هوكستين في باريس لتنسيق جهود خفض التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله»

مصدر أوروبي يعرض لـ«الشرق الأوسط» أبعاد مهمة المبعوث الأميركي في فرنسا

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال لقائه أخيراً بكبير مستشاري الرئيس الأميركي آموس هوكستين (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال لقائه أخيراً بكبير مستشاري الرئيس الأميركي آموس هوكستين (د.ب.أ)
TT

هوكستين في باريس لتنسيق جهود خفض التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله»

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال لقائه أخيراً بكبير مستشاري الرئيس الأميركي آموس هوكستين (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت خلال لقائه أخيراً بكبير مستشاري الرئيس الأميركي آموس هوكستين (د.ب.أ)

في البيان المشترك، الذي صدر بنهاية زيارة الدولة، التي قام بها الرئيس الأميركي جو بايدن إلى فرنسا، الشهر الماضي، ورد أن البلدين «يشدّدان، على وجه الخصوص، على الأهمية القصوى للحفاظ على الاستقرار في لبنان، والحد من التوترات على طول الخط الأزرق، وسيعملان معاً لتحقيق هذه الغاية، ويدعوان جميع الأطراف إلى التحلّي بأقصى درجات ضبط النفس والمسؤولية، امتثالاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم «1701». وفي هذا السياق، تشدّد فرنسا والولايات المتحدة على الضرورة المُلحّة لإنهاء الشغور الرئاسي المستمر منذ 18 شهراً في لبنان، والمضي دون مزيد من التأخير في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتشكيل حكومة، وتنفيذ الإصلاحات الضرورية لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد اللبناني، وإرساء أسس الانتعاش والنمو الاقتصادي الشامل في البلاد».

وفي المؤتمر الصحافي المشترك مع بايدن، قال الرئيس إيمانويل ماكرون، إن باريس وواشنطن ستكثّفان جهودهما لتجنّب تفاقم الصراع في الشرق الأوسط، مع إعطاء الأولوية لتهدئة الوضع بين إسرائيل و«حزب الله».

وأفاد الرئيس الفرنسي أن الطرفين وضعا آلية «تنسيق وثيقة» بخصوص المناقشات الجارية مع إسرائيل من جهة، ومع لبنان و«جميع الأطراف المعنية من الجهة الأخرى»، وهو ما سارعت إسرائيل إلى رفضه. وكانت لافتة إشارة ماكرون إلى أن الطرفين «سيعملان على أساس خريطة الطريق» التي طرحتها فرنسا قبل ستة أشهر لخفض التصعيد على الحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية، وإيجاد السبيل لتنفيذ مضمون القرار الدولي «1701». كذلك أشار ماكرون إلى أن الطرفين سيسعيان إلى «مضاعفة الجهود من أجل منع حصول انفجار إقليمي»، انطلاقاً من الحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية، وعمدت باريس إلى تعديل بعض فقراتها بناءً على طلب لبناني فيما لم تردّ إسرائيل عليها، أقلّه رسمياً.

من هذا المنظور، يمكن فهم أهمية الزيارة التي يقوم بها المستشار الرئاسي الأميركي آموس هوكستين إلى باريس، للقاء المبعوث الرئاسي الفرنسي إلى لبنان، الوزير السابق جان إيف لو دريان، ومستشارة ماكرون لشؤون الشرق الأوسط، السفيرة آن كلير لو جاندر، التي حلّت منذ عدة أشهر محل باتريك دوريل.

وتجدر الإشارة إلى أن هوكستين تنقّل الشهر الماضي بين تل أبيب وبيروت، كما أن لودريان زار لبنان، مركّزاً في لقاءاته على ملف الفراغ الرئاسي الذي يقترب من عامه الثاني. ونقلت «رويترز» عن مسؤول أميركي قوله إن هوكستين سافر إلى باريس «لمناقشة الجهود الفرنسية والأميركية لاستعادة الهدوء في شمال إسرائيل ولبنان».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

أبعاد زيارة المبعوث الأميركي

يقول مصدر أوروبي واسع الاطلاع في باريس، إن لزيارة هوكستين «مجموعة أبعاد»؛ أولها «السعي لترجمة توافق الرئيسين بايدن وماكرون بشأن إقامة آلية تنسيق للمناقشات مع إسرائيل ولبنان إلى واقع»، خصوصاً أنه لم يظهر لها أي أثر منذ الإعلان عنها. والمهم في ذلك، وفق المصدر المشار إليه، الدمج بين الخطتين الفرنسية والأميركية، والتحرك من خلال خريطة طريق موحّدة، خصوصاً أن «لا خلاف حقيقةً» بينهما في الهدف، بل فقط في «التدرج» الزمني.

وترى باريس أن انتظار انتهاء الأعمال العسكرية الإسرائيلية في غزة للبدء بمعالجة ملف التصعيد بين إسرائيل وحزب الله «أمر بالغ الخطورة»، بسبب التدهور الخطير للوضع الميداني، والخوف من خروجه عن السيطرة، بحيث لن يبقى «موضعياً»، ويمكن أن يفتح الباب لحرب «مفتوحة» قد تتحول إلى إقليمية.

ويرى الطرفان أن محدّدات الحل «معروفة»، وأساسها التوصل إلى آليات تنفيذية لفقراته، وحصر الانتشار المسلّح في جنوب لبنان بالجيش اللبناني وقوات اليونيفيل الأممية. وترى باريس وواشنطن في القوة الدولية «عنصراً أساسياً في الحلّ (المطلوب)، ويجب الحفاظ على أمنها وحرية عملها».

ويشير المصدر المذكور، في تفسير مسارعة باريس وواشنطن إلى تنسيق المواقف، اليوم، إلى التهديدات المتتالية الصادرة عن إيران باستعدادها للتدخل المباشر في حال مهاجمة إسرائيل لـ«حزب الله»، فضلاً عن مشاركة المنظمات المؤتمرة بأوامرها، سواء في العراق أو اليمن أو حتى سوريا.

وتجدر الإشارة إلى أن وصول هوكستين إلى باريس جاء بعد وقت قصير من الاتصال الذي جرى بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، حيث أعرب ماكرون مجدداً، وفق البيان الصادر عن الإليزيه، عن «قلقه البالغ إزاء تصاعد التوترات بين (حزب الله) وإسرائيل على طول الخط الأزرق، وشدّد على أن الأهمية المطلقة لمنع اشتعالٍ للوضع من شأنه أن يُلحق ضرراً بمصالح كلّ من لبنان وإسرائيل، وأن يشكّل تطوراً خطراً بشكل خاص على الاستقرار الإقليمي».

كذلك، شدّد الرئيس الفرنسي على «الحاجة الملحّة لجميع الأطراف للمُضي قدماً وبسرعة نحو حلّ دبلوماسي، وذكّر بضرورة التحلّي بأكبر قدر من ضبط النفس». وتناول ماكرون ونتنياهو الجهود الدبلوماسية الجارية لخفض التصعيد.

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت إلى جانب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في لقاء سابق (رويترز)

نجاعة الوساطة المشتركة الأميركية ــ الفرنسية

أن يجد ماكرون الوقت الكافي للاتصال بنتنياهو، وإبداء الحرص على إبراز مخاوف بلاده من حرب واسعة ستكون بمثابة كارثة على لبنان، يعكس، حقيقةً، خطورة الوضع. وليست رسالة باريس وحيدة؛ إذ إن الأيام القليلة الماضية حفلت بالتحذيرات الدولية، ومنها تحذير صدر الأسبوع الماضي عن وزارة الخارجية الفرنسية، كما أن دولاً عديدة إما رحّلت رعاياها من لبنان، أو طلبت منهم عدم التوجه إليه.

ليس سراً أن واشنطن دأبت على تحذير إسرائيل من مهاجمة لبنان، وهمّها الأول، وفق المصدر المشار إليه، «تجنّب اندلاع حرب إقليمية قد تجد نفسها مُساقة إليها للدفاع عن إسرائيل كما وعدت»، بحيث يتعين عليها التعامل مع حربين في وقت واحد، وذلك قبل أشهر قليلة على الاستحقاق الرئاسي في الولايات المتحدة.

ورغم الضغوط التي تمارسها واشنطن على السلطات الإسرائيلية، فإن باريس تعي أن الأشهر المنقضية على حرب غزة «بيّنت أن نتنياهو لا يأخذ كثيراً بعين الاعتبار النصائح الأميركية، بفضل الدعم الذي يتلقّاه من قادة الحزب الجمهوري من جهة، ومن تحوّل الرأي العام الإسرائيلي لدعم الحرب على لبنان».

وفي المقام الثالث، يضغط اليمين الديني الإسرائيلي المتطرف على نتنياهو لإطلاق حملة عسكرية على لبنان، وهو حريص على دعمه السياسي للبقاء في منصبه ومنع سقوط حكومته.

حتى اليوم، يقوم الموقف الرسمي الإسرائيلي على القول إن إسرائيل تريد الهدوء على حدودها الشمالية، وهي تريد تحقيق هذا الهدف، إما عن طريق الدبلوماسية والمفاوضات، وللولايات المتحدة وفرنسا الدور الأكبر، وإما عن طريق القوة العسكرية. والأربعاء، قال وزير الدفاع يوآف غالانت، العائد مؤخراً من زيارة إلى واشنطن، في تصريح مكتوب صدر عن مكتبه: «نحن نضرب حزب الله بقوة كل يوم، وسنصل أيضاً إلى حالة من الاستعداد الكامل للقيام بأي عمل مطلوب في لبنان، أو التوصل إلى ترتيب من موقع قوة. نحن نفضّل التوصل إلى تسوية، ولكن إذا فرض علينا الواقع سنعرف كيف نقاتل».

ويُفهم من كلام الأخير أن إسرائيل لم تصل بعد إلى مرحلة الجهوزية العسكرية، فضلاً عن أن حربها في غزة ما زالت قائمة، رغم دخولها «المرحلة الثالثة»، ولذا، فإن السؤال المطروح هو: هل ستنجح الوساطة الأميركية ــ الفرنسية في استغلال الفترة الفاصلة لتفكيك لغم الحرب الشاملة؟ أم أن الأمور سائرة إلى التصعيد مع وجود وساطة أو بدونها؟


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

المشرق العربي جندي إسرائيلي خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي) p-circle

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جندي في جنوب لبنان، ما يرفع إلى أربعة حصيلة عسكرييه الذين قتلوا منذ سريان وقف إطلاق النار مع «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

ردت إسرائيل، الخميس، على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في جنوب لبنان، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية في الجنوب.

نذير رضا (بيروت)
تحليل إخباري قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

استحدث الجيش الإسرائيلي «منطقة حمراء» غير معلنة في جنوب لبنان، تحاذي منطقة الخط الأصفر التي أعلن عنها قبل أسابيع

نذير رضا (بيروت)
خاص الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

خاص «حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيانان الأخيران للحزب، وتحديداً الذي أصدره أمينه العام نعيم قاسم

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب انفجارات في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

قتيلان بينهما عسكري في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

ندد لبنان بهجوم إسرائيلي على جنوب البلاد، الثلاثاء، أسفر عن مقتل 3 أفراد من الدفاع المدني اللبناني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، معتبرة أن البلاد تقف عند «مفترق طرق» يتيح لشعبها فرصة تاريخية لاستعادة السيادة وبناء مستقبل مستقل.

وفي بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أشارت السفارة إلى أن التهدئة الممتدة التي تحققت «بناءً على طلب شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفّرت للبنان مساحة لطرح مطالبه بدعم كامل من الحكومة الأميركية.

وأضافت أن عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية ترمب، قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وختمت السفارة بيانها بالتأكيد أن الولايات المتحدة مستعدة للوقوف بجانب لبنان في هذه المرحلة، داعية إلى اغتنام الفرصة «بثقة وحكمة»، معتبرة أن الوقت لم يعد يحتمل التردد.


ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)

​هنّأ الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب، ‌اليوم (​الخميس)، ‌علي ⁠الزيدي ​على ترشيحه ⁠لتولي منصب ⁠رئيس ‌وزراء العراق، ‌قائلاً ​في ‌منشور على ‌منصة «تروث ‌سوشال» إنه يتطلع ⁠إلى علاقة جديدة ⁠مثمرة للغاية.

وأعلن الزيدي أنه تواصل هاتفياً مع ترمب، الذي دعاه إلى زيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة في بغداد.

وجاء، في بيان نقلته «رويترز» عن المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء، أن الزيدي تلقى «اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي السيد دونالد ترمب، قدّم خلاله التهنئة لسيادته بمناسبة تكليفه رسمياً لتشكيل الحكومة الجديدة، كما وجّه له دعوة رسمية لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة».

وكُلّف الزيدي، الاثنين، بتأليف الحكومة بعدما رشّحه الإطار التنسيقي، المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران، بدلاً من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي قوبل ترشيحه بمعارضة من الولايات المتحدة وترمب.


«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
TT

«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)

حشد سلاح البحرية الإسرائيلية أكثر من نصف قوته للسيطرة على «أسطول الصمود العالمي» الذي يضم 60 سفينة وقارباً من التنظيمات المتعاطفة مع القضية الفلسطينية في أوروبا والعالم، واعتقلت - حسب منظمين - 211 ناشطاً كانوا يسعون إلى إيصال مساعدات إلى قطاع غزة.

وأدانت إسبانيا بشدة، الخميس، اعتراض الجيش الإسرائيلي للأسطول وقالت خارجيتها في بيان إنها استدعت القائمة بالأعمال الإسرائيلية لنقل احتجاجها على احتجاز سفن الأسطول.

وطالبت ألمانيا وإيطاليا، إسرائيل باحترام القانون الدولي، على خلفية التوقيف، وجاء في بيان مشترك لحكومتي البلدين أنهما تتابعان بـ«قلق بالغ» اعتراض أسطول «الصمود العالمي» في المياه الدولية قبالة السواحل اليونانية، وأضاف البيان: «نطالب بالاحترام الكامل للقانون الدولي الساري والكف عن التصرفات غير المسؤولة».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «الصمود العالمي - فرنسا» هيلين كورون، الخميس، في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن من بين مَن احتُجزوا، 11 مواطناً فرنسيّاً. وأضافت: «ليست لدينا معلومات عن الجنسيات الأخرى، لكن القوارب كانت مختلَطة من حيث الجنسيات، وكان على متنها أفراد من جميع الوفود الـ48».

سيطرة مختلفة لإثبات الجدارة

وقد أكدت مصادر مطلعة في تل أبيب أن طريقة السيطرة على هذا الأسطول «جاءت مختلفة عن طرق التعامل مع الموجات السابقة من (أسطول الحرية)، وضعها القائد الجديد في سلاح البحرية، اللواء ايال هرئيل، الذي بدأ مهامه قبل أربعة أسابيع ويريد إثبات جدارته مع أنها (معركة بلا قتال). وقام بالإشراف شخصياً على العملية التي غلب عليها هدف التنكيل».

والجديد في الهجوم على الأسطول، أنه «تم في منطقة تبعد 1000 كيلومتر عن شاطئ قطاع غزة، ضمن ما يسمى (الضربة الاستباقية المفاجئة)».

سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الحالي (إ.ب.أ)

وتعمدت «البحرية الإسرائيلية» ألا تجر السفن التي تتم السيطرة عليها - كما حدث سابقاً - بل تم إحضار فريق من الميكانيكيين، الذين قاموا بتفكيك المحركات من السفن التي تم اعتقال ركابها، وبدلاً من مصادرتها وجرها إلى إسرائيل تم إبقاؤها عائمة وعرضة للغرق.

مُعتقَل عائم... وقوة كوماندوز

وفي الوقت نفسه، تم إعداد سفينة خصيصاً لتتحول مُعتقَلاً عائماً يتم فيه حبس النشطاء، وقد اختارت المخابرات الإسرائيلية 170 ناشطاً من مجموع المشاركين تعدّهم «قيادات أساسية»، فاعتقلتهم ونقلتهم إلى إسرائيل ليس بوصفهم نشطاء احتجاج بل عدّتهم «معتدين ارتكبوا عملاً جنائياً ضد إسرائيل»، لذلك؛ تم إذلالهم أيضاً.

وأمرت القوات البحرية المهاجمة النشطاء بالركوع على الأرض بركبهم وأيديهم، كما تفعل عادة مع المعتقلين الفلسطينيين، وقد تم وضع هذه السفينة تحت قيادة قوة الكوماندوز، الخاص بمصلحة السجون الإسرائيلية (متسادا)، المعروفة بشراسة اعتداءاتها على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

تُظهِر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم في حين اعترض الجيش الإسرائيلي السفينة (رويترز)

وضمت القوة الإسرائيلية سفنها الحربية الصاروخية وقوة من الكوماندوز البحرية التي تولت مهمة السيطرة على «سفن القيادة» في هذا الأسطول، وقوة من سلاح الجو، لكنها لم تكن في حاجة إلى استخدام هذه القوة؛ فالنشطاء أعلنوا أنهم قوة سلمية تعمل بوسائل سلمية، وعندما أمرتهم القوات الإسرائيلية بالاستسلام، لم يقاوموا.

وحسب مصادر عسكرية اعتمدتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الخميس، فإن سفن سلاح البحرية الإسرائيلية فاجأت سفن الأسطول بهجومها، وأبلغتهم أن رحلتهم إلى غزة غير قانونية. وأنهم في حال رغبتهم في إرسال مساعدات إلى أهل غزة، فإنها ترحب بهم إذا توجهوا إلى ميناء أسدود الإسرائيلي وتتولى هي التوصيل، ولكنهم رفضوا هذا العرض وقالوا إن إسرائيل دولة احتلال لا يريدون التعاون معها، وما يريدونه هو وقف الحصار على القطاع، المستمر منذ 18 سنة.

السيطرة على 21 سفينة

وادعت السلطات الإسرائيلية أن سفن الأسطول أحاطت بسفينة إسرائيلية كانت في طريق عودتها إلى البلاد، وفرضوا عليها حصاراً. عندها، أعطيت الإشارة بتنفيذ المخطط المعد سلفاً للهجوم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن الخطة الأصلية كانت الاكتفاء بالسيطرة على 10 سفن من الأسطول، لكنها اضطرت إلى السيطرة على 21 سفينة، تضم الشخصيات القيادية. واعتقلتهم جميعاً.

ورافق القوات، فريق من دائرة الناطق بلسان الجيش، والذي عمل فوراً على نشر فيديوهات وبيانات وهم في عرض البحر لصد الدعاية المنظمة لقادة الأسطول، وركز على تشويه المشاركين.

وقال الناطق العسكري الإسرائيلي، في بياناته، إن الجيش خيَّر النشطاء بين العودة إلى برشلونة، التي انطلقوا منها وبين الاعتقال والترحيل.

يذكر أن هذا الأسطول، الذي حمل اسم «مهمة ربيع 2026»، يعد أضخم حراك لرحلات كسر الحصار على غزة، التي بدأت في سنة 2010 بسفينة مرمرة التركية، والتي هاجمتها إسرائيل وقتلت عشرة من ركابها.

قطعة عسكرية تابعة لـ«البحرية الإسرائيلية» ترافق إحدى سفن «أسطول الصمود» إلى ميناء أشدود بعد اعتراضها أكتوبر الماضي (رويترز)

وانطلق الأسطول الضخم، من مدينة برشلونة الإسبانية في 12 أبريل (نيسان)، ومرّ في جزيرة صقلية الإيطالية في 23 أبريل، لتنضم إليها لاحقاً سفن ونشطاء من إيطاليا عبر مدينتي سيراكوزا وأوغوستا.

وارتفع عدد القوارب المشاركة في الأسطول بميناء أوغستا لليخوت إلى 65 قارباً، قبل أن تُستكمل الإجراءات اللازمة لمغادرة الميناء، الأحد؛ ليبحر المشاركون تدريجياً وفق نظام محدد باتجاه البحر الأبيض المتوسط في ساعات العصر من اليوم نفسه. واستقبلت السفن في عرض البحر سفينة تابعة لمنظمة «غرينبيس» (السلام الأخضر) الداعمة للأسطول.

وخلال مغادرة القوارب للميناء، ردد عدد من الناشطين هتافات «فلسطين حرة» وأشعلوا المشاعل، في حين ودّع النشطاء بعضهم بعضاً بعبارة «نلتقي في غزة».

وتحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ عام 2007، وبات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل نحو 2.4 مليون بالقطاع بلا مأوى بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.

وجرى التوصل لاتفاق وقف النار عقب عامين من الحرب، التي قتل فيها ما يزيد على 72 ألف قتيل وأكثر من 172 ألف جريح فلسطينيين.

ويؤكد الفلسطينيون أن القطاع يعيش أزمة إنسانية وصحية مخيفة، إذ إن الحرب أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية. كما تعاني غزة قيوداً إسرائيلية مشددة على إدخال الوقود والمستلزمات الطبية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والمعدات.