الحكومة البريطانية الجديدة تريد دوراً فاعلاً في الملف الفلسطيني

لامي زار الضفة وتل أبيب... ودعا إلى حل الدولتين والإفراج عن الرهائن

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (يمين) يلتقي في رام الله وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي (إكس)
رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (يمين) يلتقي في رام الله وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي (إكس)
TT

الحكومة البريطانية الجديدة تريد دوراً فاعلاً في الملف الفلسطيني

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (يمين) يلتقي في رام الله وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي (إكس)
رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (يمين) يلتقي في رام الله وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي (إكس)

أعلن وزير الخارجية البريطاني الجديد ديفيد لامي، للقادة الإسرائيليين والفلسطينيين، الذين استقبلوه خلال اليومين الماضيين، أن حكومته ترغب في زيادة دورها؛ ليصبح أكثر فاعلية في الشرق الأوسط، وذلك لغرض وقف إطلاق النار، والانتقال إلى الدفع بعملية السلام الإسرائيلي- الفلسطيني والعربي إلى الأمام.

وقال لامي -الذي حضر إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية، الأحد والاثنين، في أول زيارة له إلى الشرق الأوسط، منذ توليه منصبه وزيراً للخارجية- إنه يركّز في زيارته على الدور الدبلوماسي الذي تلعبه المملكة المتحدة في المساعدة في وضع نهاية للصراع في غزة، وإحراز تقدم تجاه إحلال الأمن وسلام دائم في الشرق الأوسط، وفي المقدمة البحث في الضرورة العاجلة لوقف إطلاق نار يتفق عليه الجانبان، ويشمل الإفراج عن جميع الرهائن وزيادة سريعة في المساعدات التي تدخل إلى غزة.

وأكد لامي، في منشور له عبر منصة «إكس»، ضرورة حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية غير المحدودة إلى غزة، وإطلاق سراح الأسرى، مشدداً على أهمية إيجاد طريق لـ«حل الدولتين».

وكان أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حسين الشيخ، قد استقبل الوزير لامي، الأحد، في مكتبه في رام الله، وطالب بضرورة العمل البريطاني والدولي على وقف العدوان على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية بما فيها القدس، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى أبناء شعبنا في غزة، وعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، وفق حل سياسي شامل ينهي الاحتلال، حسب قرارات الشرعية الدولية.

كما طالب الشيخ الحكومة البريطانية الجديدة بالاعتراف بدولة فلسطين.

وأما وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، فقد طلب أن توضح بريطانيا والعالم لحركة «حماس» أنه من دون عودة جميع المخطوفين الإسرائيليين فلن يكون هناك وقف لإطلاق النار.

وقال: «إذا حسبت (حماس) أن الضغط الدولي على إسرائيل سيجعلها توقف النار فإنها واهمة، وبالتأكيد لن تصل إلى صفقة. وستزيد إسرائيل من ضغطها العسكري». وطلب كاتس من الوزير البريطاني أن تتدخل بلاده، وتبذل جهداً لإلغاء أوامر الاعتقال التي طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدارها بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يوآف غالانت.

واستقبل رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، الوزير لامي، مطالباً بضرورة «دفع الجهود إلى وقف حرب الإبادة على شعبنا في قطاع غزة، وتعزيز الإغاثة الطارئة، وزيادة إدخال المساعدات الإنسانية، إلى جانب وقف اعتداءات الاحتلال والمستوطنين والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية بما فيها القدس».

وشدد مصطفى على أن قرار مجلس الأمن الأخير (2735)، الذي يحظى بموافقة الجميع، يشكّل نقطة انطلاق جيدة لوقف الحرب على قطاع غزة، ويُسهم في عودة السكان إلى منازلهم وإدخال المساعدات والاحتياجات في أرجاء القطاع كافّة، وإنهاء احتلاله، والبدء في عملية إعادة الإعمار، وتأكيد رؤية حل الدولتين.

وقال مصطفى: «لم نغادر قطاع غزة، وسنقدّم كل ما هو ممكن لمساعدة أبناء شعبنا في القطاع، فالسلطة الفلسطينية تأسّست في قطاع غزة، وجميع الخدمات الأساسية المقدمة من تعليم وصحة ومياه وكهرباء وأخرى تقدمها الحكومة، وموظفوها يتقاضون رواتب منها، والدليل على ذلك الخصومات الإسرائيلية بما يقارب 275 مليون شيقل شهرياً من أموال المقاصة على أنها مخصصات الحكومة لقطاع غزة».

مسنّ فلسطيني وأطفال يشربون من عبوات تبرّعت بها جمعيات إلى بلدات في الضفة الغربية قطعت إسرائيل عنها المياه (غيتي)

وبحث مصطفى مع لامي أهمية تعزيز الدعم البريطاني لفلسطين، بما يُسهم في بناء قدرات المؤسسات والتعافي والإنعاش الاقتصادي من تداعيات حرب الاحتلال، وجهود الإغاثة وإعادة الإعمار.

من جانبه، أكد وزير الخارجية البريطاني لامي الالتزام بحل الدولتين، وبذل بلاده الجهود من أجل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق فوري للنار، ووصول المساعدات لسكان قطاع غزة كافّة، ووقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي غير القانوني، وعنف المستوطنين المتزايد في الضفة الغربية، ودعم بريطانيا الحكومة وجهودها الإصلاحية.

وكان لامي قد كتب قبيل وصوله منشوراً في الشبكات الاجتماعية جاء فيه: «الموت والدمار في غزة لا يُحتمل. هذه الحرب يجب أن تتوقف الآن، بالتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق فوري يلتزم به الجانبان. هذا القتال يجب أن يتوقف، ولا بد من الإفراج عن الرهائن الذين ما زالوا رهن الاحتجاز الوحشي لدى إرهابيي (حماس)، كما يجب السماح فوراً بوصول المساعدات إلى سكان غزة بلا قيود».

وقال إنه سيجتمع بقيادات إسرائيلية وفلسطينية؛ للتشديد على «طموح المملكة المتحدة والتزامها بأن تلعب دوراً دبلوماسياً كاملاً في تأمين اتفاق وقف إطلاق النار، وإفساح المجال لسبيل ذي مصداقية ولا رجعة فيه تجاه حل الدولتين. العالم بحاجة إلى أن تعيش إسرائيل بأمان وأمن إلى جانب دولة فلسطينية ذات سيادة».


مقالات ذات صلة

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب) p-circle

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جلسة للكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - د.ب.أ) p-circle

واشنطن تثق في عدالة تطبيق تل أبيب لـ«قانون إعدام الفلسطينيين»

قالت الولايات المتحدة، الاثنين، إنها تحترم حق إسرائيل في تحديد قوانينها الخاصة بعدما أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يتيح إعدام فلسطينيين مُدانين بتهم «الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الطفل جواد أبو ناصر بعد تعرضه للتعذيب (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)

موجة تعاطف مع رضيع فلسطيني اتهمت أسرته الجيش الإسرائيلي بتعذيبه

10 ساعات قضاها الرضيع جواد أبو نصار مع قوات الاحتلال الإسرائيلي تحت التعذيب، وفقاً لعائلته، وأثار تعاطفاً عالمياً معه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عملية سورية - أردنية مشتركة تحبط محاولة لتهريب المخدرات

معبر جابر الرسمي بين الحدود الأردنية - السورية (أ.ف.ب)
معبر جابر الرسمي بين الحدود الأردنية - السورية (أ.ف.ب)
TT

عملية سورية - أردنية مشتركة تحبط محاولة لتهريب المخدرات

معبر جابر الرسمي بين الحدود الأردنية - السورية (أ.ف.ب)
معبر جابر الرسمي بين الحدود الأردنية - السورية (أ.ف.ب)

أحبطت إدارتا مكافحة المخدرات في سوريا والأردن، محاولة تهريب 943 كغم من مادة «الكبتاغون» المخدرة عبر «مركز جابر» الحدودي.

وأعلنت وزارة الداخلية في بيان الخميس، أن العملية جاءت «نتيجة تنسيق استخباري وتبادل معلومات بين الجانبين السوري والأردني استمر لأسابيع، بعد رصد نشاط شبكة إجرامية إقليمية تعمل على تهريب كميات كبيرة من المواد المخدرة عبر الحدود بطرق وأساليب متطورة».

وأوضحت أنه «بناءً على الجهود التحليلية والميدانية المشتركة، تم تحديد آلية عمل الشبكة، ومتابعة إحدى مركبات الشحن المستخدمة في التهريب، حيث جرى تتبعها بدقة إلى حين وصولها إلى المعبر الحدودي، ليتم ضبطها وإلقاء القبض على سائقها بالتنسيق مع الجهات المختصة».

وأشارت إلى أنه «خلال تفتيش المركبة، عُثر على المواد المخدرة مخبَّأة بطريقة احترافية داخل هيكل المركبة، وتبيّن أنها مادة الكبتاغون قبل تحويلها إلى حبوب، وتكفي الكمية المضبوطة لإنتاج نحو 5.5 مليون حبة مخدرة».

المخدرات المضبوطة (سانا)

وأكدت وزارة الداخلية السورية «استمرار التعاون والتنسيق مع الجهات الأمنية في الدول الشقيقة والصديقة، في إطار الجهود المشتركة لمكافحة آفة المخدرات، وملاحقة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، بما يسهم في حماية المجتمع، وتعزيز الأمن والاستقرار».

وأفادت وكالة «سانا» الرسمية بأن إدارة مكافحة المخدرات، بالتعاون مع المديرية العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في العراق، سبق وتمكنت، «عبر ثلاث عمليات أمنية نوعية، من تفكيك وإحباط نشاط شبكات دولية متخصصة في الاتجار وتهريب المواد المخدرة، وضبطت نحو مليون حبة من مادة الكبتاغون المخدرة، وألقت القبض على أربعة من العناصر الرئيسية في الشبكات».


سوريا تُعيد الوصل البري مع لبنان والجوي مع العالم

جانب من مركز جديدة يابوس الحدودي (سانا)
جانب من مركز جديدة يابوس الحدودي (سانا)
TT

سوريا تُعيد الوصل البري مع لبنان والجوي مع العالم

جانب من مركز جديدة يابوس الحدودي (سانا)
جانب من مركز جديدة يابوس الحدودي (سانا)

أعلنت «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية» عن إعادة افتتاح منفذ جديدة يابوس الحدودي مع لبنان، واستئناف حركة العبور فيه بشكل طبيعي، وذلك بدايةً من صباح الخميس، بعد زوال المخاطر التي استدعت إيقاف العمل مؤقتاً خلال الأيام الماضية.

ونقلت وكالة «سانا» الرسمية عن الهيئة، في منشور عبر قناتها على «تلغرام»، أن حركة المسافرين شهدت عودة تدريجية إلى طبيعتها، في ظل استئناف العمل وزيادة أعداد القادمين والمغادرين، «وسط جاهزية تشغيلية عالية، وإجراءات منظمة تضمن انسيابية العبور وسلامة المسافرين على مدار الساعة، بما يعكس الحرص على تأمين أفضل الخدمات وتعزيز استقرار الحركة الحدودية».

ؤ

ودعت الهيئة «جميع المسافرين إلى الالتزام بالتعليمات الصادرة عن إدارة المنفذ، بما يُسهم في تسهيل الإجراءات وضمان حسن سير العمل».

وكانت رئاسة مجلس الوزراء في لبنان قد أعلنت في بيان مساء الأربعاء، «إعادة فتح معبر المصنع مع اتخاذ إجراءات مشدّدة لتأمين سلامة حركة المسافرين والبضائع، وتجهيزه بالمعدات الضرورية لمنع أي عملية تهريب»، حسبما ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية.

وسبق أن هددت إسرائيل يوم السبت الماضي باستهداف الطريق الواصل إلى «معبر المصنع» على الحدود السورية - اللبنانية المقابل لمنفذ جديدة يابوس، بحجة أن «ميليشيات (حزب الله) تستخدمه لأغراض عسكرية».

وعلّقت «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا» العبور مؤقتاً، وأكدت أن المعبر «مخصص حصراً لعبور المدنيين، ولا يُستخدم لأي أغراض عسكرية، ولا وجود لأي مجموعات مسلحة أو ميليشيات، وأنها لا تسمح باستخدامه لأي نشاط خارج الأطر المدنية والقانونية».

المطار...

والى ذلك، استأنف «مطار دمشق الدولي» عملياته التشغيلية مع انطلاق أولى الرحلات الجوية باتجاه مطار صبيحة كوكجن الدولي في إسطنبول صباح الخميس، بعد إعادة فتح الأجواء السورية، إيذاناً بعودة تدريجية لحركة النقل الجوي وتعزيز مستوى الربط الإقليمي.

مسافرون في مطار دمشق الدولي الخميس (سانا)

وأوضح مدير الاتصال الحكومي في «الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي» علاء صلال، في تصريح لوكالة «سانا» الرسمية، أنه جرى إبلاغ الشركات العاملة بقرار فتح الأجواء واستئناف العمل في مطار دمشق الدولي، وبانتظار قيام الشركات المشغلة بجدولة الرحلات.

وأضاف صلال: «إن القرار جاء بالتنسيق مع الجهات الإقليمية والدولية، وبما يضمن أعلى معايير السلامة وكفاءة وانسيابية الحركة الجوية، وفق المعايير الدولية».

وكان رئيس الهيئة العامة، عمر الحصري، قد أعلن، الأربعاء، إعادة فتح جميع الممرات الجوية التي أغلقت سابقاً، واستئناف الحركة الجوية عبر الأجواء السورية، إضافة إلى استئناف العمل في مطار دمشق الدولي، وعودة العمليات التشغيلية فيه بشكل منتظم.

ركاب أول رحلة إلى إسطنبول بعد إعادة فتح المطار (سانا)

ويأتي استئناف المطار عملياته التشغيلية بعد فترة من تعليق الطيران، نتيجة تصاعد التوترات الإقليمية خلال الأسابيع الماضية؛ حيث أدت الضربات المتبادلة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى إغلاق مؤقت للمجالات الجوية بعدد من الدول، حفاظاً على سلامة الملاحة الجوية.


بيروت تفقد أمانها... وسكانها يغادرونها تحت وطأة الخوف من الآتي

المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)
المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)
TT

بيروت تفقد أمانها... وسكانها يغادرونها تحت وطأة الخوف من الآتي

المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)
المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)

لم تعد بيروت تلك العاصمة التي يلجأ إليها سكانها طلباً للأمان، بل تحوّلت في لحظة إلى مدينة يُخيّم عليها الخوف والقلق. فالهجوم الإسرائيلي، يوم الأربعاء، الذي استهدف مناطق عدة وأسقط مئات القتلى والجرحى، وضع أهلها أمام واقع جديد قاسٍ؛ حيث لم يعد البقاء خياراً بديهياً، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر. وبين مَن يملك القدرة على المغادرة ومَن لا خيار لديه سوى البقاء، تنكشف صورة مدينة بدأت تفتقد الأمان تدريجياً، ويغادرها ناسها بحثاً عن ملاذ أكثر استقراراً.

نزوح تحت وقع الخوف

بعد القصف الذي استهدف بيروت، قرر عدد كبير من سكانها مغادرتها، لا سيما أن المناطق التي استُهدفت تعدّ إلى حد كبير مناطق يسكنها ميسورون، وهؤلاء تمكنوا من الانتقال إلى منازل الاصطياف أو شاليهات في مناطق خارج بيروت. لكن ليس للجميع القدرة على المغادرة، إذ تبقى الأزمة أكثر قسوة على من لا يملكون خيارات بديلة، «ولا سيما منهم النازحون الذين لجأوا إلى بيروت، واستأجروا منازل فيها أو يعيشون في مراكز نزوح، بحيث لم يعد لديهم أي خيار إلا التسليم للقدر».

«سلامة العائلة أولاً»

هذا الواقع فرض نفسه على قرارات كثير من العائلات؛ حيث يقول محمد السيد، أحد سكان بيروت: «منذ بدء الحرب كنت حريصاً على البقاء في بيتي في بيروت لأسباب عدة، أهمها الخوف من أن يدخل غرباء إلى المنزل في غيابنا... أما اليوم ومع التصعيد الذي حصل، لم تعد بيروت آمنة بالنسبة إلينا، وباتت سلامة عائلتي هي الأولوية». ويُضيف: «من هنا اتخذت قراري بالانتقال إلى الشمال؛ حيث أملك بيتاً بانتظار ما ستؤول إليه الأمور».

ويتابع: «لا نريد أن نعيش لحظات الرعب والخوف التي عشناها يوم الأربعاء... الأمور باتت خارج السيطرة، ولم يعد بيدنا حيلة إلا المغادرة علّنا ننجو»، مشدداً على أن «الوضع الأمني في بيروت يختلف عن كل المراحل، حتى خلال الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 لم تعمد إسرائيل إلى قصف العاصمة على غرار ما تفعل اليوم».

عناصر الدفاع المدني في أحد المواقع التي استهدفت في منطقة عين المريسة في بيروت الأربعاء (رويترز)

وفي السياق نفسه، يروي ماهر (م)، وهو من أبناء بيروت الذين لا يملكون منزلاً خارجها، تجربته قائلاً: «منزلنا في منطقة فردان، القريبة من تلة الخياط التي قُصف مبنى فيها يوم الأربعاء. عشنا لحظات رعب لا تُنسى أنا وزوجتي وأطفالي الثلاثة، فانتقلتُ إلى قريب لي كان قد استأجر أحد الشاليهات في منطقة جونية شرق بيروت»، متابعاً: «علّها تكون آمنة أكثر، علماً بأننا بتنا على يقين أنه لم تعد هناك أي منطقة آمنة».

وأضاف: «السبب فيما آلت إليه الأمور هو اختباء عناصر (حزب الله) بين المدنيين، غير آبهين بتداعيات ذلك»، لافتاً إلى أن «الشخص لم يعد يشعر بالأمان في بيته ومدينته؛ لأنه لا يعرف مَن قد يكون في المبنى الذي يسكنه»، خصوصاً أنه «رغم كل محاولات المراقبة هم يستخدمون هويات مزورة، ما يخرج الأمور عن القدرة على السيطرة».

سقوط الخطوط الحمراء

وانطلاقاً من الوقائع الميدانية، يرى الخبير العسكري، رياض قهوجي، أن «الخطوط الحمراء سقطت، ولم يعد هناك أي منطقة آمنة لا في بيروت ولا غيرها بالنسبة إلى الإسرائيلي»، لافتاً إلى أنه «سبق أن نقل عبر عدة جهات إلى المسؤولين اللبنانيين أن الجيش الإسرائيلي سيطارد عناصر (حزب الله) وقيادييه، وسيستهدفهم في كل مكان، وفي كل المناطق اللبنانية التي يوجدون فيها»، محذراً من أن «يوم الأربعاء الدموي قد يتكرر في أي لحظة». ويضيف أن «الخطوط الحمر الوحيدة هي التي وضعها الأميركي، وهي رفض استهداف البنى التحتية للدولة اللبنانية».

عمليات بحث عن الضحايا تحت أنقاض أحد المباني التي استهدفت في بيروت الأربعاء (أ.ب)

وفي تهديد ومؤشر واضح لهذا الواقع، كان قد قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي صراحة إثر الهجوم الإسرائيلي بمائة غارة في وقت واحد، يوم الأربعاء: «(حزب الله) غادر معاقل الإرهاب في الضاحية، وتموضع نحو شمال بيروت، وإلى المناطق المختلطة في المدينة»، وتوجه لهم بالقول: «لا يوجد مكان آمن بالنسبة لكم. سيواصل جيش الدفاع ملاحقتكم والعمل بقوة كبيرة ضدكم أينما كنتم».

«الكتائب» للتأكد من عدم وجود «حزب الله» بين المدنيين

في المقابل، ترتفع الأصوات في لبنان الرافضة لاستخدام المناطق السكنية؛ حيث عبّر المكتب السياسي في حزب «الكتائب اللبنانية»: «عن استيائه الشديد لتراخي الإجراءات الأمنية التي تسمح باستعمال بعض المناطق ملاذاً لتسلل مسلحين خارجين عن الشرعية»، مطالباً في بيان إثر الاجتماع الأسبوعي بـ«ضرورة انتشار الجيش والقوى الأمنية في مختلف المناطق، وتشديد المراقبة والتدقيق، للتأكد من عدم وجود عناصر من تنظيم ميليشيات (حزب الله) المحظورة بين المدنيين».

كما جدد المطالبة بـ«ضرورة مكاشفة اللبنانيين ومصارحتهم بنتائج التحقيقات في سلسلة الأحداث الأمنية المرتبطة بالحرب... داعياً الدولة إلى وضع الرأي العام أمام الحقائق كاملة، ومن دون أي مداراة، بما يُعزّز الثقة ويمنع تكرار هذه المآسي».

عناصر الدفاع المدني يقومون بعمليات بحث عن الضاحية تحت أنقاض المبنى الذي استهدف يوم الأربعاء (أ.ف.ب)