بعد التهجير مرة أخرى… سكان جنوب لبنان يشتكون غياب الدعم الحكومي

سامر أبو دلة وعائلته النازح من قرية يارين الحدودية الجنوبية يلتقط صورة مع والدته أديبة وأطفاله في البيسارية بجنوب لبنان (رويترز)
سامر أبو دلة وعائلته النازح من قرية يارين الحدودية الجنوبية يلتقط صورة مع والدته أديبة وأطفاله في البيسارية بجنوب لبنان (رويترز)
TT

بعد التهجير مرة أخرى… سكان جنوب لبنان يشتكون غياب الدعم الحكومي

سامر أبو دلة وعائلته النازح من قرية يارين الحدودية الجنوبية يلتقط صورة مع والدته أديبة وأطفاله في البيسارية بجنوب لبنان (رويترز)
سامر أبو دلة وعائلته النازح من قرية يارين الحدودية الجنوبية يلتقط صورة مع والدته أديبة وأطفاله في البيسارية بجنوب لبنان (رويترز)

ولد أحمد أبو دلة في قرية يارين اللبنانية قبل أن يطلق على الأراضي الواقعة إلى الجنوب اسم إسرائيل. كان يأمل أن يقضي أيامه الأخيرة هناك، ولكن بعد مرور 80 عاماً، ومع تعرض مسقط رأسه للقصف الإسرائيلي، أعطاه أبناؤه خياراً لا رجعة فيه: إما أن يرحل عن يارين أو أن يأتوا للعيش معه والموت معه.

وقال «تفتكري أنا اللي قررت؟ ولادي. حطوني بخيار. يا تنزل يا منطلع... هيدا اللي خلاني انزل (انتقل)».

كان أبو دلة وشقيقه الأصغر آخر سكان يارين الذين ما زالوا يعيشون هناك هذا الربيع. نزحت معظم العائلات في أكتوبر (تشرين الأول) بعد وقت قصير من بدء الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.

وقال أبو دلة لوكالة (رويترز) للأنباء والدموع تغرق عينيه وهو يصف المنزل الذي بناه في يارين وتحيط به مزرعته الخاصة ومجموعات من الماشية «يللي خلاني اصمد... التربة (الأرض)... في ناس ما عندها جذور الأرض. ما تعبانة بالأرض عايشة – بس يللي بني حبة حبة، تصوري واحد يعيش 80 سنة بأرضه». وأضاف «الأرض اللي بنبني فيها إذا بتبرمي (تقلبي) التراب بتلاقي آثار ايدينا فيه».

أحمد أبو دلة من قرية يارين اللبنانية (رويترز)

وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، نزح أكثر من 95 ألف شخص من جنوب لبنان منذ اندلاع الحرب، وعلى الطرف الآخر من الحدود في إسرائيل، نزح 60 ألفاً من منازلهم.

ولكن على عكس إسرائيل، حيث تدفع الدولة ثمن الإقامة في الفنادق وغيرها من المساكن المؤقتة للنازحين بسبب الحرب، لم تتلق العائلات في لبنان سوى دعم ضئيل من الدولة وأحياناً لم تحصل على أي دعم على الإطلاق.

ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، يسكن أكثر من 80 في المائة من النازحين في لبنان مع أقاربهم أو أصدقائهم. ويؤجر 14 في المائة منهم منازل ويعيش اثنان في المائة فقط في ملاجئ جماعية.

وسكان يارين من بين الأغلبية الذين انتقلوا للعيش مع أقاربهم، وهذه ليست المرة الأولى.

ويتذكر العديد من سكان القرية الفرار من يارين عام 1978، أثناء التوغل العسكري الإسرائيلي في السنوات الأولى للحرب الأهلية في لبنان.

وسافروا إلى مدينة صيدا الساحلية مروراً بعدة بلدات في الجنوب وصولاً إلى منطقة الشوف الجبلية قبل أن يستقروا في نهاية المطاف على مشارف البيسارية على بعد 50 كيلومتراً شمالي مسقط رأسهم وبنوا منازل متواضعة.

ومع استقرار المزيد من سكان يارين هناك في الثمانينات، مدوا شبكتهم الخاصة من أنابيب المياه وبنوا مدرسة، ما أكسب المنطقة اسم «حي يارين» في البيسارية.

«ناس عندها خوف»

سامر أبو دلة، ابن أخت زوجة أحمد، من مواليد «حي يارين» خارج البيسارية عام 1979. أصبح معلماً وبنى منزلاً في قرية يارين عام 2011 ليعيش فيه مع زوجته وأطفالهما الستة معتقداً أن الأوضاع على الحدود استقرت بعد الحرب التي استمرت شهراً بين حزب الله وإسرائيل عام 2006. لكنه عاد الآن إلى «الحي» بعد فراره من القصف على الحدود.

سامر أبو دلة، ابن أخت زوجة أحمد، من مواليد "حي يارين" في جنوب لبنان (رويترز)

وقال «نحن كتجربة بالهجرة، أول ما طلعوا أهلنا، قالوا يومين وبنرجع، فهذا الشعور أو التجربة السابقة بتضل تسير كأنها معلومات تتوارثها الأجيال، منقول يومين ومنرجع وقعدنا تلاتين سنة لرجعنا».

وقال أمام منزل والدته المتواضع على مشارف البيسارية حيث يقيم الآن «هذا الشعور فيه بعض ناس عندها خوف منه».

ينام ابنا سامر الصغيران على الأريكة منذ شهور، بينما يعيش هو وزوجته وبناتهما الأربعة في غرفة نوم واحدة. لم تكن الطاولة في مطبخ والدته كبيرة بما يكفي لاستيعاب 11 شخصاً يعيشون هناك الآن، لذا كانت تقدم كل وجبة على مرتين للتأكد من أن الجميع يتناولون طعامهم وهم يجلسون.

وقال سامر إن هناك ما لا يقل عن 70 عائلة مثل عائلته فرت من يارين وعادت الآن إلى البيسارية، وإن مواردهم الضئيلة لا تكفيهم.

ويعاني اللبنانيون بشدة جراء الانهيار الاقتصادي المستمر منذ خمس سنوات والذي أدى إلى تجميد مدخراتهم في البنوك وخفض قيمة الليرة، وأجبر الدولة على رفع الدعم الذي كان في السابق يجعل بعض الخدمات الأساسية في متناول الجميع.

أحمد أبو دالة وزوجته لمياء أبو دالة (رويترز)

ولم تعلن الحكومة اللبنانية عن مدفوعات أو أشكال أخرى من الدعم للأسر التي تأثرت بتبادل إطلاق النار مع إسرائيل، في حين وزع «حزب الله» بعض المساعدات المالية وسدد الإيجارات عن بعض العائلات.

وقالت عائلة أبو دلة إنها حصلت على سلة غذائية من مجلس الجنوب، وهو جهة رسمية، لكنها لم تكن كافية لتغطية احتياجاتهم أثناء نزوحهم.

وقالت لمياء أبو دلة (74 عاماً) خالة سامر «ولا شي ولا حدا دق بابنا ولا حدا سأل... كل واحد دبر حاله بجهده الخاص يعني. الدولة غايبة عنا».

وأضافت «نحن من 1977 اتهجرنا، وبعدنا بنتشرشح من هون لهون. شو بنعمل؟ شيء انفرض علينا، مش بايدنا».


مقالات ذات صلة

المشرق العربي مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

ردت إسرائيل، الخميس، على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في جنوب لبنان، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية في الجنوب.

نذير رضا (بيروت)
تحليل إخباري آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تحليل إخباري «حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أنه على إسرائيل أن تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري

كارولين عاكوم (بيروت)

وزير خارجية إسرائيل: ناشطو «أسطول الصمود» سيُنقلون إلى اليونان

قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزير خارجية إسرائيل: ناشطو «أسطول الصمود» سيُنقلون إلى اليونان

قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الخميس، أن النشطاء الذين كانوا على متن «أسطول الصمود العالمي» المتجه إلى غزة واعترضته بحرية الدولة العبرية، سيُنقلون إلى اليونان.

وكتب ساعر على منصة «إكس»: «بالتنسيق مع الحكومة اليونانية، سيتم إنزال المدنيين الذين نُقلوا من سفن الأسطول إلى السفينة الإسرائيلية، في البرّ اليوناني خلال الساعات المقبلة»، شاكراً للحكومة اليونانية «إبداء استعدادها لاستقبال المشاركين في الأسطول».

وكان منظّمو «أسطول الصمود» العالمي، الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض على القطاع، أعلنوا في وقت سابق الخميس، أن الجيش الإسرائيلي «اختطف» 211 ناشطاً، من بينهم مستشارة في بلدية باريس، خلال عملية نفّذها في المياه الدولية قبالة اليونان، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «غلوبال صمود - فرنسا»، هيلين كورون، الخميس في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن العملية جرت قرب جزيرة كريت، بعيداً من السواحل الإسرائيلية.

وكان منظمو هذا الأسطول الذي يضم ناشطين مؤيدين للفلسطينيين يسعون إلى كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، وتوصيل المساعدات إليه، قد أفادوا في وقت سابق بأن سفناً عسكرية إسرائيلية حاصرت قواربهم لدى وجودها قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية.

تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (أ.ب)

وكان الأسطول قد أبحر في الأسابيع الأخيرة من مرسيليا في فرنسا وبرشلونة في إسبانيا وسيراكيوز في إيطاليا.

وخلال ليل الأربعاء إلى الخميس، قال المنظّمون إن القوارب «حوصرت بشكل غير قانوني» من قبل سفن إسرائيلية.


كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

دعا مسؤولون في نحو ثلاثين وسيلة إعلام دولية، خلال رسالة مفتوحة مشتركة، إسرائيل إلى إتاحة الوصول بحُرّية إلى قطاع غزة، المغلق أمام الصحافيين الأجانب منذ بداية الحرب ضد حركة «حماس» قبل أكثر من عامين. وتحمل الرسالة توقيع مسؤولي هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، وشبكة «سي إن إن»، وصحيفة «نيويورك تايمز»، وصحيفة «واشنطن بوست»، وصحيفة «الغارديان»، وصحيفة «إل باييس»، وصحيفة «لوموند»، ووكالتَي الأنباء «أسوشييتد برس»، و«رويترز»، و«وكالة الصحافة الفرنسية». وجاء في نص الرسالة: «في كل نزاع، يواجه الصحافيون قيوداً على وصولهم إلى ساحة المعركة. لكن الوضع مختلف في غزة، فمنذ أكثر من 930 يوماً، تمنع إسرائيل الصحافيين من دخول القطاع بشكل مستقل»، مطالبين برفع القيود «فوراً». ودأب الصحافيون الأجانب والهياكل الممثلة لهم على المطالبة بإتاحة الوصول إلى غزة منذ بداية الحرب المدمِّرة، على أثر هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. ورفعت رابطة الصحافة الأجنبية في القدس القضية إلى المحاكم الإسرائيلية، لكن دون جدوى حتى الآن. ولم تسمح إسرائيل إلا لبضع عشرات من الصحافيين بدخول القطاع بمرافقة الجيش الإسرائيلي، وبقيود لا تسمح بالعمل الصحافي المستقل. وتتذرع السلطات الإسرائيلية بـ«أسباب أمنية»، حتى بعد بدء وقف إطلاق النار الهش في أكتوبر الماضي. وأضاف الموقِّعون على الرسالة المفتوحة أنه بسبب حظر الدخول الحالي، تقع تغطية الحرب وتداعياتها «بشكل شبه كامل على عاتق زملائنا الفلسطينيين»، الذين «عملوا في ظروف قاسية - الجوع، والنزوح، وفقدان الأحبّة، والقيود المستمرة، والهجمات المميتة. ينبغي ألا يتحملوا هذا العبء وحدهم، ويجب حمايتهم». ووفق لجنة حماية الصحافيين، قُتل أكثر من 200 صحافي فلسطيني في غزة منذ بداية الحرب.


«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
TT

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)
ورود وأعلام سورية وصور ضحايا في دمشق 24 أبريل بعد القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي بارتكاب «مجزرة التضامن» (إ.ب.أ)

كشفت تقارير إعلامية عن أن لجنة سورية مختصة تعمل على ملف قضائي ضد فادي صقر، القيادي السابق في «قوات الدفاع الوطني»، وهي ميليشيا رديفة كانت تابعة للنظام السابق، بجرائم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وذلك في إطار مسار العدالة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد.

ونشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، الخميس، أن صقر متهم بالتورط في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري للمدنيين، خصوصاً في حي التضامن بدمشق، إلى جانب مناطق أخرى في دمشق.

ولفت التقرير إلى أن تعاون الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية بعد عام 2024 أثار غضباً واسعاً بين الضحايا وذويهم، الذين طالبوا بمحاسبته وعدم منحه أي دور رسمي.

القيادي في الدفاع الوطني بالنظام المخلوع فادي صقر (متداولة)

تعاونت الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية، بعد الإطاحة ببشار الأسد، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، مما أثار غضب الضحايا الذين طالبوا بمحاسبته على جرائمه. وقالت زهرة البرازي، نائبة رئيس اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية والمستشارة في وزارة الخارجية السورية، إن اللجنة تعمل مع الضحايا لبناء قضية ضد صقر. وأوضحت أن «هناك أدلة كافية ضد صقر. لقد كان مفيداً لأسباب معينة، ولكنه لم يعد كذلك. لا أحد فوق القانون».

فحص ما يُعتقد أنها مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

وأشار تقرير «الغارديان» إلى أن الإجراءات القضائية ضد قائد الميليشيا السابق علامة فارقة مهمة لسوريا، التي عانت طويلاً في سبيل إرساء العدالة الانتقالية بعد أكثر من عقد من الحرب التي خلّفت مئات الآلاف من القتلى وأدت إلى صراعات في المدن والأحياء.

وسبق أن صرّح خبراء بأن عملية عدالة انتقالية سليمة من شأنها أن تُسهم في الحد من العنف الطائفي في البلاد، التي شهدت مجازر طائفية وعمليات قتل متفرقة منذ سقوط الأسد.

ألقت السلطات السورية القبض، الأسبوع الماضي، على أمجد يوسف، أحد أبرز منفذي «مجازر التضامن».

ووثّقت مقاطع فيديو عُثر عليها في حاسوب محمول لضابط مخابرات سابق وسُرّبت خارج البلاد، مقتل ما يقرب من 300 مدني على يد قوات النظام في حي التضامن عام 2013.

كانت صحيفة «الغارديان» قد كشفت في عام 2022 عن مجموعة من اللقطات أظهرت يوسف وهو يأمر مدنيين معصوبي الأعين بالركض إلى الأمام بينما كان يطلق النار عليهم، ويدفعهم إلى حفرة، ويعدمهم، ويحرق جثثهم.

فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

وأصر سكان التضامن منذ فترة طويلة على وجود عديد من الجناة الآخرين، بمن فيهم أعضاء في قوات الدفاع الوطني بقيادة صقر، طالبوا باحتجاز صقر.

صقر، من جانبه، نفى مسؤوليته عن المجازر. وصرح لصحيفة «الغارديان» بأنه «لم يعلم بالمجزرة إلا من خلال وسائل الإعلام»، وأنه «يثق بالإجراءات القضائية».

وأضاف: «تجب معاقبة كل من تثبت إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية». وتابع: «صمتي حيال الحملات المرفوعة ضدي نابع من رغبتي في عدم التأثير في مسار التحقيقات».

متزعم ميليشيا الدفاع الوطني في عهد نظام الأسد فادي صقر (سوشيال ميديا)

وقال صقر إنه أصبح قائداً لقوات الدفاع الوطني في دمشق في يونيو (حزيران) 2013، أي بعد شهرين من تسجيل لقطات مصورة علنية لإعدامات يوسف للمدنيين قرب الحفرة. ومع ذلك، اطَّلعت صحيفة «الغارديان» على مقاطع فيديو غير منشورة لعمليات قتل إضافية نفَّذها يوسف وعناصر من قوات الدفاع الوطني، بما في ذلك لقطات مصوَّرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، أي بعد أربعة أشهر من تولي صقر منصبه.

وحسب «الغارديان»، بررت الحكومة الجديدة تعاونها مع شخصيات مثل صقر، بالقول إنها تسعى إلى تحقيق التوازن بين ضرورة تحقيق العدالة والاعتبارات العملية لضمان استقرار سوريا خلال مرحلتها الانتقالية. وساعد صقر الحكومة على التواصل مع فلول نظام الأسد الذين شنوا تمرداً محدوداً منذ سقوط الرئيس السوري السابق.

وقالت زهرة البرازي إن إعداد قضية ضد صقر قائمة منذ بضعة أشهر، وخلال هذه الفترة ازدادت التكلفة السياسية لإبقاء قائد الميليشيا السابق في صفوفها، وإن هناك إدراكاً حقيقياً لأن أي مكاسب قد تُجنى منه، مقارنةً بالتوتر الذي كان يخلقه مع الرأي العام، لا تستحق العناء. مضيفةً أن اعتقال يوسف «ساعد على دفع هذه القضية إلى الواجهة».