اغتيال شكر يطوي صفحة «الرعيل الأول» من قادة «حزب الله»

«مجموعة العشرة» المؤسسة... والقادة العسكريون قضوا على الجبهات أو اغتيالاً

صورة أرشيفية تجمع قادة مركزيين بـ«حزب الله» تعرضوا لاغتيال: من اليمين عماد مغنية وفؤاد شكر ومصطفى بدر الدين (الإعلام الحربي)
صورة أرشيفية تجمع قادة مركزيين بـ«حزب الله» تعرضوا لاغتيال: من اليمين عماد مغنية وفؤاد شكر ومصطفى بدر الدين (الإعلام الحربي)
TT

اغتيال شكر يطوي صفحة «الرعيل الأول» من قادة «حزب الله»

صورة أرشيفية تجمع قادة مركزيين بـ«حزب الله» تعرضوا لاغتيال: من اليمين عماد مغنية وفؤاد شكر ومصطفى بدر الدين (الإعلام الحربي)
صورة أرشيفية تجمع قادة مركزيين بـ«حزب الله» تعرضوا لاغتيال: من اليمين عماد مغنية وفؤاد شكر ومصطفى بدر الدين (الإعلام الحربي)

يغلق اغتيال القيادي العسكري البارز في «حزب الله» فؤاد شكر، صفحة قيادات «الرعيل الأول» المؤسس للحزب في بدايات الثمانينات من القرن الماضي، والذين قضوا بأكملهم في معارك عسكرية أو نتيجة اغتيالات، فيما يعد شكر المشترك بين مجموعتين؛ الأولى هي «مجموعة الـ82» التي خرجت من مسجد في منطقة الأوزاعي إثر اجتياح إسرائيل لبيروت في 1982، وتتألف من عشرة أشخاص، كان شكر آخرهم، والثانية هي مجموعة القادة العسكريين الذين تناوبوا على قيادة الجناح العسكري منذ الثمانينات، وكان شكر أولهم في تلك المهمة.

و«مجموعة الـ82» المعروفة بهذا الاسم في أوساط الحزب، هي عبارة عن عشرة أشخاص اجتمعوا في بدايات الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982، في جامع من منطقة الأوزاعي بجنوب بيروت. كان هؤلاء، حسب ما يقول مواكبون للحزب، من الملتزمين دينياً والمتأثرين بثورة الخميني الإسلامية في إيران. قرروا مقاومة الاجتياح الإسرائيلي للبنان بدءاً من بيروت ومعركة خلدة (مدخل العاصمة الجنوبي)، ثم انتقلوا إلى القتال في الجنوب.

مجموعة الرعيل الأول

وتألفت تلك المجموعة من: حسن شكر، عاصي زين الدين، سمير مطوط، محمود يوسف، محمد حسونة، فؤاد شكر، أسعد برو، محمد نعمة يوسف، جعفر المولى، وأحمد شمص.

ويتحدر معظمهم من البقاع في شرق لبنان، وكانوا يسكنون منطقة الأوزاعي، وهي منطقة فقيرة ومهمشة. والمفارقة أن جميع هؤلاء قتلوا في الثمانينات، خلال مرحلة الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، ولم يبقَ منهم إلا شكر الذي اغتالته إسرائيل الثلاثاء.

سمير مطوط أحد أعضاء مجموعة العشرة المعروفة في الحزب باسم «مجموعة الـ82» (إعلام حزب الله)

تلك المجموعة المتحدرة من الأوزاعي، التقت مع مجموعات أخرى كانت موجودة في قلب الضاحية الجنوبية، خرج منها قائدان للجناح العسكري للحزب هما: عماد مغنية ومصطفى بدر الدين وآخرون. ويقول العارفون بهذه التجربة إن الحزب «لم يكن يعمل وفق هيكلية تنظيمية واضحة، بل كان عبارة عن خلايا، تتقاطع وتنسق فيما بينها ومع قوى أخرى تقاتل إسرائيل في الجنوب»، والتقت كل المجموعات في الجنوب خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي، وتبلورت لاحقاً بدءاً من عام 1985 ضمن هيكلية عسكرية منظمة وواضحة، وتتلقى تدريبات من «الحرس الثوري» الإيراني، وكان شكر من أوائل الذين تولوا قيادة الجسم العسكري المركزي في الحزب، بدءاً من 1985 وحتى عام 1992.

آخر ثلاثة ظهروا في صورة مع نصرالله وسليماني

وشكر، الوحيد الذي بقي من المجموعة الأولى، هو آخر ثلاثة أيضاً يُنسب لهم تنظيم وتطوير الجسم العسكري في «حزب الله»، وتدريب المقاتلين وتسليحهم ورفدهم بالأسلحة الدقيقة والمتطورة. وهم ثلاثة ظهروا في صورة واحدة لم يُعرف تاريخها، إلى جانب أمين عام «حزب الله» حسن نصرالله، والقائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني الجنرال قاسم سليماني الذي اغتالته طائرات أميركية في مطلع عام 2020 في بغداد. كانت الصورة المتداولة في السابق إثر اغتيال سليماني، تظهر شكر يتوسط عماد مغنية ومصطفى بدر الدين بوجه مظلل، قبل أن يُكشف عن وجهه في الصورة التي بثها «الإعلام الحربي» بعد اغتياله.

سليماني ونصرالله ومغنية وشكر وبدر الدين في صورة أرشيفية (إعلام حزب الله)

وقضت القيادات المركزية الثلاثة اغتيالاً في عمليات تُنسب إلى إسرائيل. فقد تعرض مغنية لاغتيال بانفجار سيارته في دمشق في فبراير (شباط) 2008، فيما تعرض بدر الدين لاغتيال بصاروخ أصاب مركزاً عسكرياً للحزب بريف دمشق في مايو (أيار) 2016، وتضاربت المعلومات حول هوية المنفذ بين المعارضة السورية التي سارعت إلى تبني العملية، وتقديرات لدى الحزب بأن إسرائيل تقف وراء الهجوم. أما شكر فاغتالته غارة إسرائيلية، الثلاثاء الماضي، استهدفت منزلاً يشغله في حارة حريك بضاحية بيروت الجنوبية.

تعليق العمليات في الجنوب

لم يعلن «حزب الله» عن أي عملية عسكرية ضد المواقع الإسرائيلية طوال 48 ساعة، بدأت منذ مساء الثلاثاء، في مؤشر واضح على تعليق النشاط العسكري العائد إلى احتمالين؛ أولهما الشغور في سدة القيادة العسكرية المركزية في الحزب، إثر اغتيال قائدها فؤاد شكر، حسبما يقول خبراء، وثانيهما استعدادات الحزب للرد على الاغتيال الذي حصل في عمق الضاحية الجنوبية لبيروت التي كانت بعيدة عن أي استهداف إسرائيلي.

ولم تختبر الجبهة الجنوبية منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تعليقاً للقتال انطلاقاً من جنوب لبنان، إلا في الهدنة المعلنة في قطاع غزة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وليومين في عيد الفطر، ويومين آخرين في عيد الأضحى، وهما هدنتان كانتا غير معلنتين، أتاحتا للسكان في جنوب لبنان بزيارة قراهم الحدودية لثلاث ساعات صباحاً في كل عيد.

ومنذ السادسة من مساء الثلاثاء، وحتى بعد ظهر الخميس، لم يتبنّ «حزب الله» أي عملية عسكرية، رغم أن الجيش الإسرائيلي نفذ، الخميس، غارة استهدفت بلدة كفركلا، كما تحدثت وسائل إعلام لبنانية عن تحليق مكثف للمسيرات الإسرائيلية في الجنوب، وعن تحليق لطائرات حربية إسرائيلية في البقاع (شرق لبنان). وإلى جانب تعليق النشاط العسكري، لم تصدر تصريحات بارزة عن قيادات «حزب الله» منذ اغتيال شكر، كذلك لم يصدر أي موقف في بيان نعيه، وتُرك الأمر لأمين عام الحزب حسن نصرالله.

ويرى خبراء مواكبون لعمل «حزب الله» أن تعليق التصريحات بانتظار إعلان نصرالله، ينسحب على الجبهة العسكرية القائمة في جنوب لبنان، بالنظر إلى أن الحزب «يتخذ قراراته بعد مشاورات ويترك الإعلان عنها في أحداث مشابهة لأمينه العام». ويذكر هؤلاء بأن الحزب «تعامل مع الاغتيالات الثلاثة بنفس المعيار»، في إشارة إلى التعامل مع اغتيال مغنية وبدر الدين وشكر. ويشير هؤلاء إلى أن الحزب «يترك المواقف لنصرالله الذي يعلنها بعد حصيلة محادثات داخلية في مجلس الشورى»، وأن تلك المواقف «تحدد مدى التصعيد والرد، أو الانتقال لمرحلة جديدة من العمليات العسكرية».

صورة غير مؤرخة لفؤاد شكر في موقع عسكري لـ«حزب الله» (الإعلام الحربي)

وتتسع التقديرات للحديث عن الشغور في سدة الحزب في هذه المرحلة، مما يؤدي إلى تجميد الأعمال العسكرية، وهي فرضية تتضارب المعلومات بشأنها. ففي حين تشير تقديرات إلى أن العمليات العسكرية تتجمد بعد رحيل قائد المعركة، بانتظار ملء الشغور بالموقع، لا يجزم آخرون من المواكبين لحركة الحزب بهذه الفرضية، ويذكّرون بأن الحزب لم يعلق نشاطه العسكري في سوريا بعد اغتيال مصطفى بدر الدين في عام 2016، وكانت وحدات الحزب تعمل بشكل متواصل من دون تأثير. وتقول مصادر مطلعة على دينامية عمل الحزب إن «تعيين البدائل لا يأخذ وقتاً، وخصوصاً في فترات الحروب»، وأن هناك شخصيات تتولى المهام في حال تأخر التعيين، مثل نائب المسؤول وقادرة الصف الأول في «المجلس الجهادي».


مقالات ذات صلة

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

المشرق العربي رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، اليوم (الثلاثاء)، أن «ما حققته الحكومة بين 5 أغسطس و5 سبتمبر بشأن حصر السلاح بيد الدولة ليس قليلاً».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية آليات ثقيلة تهدم مبنى داخل مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة (أ.ف.ب)

إسرائيل تبدأ عمليات هدم داخل مقر «الأونروا» بالقدس الشرقية

بدأت جرافات إسرائيلية الثلاثاء هدم منشآت داخل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في القدس الشرقية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يرفض مشاركة وحدات تركية أو قطرية بـ«قوة الاستقرار» في غزة

جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، معارضته نشر قوات تركية أو قطرية في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون وأميركيون داخل مركز التنسيق الدولي المدني العسكري الذي تقوده واشنطن ويقام جنوب إسرائيل (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتبنى موقف اليمين ويطلب عدم الانسحاب من غزة

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب عن أن الانتقادات في المؤسسة الأمنية عموماً وفي الجيش الإسرائيلي بشكل خاص تزداد ضد خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص قيادات في «حماس» تستعد لـ«خروج آمن» من غزة... وشكوك حول عودتها play-circle

خاص قيادات في «حماس» تستعد لـ«خروج آمن» من غزة... وشكوك حول عودتها

كشفت مصادر من حركة «حماس» في غزة أن قيادات من التنظيم تستعد للخروج من القطاع «بشكل آمن» ضمن ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي ترعاه واشنطن.

«الشرق الأوسط» ( غزة)

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، اليوم (الثلاثاء)، أن «ما حققته الحكومة بين 5 أغسطس (آب) و5 سبتمبر (أيلول) بشأن حصر السلاح بيد الدولة ليس قليلاً».

وأضاف عون، خلال استقباله السلك الدبلوماسي: «منذ أكثر من 10 أشهر تمكّن الجيش من السيطرة على جنوب الليطاني ونظّف المنطقة من السلاح غير الشرعي».

وقال: «رغم كل الاستفزازات والتخوين والتجريح والتجني سنواصل أداء واجبنا تجاه الدولة».

وتابع: «نؤكد تطلعنا إلى استمرار مسارنا حتى تعود الدولة كاملة تحت سلطة واحدة، وسنوقف نهائياً أي استدراج أو انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا».

وختم: «سنعمل كي يكون جنوب لبنان كما كل حدودنا الدولية في عهدة قواتنا المسلحة حصراً».

وتواصل إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرّت أكثر من عام. وتقول إسرائيل بشكل أساسيّ إن هذه الضربات تستهدف «حزب الله،» وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

وكان الجيش اللبناني أعلن قبل أسبوعين إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع سلاح «حزب الله»، التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة. إلا أن إسرائيل شككت في الخطوة وعدّتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطلبها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
TT

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يُعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وصرح المتحدث الرسمي باسم «الرئاسة المصرية»، محمد الشناوي، في بيان صحافي اليوم، بأن جدول أعمال المنتدى يتضمّن سلسلة من الفعاليات يشارك فيها قادة دول ورؤساء منظمات دولية وإقليمية، إلى جانب ممثلين عن كبرى مؤسسات القطاع الخاص.

وأشار الشناوي إلى أن جلسات المنتدى سوف تتناول موضوعات تتعلق بتعزيز التعاون الدولي، ودعم مسارات الازدهار العالمي، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار بوصفها قاطرة للنمو، فضلاً عن الاستثمار في رأس المال البشري.

ولفت المتحدث إلى أن الرئيس المصري سوف يلتقي على هامش أعمال المنتدى، نظيره الأميركي دونالد ترمب، وذلك للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي.


ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
TT

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية، وسط تصاعد الضغوط الأميركية لحسم المواقف من المبادرة الجديدة.

ويدرك حلفاء واشنطن، وكذلك بعض خصومها وفي مقدّمهم الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ، أن عامل الوقت لا يعمل لصالحهم، مع تكثيف البيت الأبيض ضغوطه على قادة الدول الـ65 المدعوة لتأكيد موقفها من المجلس، وتوقيع الميثاق التأسيسي بحلول الساعة 10:30 صباح الخميس في دافوس. ويتوقّع أن يعرض ترمب ملامح المبادرة التي يروّج لها باعتبارها «إطاراً دولياً جديداً» لإدارة النزاعات، في خطاب أمام قادة الأعمال المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي يوم الأربعاء.

ومع اتساع دائرة الدعوات لتشمل دولاً لا تجمعها علاقات ودية، تتزايد التساؤلات حول طبيعة تفويض «مجلس السلام» وآليات اتخاذ القرار داخله. ويرى دبلوماسيون مجتمعون في دافوس أن المبادرة، التي يُفترض أن تبدأ بملف غزة قبل أن تمتد لاحقاً إلى بؤر ساخنة أخرى حول العالم، قد تُشكّل تحدياً مباشراً لدور الأمم المتحدة، وتعيد رسم قواعد إدارة الصراعات الدولية خارج الأطر التقليدية.

ميثاق المجلس: من غزة إلى النزاعات العالمية

بعد إعلانه المرحلة الثانية من خطة السلام في قطاع غزة في 17 يناير (كانون الثاني)، وجّه البيت الأبيض دعوة إلى أكثر من 60 دولة للانضمام إلى «مجلس السلام»، الذي يشكّل ركناً أساسياً في برنامج أُقرّ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب وقف إطلاق النار في القطاع. وكان الهدف الأصلي من المجلس هو دعم الإدارة الفلسطينية عبر تنسيق جهود إعادة الإعمار وتحفيز التنمية الاقتصادية، بعد عامين من الحرب بين إسرائيل و«حماس».

دافوس تشهد الخميس تدشين «مجلس السلام» (رويترز)

وحظي المجلس حينها بموافقة رسمية بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على أن يقتصر دوره جغرافياً على غزة وينتهي تفويضه في عام 2027. غير أن وثيقة الميثاق التي تسرّبت إلى وسائل الإعلام تكشف عن مراجعة جوهرية في طموحات الرئيس الأميركي، إذ توسّع نطاق المهمة ليشمل «تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات»، من دون أي إشارة مباشرة إلى غزة.

رئاسة دائمة... وعضوية مشروطة

وتشير الوثائق الأولية إلى أن الرئيس ترمب سيحظى برئاسة دائمة للمجلس، فيما تُمنح الدول عضوية لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتحوّل إلى عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار. وفيما لم تتضح بعد الجهة المستفيدة من هذه المساهمات، لمّح مسؤولون أميركيون في تسريبات صحافية إلى أنها ستُخصّص لصندوق إعادة إعمار القطاع الفلسطيني.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار غزة ستتطلب نحو 53 مليار دولار، ما يضيف بعداً مالياً بالغ الحساسية إلى المبادرة.

«استبدال» الأمم المتحدة

يرى ترمب نفسه على نحو متزايد كمهندس عالمي لـ«السلام بالقوة»، ويسعى إلى تكريس هذا الدور عبر طرح إطار دولي جديد يتجاوز، بحسب رؤيته، «بطء آليات العمل داخل الأمم المتحدة» وما يعتبره حالة من «الشلل المؤسسي» التي تعوق الاستجابة للأزمات الدولية.

وعبّر مسؤولون أوروبيون، ولا سيما في أروقة دافوس، عن مخاوفهم من سعي ساكن البيت الأبيض إلى تحجيم دور الأمم المتحدة، أو حتى «استبدالها»، عبر توسيع صلاحيات «مجلس السلام» خارج إطار غزة. وتزداد هذه الهواجس في ظل انعقاد اجتماعات المجلس في غياب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي اعتذر عن المشاركة في أعمال دافوس بسبب إصابته بالزكام، وفق نائب المتحدث باسمه فرحان حق.

«مجلس السلام» لن يكون محصوراً بغزة فقط (أ.ف.ب)

ويشير ميثاق المجلس، الذي نُشرت نسخة منه في وسائل إعلام عدة، إلى أن «العديد من مقاربات بناء السلام تُضفي طابعاً مؤسسياً على الأزمات، بدلاً من قيادة المجتمعات إلى تجاوزها»، داعياً إلى «التحلّي بالشجاعة للابتعاد عن أساليب ومؤسسات أخفقت مراراً في تحقيق أهدافها».

حذر أوروبي وتهديدات مبطّنة

يعمل حلفاء أوروبيون على تنسيق موقف مشترك والسعي لتعديل بنود الميثاق المقترح، بحسب مصادر مطّلعة، في وقت تتكثف فيه المشاورات خلف الكواليس، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة أو في أروقة دافوس المتوتّرة.

ويدرك الأوروبيون أن الوقت ليس في صالحهم مع اقتراب موعد الخميس، ولا سيما في ظل تزامن هذه الجهود مع مرحلة دقيقة من المفاوضات المرتبطة بالحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا، ومع تهديدات ترمب بـ«شراء» غرينلاند الدنماركية.

وكان الموقف الفرنسي الأشد حدّة داخل القارة الأوروبية، إذ استبعد الرئيس إيمانويل ماكرون انضمام باريس إلى المجلس «في هذه المرحلة»، مشيراً إلى تساؤلات جوهرية تتعلق باحترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة. وردّ ترمب لاحقاً بلهجة ساخرة، ملوّحاً في منشور على منصة «تروث سوشال» بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على صادرات فرنسية، قبل أن يستدرك بأن باريس «ليست ملزمة بالمشاركة».

مواقف دولية متباينة

من جانبها، عبّرت إسرائيل عن «تحفّظات» على المجلس. فرغم دعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «مبدأ» «مجلس السلام»، اعتبر مكتبه أن اللجنة المنفصلة المعنية بغزة، والتي يُفترض أن تعمل تحت مظلة المجلس، «لم يتم التنسيق بشأنها مع إسرائيل وتتعارض مع سياستها»، ولا سيما بعد إدراج مسؤولين من قطر وتركيا ضمنها.

في المقابل، أبدت دول أخرى انفتاحاً مشروطاً. وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إنه منفتح «من حيث المبدأ» على الانضمام، مع التشديد على ضرورة مناقشة الشروط. فيما امتنع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن تأييد المبادرة، مكتفياً بالإشارة إلى مشاورات مع الحلفاء.

وفي أميركا اللاتينية، أكّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أنه سيصبح عضواً مؤسساً في المجلس، فيما عرضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها «وسيطاً محتملاً». عربياً، قبل ملك المغرب محمد السادس الانضمام إلى المجلس، ليصبح أول زعيم عربي يؤكد مشاركته، إلى جانب دول مثل فيتنام وكازاخستان والمجر (هنغاريا).

وأبدت موسكو وبكين حذراً لافتاً. فقد أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تلقى دعوة رسمية، وأن موسكو تدرس تفاصيلها. أما الصين، فأكدت تسلّمها الدعوة من دون الإفصاح عمّا إذا كانت ستقبلها، في ظل هدنة تجارية هشّة مع واشنطن.