نصرالله حصر التفاوض بالدولة اللبنانية من دون أن يبرر تغييبه لدور بري

موقفه للاستهلاك المحلي والجنوب في سباق بين الخيارين الدبلوماسي والعسكري

الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله (أ.ف.ب)
الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله (أ.ف.ب)
TT

نصرالله حصر التفاوض بالدولة اللبنانية من دون أن يبرر تغييبه لدور بري

الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله (أ.ف.ب)
الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله (أ.ف.ب)

يدخل جنوب لبنان في مرحلة غير مسبوقة من تصاعد وتيرة المواجهة العسكرية بين «حزب الله» وإسرائيل، مع استعداد رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو لزيارة الولايات المتحدة الأميركية في 24 يوليو (تموز) الحالي، مستبقاً زيارته بتوسيع رقعة الاغتيالات التي توزّعت في الساعات الأخيرة ما بين البقاع الأوسط والجنوب، بالتزامن مع استهدافه، للمرة الأولى، بلدات تقع في نطاق منطقة جنوب الليطاني، واضطرار الحزب لرد صاروخي طال مستوطنات في العمق الإسرائيلي لم تكن مدرجة على لائحة بنك الأهداف المشمولة برده، ويتوخى منها تمرير رسالة إلى تل أبيب بأنه بدأ ينفّذ ما تعهّد به أمينه العام حسن نصرالله في خطابه الذي ألقاه بمناسبة حلول العاشر من محرم.

فالتصعيد الإسرائيلي الذي طال للمرة الأولى بلدات في عمق الجنوب، يأتي في سياق تهديد نتنياهو، كما تقول مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط»، بتوسيع رقعة المواجهة المشتعلة مع «حزب الله»؛ بغية تحسين شروطه وهو يستعد لزيارة واشنطن، بغية رفع سقف التفاوض في حال التوصل إلى وقف للنار في غزة، وعدم تمدده إلى جنوب لبنان ما لم يرضخ الحزب لمطالبه.

وتؤكد المصادر الدبلوماسية أن نتنياهو ماضٍ بتوسعة الحرب على الجبهة الجنوبية، وإنما على طريقته، من دون أن يتجاوز هذه المرة الحدود اللبنانية باجتياحه عدداً من البلدات، لخفض الخسائر البشرية التي يمكن أن يتكبّدها جيشه في هذه الحال، وتدعو إلى تغليب الحل الدبلوماسي على الخيار العسكري، وإن كان نتنياهو بدأ يعتمد على الدبلوماسية الساخنة بفرض أمر واقع لا مفر منه إلا بالتفاوض.

لماذا أناط نصرالله التفاوض بالدولة؟

وتوقفت المصادر ملياً أمام قول نصرالله إن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة التفاوض لإعادة الهدوء إلى الجنوب، وإنما بعد وقف العدوان الإسرائيلي على غزة الذي ينسحب تلقائياً على جنوب لبنان، وتقول إنه أراد بدعوته هذه الالتفاف على الإحراج الذي تواجهه الحكومة اللبنانية أمام المجتمع الدولي، جراء تفرُّد «حزب الله» بقرار الحرب من دون العودة إليها.

وتلفت المصادر نفسها إلى أن نصرالله بدعوته هذه أراد أيضاً استيعاب ردود الفعل الداخلية التي أخذت تتصاعد على إقحام لبنان في مواجهة عسكرية غير محسوبة بمساندته لـ«حماس» في غزة، في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها، ولأغراض إقليمية ترعاها إيران برهانها على أذرعها في المنطقة؛ للتخفيف من الضغط العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، وتسأل: كيف يوفّق نصرالله بين تكليفه للدولة اللبنانية بالتفاوض وتفويضه لحليفه الاستراتيجي، رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بالتفاوض مع الوسيط الأميركي آموس هوكستين، الذي تنقّل مراراً وتكراراً بين بيروت وتل أبيب؛ سعياً وراء التوصل إلى اتفاق لتهدئة الوضع على جبهة الجنوب بتطبيق القرار 1701؟

بين بري وهوكستين

وتضيف المصادر أن الوسيط الأميركي يحصر التفاوض ببري، وأن اجتماعه برئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي يأتي في سياق وضعه في الأجواء، خصوصاً أنه، أي ميقاتي، أوكل التفاوض إلى رئيس البرلمان الذي يتواصل معه باستمرار ليكون حاضراً في المشهد السياسي، وتضيف أن هوكستين اتخذ قراره بتعليق وساطته في ضوء تقديره بوجود استحالة لفك الارتباط بين غزة وجنوب لبنان، على أن يعاود تشغيل محركاته فور التوصل لوقف النار على الجبهة الغزاوية.

وتؤكد المصادر الدبلوماسية أن بري يتواصل باستمرار مع قيادة «حزب الله» من خلال معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، الذي ينقل إليه ملاحظاتها على النقاط التي سبق للوسيط الأميركي أن ناقشها مع رئيس البرلمان، وتقول إن نصرالله، وإن كان حصر التفاوض بالدولة اللبنانية، فإنه في المقابل ليس في وارد الالتفاف على المهمة التي يتولاها بري في هذا الخصوص؛ لأنه جزء من الدولة ويكاد يكون الرئيس الوحيد الذي تتجمّع فيه كامل الأوصاف، ولا يمكن التشكيك بمشروعيته حتى من قبل قوى المعارضة، في ظل تعذُّر انتخاب رئيس للجمهورية، ووجود رئيس حكومة يتولى تصريف الأعمال.

للاستهلاك المحلي

وفي هذا السياق، تقول مصادر سياسية لبنانية إن عدم اعتراض ميقاتي على تفويض بري، بملء إرادته، بالتفاوض مع هوكستين، يأتي في سياق تأكيد قوى المعارضة أن الحزب يتعامل معه بلا شروط، ويسرّ إليه بما لا يسرّه بالكامل لسواه، رغم أنه على تواصل مع ميقاتي ويتشاور معه بكل ما يدور على جبهة التفاوض، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن حصر نصرالله التفاوض بالدولة اللبنانية ما هو إلا للاستهلاك المحلي؛ لاستيعاب الحملات التي تستهدفه لتفرده بمساندة «حماس»، واضطر لاستحضار الدولة للتفاوض على قرار «لا ناقة لها فيه ولا جمل»، خصوصاً أنه لم يسبق لأبرز المسؤولين في الحزب أن تبرأوا من الدور الذي يلعبه بري أو غمزوا من قناته، لا بل يبدون ارتياحاً بلا تحفظ لكل ما يقوم به، وإن كان نصرالله تجنّب في خطابه أي إشارة تتعلق بتفويضه لبري.

فالمفاوضات معلّقة، ويتوقف استئنافها على التوصل لوقف النار في غزة وامتداداً إلى الجنوب، وإن كان حصر التفاوض بالدولة، بحسب قول هذه المصادر لـ«الشرق الأوسط»، لن يقدّم أو يؤخّر ما دام أن الحزب حسم أمره وأناط التفاوض ببري الذي يتواصل مع هوكستين لملء الفراغ ريثما تهدأ في غزة، مع أنهما قطعا شوطاً على طريق تبادل الآراء في النقاط المطروحة لتهدئة الوضع في الجنوب، على قاعدة التمسك بالقرار 1701، علماً بأن هوكستين يبدي انفتاحاً على التعديلات التي يقترحها بري، فيما لم يوقف ميقاتي ومعه وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بوحبيب تحركهما لتأمين شبكة أمان للجنوب تسمح بأن يتقدم الحل الدبلوماسي على الخيار العسكري، رغم أن الكلمة في الميدان تبقى حصراً بالحزب، وهما يسعيان لاستيعاب ردود الفعل في مطالبتهما المجتمع الدولي بوقف العدوان على الجنوب والتزامهما بالقرار الأممي في هذا الخصوص.


مقالات ذات صلة

بري لـ«الشرق الأوسط»: خطة بإيعاز من جهة ما لمنع الاستحقاق النيابي

المشرق العربي رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (الوكالة الوطنية للإعلام)

بري لـ«الشرق الأوسط»: خطة بإيعاز من جهة ما لمنع الاستحقاق النيابي

أقحم جواب «هيئة التشريع والاستشارات» في وزارة العدل اللبنانية حول اقتراع المغتربين المشهد الانتخابي في مزيد من الإرباك.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الإعلام اللبناني السابق ملحم رياشي مجتمعاً مع وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى (وزارة الإعلام السورية)

«القوات اللبنانية» في دمشق: مرحلة جديدة من العلاقة مع سوريا

في خطوة سياسية لافتة قام وفد من حزب «القوات» اللبنانية بزيارة إلى سوريا بعد أكثر من عام على تولّي الرئيس أحمد الشرع مهامه الرئاسية 

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«تيار المستقبل» يشاركون في إحياء الذكرى الـ21 لاغتيال رفيق الحريري ويبدو نجله رئيس الحكومة الأسبق سعد على المنصة وسط بيروت (أ.ب)

لبنان يحيي الذكرى الـ21 لاغتيال رفيق الحريري

أحيا لبنان، السبت، الذكرى السنوية الـ21 لاغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، بمشاركة شعبية و«مواقف سياسية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير المال اللبناني ياسين جابر مجتمعاً مع بعثة «صندوق النقد الدولي» في بيروت

«النقد الدولي» يمهل لبنان شهرين لاستكمال موجبات الاتفاق معه

حصل لبنان على مهلة إضافية تمتد لأسابيع، لاستكمال مهام تشريعية وإجرائية تنسجم، ضمناً، مع ملاحظات «صندوق النقد» على مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.

علي زين الدين (بيروت)
تحليل إخباري مسيرة عرضها «حزب الله» ضمن مناورة عسكرية في بلدة عرمتى بجنوب لبنان في مايو 2023 (أرشيفية - أ.ب)

تحليل إخباري تصعيد «الخطاب العسكري» لـ«حزب الله»: شد عصب داخلي أم تهديد لإسرائيل؟

استعاد «حزب الله» الخطاب الحربي، بعد أسابيع على التهدئة مع الدولة اللبنانية، إذ فعّل خطاب المسيرات، في محاولة لشد عصب مناصريه

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مصر تدين قرار إسرائيل استئناف تسجيل الأراضي في الضفة الغربية المحتلة

جنود إسرائيليون يقفون حراساً خلال حفل افتتاح مستوطنة ياتسيف اليهودية قرب بيت ساحور في الضفة الغربية يوم الاثنين (أسوشييتد برس)
جنود إسرائيليون يقفون حراساً خلال حفل افتتاح مستوطنة ياتسيف اليهودية قرب بيت ساحور في الضفة الغربية يوم الاثنين (أسوشييتد برس)
TT

مصر تدين قرار إسرائيل استئناف تسجيل الأراضي في الضفة الغربية المحتلة

جنود إسرائيليون يقفون حراساً خلال حفل افتتاح مستوطنة ياتسيف اليهودية قرب بيت ساحور في الضفة الغربية يوم الاثنين (أسوشييتد برس)
جنود إسرائيليون يقفون حراساً خلال حفل افتتاح مستوطنة ياتسيف اليهودية قرب بيت ساحور في الضفة الغربية يوم الاثنين (أسوشييتد برس)

أدانت مصر بأشد العبارات القرار الصادر عن الحكومة الإسرائيلية باستئناف إجراءات تسجيل وتسوية ملكية الأراضي في أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة، لأول مرة منذ عام 1967، في خطوة تمثل تصعيداً خطيراً يهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتقويض الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وجاء في بيان للمتحدث باسم «الخارجية المصرية»: «تؤكد مصر أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً صارخاً لأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وعلى رأسها القرار رقم 2334، كما تتعارض مع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الآثار القانونية الناشئة عن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي أكد عدم شرعية الإجراءات الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والتاريخي والديموغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة، ووجوب إنهاء الاحتلال، وعدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الخطوة محاولة لفرض واقع قانوني وإداري جديد يستهدف تكريس السيطرة على الأراضي المحتلة، بما يقوض حل الدولتين، ويؤدي إلى تقويض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، ويهدد فرص تحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وجددت مصر رفضها الكامل لجميع الإجراءات الأحادية التي تستهدف تغيير الوضع القانوني والديموغرافي والتاريخي للأراضي الفلسطينية المحتلة، و«تؤكد أن هذه السياسات تمثل تصعيداً خطيراً من شأنه زيادة حدة التوتر وعدم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية والمنطقة بأسرها».

كما دعت مصر المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته و«اتخاذ خطوات واضحة لوقف هذه الانتهاكات، وضمان احترام قواعد القانون الدولي، وحماية حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وعلى رأسها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية».

ووافقت الحكومة الإسرائيلية، الأحد، على مقترح بفتح عملية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية، لأول مرة منذ عام 1967، وفق ما ذكره موقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية.

ويقضي القرار ببدء إجراءات تسوية وتسجيل أراضٍ في الضفة الغربية، ويسمح بتسجيل مناطق واسعة في الضفة بوصفها «أراضي دولة»؛ ما يفتح المجال أمام إحكام السيطرة عليها، وفق «هيئة البث الإسرائيلية».

وأقرت الحكومة الإسرائيلية، يوم الأحد الماضي، سلسلة من القرارات التي توسع صلاحياتها في الضفة الغربية المحتلة، وتسهل لليهود عملية شراء الأراضي.

وشملت قرارات «الكابينت» رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية لتسهيل شرائها؛ إذ يتيح القرار للمشترين تحديد ملاك الأراضي والتواصل معهم مباشرة، بعدما كانت هذه السجلات سرية مدة طويلة.


حي ذو أغلبية كردية بحلب يتعافى من الاشتباكات ويتطلع لمستقبل أفضل

سكان من حي الشيخ مقصود ذي الأغلبية الكردية في حلب شمال سوريا يعودون للحي رغم الدمار السبت 14 فبراير (أ.ب)
سكان من حي الشيخ مقصود ذي الأغلبية الكردية في حلب شمال سوريا يعودون للحي رغم الدمار السبت 14 فبراير (أ.ب)
TT

حي ذو أغلبية كردية بحلب يتعافى من الاشتباكات ويتطلع لمستقبل أفضل

سكان من حي الشيخ مقصود ذي الأغلبية الكردية في حلب شمال سوريا يعودون للحي رغم الدمار السبت 14 فبراير (أ.ب)
سكان من حي الشيخ مقصود ذي الأغلبية الكردية في حلب شمال سوريا يعودون للحي رغم الدمار السبت 14 فبراير (أ.ب)

بعد شهر من اشتعال اشتباكات عصف بحي تقطنه أغلبية كردية في حلب، ثاني أكبر مدن سوريا، قام عشرات الآلاف من السكان، الذين فروا من القتال بين القوات الحكومية و«قوات سوريا الديمقراطية» بقيادة الأكراد، بعودة سريعة غير معتادة في بلدٍ خلفت الصراعات فيه وراءها الكثير من النازحين لسنوات، وذلك بحسب استطلاع أنجزته وكالة «أسوشييتد برس».

وقالت علياء جعفر، وهي سورية كردية من سكان حي الشيخ مقصود بحلب، وتدير صالوناً لتصفيف الشعر: «عاد 90 في المائة من الناس، ولم تستغرق عودتهم وقتاً طويلاً، بل ربما كانت هذه أقصر موجة نزوح في سوريا».

وكانت أسرة علياء قد غادرت منزلها لمدة وجيزة فقط، عندما شنت القوات الحكومية غارة بطائرة مسيرة على قطعة أرض مجاورة كان يجري تخزين أسلحة بها، ما أدى إلى وقوع انفجارات.

الدروس المستفادة

اندلعت الاشتباكات في السادس من يناير (كانون الثاني)، في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد التي تسكنها أغلبية كردية، بعد أن وصلت المحادثات بين الحكومة و«قوات سوريا الديمقراطية»، حول كيفية دمج أكبر جماعة مسلحة متبقية داخل الجيش الوطني إلى طريق مسدود.

وصول نازحين من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب إلى عفرين بريف حلب (سانا)

ونجحت قوات الأمن في السيطرة على الأحياء بعد عدة أيام من القتال العنيف، الذي أسفر عن مقتل 23 شخصاً على الأقل، وتشريد أكثر من مائة وأربعين ألف شخص. واللافت أن الحكومة السورية الجديدة اتخذت إجراءات لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين، على عكس ما حدث خلال موجات العنف السابقة بين قواتها وجماعات أخرى على الساحل وفي محافظة السويداء الجنوبية. وقبل دخول أحياء حلب المتنازع عليها، حرص الجيش السوري على فتح ممرات للمدنيين للفرار.

إعادة محافظة حلب السكان النازحين من حي الشيخ مقصود بعد انتهاء المعارك بين القوات الحكومية ومقاتلي «قسد» (أ.ب)

كان علي شيخ أحمد، العضو السابق في قوة الأمن المحلي «الأسايش»، التابعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، والذي يدير متجراً للملابس المستعملة في الشيخ مقصود، من بين الذين غادروا، إلا أنه عاد هو وعائلته بعد أيام قلائل من توقف القتال.

وقال إن السكان كانوا في البداية يخشون التعرض لهجمات انتقامية، بعد انسحاب القوات الكردية، وتسليم الحي للقوات الحكومية، إلا أن ذلك لم يحدث، وصمد اتفاق وقف إطلاق النار بين دمشق وقوات «قسد»، وأحرز الطرفان تقدماً نحو الاندماج السياسي والعسكري.

وقال شيخ أحمد: «لم نواجه أي مشكلات خطيرة كتلك التي وقعت على الساحل أو في السويداء»، مضيفاً أن القوات الأمنية الجديدة «عاملتنا معاملة حسنة»، وبدأت مخاوف السكان تتبدد.

يشربون الشاي ويدخنون في حي الشيخ مقصود بحلب بعد خروج قوات «قسد» (أ.ب)

واتفقت علياء جعفر مع فكرة أن السكان تملكهم الخوف بادئ الأمر، لكن القوات الحكومية «لم تؤذِ أحداً، بصراحة، وفرضت الأمن، الأمر الذي طمأن الناس».

ومنذ ذلك الحين، أُعيد فتح متاجر الحي، وعادت حركة المرور إلى طبيعتها، لكن نقطة التفتيش عند مدخل الحي، أصبحت الآن تحت سيطرة القوات الحكومية، بدلاً من المقاتلين الأكراد.

وتبادل السكان، من الأكراد والعرب، أطراف الحديث مع جيرانهم على امتداد الشارع. وابتسم رجل عربي، قال إنه سُمّي صدام تيمناً بالديكتاتور العراقي الراحل - المعروف بقمع الأكراد - بينما كان ابنه ومجموعة من الأطفال الأكراد يلعبون مع قطة برتقالية صغيرة متسخة، لكنها ودودة.

طفل يلهو مع قطة في أحد شوارع حي الشيخ مقصود في حلب شمال سوريا (أ.ب)

ولعب أطفال آخرون بدباسات جراحية من مستشفى محلي استُهدف خلال القتال الأخير، ممسكين بها كأنها مسدسات لعب. واتهمت الحكومة «قوات سوريا الديمقراطية» بالسيطرة على المستشفى، واستخدامه موقعاً عسكرياً، بينما دفعت القوات بأن المستشفى يؤوي مدنيين، وخرج صبي، بدا عليه الرضا عن نفسه، من زقاق يحمل بقايا قذيفة مدفعية.

وفي الوقت الذي يسود الهدوء على الصعيد الأمني، اشتكى السكان إن وضعهم الاقتصادي قد ازداد سوءاً؛ إذ فيما مضى، اعتمد الكثيرون على وظائف لدى السلطات المحلية التابعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، والتي لم تعد مسؤولة عن الوضع. في الوقت نفسه، عانت الشركات الصغيرة بعد أن أدت الاشتباكات إلى عزوف الزبائن وانقطاع الكهرباء والخدمات الأخرى.

من ناحيتها، قالت علياء جعفر: «تدهور الوضع الاقتصادي بشدة. لم نعمل تقريباً منذ أكثر من شهر».

طفل يقف على جدار مدرسة متضررة في حي الشيخ مقصود ذي الأغلبية الكردية في حلب بسوريا السبت 14 فبراير 2026

وهناك آخرون ينظرون إلى الأمور من منظور أوسع. من بين هؤلاء الشيخ أحمد، الذي عبر عن أمله في، حال استمرار وقف إطلاق النار واستقرار الوضع السياسي، أن يتمكن من العودة إلى منزله الأصلي، في مدينة عفرين قرب الحدود مع تركيا، التي فرّت منها عائلته خلال الهجوم التركي على القوات الكردية عام 2018.

ومثل كثيرين من السوريين، نزح الشيخ أحمد عدة مرات منذ أن تحولت الاحتجاجات الجماهيرية ضد حكومة الرئيس آنذاك بشار الأسد إلى حرب أهلية وحشية استمرت 14 عاماً.


«قوات استقرار غزة»... «المشاركة المشروطة» تزيد فجوة الثقة والضمانات

يسير الناس بالقرب من الخيام التي تؤوي الفلسطينيين النازحين في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
يسير الناس بالقرب من الخيام التي تؤوي الفلسطينيين النازحين في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوات استقرار غزة»... «المشاركة المشروطة» تزيد فجوة الثقة والضمانات

يسير الناس بالقرب من الخيام التي تؤوي الفلسطينيين النازحين في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
يسير الناس بالقرب من الخيام التي تؤوي الفلسطينيين النازحين في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتوالى إعلانات عدد من الدول مشاركتها في قوات الاستقرار الدولية في قطاع غزة، ترقباً لإعلان محتمل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب في اجتماع مجلس السلام المقرر في 19 فبراير (شباط) الجاري، بشأن نشر آلاف منها، غير أن حديث جاكرتا حمل تلويحاً بالانسحاب حال خروج المهمة عن سياقها.

تلك المشاركة المشروطة من إندونيسيا، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» مشروعة في ظل فجوة كبيرة تزيد المخاوف من التصادم مع المقاومة الفلسطينية، أو أن تستخدم القوات غطاء لمساعي إسرائيل لاحتلال القطاع، معولين على اجتماع 19 فبراير لحسم مسار مشاركة القوات ومهامها.

وتعد قوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، لكنها لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

مشاركة مشروطة

وأعلنت الحكومة اليونانية، الأحد، عزمها المشاركة في قوة الاستقرار الدولية بقطاع غزة، بإرسال كتيبة خاصة تضم مركبات مدرعة إلى جانب مسعفين ومهندسين، وفق ما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية» الأحد.

وستضم الكتيبة المرسلة إلى غزة ما بين 100 و150 فرداً، بحسب مسؤولين يونانيين، أكدوا أن الدور الأمني يعتبر إضافة جديدة إلى الخطة، بما يتماشى مع رغبة أثينا في لعب دور أكثر فعالية في إدارة الأزمات، خصوصاً في محيطها الإقليمي المباشر.

وأيضاً أعلنت السلطات الإندونيسية، إرسالها قوات لغزة، غير أنها قالت إن القوات التي سيتم إرسالها إلى غزة ضمن قوة الاستقرار الدولية سوف تبقى تحت قيادة جاكرتا وستتجنب القتال وسيتم سحبها في حال انحرفت المهمة عن اتجاهها، كما تعهدت بمعارضة أي نزوح قسري أو تغيير ديموغرافي يؤثر على الفلسطينيين، وفق بيان للخارجية، نقلته «وكالة الأنباء الألمانية» الأحد.

طفل فلسطيني ينظر من خارج خيمة في الزوايدة وسط قطاع غزة (أ.ب)

وأضافت الوزارة: «الأفراد الإندونيسيون لن يشاركوا في أي عمليات قتالية أو أي أعمال تؤدي لمواجهة مباشرة مع أي أطراف مسلحة»، مؤكدة أن أفراد القوات المسلحة الإندونيسية سوف يتم تكليفهم فقط بأداء مهام إنسانية وتتعلق بالاستقرار، بما في ذلك الحماية المدنية والمساعدة الطبية وجهود إعادة الإعمار وتدريب أفراد الشرطة الفلسطينية.

وقبل نحو أسبوع، صرح رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، بأن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، حيث سيتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

الهلال الأحمر المصري يواصل جهوده الإنسانية على معبر رفح (الهلال الأحمر المصري)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي المصري، العميد سمير راغب، أن مهام قوات الاستقرار حتى الآن ليست واضحة، في ظل تعثر بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ومخاوف من إعادة احتلال القطاع، وهذا الوضع الضبابي الذي لم يحسم سياسياً يزيد الفجوة ومخاوف المشاركين من الوجود في ظرف لم تحسم قضاياه وعقباته، وما تطرح جاكرتا علناً تؤيده دول كثيرة حتى وإن لم يتم طرحه ذلك.

وأكد راغب أهمية بناء الثقة بوجود ضمانات خاصة، والمخاوف من إسرائيل ذات القدرات العسكرية التي لديها أحلام في التوسع وإعادة الاحتلال والقضاء على «حماس»، وغير مقتنعة باتفاق غزة وتعرقل مساره، وهي الأحلام لن تتلاشى بوجود قوة دولية.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، أن مخاوف جاكرتا، مشروعة في ظل غياب الضمانات بعدم تحول تلك القوة لقوة استعمارية جديدة، وإندونيسيا مثل دول عديدة كغيرها ترفض أن تتورط في أي مواجهات مع الداخل الفلسطيني أو تقوم بنزع سلاح المقاومة.

وتأتي تلك الإعلانات بعد 3 أيام من كشف مسؤولين أميركيين لـ«رويترز» أن ترمب سيعلن خلال الاجتماع الأول لمجلس السلام المقرر 19 فبراير، إرسال آلاف القوات من عدة دول ضمن قوة الاستقرار لغزة، إلى جانب خطة تمويل بمليارات الدولارات لدعم إعادة الإعمار والاستقرار في القطاع.

وسيشهد الاجتماع حضور وفود من 20 دولة على الأقل، بما في ذلك عدد من الرؤساء، لمناقشة ترتيبات القوة الدولية وتمويل البرامج الإنسانية والتنموية في غزة، وسيقدم ترمب إحاطة رسمية في هذا الصدد، وفق المصدر ذاته.

وطالب الناطق باسم حركة «حماس»، حازم قاسم، في تصريحات الأحد، مجلس السلام في اجتماعه القادم بالضغط على الاحتلال لوقف انتهاكاته المتكررة، وإلزامه بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه دون مماطلة أو تحايل.

ويعول الرقب، على اجتماع مجلس السلام، في حسم المخاوف وإعلان ضمانات حقيقية، وتقديم توضيحات فاصلة في مهام قوات استقرار غزة، وتحديد ملامح المرحلة المقبلة لاتفاق غزة، سواء بتطمينات واضحة وبالتالي مشاركة واسعة، أو تأكيد على المخاوف، وبالتالي تتحفظ جاكرتا وغيرها عن المشاركة وتعطل مسار الاتفاق قليلاً.

ويرجح راغب، أن اجتماع مجلس السلام سيتحدث عن خطوط عريضة ليست عليها خلاف، وليست تفاصيل، غير أن الدول الوسطاء والوازنة في المنطقة ستضع مشاغلها ومخاوفها التي تتماشى مع ما ذكرته جاكرتا من أجل إنهاء أي فجوات ووضع ضمانات واضحة.

ويوضح أن ذلك الاجتماع الذي تشارك فيه إسرائيل يفترض حال نجاحه في وضع ضمانات أن يعزز مسار اتفاق غزة ونرى تسارعاً في توضيح التفاصيل، وهذا كله سيستغرق نحو شهرين على الأقل، من الإعلان عن المشاركين والأعداد والانتشار والهيكل الهرمي وطبيعة التسليح.