقة قاضي أول محكمة تحقيق الكرخ، علي حسين جفات، زيارة ميدانية لموقع التحقيق المخصص لمتهمي كيان (داعش) الإرهابي المنقولين من السجون السورية، لمتابعة سير الإجراءات».

ولفت البيان إلى أن «محكمة تحقيق الكرخ الأولى أكملت استجواب أكثر من 500 متهم حتى الآن، في حين جرى فرز 157 حدثاً ممن هم دون سن الـ18 عاماً، حيث تقرَّر إحالة أوراقهم التحقيقية إلى محكمة تحقيق الأحداث في الكرخ، وإيداعهم في دُور تأهيل الأحداث؛ لضمان التعامل معهم وفق المعايير القانونية والإنسانية الخاصة بهم».

وكشف المتحدث باسم وزارة العدل العراقية، أحمد لعيبي، الثلاثاء، عن تسلّم العراق قاصرين بين عناصر تنظيم «داعش» القادمين من الأراضي السورية.

وقال لعيبي، في تصريحات صحافية، إن «العراق تسلّم 150 قاصراً حتى الآن، تقل أعمارهم عن 18 عاماً، وأن الوزارة اتخذت إجراءات خاصة بشأن هذه الفئة العمرية، نظراً لعدم ملاءمة وضعهم في الغرف نفسها مع النزلاء البالغين».

وأشار لعيبي إلى «تخصيص قاعات وغرف مستقلة لهم داخل المؤسسات الإصلاحية (السجون) نفسها التي تضم بقية عناصر التنظيم، مع مراعاة الضوابط القانونية والإنسانية المعتمدة».

وأظهرت وثيقة متداولة إحصائية بأعداد النزلاء الأجانب والعرب المُودَعين في السجون، حيث بلغ المجموع الكلي للنزلاء 5704 نزلاء من جنسيات مختلفة، تصدّرتهم الجنسية السورية بـ3544 نزيلاً، تلتها المغرب بـ187، ثم تركيا بـ181، ومصر بـ116، فضلاً عن جنسيات عربية وأجنبية أخرى؛ من بينها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وروسيا وإيران. كما أظهرت الإحصائية وجود 460 نزيلاً عراقياً، لكن وزارة العدل نفت هذه الإحصائية، واكتفت بالقول إنها «غير دقيقة».

مشتبه بانتمائه إلى تنظيم «داعش» يخضع للاستجواب داخل سجن الكرخ ببغداد (أ.ب)

«الإخفاء القسري»

وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن محتجَزين قد «يواجهون خطر الإخفاء القسري، والمحاكمات الجائرة، والتعذيب، وسوء المعاملة، وانتهاكات الحق في الحياة».

ونقل التقرير عن سارة صنبر، الباحثة في المنظمة الدولية، أنه «بغضّ النظر عن انتماءاتهم أو أفعالهم المزعومة، احتُجز هؤلاء المعتقلون لسنوات دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة، وهم الآن محتجَزون في بلد آخر دون ضمانات كافية».

وتحدّث التقرير عن «وجود خطر جسيم يتمثل في التعذيب في العراق»، وبضوء ذلك الخطر المفترض، يشدد على أن «عمليات النقل هذه تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي؛ أي عدم إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه لسوء المعاملة».

ومع ذلك أشار تقرير المنظمة إلى أن «داعش» ارتكب فظائع كثيرة في العراق بين 2014 و2017، في حين ترى أن «المعتقلين المنقولين الذين ثبتت مشاركتهم في مثل هذه الجرائم ينبغي محاكمتهم ومساءلتهم في محاكمات عادلة تحترم ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة».

«غسل اليدين»

وسبق أن تحدّثت مصادر قضائية عن إمكانية محاكمة الأجانب المعتقلين، وفق القوانين العراقية، في حال ارتكابهم جرائم تُخل بالأمن القوى وبمصالح البلاد، لكنها اعترفت بصعوبة الحصول على أدلة ثبوتية ضد المتهمين في حال لم يرتكبوا جرائم داخل العراق.

وذكر تقرير المنظمة أنها «سألت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عمّا إذا كان المعتقلون يتمتعون بحق التواصل مع محامٍ، أو الحصول على مراجعة قضائية أو فرصة الطعن في نقلهم، فرفضت (سنتكوم) التعليق».

وقال إيان موس، المنسق السابق لمكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية الأميركية والمسؤول عن معتقلي «داعش» وأفراد أُسرهم، لـ«هيومن رايتس ووتش»: «هذه ليست محاولة مدروسة لتحقيق العدالة والمساءلة مع احترام الحقوق والقواعد. هذه محاولة مريحة لغسل اليدين من الوضع».

ولم يصدر عن السلطات العراقية، حتى كتابة هذا التقرير، أي بيان حيال تقرير المنظمة الحقوقية وما ورد فيها من مزاعم ومعلومات.