هل ينجح غروندبرغ في توحيد العملة والبنك المركزي اليمني؟

الحكومة الشرعية تؤكد عدم تسلمها أي مقترحات أممية حتى الآن

المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ (الشرق الأوسط)
المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ (الشرق الأوسط)
TT

هل ينجح غروندبرغ في توحيد العملة والبنك المركزي اليمني؟

المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ (الشرق الأوسط)
المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ (الشرق الأوسط)

في الوقت الذي أكد مصدر رفيع في الحكومة اليمنية لـ«الشرق الأوسط» عدم تلقيهم أي مقترحات أممية حتى الآن بشأن توحيد العملة والبنك المركزي اليمني، يعتقد مختصون أن جهود المبعوث الأممي في هذا الشأن قد تواجه تعقيدات كبيرة.

كان المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ، قد تحدث في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن حول أهمية توحيد العملة، وإنشاء بنك مركزي موحد وضمان استقلالية القطاع المصرفي عن التدخل السياسي. مشيراً إلى أن مكتبه أعد خيارات وقدم مقترحاً ومساراً واضحين لتحقيق هذه الأهداف، مستنداً إلى مدخلات الأطراف أنفسهم.

البنك المركزي اليمني في عدن يُتلف قبل أيام عدداً من الأوراق المالية القديمة (الشرق الأوسط)

وفي رده على سؤال «الشرق الأوسط» بشأن تسلم الحكومة اليمنية أي مقترحات أممية لتوحيد العملة والبنك المركزي اليمني، أكد مسؤول يمني رفيع عد تلقيهم أي شيء حتى الآن.

وقال المسؤول، الذي فضّل عدم الإفصاح عن هويته: «لم يسلَّم (مكتب المبعوث) شيء». فيما اعتذر المسؤول عن الخوض في أي تفاصيل إضافية في هذا الشأن في الوقت الراهن. وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، قد شدد بعد عودته إلى العاصمة المؤقتة عدن، أول من أمس، على ضرورة توحيد الصف لمواجهة التحديات التي تواجهها الشرعية، وفي مقدمها الاقتصاد والتنظيمات الإرهابية.

«الشرق الأوسط» أرسلت استفسارات لمكتب المبعوث الأممي لليمن بشأن الجهود لتوحيد العملية والبنك المركزي، إلا أننا لم نتلقَّ أي إجابات حتى كتابة هذا التقرير.

إلى ذلك، يعتقد مختصون أن الجهود التي يقودها المبعوث الأممي إلى اليمن في هذا الصدد لن تخلو من تعقيدات كثيرة، من أهمها أن توحيد البنك المركزي يعني الإشراف على كل الإيرادات الحكومية في اليمن، وهو ما لن تقبله جماعة الحوثي، حسب تعبيرهم.

كان البنك المركزي اليمني في عدن قد سحب تراخيص 6 مصارف في مناطق سيطرة الحوثيين في يونيو (حزيران) الماضي، بعد عجزها عن نقل عملياتها إلى عدن، وردَّت الجماعة الحوثية بتدابير مماثلة ضد البنوك في مناطق سيطرة الحكومة، واحتجزت 4 من طائرات «الخطوط الجوية اليمنية» في مطار صنعاء، نتيجة الخلاف على إيرادات الشركة.

وأوضح الخبير الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي، أن «ما طرحه مبعوث الأمين العام بأن يجري توحيد البنك المركزي بصورة كاملة وتجنيب البنوك والقطاع المصرفي أي مهاترات سياسية أمر جميل من حيث الصياغة، لكنه يشمل تعقيدات كبيرة».

وزير المالية اليمني سالم بن بريك خلال افتتاح «بنك عدن الأول الإسلامي» السبت (سبأ)

ولفت الآنسي في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «توحيد البنك المركزي يعني الإشراف على كل الإيرادات الحكومية في كل اليمن وهذا لن يقبله الحوثي الذي يرفض إلى الآن تطبيق اتفاق استوكهولم الذي ألزم الحوثي بأن يورد إيرادات ميناء الحديدة إلى حساب خاص في فرع البنك المركزي بالحديدة يُستخدم في صرف المرتبات».

وتابع: «إذا كان الحوثي يرفض تنفيذ ما يخص إيرادات ميناء الحديدة، هل تراه يقبل ويتنازل عن السيطرة على بقية إيراداته؟ هذا ضرب من الخيال».

وحسب رشيد الآنسي فإن «الأطروحات والمقترحات لإنهاء الانقسام النقدي في اليمن سبق وقدمها صندوق النقد والبنك الدوليين، وكلها تدور حول إدارة موحدة للسياسة النقدية ولو اختلفت الوسائل، منها تشكيل لجنة مشتركة من (الشرعية) والحوثيين وخبراء دوليين، ويكون مقرها خارج اليمن، تشرف على السياسة النقدية وعلى عمل فروع البنك المركزي في كل مناطق اليمن، لكن كل هذه المقترحات كانت تقابل بصلف حوثي ورفض كامل لهذه المقترحات».

مع ذلك، يرى الآنسي أنه «في حال نجحت مقترحات المبعوث الأممي –جدلاً- فإن ذلك سيسهم إلى حد كبير في كبح تدهور سعر العملة وارتفاع الأسعار وحل مشكلة السيولة في مناطق الحوثي التي تعد معضلة كبيرة يواجهها المواطنون هناك خصوصاً العملة الأجنبية وبعد امتناع الصرافين والبنوك عن صرف التحويلات بالدولار بنفس العملة». وأضاف: «كما سيحل مشكلة العملة التالفة في مناطق الحوثي، وسيُسهم توحيد السياسة النقدية في كبح جماح تدهور العملة في مناطق سيطرة الشرعية وخفض نسبة التضخم وزيادة العرض النقدي من الريال اليمني الذي أغرق السوق بشكل كبير نتيجة سياسات خاطئة من البنك المركزي في الفترات الماضية وتمويله موازنة الحكومة من خلال طباعة نقدية جديدة».

وخَلص الخبير الاقتصادي رشد الآنسي إلى أن «توحيد السياسة النقدية وتوحيد البنك المركزي في قيادة مستقلة سيكون الحل الأفضل في ظل فشل كلا البنكين المركزيين في إدارة السياسة النقدية؛ فالبنك المركزي في عدن يملك القرار لكنه لا يمكنه تطبيقه على الأرض التي يسيطر عليها الحوثي».

وأبدى الآنسي عدم تفاؤله بنجاح المقترحات الأممية وأن ترى النور نظراً لغياب المساءلة والشفافية في كلتا السلطتين على حد تعبيره، وقال: «هذا سيحول دون تنفيذ القرار إلا إذا كان هناك بنك مركزي صوري –موحَّد– بينما كلا الطرفين يحوِّل إيراداته إلى أماكن أخرى، وبذلك نكون خلقنا بنكاً مركزياً ثالثاً».


مقالات ذات صلة

خبراء: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين

تحليل إخباري وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

خبراء: قدرات اليمن الجوية تعيد رسم معادلة الردع مع الحوثيين

رأى خبراء عسكريون وسياسيون يمنيون أن دخول قدرات جوية جديدة إلى الخدمة لدى القوات الحكومية، يمكن أن ينقلها تدريجياً من موقع الدفاع والاستنزاف إلى المبادرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

خاص «الحرس» الإيراني يعيد رسم خريطة تحصينات الحوثيين

أفادت مصادر يمنية بأن ضباطاً إيرانيين يديرون تصعيد الحوثيين من غرفة عمليات بصنعاء، بينما تختبئ قيادات الجماعة في فنادق ومخابئ محصنة وسط إجراءات أمنية مشددة...

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)

3 قتلى بهجوم حوثي على سفينة تجارية في باب المندب

استهدف الحوثيون سفينة تجارية في باب المندب، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من طاقمها وفق معلومات أولية، بالتزامن مع قصف المخا ومأرب وتعز، في تصعيد يهدد الملاحة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج امتداداً للجهود الإغاثية التي تقدمها السعودية لدعم الأمن الغذائي للشعب اليمني (واس)

وصول 13 قافلة إغاثية سعودية إلى عدن

وصلت 13 شاحنة إغاثية سعودية أمس (الأحد) إلى محافظة عدن اليمنية، تحمل على متنها 4680 سلة غذائية مقدمة من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

العليمي للسفراء: مرحلة الاعتداءات الحوثية بلا كلفة انتهت

العليمي يحذر من اختبار جديد للسلام بعد التصعيد الحوثي، ويطالب المجتمع الدولي بموقف واضح يحمي المدنيين والموانئ والمنشآت ويدعم حق اليمن في الدفاع عن مواطنيه.

«الشرق الأوسط» (عدن)

إسرائيل تدخل النبطية في دائرة الضغط الناري

دبابات إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان كما تبدو من بلدة زوطر الغربية في 8 أغسطس (آب) 2026 في ظل استمرار الخلاف بين لبنان وإسرائيل حول الانسحاب من مناطق إضافية في الجنوب وتوسيع نطاق «المناطق التجريبية» (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان كما تبدو من بلدة زوطر الغربية في 8 أغسطس (آب) 2026 في ظل استمرار الخلاف بين لبنان وإسرائيل حول الانسحاب من مناطق إضافية في الجنوب وتوسيع نطاق «المناطق التجريبية» (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدخل النبطية في دائرة الضغط الناري

دبابات إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان كما تبدو من بلدة زوطر الغربية في 8 أغسطس (آب) 2026 في ظل استمرار الخلاف بين لبنان وإسرائيل حول الانسحاب من مناطق إضافية في الجنوب وتوسيع نطاق «المناطق التجريبية» (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان كما تبدو من بلدة زوطر الغربية في 8 أغسطس (آب) 2026 في ظل استمرار الخلاف بين لبنان وإسرائيل حول الانسحاب من مناطق إضافية في الجنوب وتوسيع نطاق «المناطق التجريبية» (أ.ف.ب)

وسّعت إسرائيل، الثلاثاء، خريطة عملياتها في جنوب لبنان، ناقلةً جانباً من الضغط الميداني من القرى الحدودية إلى محيط مدينة النبطية.

وامتدت العمليات من مجدل زون والمنصوري في القطاع الغربي إلى سردة والوزاني ووطى الخيام في القطاع الشرقي، مروراً بزوطر الشرقية والقنطرة وكفرا - حاريص، مستخدمة القصف المدفعي والمسيّرات والتفجيرات والتمشيط بالرشاشات والقنابل الصوتية والمواد الحارقة، في خريطة ميدانية تجمع استمرار الضغط على الحدود ووصول الضربات إلى محيط النبطية.

ساتر ترابي أقامه الجيش الإسرائيلي عند المدخل الشرقي لبلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

النبطية تحت الضغط

واستهدف قصف مدفعي إسرائيلي، صباحاً، محيط موقع الدبشة في النبطية، وسط تصاعد وتيرة القصف وسماع دوي انفجارات؛ ما أدى إلى اندلاع حريق في أطراف النبطية الفوقا، أسفل تلة الدبشة. وتوجهت سيارات الدفاع المدني إلى المكان، ونجحت في إخماد النيران.

وفي مدينة النبطية، استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة في حي الجامعات، قبل أن يتكرر الاستهداف في أثناء وصول فرق الإسعاف لنقل المصابين.

وطال الاستهداف فرقاً تابعة لـ«الهيئة الصحية الإسلامية» و«بيت الطلبة» و«كشافة الرسالة الإسلامية» في أثناء قيامها بنقل إصابة جراء الغارة؛ ما أدى إلى تضرر سيارات الإسعاف.

وأعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة أن الاستهداف أدى إلى إصابة مواطنين اثنين بجروح، موضحاً أنه «تكرر على دفعتين، وطال في المرة الثانية فريقاً إسعافياً لجمعية الرسالة حضر لإنقاذ الجريحين؛ ما أدى إلى تضرر في سيارة الإسعاف».

وجددت الوزارة شجبها لاستهداف الفرق الإسعافية، معتبرة أن ذلك «يشكل تجاوزاً غير مقبول للقانون الدولي الإنساني وكل الأعراف الدولية».

وفي محيط المنطقة نفسها، ألقت مسيّرة إسرائيلية صباحاً مواد متفجرة وحارقة في محيط حي الجامعات عند أطراف بلدة كفر رمان.

دخان يتصاعد من جنوب لبنان كما يبدو من الجانب الإسرائيلي للحدود اللبنانية - الإسرائيلية في شمال إسرائيل (رويترز)

تفجيرات وتمشيط

وفي موازاة التصعيد حول النبطية، نفذ الجيش الإسرائيلي عملية تفجير في بلدة زوطر الشرقية، التي تعرضت كذلك لقصف مدفعي متقطع تزامن مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه أحياء في البلدة.

كما نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً كبيراً في بلدة القنطرة، فيما أُفيد عن عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه مجدل زون ومشاع المنصوري.

وفي حادثة أخرى، ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة صوتية على عدد من العمال السوريين عند أطراف بلدة كفرا - حاريص، من دون وقوع إصابات.

النيران تصل إلى وطى الخيام

وامتدت العمليات إلى القطاع الشرقي، حيث أضرم الجيش الإسرائيلي النيران في عدد من الحقول والبساتين في منطقتَي سردة والوزاني، قبل أن تمتد النيران إلى منطقة وطى الخيام، وسط تصاعد أعمدة الدخان في أجواء المنطقة.

وتأتي هذه الحرائق ضمن نمط تكرر في الجنوب خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع القصف وإلقاء مواد حارقة من المسيّرات، واستدعى تدخل فرق الإطفاء والدفاع المدني في أكثر من منطقة.

من علي الطاهر إلى الدبشة

ويكتسب وصول القصف إلى محيط النبطية دلالة ميدانية إضافية بعد أيام من تصعيد إسرائيلي مكثف في مرتفعات علي الطاهر، بالتوازي مع إبقاء القرى الأمامية تحت الضغط، بينما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الجيش ينفذ «عملية بالغة الأهمية» في لبنان، وأشار إلى عمليات في المرتفعات.

ويضيف استهداف محيط الدبشة نقطة جديدة إلى خريطة العمليات قرب النبطية، في وقت تواصل فيه إسرائيل عملياتها من المنصوري ومجدل زون إلى زوطر والقنطرة وصولاً إلى القطاع الشرقي.

وتكتسب زوطر بدورها أهمية في ضوء دخول زوطر الغربية، إلى جانب فرون وصريفا، ضمن المرحلة الأولى من «المناطق التجريبية» التي انتشر فيها الجيش اللبناني، بينما يبقى توسيع هذه المناطق من الملفات العالقة في المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، إلى جانب الانسحاب الإسرائيلي وآليات انتشار الجيش اللبناني في الجنوب.


المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى المراوحة

مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عقدت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)
مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عقدت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)
TT

المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى المراوحة

مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عقدت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)
مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عقدت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)

يبدو أن المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية تتجه إلى مرحلة من المراوحة، في ظل غياب أي مؤشرات جدية لانتقالها من النقاشات السياسية والتقنية إلى خطوات عملية.

ولا يزال مصير الجولة الثامنة وموعد انعقادها غير محسومين، بعدما انتهت الجولة السابعة التي عقدت في روما، الأسبوع الماضي، من دون نتائج عملية أو تحديد موعد جديد لها.

وترى مصادر وزارية لبنانية مواكِبة للملف «أن التعثر الحالي يرتبط أساساً بالحسابات السياسية الإسرائيلية والأميركية، ما يجعل من الصعب توقع حصول اختراق جدي في المرحلة المقبلة».

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «لا يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مستعداً لتقديم تنازلات أو اتخاذ خطوات كبيرة قبل الانتخابات الإسرائيلية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في ظل عدم وضوح النتائج التي يمكن أن تفرزها، وما يمكن أن يرتد عليه داخلياً إذا اتخذ قراراً بالانسحاب من مناطق في جنوب لبنان، وبالتالي هو ليس في وارد المجازفة بخطوة يمكن أن تستخدم ضده في الانتخابات».

ضغوط أميركية محدودة

وفي موازاة الحسابات الإسرائيلية، ترى المصادر الوزارية أن الأميركيين ليسوا في وارد ممارسة ضغط كبير على نتنياهو في هذه المرحلة، رغم استمرارهم في رعاية المسار التفاوضي.

وتعزو المصادر ذلك أيضاً إلى الحسابات الأميركية الداخلية، مع اقتراب الانتخابات النصفية، وحاجة الإدارة الأميركية إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع إسرائيل ومع شرائح الناخبين اليهود الأميركيين، ما يجعل هامش الضغط على الحكومة الإسرائيلية محدوداً.

وبالتالي، فإن واشنطن، وفق المصادر، تبدو حريصة على إبقاء المفاوضات قائمة وعدم انهيارها، لكنها ليست مستعدة لدفع إسرائيل إلى خطوات كبيرة قبل اتضاح المشهد السياسي الإسرائيلي.

رجل يخرج دراجة متضررة من بين أنقاض منزل دُمِّر جراء غارة جوية إسرائيلية في قرية برج الشمالي بجنوب لبنان (أ.ب)

نقاشات بلا تنفيذ

وتعتبر المصادر الوزارية أن ما حصل في الجولة السابعة كان مؤشراً واضحاً على طبيعة المرحلة الحالية، «فلو كانت هناك رغبة جدية في تحقيق تقدم، لكان من الممكن، على الأقل، الاتفاق على المناطق النموذجية وتحديد أسمائها، تمهيداً للبدء بخطوات تنفيذية لكن ذلك لم يحصل، وانتقل البحث إلى ملفات الحدود وآليات العمل والترتيبات التقنية، فيما لم يتم الاتفاق على خطوات عملية ولا سيما وقف الحرب والتدمير الذي طالب به لبنان».

وترى المصادر أن المشكلة تكمن في أن المفاوضات باتت تدور حول الآليات والتفاصيل، فيما تغيب القرارات السياسية التي تسمح ببدء التنفيذ، الأمر الذي يحولها إلى عملية تفاوضية مفتوحة يمكن أن تستمر من دون نتائج ملموسة.

ملف الأسرى و«رفات اليهود»

وتعتبر المصادر أن إدخال ملف رفات إسرائيليين في النقاش، وربطه بملف الأسرى، يسهم بدوره في إبعاد البحث عن الملفات الأساسية.

وبحسب المصادر، إذا كانت هناك نية جدية وإيجابية لمعالجة ملف الأسرى، يتم السماح على الأقل، للجنة الدولية للصليب الأحمر بلقائهم، وهو ما لا تزال إسرائيل ترفضه.

ومن هنا، ترى المصادر أن طرح هذه الملفات من دون اتخاذ خطوات واضحة يسهم في تمييع المسار وإطالة أمد المفاوضات، بدلاً من الانتقال إلى معالجة القضايا الأساسية التي ينتظرها لبنان.

يحمل جنود إسرائيليون نعش الرائد هاريل بيرينستوك خلال مراسم جنازته في 6 أغسطس 2026 بعدما كان قد أعلن الجيش الإسرائيلي عن مقتل جنديين وإصابة 4 آخرين جراء انفجار عبوة ناسفة في جنوب لبنان يوم 5 أغسطس (إ.ب.أ)

وأمام هذا الواقع المربك، يحاول لبنان، بحسب المصادر الوزارية، استخدام قنواته مع الأميركيين للضغط على إسرائيل، على الأقل من أجل وقف عمليات الجرف والتدمير المتواصلة في الجنوب.

وتقول المصادر إن لبنان يشدد مطالبه أمام الأميركيين، انطلاقاً من أن استمرار التدمير بالتزامن مع المفاوضات يجعل من الصعب الحديث عن مسار جدي يمكن أن يؤدي إلى تسوية، وهو ما يأمل لبنان أن يسجل أي تقدم بشأنه في المدى القريب».

الجولة الثامنة... موعد مجهول

وبعدما كانت قد انتهت الجولة السابعة من المفاوضات من دون نتائج واضحة أو تحديد موعد ثابت، تقول المصادر إن موعدها لا يزال غير محسوم، وإن الحديث عن الأول من سبتمبر (أيلول) يبقى موعداً مبدئياً وليس نهائياً، وترى بذلك أن شهر أغسطس (آب) مرشح لأن يكون شهر مراوحة، بحيث من الصعب توقع خطوات عملية خلاله، في انتظار اتضاح المشهد الإسرائيلي، وما إذا كان الأميركيون سيضغطون فعلاً لعقد جولة جديدة في سبتمبر.

وفي حال انعقاد الجولة في سبتمبر، لا تتوقع المصادر بالضرورة اختراقاً كبيراً، بل ترجح استمرار النقاشات العامة والتقنية، ما لم يحصل تطور يغيّر قواعد اللعبة أو تصعيد عسكري إسرائيلي جديد.

أطفال يقفون في موقع تعرض لغارات إسرائيلية صباح الخميس الماضي في منطقة برج الشمالي بجنوب لبنان (رويترز)

هل يعلّق لبنان مشاركته؟

وفيما يتعلق بإمكانية تعليق لبنان مشاركته في المفاوضات، تذكّر المصادر بما حصل خلال الجولة السابعة في روما، حين كان رئيس الوفد اللبناني السفير سيمون كرم يريد الانسحاب من المفاوضات إثر التهديد الإسرائيلي بضرب بلدة المنصوري وطلب إخلائها، مشيرة إلى أن رأي الرئاسة اللبنانية كان مواصلة المباحثات، باعتبار أنه من الأفضل أن يصدر تعليق المسار من الطرف الثاني، لا من لبنان، حتى لا يتحمل الجانب اللبناني مسؤولية إفشال المفاوضات.

العامل الإيراني حاضر

إضافة إلى عامل الانتخابات الإسرائيلية، تلعب المفاوضات الأميركية - الإيرانية دوراً في مسار المفاوضات اللبنانية باعتبار أن أي تقدم بين واشنطن وطهران يمكن أن ينعكس على الوضع في لبنان.

وفي هذا الإطار، ترى المصادر «أن الانعكاس الأساسي سيكون مرتبطاً بملف نزع سلاح (حزب الله) والتخفيف من مستوى التوتر ودفع الحزب إلى مزيد من الإيجابية في التعاطي مع المسار التفاوضي اللبناني».


«السلام الآن» تتهم حكومة نتنياهو بتفكيك «السلطة» و«أوسلو»

الجيش الإسرائيلي يفجر الثلاثاء منزل فاروق رمضان الذي قتله في قرية تل قرب نابلس الشهر الماضي (د.ب.أ)
الجيش الإسرائيلي يفجر الثلاثاء منزل فاروق رمضان الذي قتله في قرية تل قرب نابلس الشهر الماضي (د.ب.أ)
TT

«السلام الآن» تتهم حكومة نتنياهو بتفكيك «السلطة» و«أوسلو»

الجيش الإسرائيلي يفجر الثلاثاء منزل فاروق رمضان الذي قتله في قرية تل قرب نابلس الشهر الماضي (د.ب.أ)
الجيش الإسرائيلي يفجر الثلاثاء منزل فاروق رمضان الذي قتله في قرية تل قرب نابلس الشهر الماضي (د.ب.أ)

نبهت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية من أن السياسة التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية، وصولاً إلى إسقاطها، وإلغاء اتفاقات أوسلو، الموقعة بين الجانبين قبل 33 عاماً.

واتهمت «السلام الآن»، في تقرير شامل تناولته صحيفة «يديعوت احرونوت»، الثلاثاء، حكومة بنيامين نتنياهو، باتباع سياسة ممنهجة لإضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً وجغرافياً وأمنياً، عبر خرق الاتفاقات الموقعة في أوسلو، من خلال توسيع الاستيطان، من جهة، ونقل صلاحيات في مناطق مصنفة «أ» و«ب» في الضفة الغربية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، من جهة ثانية، محذرةً من أن هذه الممارسات تمثل عملية ضم غير معلن للأراضي.

الجيش الإسرائيلي يفجر الثلاثاء منزل فاروق رمضان الذي قتله في قرية تل قرب نابلس الشهر الماضي (د.ب.أ)

وقالت «السلام الآن» إن «حكومة نتنياهو تلعب بالنار، وتتجاهل التزاماتها الدولية، وتعرض أمن إسرائيل للخطر، كل ذلك من أجل السيطرة على المزيد من الأراضي في الضفة الغربية».

ووصف التقرير «تصرفات الحكومة الإسرائيلية في المنطقتين (أ) و(ب)» بأنها «ليست حوادث معزولة»، بل «هي جزء من سياسة ممنهجة تهدف في نهاية المطاف إلى إسقاط السلطة الفلسطينية وخلق فوضى تُمكّنها من توسيع المستوطنات في المدن والقرى الواقعة في عمق الضفة الغربية».

وقسمت اتفاقية أوسلو الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق؛ «أ» و«ب»، اللتين تشكلان معاً نحو 40 في المائة من مساحة الضفة الغربية، والمنطقة «ج»، التي تشكل نحو 60 في المائة من مساحة الضفة، وهي خاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وكان من المفترض أن يكون هذا الترتيب مؤقتاً، إلى حين توقيع اتفاقية دائمة.

ومنذ الانتفاضة الثانية، بدأ الجيش الإسرائيلي بالفعل بالعمل داخل المنطقة «أ»، التابعة كلياً للسلطة، خلافاً لروح الاتفاقية الأصلية، لكن التقرير يشير إلى أن هذا الأمر شهد تعمقاً ملحوظاً خلال العام الماضي: ليس فقط في الأنشطة الأمنية، بل في تولي سلطات مدنية حقيقية.

فلسطينيون يعاينون منزل فاروق رمضان الذي قتله الجيش في قرية تل قرب نابلس الشهر الماضي وتم هدمه الثلاثاء من قبل الجيش الإسرائيلي (إ.ب.أ)

وحسب التقرير، يُعدّ تجميد «أموال التخليص الجمركي»، وهي ضرائب الاستيراد والوقود والسجائر التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية عند المعابر الحدودية، وفقاً لبروتوكول باريس، إحدى أهم الأدوات لإضعاف السلطة الفلسطينية. ويبلغ هذا المبلغ نحو 11 مليار شيقل سنوياً، وهو ما كان يُمثّل أكثر من 60 في المائة من ميزانية السلطة الفلسطينية.

ويشير التقرير إلى أنه خلال فترة الحكومة الحالية، لم يُحوّل سوى نصف الأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية تقريباً خلال السنوات الثلاث حتى عام 2025، ومنذ يونيو (حزيران) 2025، لم يُحوّل شيقل واحد.

كما يشير التقرير إلى قرار المجلس الوزاري السياسي الأمني في فبراير (شباط) الماضي ​​السماح للإدارة المدنية بإنفاذ ومراقبة المنطقتين «أ» و«ب» فيما يتعلق بقضايا البيئة والمياه والآثار، بحجة منع المخاطر البيئية وإلحاق الضرر بالمواقع التراثية. ويحذر التقرير من أن هذه التعريفات ذات نطاق تفسيري واسع للغاية، يُفتح المجال واسعاً للتدخل الإسرائيلي في البناء الفلسطيني في كل مكان تقريباً.

واعتبر التقرير أن قرارات قائد الجيش في الضفة في يوليو (تموز) الماضي بالاستيلاء على أراضٍ داخل المنطقة «أ»، غير مسبوقة.

جنديان إسرائيليان يتموضعان الثلاثاء خلال تفجير منزل فاروق رمضان الذي قتله في قرية تل قرب نابلس الشهر الماضي (د.ب.أ)

وأضاف: «كانت المرة الأولى منذ توقيع اتفاقيات أوسلو التي تُستخدم فيها أوامر الاستيلاء العسكرية داخل المنطقة (أ) لغرض استيطاني مدني مُحدد، وليس لغرض أمني مؤقت».

وحسب رصد حركة «السلام الآن» أُنشئت 23 بؤرة استيطانية على الأقل في المنطقة «ب» خلال العامين والنصف الماضيين، مع توثيق سبع بؤر استيطانية جديدة بنهاية عام 2024، وذلك للمرة الأولى منذ اتفاقية أوسلو. وحتى عندما تُخلي الإدارة المدنية البؤر الاستيطانية من حين لآخر، يُعاد إنشاؤها، بل وتُوسّع لتشمل مبانٍ دائمة ذات أساسات خرسانية، ومعابد يهودية، وحتى عربات قهوة. ويترافق إنشاء هذه البؤر مع شقّ الطرق، والاستيلاء على مصادر المياه، وتشريد الرعاة الفلسطينيين.

إلى جانب البؤر الاستيطانية، يوثق التقرير عشرات الحالات لمبانٍ سكنية فلسطينية مهجورة نتيجةً لعنف المستوطنين وضغوطهم المستمرة في كلٍ من المنطقتين «ب» و«ج».

كما يتناول التقرير قرار المجلس الأعلى للتخطيط التابع للإدارة المدنية في يونيو (حزيران) الماضي بالاستيلاء بشكل شامل على سلطات التخطيط والبناء من بلدية الخليل الفلسطينية.

وقالت «السلام الآن» إن الحكومة لا تعلن رسمياً إلغاء اتفاقات أوسلو ولا تروج لتشريعات رسمية لضم أو تفكيك السلطة الفلسطينية، لكنها عملياً تنفذ عملية ضم غير معلنة.

جندي إسرائيلي خلال تفجير منزل فاروق رمضان الذي قتله في قرية تل قرب نابلس الشهر الماضي (د.ب.أ)

ورد الوزير في وزارة الدفاع بتسلئيل سموتريتش على التقرير، قائلاً إنه «شهادة على إنجازات الحكومة الإسرائيلية. ما يسمونه (تقويض أوسلو) نسميه تصحيحاً لخطأ ثلاثين عاماً من الفوضى. ما يسمونه (ضماً فعلياً) نسميه إقامة قطاع الأمن الإسرائيلي. أنا فخور بثورة الاستيطان التي قُدتها لمنع قيام دولة فلسطينية إرهابية في قلب البلاد. هذه مجرد البداية».

هدم منزل

من جهة أخرى، فجّر الجيش الإسرائيلي، صباح الثلاثاء، منزل فلسطيني قُتل خلال اشتباك مع مستوطنين إسرائيليين في قرية تِلّ في شمال الضفة الغربية المحتلة في يوليو (تموز) الماضي، وفقاً لرئيس مجلس القرية والجيش. وقال رئيس مجلس قرية تِلّ وليد زيدان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «فجّر الجيش الإسرائيلي الشقة السكنية التي كان يقطنها الشهيد فاروق رمضان مع زوجته وبناته الخمس». وأوضح زيدان أن نحو 30 آلية إسرائيلية رفقة طواقم هندسية داهمت القرية مساء الاثنين، وأخلى الجيش سكان 30 منزلاً تحيط بمنزل عائلة رمضان المكوّن من طابقين، قبل أن تفجّر الطابق العلوي.

وانتشرت قوات من الجيش في محيط المنزل، بينما عملت طواقم هندسية على تجهيز وتفجير الطابق العلوي من المنزل حيث كان يقيم رمضان. وتصاعدت أعمدة الدخان من المنزل عقب التفجير، وفق ما أفاد صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية». وتسببت مواجهة بين فلسطينيين من قرية تِلّ ومستوطنين، وقعت أواخر يوليو (تموز)، بمقتل رمضان وثلاثة من أقاربه هم الشقيقان إبراهيم وجواد حسين رمضان، وعمران أحمد رمضان، وإسرائيليَان اثنان.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended