هل يدير السنوار «حماس» فعلاً من تحت الأرض؟

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: يتواصل بشكل دوري مع قادة الحركة

TT

هل يدير السنوار «حماس» فعلاً من تحت الأرض؟

يحيى السنوار في غزة يوم 28 أكتوبر 2019 (رويترز)
يحيى السنوار في غزة يوم 28 أكتوبر 2019 (رويترز)

أثار اختيار حركة «حماس» رئيس مكتبها السياسي في قطاع غزة، يحيى السنوار، رئيساً عاماً للحركة، الكثير من التساؤلات حول قدرته فعلاً على قيادة حركة كبيرة داخلياً وخارجياً، في ظرف معقد وحساس وقد يكون الأخطر في تاريخ الحركة، فيما تلاحقه إسرائيل في كل متر من القطاع منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، باعتباره المطلوب رقم 1 لها، كونه مهندس الهجوم المباغت الذي يكاد يغيّر وجه المنطقة.

وبينما تقول إسرائيل باستمرار إن السنوار يختبئ في أنفاق خان يونس، جنوب قطاع غزة، حيث يقطن وعائلته، لا تعلق الحركة على تلك الاتهامات، وحقيقة الأمر فإن ثلة صغيرة للغاية تملك أجوبة لأسئلة كثيرة حوله، ولا أحد غيرها يعرف أي شيء، وإلا لكانت إسرائيل المتقدمة عسكرياً واستخباراتياً وتكنولوجياً قد وصلت له الآن.

فلسطينيون ينزحون من خان يونس التي تعتقد إسرائيل أن يحيى السنوار يختبئ فيها (رويترز)

ومنذ بداية الحرب، لم يُشاهد السنوار في أي مكان إلا في مقطع فيديو نشره الجيش الإسرائيلي ظهر فيه داخل أحد الأنفاق بعد يوم من هجوم السابع من أكتوبر. بعدها، لم يسمع صوته ولم تقرأ أي رسالة موقعة باسمه، فهل هو فعلاً موجود ويقود الحركة؟

حاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تصور أقرب لوضعه في ظل وضع حساس ومعقد لا يسمح حتى بطرح أسئلة حول الرجل.

وقالت مصادر من داخل حركة «حماس» في قطاع غزة لـ«الشرق الأوسط»، إن لا أحد في «حماس» يعرف مكان السنوار تحديداً، لا في الداخل ولا الخارج، لكن أفراداً موثوقين يعرفون ذلك ويشكلون حلقة وصل بينه وبين باقي قيادات الحركة عند الضرورة.

وأضافت: «هذه الدائرة الصغيرة تعمل على تأمين احتياجاته، وتؤمن تواصله مع قيادات الحركة بالداخل والخارج، بطرق معقدة».

صورة وزعها الجيش الإسرائيلي في 17 ديسمبر الماضي لمحمد السنوار، شقيق يحيى، في سيارة داخل أحد أنفاق «حماس» قرب معبر إيرز شمال قطاع غزة (الجيش الإسرائيلي - رويترز)

ويعتقد أن محمد السنوار، شقيق يحيى، وهو قائد كبير في «القسام» إلى الحد الذي يرجح معه مراقبون أن يقود «الكتائب» خلفاً لمحمد الضيف إذا ما اتضح فعلاً أن إسرائيل اغتالته، هو الذي أشرف ويشرف على مخبأ وتحركات السنوار.

ومحمد السنوار مطلوب لإسرائيل بشدة كونه أحد مهندسي هجوم السابع من أكتوبر وتربطه بشقيقه علاقة مميزة وخاصة.

وأكد مصدر «الشرق الأوسط» أن السنوار الغائب عن الظهور العلني بشكل تام ليس غائباً عن الحركة. وأضاف أنه على تواصل دوري مع الجميع بطرق مختلفة.

وأوضح مصدر ثانٍ مطلع أن السنوار منذ بداية الحرب الحالية حرص بشكل دوري على إرسال رسائل داخلية وخارجية، تتعلق بطبيعة العمل، وكيفية مواجهة الصعوبات والمعيقات التي فرضتها الحرب على واقع العمل السياسي والعسكري وحتى الخدماتي.

وقال المصدر: «السنوار كان في الكثير من المحطات حاضراً، وقد ينقل تعليمات مرة كل أسبوعين وأحياناً مرة كل شهر لمسؤولي الحركة، وفي بعض الأحيان كانت تصل منه تعليمات لقادة العمل السياسي والحكومي مرة أسبوعياً».

وحسب المصدرين، فإن هذه الرسائل والتعليمات كانت تصل مكتوبة باليد وأحياناً مطبوعة وتحمل توقيعه، لكن لا أحد يعرف كيف يتم نقلها. وترجح المصادر أنه اعتمد على نقل يدوي بسرية تامة من شخص إلى آخر.

لكن اللافت أن السنوار كذلك كان على اتصال هاتفي مباشر مع قادة الحركة في مناسبات محددة تتعلق بظروف مفصلية.

وقال مصدر كبير لـ«الشرق الأوسط» إنه بعد تهيئة وضع أمني محدد، استطاع السنوار إجراء محادثات هاتفية، مضيفاً: «كان ترتيب ذلك يتطلب وقتاً طويلاً لكن تم في النهاية».

وأضاف المصدر من خارج قطاع غزة أنه إضافة إلى اتصالاته القليلة جداً، فإنه في مرتين على الأقل، نُقلت رسائل مكتوبة منه، ورسالة واحدة مسجلة صوتياً للوسطاء حول بعض القضايا التي تتعلق بمصير المفاوضات، خصوصاً عند وصولها لوقت حرج.

وأكد المصدر أن السنوار كان على اطلاع كامل بتفاصيل جولات المفاوضات، وكل مبادرة كان يتم تقديمها كان يعمل على دراستها جيداً ويبدي رأيه فيها ثم يتشاور مع قيادات الحركة.

وتابع: «كان يفضل أن يكون حاضراً في إدارة معركة المفاوضات، لأنه يعرف كيف يفكر الإسرائيليون».

وحسب المصدر، فإن السنوار بخلاف ما يتوقعه أو يروج له الكثيرون، كان من الشخصيات القيادية التي دعمت بشكل كبير تقديم مرونة في العديد من مراحل المفاوضات، وهذا الموقف فاجأ حتى الوسطاء.

وأضاف: «معروف أنه مفاوض عنيد يريد تحقيق شروط عليها إجماع فلسطيني. لكنه يريد وبقوه وقف نزيف الدم المتدفق ويريد لهذه الحرب أن تنتهي».

دمار موقع استهدفته إسرائيل في المواصي قرب خان يونس يوم 13 يوليو الماضي ضمن عمليات استهداف قائد «القسّام» محمد الضيف (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن السنوار كان حاضراً، حسب مصادر «الشرق الأوسط»، في الكثير من التفاصيل، لكن إسرائيل عجزت في الوصول إليه.

ولم تنجح في عملية واسعة شنتها في جميع مناطق محافظة خان يونس بداية العام الحالي، على مدار 3 أشهر من الوصول إلى السنوار، فوق أو تحت الأرض، كما لم تنجح في الوصول إليه بأي مكان بالقطاع. وهاجمت خان يونس مرة ثانية بلا طائل، واليوم تجد نفسها في خضم عملية جديدة واسعة في مسقط رأس السنوار، بعد أيام من اختياره زعيماً لحركة «حماس».

يحيى السنوار زعيم «حماس» الجديد (أ.ب)

وأعلن قائد الجيش الإسرائيلي هيرتسي هاليفي أن اختيار السنوار على رأس «حماس» لا يغير شيئاً، بل سيسرع في الوصول إليه.

وعلقت مصادر ميدانية على عملية خان يونس بقولها إن الاحتلال أراد من خلال هذه العملية الجديدة الانتقام من الناس بعد اختيار السنوار قائداً لحركة «حماس»، وكأنه يريد تحميل المدنيين مسؤولية هذا الاختيار، لإجبارهم على التعاون معه بكل الطرق والأساليب في محاولة للوصول إليه.

وأضافت: «في خضم العملية ألقوا للناس مناشير تحرض عليه. هدفهم واضح».

لكن كما تقول المصادر: «لا أحد من الناس الذين تستهدفهم إسرائيل يعرف مكان السنوار. ولا أحد يعرف إذا كان فوق أو تحت الأرض».


مقالات ذات صلة

لماذا عادت «حماس» لرفع الرايات والتهديد بـ«7 أكتوبر جديد»؟

المشرق العربي أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي - إسرائيلي بخان يونس في فبراير 2025 (رويترز)

لماذا عادت «حماس» لرفع الرايات والتهديد بـ«7 أكتوبر جديد»؟

لوحظ مؤخراً رفع رايات «القسام» وكذلك خروج مسلحين من «حماس» في الجنازات، إلى جانب ترديد شعارات من أبرزها «خيبر خيبر يا يهود.. 7 أكتوبر سوف يعود».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جثمان الطفلة سوار التي قتلت في غارة إسرائيلية على خان يونس 30 يونيو الماضي (أ.ب)

الحرب الأميركية على إيران تقلص الاهتمام بمصير قطاع غزة

تراجع الاهتمام بقطاع غزة الذي شهد حرباً إسرائيلية أفضت إلى وقف هش لإطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي جندي إسرائيلي في موقع يشرف على «الخط الأصفر» في وسط قطاع غزة 26 مايو الماضي (أ.ب)

1000 يوم على حرب غزة... هكذا تحرك إسرائيل «الخط الأصفر» لتوسيع احتلالها

ترصد «الشرق الأوسط» ميدانياً كيف توسعت إسرائيل بشكل ملحوظ في سيطرتها على مناطق جديدة داخل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)

إسرائيليون يحيون ذكرى 1000 يوم على «7 أكتوبر» بمظاهرات وانقسامات

أحيا إسرائيليون ذكرى مرور 1000 يوم على هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023، بمظاهرات ونشاطات أظهرت عمق الشرخ في المجتمع والخلافات الحادة حول القضايا الجوهرية.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص النيران مندلعة بمبنى سكني قصفته إسرائيل خلال استهداف القائد العسكري لـ«حماس» عز الدين الحداد بحي الرمال في مدينة غزة ليل 15 مايو 2026 (إ.ب.أ) p-circle 02:39

خاص كيف حددت «حماس» متهمين في اغتيال قائدين لـ«القسام»؟

تحدثت مصادر من «حماس» إلى «الشرق الأوسط» عن تفاصيل تحديد هوية متهمين في اغتيال عز الدين الحداد ومحمد عودة، مؤكدة أنه سيتم الإعلان عن إعدام «متهم» جديد قريباً.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مجلس الشعب السوري يلتئم الاثنين في أولى جلساته بعد الإطاحة بالنظام السابق

مقر مجلس الشعب السوري (سانا)
مقر مجلس الشعب السوري (سانا)
TT

مجلس الشعب السوري يلتئم الاثنين في أولى جلساته بعد الإطاحة بالنظام السابق

مقر مجلس الشعب السوري (سانا)
مقر مجلس الشعب السوري (سانا)

تنطلق، الاثنين، أولى جلسات مجلس الشعب السوري بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، في ظل تحديات كبرى أبرزها التحدي الأمني الذي عاد ليفرض نفسه، بعد انفجار دموي استهدف محيط القصر العدلي، وسلسلة هجمات على قوى الأمن في مناطق متفرقة بدت كرسائل متزامنة مع استكمال البناء القانوني لمؤسسات الدولة الجديدة، وصولاً إلى اعتماد دستور دائم وإجراء ‏انتخابات تشريعية جديدة للبلاد.

سيدة في حلب تدلي بصوتها في أول انتخابات لمجلس الشعب السوري بعد الإطاحة ببشار الأسد (رويترز)

ومرّ تشكيل مجلس الشعب بظروف استثنائية، حيث شهدت البلاد حالة من الانقسام السياسي، وخروج السويداء عن سيطرة الدولة وأحداث الساحل، ومشكلة اندماج «قوات سوريا الديمقراطية»، على ما يقول الباحث السياسي عباس شريفة لـ«الشرق الأوسط»، مضيفاً إلى ذلك «المشكلة التي ورثتها سوريا منذ سقوط نظام الأسد من دمار المدن واللجوء، وهو ما شكل تحديات حالت دون عقد انتخابات مباشرة، وتشكيل مجلس الشعب بناء على الانتخاب غير المباشر والتعيين من قبل رئيس الجمهورية».

وبحسب الباحث، فإن هذا «يفرض المزيد من التحديات على المجلس تتعلق بدوره بناء على مقررات الإعلان الدستوري الذي أناط به مهمة التشريع والمصادقة على مراسم رئيس الجمهورية».

ويضيف أن «المجلس قادر على تخفيف حدة الظروف الداخلية والخارجية» من خلال مناقشة كل القضايا المصيرية داخل قبة البرلمان، وتطوير البنية التشريعية التي من شأنها تنظيم المشهد الاقتصادي والإداري والسياسي، وكذلك مهمة كتابة الدستور الدائم الذي سينقل سوريا من مرحلة الانتقال السياسي إلى مرحلة الاستقرار السياسي».

وبحسب «الإعلان الدستوري» لعام 2025، يتولى مجلس الشعب السلطة ‏التشريعية خلال المرحلة الانتقالية لمدة ثلاثين شهراً قابلة للتجديد، إلى حين اعتماد دستور ‏دائم وإجراء انتخابات تشريعية جديدة.‏

انتخابات عين العرب - كوباني بمحافظة حلب لممثليها في مجلس الشعب 24 مايو الماضي (مجلس الشعب السوري الصفحة الرسمية)

وتشمل المهام الدستورية للمجلس اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل التشريعات النافذة أو ‏إلغاءها، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة، والعفو العام، ‏وعقد جلسات استماع للوزراء، إضافة إلى ممارسة الصلاحيات المنصوص عليها في «الإعلان الدستوري» ونظامه الداخلي.‏

ويستند المجلس في أداء مهامه خلال المرحلة الانتقالية إلى الصلاحيات الممنوحة له ‏بموجب «الإعلان الدستوري»، بما يشمل مراجعة التشريعات القائمة وإقرار القوانين ‏والأنظمة اللازمة للمرحلة، وتشكيل لجنة لإعداد مسودة دستور جديد، إلى جانب تحديث ‏المنظومة القانونية بما ينسجم مع متطلبات إعادة الإعمار والتنمية.‏

وسيدير الجلسة الأولى المنتظرة، الاثنين، أكبر أعضاء المجلس سناً، يعاونه أصغر الأعضاء سناً بصفة أميناً ‏للسر، ثم يؤدي الأعضاء القسم الدستوري، لاكتساب الصفة القانونية ‏الكاملة لممارسة مهامهم التشريعية.‏ وينص النظام الانتخابي المؤقت، على أنه في حال تعذر على أحد الأعضاء أداء القسم، يمكنه ذلك في جلسة لاحقة يحددها رئيس المجلس، لكن في حال امتنع العضو عن أداء القسم أو ‏رفضه، يتم إسقاط عضويته وتسمية بديل وفق الأحكام القانونية النافذة.

عضوات منتخبات لمجلس الشعب السوري (الصفحة الرسمية)

كما يجري في الجلسة الأولى انتخاب رئيس للمجلس ونائبه وأميني سر بالاقتراع السري، ثم تنتقل ‏إدارة الجلسة إلى الرئيس المنتخب، ليباشر إدارة أعمال المجلس بتحديد موعد ‏الجلسة التالية، ودعوة رئيس الجمهورية إلى حضورها لإلقاء كلمته خلالها، وبذلك تستكمل إجراءات مباشرة المجلس أعماله الدستورية بصورة رسمية. ‏والبدء بإعداد النظام الداخلي خلال الشهر الأول من انعقاده، تمهيداً لتنظيم أعماله ولجانه الدائمة وآليات مناقشة ‏مشروعات القوانين وممارسة صلاحياته الرقابية والتشريعية.

ويبلغ عدد أعضاء مجلس الشعب 210 عضواً، ومع أن الثلث المكمل جاء ليرمم الفجوات التي ظهرت في نتائج عملية الانتخابات غير المباشرة، لا سيما رفع حصة التمثيل النسائي من ست عضوات إلى 21، فإن عشرات السيدات في حلب نظمن وقفة أمام «جامعة حلب»، احتجاجاً على تدنّي نسبة تمثيل النساء، لا سيما في محافظة حلب والتي لم تتجاوز نسبة 1 في المائة، وهو ما يعّد اجحافاً بحقهن.

من الوقفة الاحتجاجية النسائية في حلب احتجاجاً على ضعف تمثيل النساء في مجلس الشعب (فوكس نيوز حلب)

ويشار إلى أنه وبعد أقل من 24 ساعة على إعلان استكمال تشكيل مجلس الشعب للفترة الانتقالية بتعيين رئيس الجمهورية قائمة الثلث المكمل، الأربعاء الماضي، شهد محيط القصر العدلي وسط العاصمة انفجاراً في «مقهى المشيرية» الذي يرتاده عادة المحامون، فيما اعتبر رسالة من أطراف تعمل على زعزعة الاستقرار وعرقلة مسار العدالة الانتقالية الذي انطلق في الفترة الماضية بمحاكمة عدد من رموز النظام السابق.

وللجلسات الأولى للمجلس أهمية خاصة كأساس لبدء ممارسة السلطة التشريعية ضمن الفترة الانتقالية. وينص النظام الانتخابي المؤقت للمجلس، وفق المرسوم رقم /143/ لعام 2025، على أن يدعو رئيس «اللجنة العليا للانتخابات» في الجلسة الأولى، الأعضاء إلى الاجتماع في مقر المجلس خلال ‏المدة القانونية المحددة بعد صدور مرسوم تسمية الأعضاء، وتكون هذه آخر المهام ‏الموكلة إلى «اللجنة العليا» قبل انتقال المسؤولية إلى مجلس الشعب الجديد.


«التحقيق الوطنية بأحداث السويداء»: المحاسبة ستطال من أشعل الفتنة وحرّض

صورة جوية لمدينة السويداء وسط الاشتباكات في يوليو 2025 (د.ب.أ)
صورة جوية لمدينة السويداء وسط الاشتباكات في يوليو 2025 (د.ب.أ)
TT

«التحقيق الوطنية بأحداث السويداء»: المحاسبة ستطال من أشعل الفتنة وحرّض

صورة جوية لمدينة السويداء وسط الاشتباكات في يوليو 2025 (د.ب.أ)
صورة جوية لمدينة السويداء وسط الاشتباكات في يوليو 2025 (د.ب.أ)

أكدت «لجنة التحقيق الوطنية» في أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء السورية العام الماضي أن المحاسبة «ستطال من أشعل الفتنة ومن حرّض عليها، ولن يكون هناك تسامح مع أي شخص ارتكب انتهاكاً».

وكانت وزارة العدل قد أعلنت بدء جلسات محاكمة المتهمين، اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) الحالي. ورأت مصادر محلية في السويداء أن المحاسبة «إذا سارت بشكل قانوني لتحقيق العدل والإنصاف، فإن ذلك سيكون خطوة مهمة على طريق حل مشكلة السويداء»، في حين شككت مصادر أخرى في «جدية الحكومة في محاكمة المتهمين».

إجراءات أمنية إضافية في محيط قصر العدل بعد التفجير (أ.ف.ب)

وقال المتحدث باسم «لجنة التحقيق»، المحامي عمار عز الدين، لقناة «الإخبارية السورية»، إن اللجنة حرصت على التقيد بشروط المحاكمات العادلة، مؤكداً أهمية علنية المحاكمات.

وأعلن أن الجلسة الثانية من المحاكمات ستكون في 13 يوليو (تموز) الحالي، وحضور جلسات المحاكمات متاح للراغبين في ذلك، مشيراً إلى أن عدد المتهمين في أحداث السويداء «غير قابل للحصر في المرحلة الحالية بسبب استمرار التحقيقات».

وشدد على أن الدولة «جادة في موضوع المحاسبة لجميع مرتكبي الانتهاكات، وأن القبض على أي شخص لا يعني ثبوت ارتكابه للانتهاكات قبل استكمال التحقيقات».

وبيّن عز الدين أن عشرات المتهمين من مختلف الأطراف «يخضعون حالياً لإجراءات المحاكمة، وسيادة القانون تطبق على الجميع دون استثناء مهما كانت الرتبة أو المنصب». وأضاف: «المحاسبة ستطال من أشعل الفتنة ومن حرّض عليها، ونشدد على أنه لن يكون هناك تسامح مع أي شخص ارتكب انتهاكاً، ونحرص على أن تكون المحاكمة عادلة للضحايا والمتهمين».

وشهدت محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية الواقعة جنوب سوريا في يوليو 2025، أعمال عنف أسفرت عن مقتل أكثر من 2000 شخص، بينهم 789 مدنياً درزياً، وفق وسائل إعلام سورية. ووثّقت «لجنة التحقيق الوطنية» التي شكلتها السلطات السورية مقتل 1760 شخصاً على الأقل، وفق ما جاء في تقرير عرضته في مارس (آذار) الماضي.

عناصر من المسلحين الموالين للشيخ حكمت الهجري خلال دورية في السويداء (أرشيفية - أ.ف.ب)

وكانت اللجنة قد أعلنت، عقب تشكيلها، عن إعداد «قائمة مشتبه بهم من (وزارتي) الدفاع والداخلية وفصائل درزية ومدنيين بينهم بدو وعشائر، بارتكاب جرائم وانتهاكات جسيمة».

ويوم الجمعة، قال رئيس «لجنة التحقيق»، القاضي حاتم النعسان، في تصريح نشرته وزارة العدل على معرفاتها: «إن النيابة العامة العسكرية باشرت إحالة عدد من الأشخاص إلى قاضي التحقيق»، مشيراً إلى أن بعض القضايا أحيلت إلى «محكمة الجنايات العسكرية في دمشق».

وأضاف النعسان أن المحكمة بدأت النظر فيها «بجلسات علنية بدايةً من 1 يوليو بحضور المتهمين ووكلائهم ووفق الإجراءات المنصوص عليها في القوانين النافذة وضمانات المحاكمة العادلة»، موضحاً أن الغاية من هذه الإجراءات «التحقق من الوقائع ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن أي انتهاكات... بصرف النظر عن صفته أو الجهة المنسوبة إليها الأفعال».

من جهته، رأى ناشط سياسي في السويداء، فضل عدم الكشف عن اسمه، في إعلان الحكومة «محاولة لا بأس بها، لكنها ليست على مستوى الحدث لأن القضية أعقد من مسألة محاكمات جنائية، والمشهد سياسي أكثر مما هو جنائي».

الشيخ حكمت الهجري يتوسط أتباعه من عناصر «الحرس الوطني» (السويداء 24)

وأضاف الناشط لـ«الشرق الأوسط»: «ما حصل في السويداء كان نتيجة خلل وجميع الأطراف تتحمل المسؤولية فيه، وسلطة الأمر الواقع في السويداء تتحمل جزءاً كبيراً من هذه المسؤولية، لكن الجزء الأكبر تتحمله الدولة بصفتها الراعي لكل المواطنين في البلاد».

وعدّ الناشط أن تطبيق «خريطة الطريق» التي أٌعلن عنها في سبتمبر (أيلول) الماضي من دمشق لحل أزمة السويداء بدعم أميركي وأردني، «مسألة لا بد منها، ولكن تطبيق الخريطة يخضع لمعايير الصراع مع إسرائيل التي تتخذ من المحافظة ورقة للمساومة حول مواضيع تتعلق بجبل الشيخ، وانتهاكاتها في جنوب سوريا».

مصدر محلي في مدينة السويداء مناهض لسياسات رئيس طائفة الموحدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، وما يُعرف بـ«الحرس الوطني» الذي سيطر على أجزاء واسعة من السويداء إثر تفجر الأزمة، أكد «أننا مع محاسبة المتورطين بالأحداث الأخيرة من الجانبين مع استثناء من كان يدافع عن بيته وأهله وبلده».

لكن المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه، أضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا نرى أن الحكومة جادة في محاسبة ومساءلة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت في السويداء، والأمر لا يتجاوز الإعلام فقط»، مشيراً إلى أن من «ألقي القبض عليهم هم جزء بسيط من الجناة وقد أدانوا أنفسهم بمقاطع الفيديو التي انتشرت من هواتفهم المحمولة، ورغم مضي نحو عام على الأحداث، لم نسمع بمحاكمة أحد». وفي الوقت نفسه عدّ المصدر أن المحاسبة «إذا سارت بالشكل القانوني العادل، ولتحقيق العدل والإنصاف يكون الأمر خطوة مهمة على طريق حل مشكلة السويداء».

قوات الأمن السورية بالقرب من لافتة طريق مدينة السويداء يوم 15 يوليو 2025 (رويترز)

ومن جانبها، شككت السيدة ميساء العبد الله، المقيمة في مدينة السويداء، في «جدية الحكومة السورية بمحاكمة المتهمين بارتكاب أعمال العنف في المحافظة».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «موقفي وتوجهي مما يجري في السويداء معروف بأنني ضد موقف الفصائل هنا، وفي الوقت نفسه السلطة لم تقم بأي خطوة تجعل الأهالي هنا يثقون بها، وهي تساهم بإبعاد السويداء عنها وعن دمشق وعن السوريين، ومن غير المعروف إن كان ذلك يتم بشكل مقصود أو غير مقصود»، على حد تعبيرها.


هل تلوح مواجهة جديدة بين الصدر و«الإطار التنسيقي»؟

أنصار مقتدى الصدر يلوّحون بالعلم العراقي خلال مظاهرة دعماً لإجراءات الحكومة العراقية لمكافحة الفساد في النجف (أ.ب)
أنصار مقتدى الصدر يلوّحون بالعلم العراقي خلال مظاهرة دعماً لإجراءات الحكومة العراقية لمكافحة الفساد في النجف (أ.ب)
TT

هل تلوح مواجهة جديدة بين الصدر و«الإطار التنسيقي»؟

أنصار مقتدى الصدر يلوّحون بالعلم العراقي خلال مظاهرة دعماً لإجراءات الحكومة العراقية لمكافحة الفساد في النجف (أ.ب)
أنصار مقتدى الصدر يلوّحون بالعلم العراقي خلال مظاهرة دعماً لإجراءات الحكومة العراقية لمكافحة الفساد في النجف (أ.ب)

يبدو أن قرار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الانتقال من الصمت إلى الدعم العلني للحملة التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي ضد الفساد يمثل نقطة تحول في التوازنات السياسية العراقية؛ إذ يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع قوى «الإطار التنسيقي»، بعدما كانت المنافسة بين الطرفين تدور خلال السنوات الماضية عبر أدوات سياسية وانتخابية أكثر منها مواجهة مفتوحة.

وجاء أول رد فعل بارز من زعيم ائتلاف «دولة القانون» ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي دافع عن «الإطار التنسيقي» بوصفه مشروعاً سياسياً أثبت نجاحه، في إشارة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها محاولة لاحتواء الضغوط المتزايدة التي تواجه التحالف الشيعي الحاكم.

تأتي هذه التطورات في وقت بدأت فيه مؤشرات تباين داخل قوى «الإطار التنسيقي»، الذي تشكل بعد انتخابات 2021 بديلاً عن التحالفات الشيعية التقليدية التي تعاقبت منذ انتخابات 2005، بدءاً من «الائتلاف العراقي الموحد» الذي قيل إنه حظي آنذاك بدعم المرجعية الدينية، مروراً بـ«التحالف الوطني»، وصولاً إلى الصيغة الحالية التي برزت بعد خروج التيار الصدري من معادلة الحكم.

صورة أرشيفية لزعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (رويترز)

صمت الصدر

كان الصدر قد حاول عقب انتخابات 2021 تشكيل حكومة «أغلبية وطنية» تضم «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، وتحالفاً سنياً كان يقوده رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، إلا أن المشروع تعثر بسبب ما عُرف بـ«الثلث المعطل»، الذي حال دون انتخاب رئيس الجمهورية وفق الأغلبية المطلوبة دستورياً، ما أدى إلى استمرار حالة الانسداد السياسي.

وفي صيف 2022، قرر الصدر سحب نوابه من البرلمان، معلناً انسحابه من العملية السياسية. وقال مخاطباً أعضاء كتلته البرلمانية آنذاك: «قررت الانسحاب من العملية السياسية كي لا أشترك مع الفاسدين بأي صورة من الصور». وأضاف أنه لن يشارك في أي انتخابات في «وجود الفاسدين»، داعياً أنصاره إلى الحفاظ على تنظيمهم السياسي والشعبي استعداداً لأي مرحلة مقبلة إذا تغيرت الظروف.

منذ ذلك الحين، قاطع الصدر الانتخابات اللاحقة، بما فيها الانتخابات الأخيرة، رغم الدعوات المتكررة التي وُجهت إليه، بما في ذلك من خصومه داخل «الإطار التنسيقي»، للعودة إلى العملية السياسية.

«مكافحة الفساد» تغير المعادلة

التطور الأبرز جاء مع حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها حكومة علي الزيدي، والتي بلغت ذروتها باعتقال 21 شخصية سياسية وبرلمانية في ما عُرف بعملية «صولة الفجر».

وزادت الحملة زخماً بعدما أعلن القاضي ضياء جعفر، الذي يتولى التحقيق في القضية، أن جزءاً من الأموال المنهوبة استُخدم في تمويل حملات انتخابية، وهو تصريح أثار تساؤلات واسعة بشأن نزاهة العملية الانتخابية الأخيرة، ومدى تأثير المال السياسي على نتائجها.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات وفرت للصدر أرضية سياسية تتقاطع مع مواقفه التي أعلنها منذ انسحابه من البرلمان، والقائمة على رفض المشاركة في نظام يعتبره مشوباً بالفساد.

رئيس الحكومة العراقية علي فالح الزيدي (إعلام حكومي)

خيار تسوية أم إعادة تشكيل؟

جاء اختيار علي الزيدي لرئاسة الحكومة بعد فشل قوى «الإطار التنسيقي» في التوافق على مرشح من داخل صفوفها. فبعد استبعاد منح رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني ولاية ثانية، وتعثر فرص ترشيح نوري المالكي وسط اعتراضات داخلية وخارجية، اتجهت القوى السياسية إلى اختيار شخصية من خارج الطبقة السياسية التقليدية.

ويُنظر إلى الزيدي، وهو رجل أعمال في الأربعينيات من عمره، على أنه يمثل خياراً مقبولاً بالنسبة لواشنطن، في مقابل موقف إيراني اتسم بالحذر وعدم الحماس المعتاد، في ظل تراجع النفوذ الإيراني داخل العراق مقارنة بالسنوات السابقة.

كما لفتت مواقف الزيدي الانتباه منذ الأيام الأولى لتوليه المنصب، سواء بعدم مشاركته في مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، التي حضرها عدد من قادة «الإطار التنسيقي» والوفد الرسمي العراقي برئاسة رئيس الجمهورية نزار أميدي، أو من خلال إعلانه عزمه تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، مع توقعات بزيارة إلى واشنطن خلال أسابيع.

في الداخل، أعلن الزيدي عزمه المضي في نزع سلاح الفصائل المسلحة، مانحاً تلك الفصائل مهلة تنتهي في سبتمبر (أيلول)، وهو ملف أخفقت الحكومات العراقية المتعاقبة في حسمه بسبب تعقيداته السياسية والأمنية.

أنصار مقتدى الصدر يلوّحون بالعلم العراقي خلال مظاهرة دعماً لإجراءات الحكومة العراقية لمكافحة الفساد في النجف (أ.ب)

الصدر يكسر الصمت

جاءت النقطة الفاصلة عندما أعلن الصدر تبنيه الكامل لحملة مكافحة الفساد، واصفاً الزيدي بـ«جندي الإصلاح»، في خطوة تجاوزت حدود التأييد السياسي إلى منح الحكومة غطاءً جماهيرياً واسعاً.

وأعقب ذلك خروج مظاهرات مؤيدة للحملة، كما بدأ قادة التيار الصدري الانخراط في دعمها بعد أشهر من الالتزام بالصمت في انتظار توجيهات الصدر.

ويرى مراقبون أن هذا التطور يمثل أول اصطفاف سياسي وشعبي واسع ضد القوى المهيمنة على السلطة منذ عام 2003، خصوصاً أن حملة مكافحة الفساد طالت شخصيات محسوبة على قوى نافذة داخل «الإطار التنسيقي».

يزيد من حساسية المشهد أن أولويات حكومة الزيدي، وفي مقدمتها مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، تتقاطع مع أولويات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه العراق، وهو ما يخلق، بحسب محللين، تقاطعاً في المصالح بين واشنطن والتيار الصدري، رغم التباينات الجوهرية بينهما في ملفات أخرى.

ضغوط على «التنسيقي»

لا يعني هذا التقاطع وجود تحالف سياسي مباشر بين الصدر والإدارة الأميركية، لكنه يمنح الحكومة دعماً من طرفين كان يُنظر إليهما تقليدياً على أنهما يقفان على طرفَي نقيض في المشهد العراقي، الأمر الذي يضاعف الضغوط على «الإطار التنسيقي».

وفي مواجهة هذه التطورات، سارع نوري المالكي إلى الدفاع عن «الإطار التنسيقي»، مؤكداً في تدوينة على منصة «إكس» أن التحالف «شكّل حاضنة للعملية السياسية الوطنية»، وأن نجاحه تجسد في تشكيل ثلاث حكومات متعاقبة.

وأضاف أنه «لا يوجد ما يدعو إلى التخلي عن مشروع أثبت نجاحه»، مؤكداً أن «(الإطار) سيبقى إطاراً كما تأسس، محافظاً على ثوابته وهويته ومؤسسيه»، معتبراً أن أي تطوير ينبغي أن يقتصر على آليات العمل والأداء، لا أن يمس جوهر المشروع.