نصرالله حصر التفاوض بالدولة اللبنانية من دون أن يبرر تغييبه لدور بري

موقفه للاستهلاك المحلي والجنوب في سباق بين الخيارين الدبلوماسي والعسكري

الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله (أ.ف.ب)
الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله (أ.ف.ب)
TT

نصرالله حصر التفاوض بالدولة اللبنانية من دون أن يبرر تغييبه لدور بري

الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله (أ.ف.ب)
الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله (أ.ف.ب)

يدخل جنوب لبنان في مرحلة غير مسبوقة من تصاعد وتيرة المواجهة العسكرية بين «حزب الله» وإسرائيل، مع استعداد رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو لزيارة الولايات المتحدة الأميركية في 24 يوليو (تموز) الحالي، مستبقاً زيارته بتوسيع رقعة الاغتيالات التي توزّعت في الساعات الأخيرة ما بين البقاع الأوسط والجنوب، بالتزامن مع استهدافه، للمرة الأولى، بلدات تقع في نطاق منطقة جنوب الليطاني، واضطرار الحزب لرد صاروخي طال مستوطنات في العمق الإسرائيلي لم تكن مدرجة على لائحة بنك الأهداف المشمولة برده، ويتوخى منها تمرير رسالة إلى تل أبيب بأنه بدأ ينفّذ ما تعهّد به أمينه العام حسن نصرالله في خطابه الذي ألقاه بمناسبة حلول العاشر من محرم.

فالتصعيد الإسرائيلي الذي طال للمرة الأولى بلدات في عمق الجنوب، يأتي في سياق تهديد نتنياهو، كما تقول مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط»، بتوسيع رقعة المواجهة المشتعلة مع «حزب الله»؛ بغية تحسين شروطه وهو يستعد لزيارة واشنطن، بغية رفع سقف التفاوض في حال التوصل إلى وقف للنار في غزة، وعدم تمدده إلى جنوب لبنان ما لم يرضخ الحزب لمطالبه.

وتؤكد المصادر الدبلوماسية أن نتنياهو ماضٍ بتوسعة الحرب على الجبهة الجنوبية، وإنما على طريقته، من دون أن يتجاوز هذه المرة الحدود اللبنانية باجتياحه عدداً من البلدات، لخفض الخسائر البشرية التي يمكن أن يتكبّدها جيشه في هذه الحال، وتدعو إلى تغليب الحل الدبلوماسي على الخيار العسكري، وإن كان نتنياهو بدأ يعتمد على الدبلوماسية الساخنة بفرض أمر واقع لا مفر منه إلا بالتفاوض.

لماذا أناط نصرالله التفاوض بالدولة؟

وتوقفت المصادر ملياً أمام قول نصرالله إن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة التفاوض لإعادة الهدوء إلى الجنوب، وإنما بعد وقف العدوان الإسرائيلي على غزة الذي ينسحب تلقائياً على جنوب لبنان، وتقول إنه أراد بدعوته هذه الالتفاف على الإحراج الذي تواجهه الحكومة اللبنانية أمام المجتمع الدولي، جراء تفرُّد «حزب الله» بقرار الحرب من دون العودة إليها.

وتلفت المصادر نفسها إلى أن نصرالله بدعوته هذه أراد أيضاً استيعاب ردود الفعل الداخلية التي أخذت تتصاعد على إقحام لبنان في مواجهة عسكرية غير محسوبة بمساندته لـ«حماس» في غزة، في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها، ولأغراض إقليمية ترعاها إيران برهانها على أذرعها في المنطقة؛ للتخفيف من الضغط العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، وتسأل: كيف يوفّق نصرالله بين تكليفه للدولة اللبنانية بالتفاوض وتفويضه لحليفه الاستراتيجي، رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بالتفاوض مع الوسيط الأميركي آموس هوكستين، الذي تنقّل مراراً وتكراراً بين بيروت وتل أبيب؛ سعياً وراء التوصل إلى اتفاق لتهدئة الوضع على جبهة الجنوب بتطبيق القرار 1701؟

بين بري وهوكستين

وتضيف المصادر أن الوسيط الأميركي يحصر التفاوض ببري، وأن اجتماعه برئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي يأتي في سياق وضعه في الأجواء، خصوصاً أنه، أي ميقاتي، أوكل التفاوض إلى رئيس البرلمان الذي يتواصل معه باستمرار ليكون حاضراً في المشهد السياسي، وتضيف أن هوكستين اتخذ قراره بتعليق وساطته في ضوء تقديره بوجود استحالة لفك الارتباط بين غزة وجنوب لبنان، على أن يعاود تشغيل محركاته فور التوصل لوقف النار على الجبهة الغزاوية.

وتؤكد المصادر الدبلوماسية أن بري يتواصل باستمرار مع قيادة «حزب الله» من خلال معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، الذي ينقل إليه ملاحظاتها على النقاط التي سبق للوسيط الأميركي أن ناقشها مع رئيس البرلمان، وتقول إن نصرالله، وإن كان حصر التفاوض بالدولة اللبنانية، فإنه في المقابل ليس في وارد الالتفاف على المهمة التي يتولاها بري في هذا الخصوص؛ لأنه جزء من الدولة ويكاد يكون الرئيس الوحيد الذي تتجمّع فيه كامل الأوصاف، ولا يمكن التشكيك بمشروعيته حتى من قبل قوى المعارضة، في ظل تعذُّر انتخاب رئيس للجمهورية، ووجود رئيس حكومة يتولى تصريف الأعمال.

للاستهلاك المحلي

وفي هذا السياق، تقول مصادر سياسية لبنانية إن عدم اعتراض ميقاتي على تفويض بري، بملء إرادته، بالتفاوض مع هوكستين، يأتي في سياق تأكيد قوى المعارضة أن الحزب يتعامل معه بلا شروط، ويسرّ إليه بما لا يسرّه بالكامل لسواه، رغم أنه على تواصل مع ميقاتي ويتشاور معه بكل ما يدور على جبهة التفاوض، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن حصر نصرالله التفاوض بالدولة اللبنانية ما هو إلا للاستهلاك المحلي؛ لاستيعاب الحملات التي تستهدفه لتفرده بمساندة «حماس»، واضطر لاستحضار الدولة للتفاوض على قرار «لا ناقة لها فيه ولا جمل»، خصوصاً أنه لم يسبق لأبرز المسؤولين في الحزب أن تبرأوا من الدور الذي يلعبه بري أو غمزوا من قناته، لا بل يبدون ارتياحاً بلا تحفظ لكل ما يقوم به، وإن كان نصرالله تجنّب في خطابه أي إشارة تتعلق بتفويضه لبري.

فالمفاوضات معلّقة، ويتوقف استئنافها على التوصل لوقف النار في غزة وامتداداً إلى الجنوب، وإن كان حصر التفاوض بالدولة، بحسب قول هذه المصادر لـ«الشرق الأوسط»، لن يقدّم أو يؤخّر ما دام أن الحزب حسم أمره وأناط التفاوض ببري الذي يتواصل مع هوكستين لملء الفراغ ريثما تهدأ في غزة، مع أنهما قطعا شوطاً على طريق تبادل الآراء في النقاط المطروحة لتهدئة الوضع في الجنوب، على قاعدة التمسك بالقرار 1701، علماً بأن هوكستين يبدي انفتاحاً على التعديلات التي يقترحها بري، فيما لم يوقف ميقاتي ومعه وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بوحبيب تحركهما لتأمين شبكة أمان للجنوب تسمح بأن يتقدم الحل الدبلوماسي على الخيار العسكري، رغم أن الكلمة في الميدان تبقى حصراً بالحزب، وهما يسعيان لاستيعاب ردود الفعل في مطالبتهما المجتمع الدولي بوقف العدوان على الجنوب والتزامهما بالقرار الأممي في هذا الخصوص.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

تحليل إخباري آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أنه على إسرائيل أن تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)

تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

شدّدَ اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني بشارة الراعي في الصرح البطريركي مع سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري على أولوية تثبيت الاستقرار في لبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

استحدث الجيش الإسرائيلي «منطقة حمراء» غير معلنة في جنوب لبنان، تحاذي منطقة الخط الأصفر التي أعلن عنها قبل أسابيع

نذير رضا (بيروت)

زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

في الوقت الذي تشهد فيه إسرائيل نقاشات حادة حول استمرار الحرب، ويتم توجيه الانتقادات اللاذعة للحكومة على أنها لم تحقق أياً من أهدافها، لا في لبنان ولا إيران ولا في غزة، وبدأت هذه الانتقادات توجه أيضاً للجيش، باعتبار أنه هو أيضاً لا يقول الحقيقة، خرج رئيس الأركان، إيال زامير، بتصريحات (قيلت في جلسات مغلقة أمس الأربعاء على أرض الجنوب اللبناني لكن الجيش حرص على تسريبها للإعلام)، ليقول إن «كل ما حدده لنا المستوى السياسي فيما يتعلق بالمعركة الحالية في إيران ولبنان، حققناه بل وأكثر من ذلك، وبذلك خلقنا الظروف المواتية للعمليات السياسية التي يقودها المستوى السياسي الآن».

ولكن إطلاق مسيرة حديثة من «حزب الله» اللبناني على مدفعية إسرائيلية في بلدة شومرا، تسببت في إصابة 12 جندياً (إصابتين بالغتين و10 خفيفة)، غيرت من حسابات زامير.

وهذه البلدة اليهودية قائمة على أنقاض قرية طربيخا، التي تم احتلالها في نهاية عام 1948، واعتبرتها حكومة بيروت لبنانية ومنحت سكانها المهجرين الجنسية اللبنانية. وقامت إسرائيل بتدمير غالبية بيوتها ومسجدين، وحولتها إلى بلدة يهودية. وفي الحرب الحالية، تم تفريغ شومرا من السكان وأقام فيها الجيش الإسرائيلي عدة مواقع.

تجمع شعبي في جنازة عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين قتلوا بقصف إسرائيلي في بلدة مجدل زون في الجنوب (أ.ف.ب)

هجمات انتقامية

على أثر عملية «حزب الله»، اليوم، ردت قوات سلاح الجو الإسرائيلي بهجوم انتقامي. وقالت إن «هذا هجوم خطير لا يمكن السكوت عنه». فقصفت عدة مواقع وأمرت سكان 16 قرية في الجنوب اللبناني بالرحيل تمهيداً لتدميرها. والقرى المستهدفة هي: بشيت وحبوش وحاروف وكفر جوز والنبطية الفوقا وعبا وعدشيت والشقيف وعرب صاليم وتول وحومين الفوقا والمجادل وارزون ودونين والحميري ومعروب.

وقد جاء ذلك في وقت ادعت فيه أوساط مقربة من الحكومة بأنها «تسعى إلى فرض مهلة زمنية محددة للمفاوضات مع الحكومة اللبنانية لا تتجاوز أسبوعين إلى ثلاثة، تنتهي بحلول منتصف مايو (أيار)، ملوّحة بالانتقال إلى ما تصفه بـ(الخطة الأصلية) لحربها على لبنان في حال عدم تحقيق تقدم». وبحسب ما أفادت «القناة 12» الإسرائيلية، فإن هذه المقاربة طُرحت في اتصال جرى مساء الأربعاء بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، على خلفية طلب إسرائيلي وُصف بالعاجل لتحديد سقف زمني للمسار التفاوضي المباشر الذي ترعاه واشنطن بين تل أبيب وبيروت. وادّعت هذه الجهات أن سياسة «الرد المحدود» المتبعة حالياً تؤدي إلى تآكل الردع وتضر بالسكان وبالجاهزية العملياتية، على حد تعبيرها.

فلسطينيون يعبرون بحيّ مهدّم بقصف إسرائيلي في خان يونس (أ.ب)

غزة لم تنته بعد

وبحسب تقرير «القناة 12»، يعمل الجيش الإسرائيلي في ظل تعليمات من المستوى السياسي تقضي بضبط العمليات في لبنان، حيث يمتنع عن تنفيذ هجمات في عمق الأراضي اللبنانية، فيما تتطلب أي عملية شمال نهر الليطاني موافقة خاصة من المستوى السياسي. واعتبر التقرير أن الوضع الحالي، الذي يقتصر فيه دور الجيش الإسرائيلي على «الرد» بدل المبادرة، يخدم «حزب الله» ويمنحه فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، ما يعرّض القوات الإسرائيلية لمخاطر إضافية.

وإزاء الانتقادات للجيش، أجرى زامير، جولة في المناطق التي يحتلها جيشه في لبنان، الأربعاء، حيث أكد أن الجيش ينفذ تعليمات المستوى السياسي وينتظر القرارات بشأن مواصلة العمليات. وقال خلال الزيارة: «تموضعنا على الخط لمنع إطلاق نار مباشر على البلدات»، مضيفاً: «لن نتسامح مع هجمات أو إطلاق نار»، على حد تعبيره. وأشار إلى أن الجيش حقق الأهداف التي وُضعت له حتى الآن، وأن القوات ستبقى في الميدان لضمان أمن بلدات الشمال.

وفي ختام التقرير، طرح تساؤلات حول جدوى الثمن الذي تدفعه إسرائيل في هذه المرحلة، في ظل ما وصفه بمراعاة المصالح الأميركية في المواجهة مع إيران.

وكان لافتاً أن زامير، عندما تحدث عن إتمام المهمات التي حددتها له الحكومة، في لبنان وإيران، ذكر أن المعركة القادمة يمكن أن تكون في قطاع غزة. وقال إن المعركة هناك لم تنته بعد، وإذا عرقلت «حماس» مهمة نزع سلاحها فإن الجيش سيضطر إلى استئناف الحرب بكل شدة.


«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» حول تفعيل قتال «الاستشهاديين» (الانتحاريين) باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية، مع بروز حديث عن خيارات قتالية غير تقليدية تعيد إلى الواجهة مفردات الحرب في ثمانينات القرن الماضي.

وكشفت تسريبات إعلامية من مصادر عسكرية في «حزب الله» عن أنّ الحزب يدرس العودة إلى «تكتيكات الثمانينات»، بما في ذلك تفعيل ما وصفته بـ«مجموعات الاستشهاديين».

ويكتسب هذا الطرح بعداً إضافياً في ضوء سوابق خطابية داخل الحزب، إذ كان الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، قد وصف خلال «حرب الإسناد» عام 2024 المقاتلين في الجنوب بـ«الاستشهاديين»، في توصيف عكس طبيعة القتال وظروفه الميدانية. ويعيد استحضار المصطلح اليوم طرح تساؤلات حول دلالاته، بين كونه تعبيراً تعبويّاً أو مؤشراً إلى خيارات عملياتية محتملة.

قيود البيئة والتحول التكنولوجي

قال العميد المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط» إن «الواقع الميداني في جنوب لبنان يجعل الحديث عن عودة العمليات الانتحارية أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الخيار العملي».

وأضاف: «الجنوب اليوم شبه خالٍ من السكان بفعل النزوح والدمار، وهو ما يفقد هذا النوع من العمليات أحد أهم عناصره، أي القدرة على التخفي داخل البيئة المدنية».

وتابع: «التطور التكنولوجي في مجالات الرصد والاستطلاع، إلى جانب امتلاك إسرائيل بنك أهداف واسعاً، يجعل تنفيذ مثل هذه العمليات شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل المراقبة المستمرة والتتبع الدقيق، فضلاً عن صعوبة الحركة والوصول الميداني».

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

وأوضح أن «التلويح بوجود عمليات مثل هذه على الحدود مع إسرائيل يُستخدم في سياق دعائي»، معتبراً أن «الرسالة الفعلية تتجاوز البعد العسكري لتطال الداخل اللبناني، حيث يجري توظيف هذا الخطاب بوصفه أداة ضغط على المسؤولين والقوى السياسية، لدفعهم نحو خيارات معينة في السياسة الخارجية».

وأضاف: «استحضار أسلوب الثمانينات لا يقتصر على العمليات الانتحارية، بل يستدعي أيضاً نمطاً كاملاً شمل الخطف والاغتيالات».

وخلص إلى أن «المقارنة بين واقع الجنوب اليوم وما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي ليست دقيقة»، مؤكداً أن «الحديث عن عودة هذا النمط القتالي يبقى في إطار الشعارات والضغط السياسي، أكثر منه خياراً عسكرياً قابلاً للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية».

بين النظرية والتطبيق

في المقابل، قال العميد المتقاعد فادي داوود لـ«الشرق الأوسط»: «الكلام عن استعادة أساليب ثمانينات القرن الماضي ليس مجرد طرح إعلامي، بل يعكس وجود هذا الخيار ضمن بنك القدرات المتاحة لدى الحزب».

وأضاف أن الحديث عن الانتحاريين الجاهزين للتنفيذ «يندرج في إطار القدرات البشرية التي لطالما شكّلت أحد عناصر قوة الحزب/». وتابع: «هذه العمليات، رغم التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الرصد والمراقبة، لا تزال قادرة على إحداث تأثير ميداني، لأن التكنولوجيا تبقى محدودة الفعالية في مواجهة عنصر بشري مصمّم على الوصول إلى هدفه».

وأوضح أن «فعالية هذا النوع من العمليات تبقى مرتبطة بطبيعة الهدف ومستوى الحماية الأمنية المحيطة به، والإجراءات الميدانية التي تحيط بالمقار والمنشآت»، مشيراً إلى أن «إمكانية النجاح تختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لهذه المعايير».

ولفت إلى أن «أي استخدام محتمل لهذه القدرات سيبقى موجهاً نحو أهداف إسرائيلية»، مضيفاً أن «تنفيذ عمليات من هذا النوع في الداخل الإسرائيلي يتطلب قدرة على التسلل والوصول المباشر إلى الهدف، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة ميدانياً، ما يجعل نسبة النجاح متفاوتة».

ورأى أن «مجرد التلويح بهذا الخيار يحمل بُعداً نفسياً واستراتيجياً، إذ يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية تجارب سابقة، ويوجه رسالة بأن أي تسوية لا تراعي التوازنات قد تقود إلى تصعيد خارج الأطر التقليدية».

أنقاض مبانٍ مدمّرة في بلدة كفركيلا الحدودية جنوب لبنان (رويترز)

دلالات المصطلح ميدانياً

في موازاة ذلك، نقل مصدر مواكب لعمليات «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مصطلح الاستشهاديين لا يُقصد به بالضرورة العودة إلى نمط العمليات الانتحارية التقليدية، بل يعكس طبيعة المرحلة الميدانية في ظل الحصار المفروض على مناطق في جنوب لبنان».

وأضاف: «المقاتلون يدركون تماماً حجم المخاطر التي تحيط بهم، ويتعاملون معها على أساس القتال حتى أقصى الحدود».

وتابع: «المقصود بالمصطلح هو الجهوزية للالتحام في أصعب الظروف الميدانية، والاستمرار في المواجهة حتى الموت إذا فُرض ذلك، لا بوصفه خياراً تكتيكياً منفصلاً بل بوصفه جزءاً من طبيعة المعركة نفسها».


وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)

أكد وزير الدفاع الوطني اللبناني اللواء ميشال منسى، الخميس، أن بلاده ذهبت إلى المفاوضات للسلام وليس للاستسلام والمقايضة.

ونقلت «الوكالة الوطنية للإعلام» عن اللواء منسي قوله، خلال لقائه شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، في دار الطائفة بفردان، الخميس: «ناقشت وشيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في العدوان الإسرائيلي على وطننا، والسعي المتواصل لوقفه. التأكيد على صون الوحدة الوطنية، والالتفاف حول الشرعية اللبنانية، وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والأجهزة الرسمية كان قاسمنا المشترك، ومساعدة شعبنا على تجاوز المحنة كان هاجسنا، والترفع عن الحسابات الصغيرة لمصلحة الأهداف الوطنية الكبيرة سيبقى مبتغانا وهدفنا».

وأضاف: «إذا كنا ذاهبين إلى مفاوضات؛ فهي للسلام وليس للاستسلام. نحن نذهب للمفاوضة وليس للمقايضة. نريد وقف أنهار الدماء إكراماً للشهداء، ونرفض كلبنانيين، مسلمين ومسيحيين، إلا أن نبقى موحدين ومتحدين».

وأعرب عن أمله أن «تنتهي هذه المحنة وتعبر هذه الغيمة ويطلع نور الخلاص على لبنان وشعبه».

بدوره، شدد شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز على «واجب الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية. وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية؛ خصوصاً في الظروف الراهنة، دعماً لتنفيذ المهام المنوطة بها في حماية لبنان وسيادته»، محذراً من كل «محاولات العبث بالسلم الأهلي، فلبنان القوي هو لبنان الموحَّد».