وزير الداخلية : «لبنان بلد ليس للبيع» ولا يمكن إغراؤه لتوطين السوريين

عرض لـ«الشرق الأوسط» نتائج الخطة الأمنية لوزارته وتعقيدات وجود النازحين

وزير الداخلية اللبناني (الشرق الأوسط)
وزير الداخلية اللبناني (الشرق الأوسط)
TT

وزير الداخلية : «لبنان بلد ليس للبيع» ولا يمكن إغراؤه لتوطين السوريين

وزير الداخلية اللبناني (الشرق الأوسط)
وزير الداخلية اللبناني (الشرق الأوسط)

كثيرة الهموم التي تشغل المواطن اللبناني والرأي العام: من الخوف من تدهور الأوضاع جنوباً إلى حرب مفتوحة بين «حزب الله» وإسرائيل، إلى الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، إلى الملفات الأخرى المالية والصحية والتعليمية... بيد أن هناك ملفين رئيسيين انتقلا إلى مقدمة اهتمام اللبناني ولهما عنوانان: «الوضع الأمني» و«الوجود السوري في لبنان». هما حاضران بقوة بحيث إن الأحداث الأمنية المتنقلة في الأسابيع الأخيرة أفرزت جدلاً وخطاباً شعبوياً وطُرحت حلول واتُخذت إجراءات على مستويات مختلفة، منها المستوى المحلي. وعيبها إما أنها جاءت متأخرة أو جزئية أو أنها غير مضمونة النتائج. من هنا، فإن «الشرق الأوسط» حملت الملفين إلى المسؤول الأول عنهما، وزير الداخلية بسام المولوي، خلال زيارته إلى العاصمة الفرنسية.

محصلة الخطة الأمنية

يعكس كلام الوزير مولوي ارتياحه لنتائج الخطة الأمنية التي أقرّتها وزارته وبدأت تطبيقها منذ 23 أبريل (نيسان) الماضي. وبنظره، فإن الخطة المذكورة جاءت رباعية الأهداف: منع المخالفات، ملاحقة المطلوبين وتطبيق القانون على كل الأراضي اللبنانية ، توفير الشعور بالأمن للمواطنين في بيروت وكل لبنان، ورفع معنويات القوى الأمنية لتتمكن من القيام بمهماتها كاملة. وبحسب وزير الداخلية، فإن الخطة الأمنية جاءت استجابة لشكوى المواطنين، ويقول: «الدولة سمعت صوتهم. اشتكوا من التفلت الأمني، من عدم القدرة على سلوك طريق المطار من المطار نحو بيروت في ساعات الليل، من عدم القدرة على التجول أو التنقل بحرية ومن عدم القدرة على ممارسة الرياضة على الكورنيش البحري بحرية من جراء كثرة المخالفات». وبعد شهرين من البدء في تنفيذها، يعتبر مولوي أن الخطة حصدت نجاحاً «واضحاً»: عنوانه «الانخفاض الكبير جداً في معدل الجرائم وحتى وقف الجرائم التي كانت تحصل في بيروت». ولم يفت وزير الداخلية الإشارة إلى وجود «بعض المتضررين» من تطبيق الخطة، واصفاً إياهم بـ«القلة القليلة» التي اعتادت على غياب الدولة فاعتادوا الفوضى، لكن «هذا الموضوع لا يجب أن يستمر واللبنانيون يشعرون بالارتياح لحفظ الأمن والنظام وبسط سلطة القانون».

ثمة سؤالان يُطرحان بقوة: الأول، هل كل الأراضي اللبنانية مفتوحة أمام القوى الأمنية؟ جواب الوزير مولوي يأتي قاطعاً: «نعم، كل الأراضي اللبنانية مفتوحة أمام القوى الأمنية، والدليل التوقيفات التي تجريها هذه القوى في كل الأراضي اللبنانية، حتى تلك التي ينظر إليها على أنها عصية على القوى ألأمنية. هي تداهم المطلوبين وتلاحق مروجي المخدرات وتراقب وتتابع مَن عليهم شبهة أمنية إرهابية أو أعمال منافية للقانون وحتى داخل المخيمات الفلسطينية أو السورية». وإحدى مظاهر النجاح أن الأجهزة الأمنية المعنية (شعبة المعلومات، الأمن العام ومديرية المخابرات) تعمد إلى القيام بما سماه «الأمن الاستباقي» نجحت في توفير الحماية للبنان من «الجرائم الأمنية»، والمقصود بها الجرائم الإرهابية.

أما السؤال الآخر، فمحوره الأسباب التي جعلت وزارة الداخلية تتأخر في إطلاق خطتها. يتحفظ وزير الداخلية على هذه المقاربة، حيث يؤكد أن وزارته كانت تعمد وباستمرار إلى إطلاق الخطط الأمنية اللازمة في المناسبات الدينية كافة وغير الدينية، أكان ذلك في باب أقامة الحواجز أم منع إطلاق النار في المناسبات... إلا أن الخطة الأخيرة «أصبحت أكثر ظهوراً في الشهرين الأخيرين». إلا أنه، بالمقابل، لا ينفي تأثير الأزمتين المالية والاقتصادية «بشكل كبير» على إمكانات القوتين العسكرية والأمنية. لكنه يرى أن ميزانية العام 2024 «وفّرت لقوى الأمنية بعض حقوقها» التي قدّرها بـ«أضعاف عدة» عما كانت عليه في العامين السابقين، وبالتالي «هي اليوم مقبولة». بيد أن الوزير مولوي يبدي اعتراضه على ما يسميه «مقولة القلب يجاور المعدة» بمعنى أن النقص في الإمكانيات، في ما خص المؤسسات وأجهزة الدولة الأمنية والعسكرية والقضائية لا يجب أن ينعكس على أدائها، وأن أمراً كهذا «يصح في العمل التجاري، ولكن لا يصح في العمل المؤسساتي».

النزوح السوري: ما هو الحل؟

يضع وزير الداخلية، بدايةً، ملف الوجود السوري «الشائك جداً» في إطاره العام؛ إذ إنه «مرتبط بالسياسة الدولية وبالمواقف الغربية الأميركية والأوروبية، ومرتبط كذلك بالوضع (الداخلي) في سوريا». ولذا؛ فإن الحل «المتكامل» لهذا الملف «مرتبط بالحل المتكامل للأزمة السورية، سواء داخل سوريا أو في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية ومجمل الدول الغربية». بيد أنه يسارع للقول: «إننا في لبنان لا نستطيع أن ننتظر هذا الحل المتكامل للبدء بتنفيذ الإجراءات التي هي مفروضة علينا بحسب القانون، والتي من شأنها أن تعيد الأمور ولو جزئياً ولو شيئاً فشيئاً إلى نصابها. لبنان يستطيع أن يطبق القوانين اللبنانية وأن يطبق المعاهدات الدولية التي وافق عليها. فلبنان ليس بلد اللجوء». ويضيف: «نحن لا نستطيع أن نترك وضع اللجوء السوري يضر بلبنان ويضر بالسوريين ويضر بمستقبل سوريا. هدفنا ليس تنظيم الوضع السوري في لبنان. نحن هدفنا خطة عودة (النازحين) مع إطار زمني».

ثمة الكثير يقال عن تبعات النزوح السوري الكثيف إلى لبنان مع تفلت الحدود وعبء النزوح الاقتصادي والضغوط على البنى التحتية والمدارس والمستشفيات والأمن، والأهم التغيير الديموغرافي في بعض المناطق. وبحسب الوزير مولوي، فإن عدد النازحين السوريين بتجاوز المليونين، وأن 32 في المائة من المساجين في لبنان سوريون، وأن عدد الموقوفين منهم بسبب ارتكاب الجرائم يبلغ 75 ألف شخص، ومن الصعب «إنكار هذه الحقيقة» كما أن هناك «نوعية من الجرائم التي يرتكبها السوريون هي غريبة على المجتمع اللبناني، وبالتالي إن الوجود السوري الكثيف يؤثر على الأمن في لبنان». وما يفاقم الأمور أن غالبية السوريين في لبنان «لا يحوزون إقامة شرعية صادرة عن الأمن العام اللبناني»، وبالتالي «تصعب متابعتهم» أو ملاحقة ما يقومون به.

يقول وزير الداخلية إن 600 ألف سوري فقط حاصلون على إقامة شرعية، وإن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين زوّدت الأمن العام «بعد مفاوضات عسيرة» بلوائح (داتا) غير مكتملة المعلومات تضم 1.486 مليون شخص، وهؤلاء حاصلون على بطاقات من المفوضية. لذا؛ فإن الأمن العام بدأ «في إجراءات فعلية لدعوة السوريين إلى التقدم من مراكزه المنتشرة على الأراضي اللبنانية كافة؛ لتسجيلهم، أولاً لأخذ (الداتا) أو قاعدة البيانات المتعلقة بهم وللتحقق من أحقية وجودهم في لبنان وأسبابه». وعملياً، ينتظر أن ينجز الأمن العام هذه المهمة خلال 13 شهراً. ويعمل الجهاز على إقامة مركزين كبيرين (ميغا سنتر) في الدامور وحارة صخر لاستقبال السوريين.

ما بين العودة الطوعية والآمنة

يأخذ وزير الداخلية على الدول الغربية طريقة تعاطيها مع ملف نزوح السوريين بسبب خشيتها من هجرتهم من لبنان إلى أوروبا. بيد أن هناك أسباباً أخرى، منها رفضها إعادتهم لسوريا؛ لأن ذلك يعني التطبيع مع النظام وهم يرفضونه. ويرمي مولوي المسؤولية على المفوضية الدولية التي تقوم بدفع المساعدات للسوريين في لبنان؛ ما يحفزهم على المجيء إليه والبقاء فيه بدلاً من أن توفرها لهم في سوريا «وبذلك يقوم السوري بإعمار بلاده بصرف النظر عن السياسة، وبصرف النظر عن موقف الاتحاد الأوروبي أو موقف الولايات المتحدة من مسألة اللاجئين». وقناعة وزير الداخلية أن «معظم السوريين في لبنان موجودون فيه لأسباب اقتصادية... إنما لبنان لا يتحمل هذا الوجود السوري الكثيف. نحن نقول إن اللبناني ليس عنصرياً بطبيعته. ما تقوم به الدولة اللبنانية ليس بالمطلق من باب العنصرية. واللبناني ينظر إلى الموضوع بمجمله من باب المصلحة اللبنانية العليا، ومن باب إمكانية استمرارية التنوع اللبناني واستمرارية توافر فرص العمل للبناني...».

يؤكد الوزير مولوي أن رسالته لمن يلتقيهم من المسؤولين الدوليين أن لبنان «ليس بلداً للبيع ولا يمكن إغراؤه بمساعدات هدفها إبقاء السوريين أو توطينهم في لبنان». ويضيف بخصوص تمسك المفوضية والدول الغربية بما يسمونه العودة الطوعية، الآمنة والكريمة: «أنا أقول دائماً إن عودة السوري إلى سوريا يجب أن تكون عودة آمنة، وذلك من منطلق حقوق الإنسان ومعاهدة واتفاقية مناهضة التعذيب التي وافق عليها لبنان. أما بالنسبة إلى مقولة العودة الطوعية، فذلك شأن آخر. ما نراه أن الوجود الطوعي السوري في لبنان يجب أن يكون ضمن إمكانيات وسياسة الحكومة اللبنانية ووفق تقديرها. نحن طبعاً مع العودة الآمنة، أما موضوع العودة الطوعية فأمر لا أقرّه وفيه نظر».



«حزب الله»: السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير

أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)
أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله»: السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير

أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)
أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز)

قال «حزب الله» اللبناني، اليوم الأحد، إن «السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير» عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مع ممثلي «من يستبيح أرضها وسيادتها ويواصل قتل شعبها، والسير بمسارات تشرع لهذا العدو اعتداءاته».

وأضاف «حزب الله»، في بيان، أن «السلطة اللبنانية ادعت أن شرطها الأساسي في الذهاب إلى اجتماعها المشؤوم في واشنطن مع العدو هو المطالبة بوقف اعتداءاته وبدء انسحابه من أراضينا المحتلة، إلا أننا لم نسمع منها تصريحاً علنياً وواضحاً يشترط ذلك».

وتابع: «بل على العكس، ما صدر عن ممثلة لبنان هو فقط مديح بحق الرئيس الأميركي، شريك العدو في سفك دماء اللبنانيين، ممّا شجّع العدو على الاستمرار في اعتداءاته وخروقاته».

وأكد «حزب الله» إدانته لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الحزب هو من يقوض وقف إطلاق النار، وأكد أن مواصلة استهداف القوات الإسرائيلية داخل لبنان هو «ردّ مشروع على خروقاته المتمادية لوقف إطلاق النار منذ اليوم الأول لإعلان الهدنة المؤقتة، والتي تجاوزت 500 خرق براً وبحراً وجواً، من قصف ونسف وتدمير للبيوت، وأدت إلى سقوط عشرات الشهداء».

وشدد «حزب الله»، في بيانه، على أن «استمرار العدو في خرقه لوقف إطلاق النار، وفي اعتداءاته من قصف وتجريف وتدمير للمنازل أو استهداف للمدنيين، وقبل ذلك كله، استمراره في احتلال الأراضي اللبنانية وانتهاكاته لسيادتها، سيقابل بالرد».

ويتأرجح وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، رغم إعلان ترمب تمديده لثلاثة أسابيع، الخميس، وحديثه بنبرة متفائلة عن آفاق السلام بين البلدين عقب جلسة تفاوض على مستوى السفراء عقدت في البيت الأبيض.

وفي ظل تبادل الطرفين الاتهامات بانتهاك الهدنة، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن «حزب الله» «يقوّض» الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ اعتباراً من 17 أبريل (نيسان). وكانت مدته الأولية عشرة أيام، لكن ترمب أعلن تمديده لثلاثة أسابيع إضافية.

وقال نتنياهو، في اجتماع للحكومة، «يجب أن يكون مفهوماً أن انتهاكات (حزب الله) تقوض وقف إطلاق النار».

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية عن غارة على بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان، الأحد، بعد إنذار من الجيش الإسرائيلي بإخلائها مع ست قرى أخرى، في ما قال إنه رد على «خرق» «حزب الله» لاتفاق وقف إطلاق النار.

وقبل الغارات الأخيرة، أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن ضربات إسرائيلية يومي الجمعة والسبت في أنحاء جنوب لبنان، أسفرت عن مقتل 12 شخصاً.

وقُتل 2496 شخصاً وأصيب أكثر من 7700 في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس (آذار)، بحسب أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة السبت. كما نزح أكثر من مليون شخص بسبب النزاع.


لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)
TT

لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)

شكّل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط محطة بارزة ركّزت على جملة من الملفات المرتبطة بالعلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا، والتحديات المشتركة التي يواجهها البلدان، بالإضافة إلى معالجة ذيول الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء السورية.

ورغم أن الزيارة إلى دمشق تكتسب أهمية خاصة من حيث التوقيت والمضمون، لا سيما أنها أتت في ظل تطورات لبنانية وإقليمية معقدة للغاية، فقد اكتفى البيان الذي أصدره الحزب الاشتراكي، بالتأكيد على أن الزيارة شددت على «تحسين العلاقات اللبنانية - السورية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، وإسقاط نظرية حلف الأقليات والأخذ باعتبار الروابط الاجتماعية والجغرافية، ودعم استقرار لبنان»، مشيراً إلى أنه «جرى التأكيد على وحدة سوريا بكل أطيافها، وطمأنة كل مكونات الشعب السوري ومعالجة الأحداث الأليمة (في إشارة إلى أحداث السويداء)».

فيما قال البيان الرئاسي السوري المختصر إن الرئيس أحمد الشرع التقى الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط والوفد المرافق له في قصر الشعب بدمشق. وجرى خلال اللقاء بحث مستجدات التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة.

أمين سر كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب هادي أبو الحسن شارك في لقاء جنبلاط والشرع في دمشق السبت (سانا)

تطوير العلاقات

في هذا السياق، أوضح أمين سر كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب هادي أبو الحسن، الذي رافق جنبلاط إلى دمشق، أن الزيارة «بحثت بالعمق تطوير وتوطيد العلاقات اللبنانية - السورية على قاعدة احترام سيادة واستقلال البلدين، مع الأخذ في الاعتبار الروابط الجغرافية والتاريخية والاجتماعية التي تجمعهما».

وأكد أبو الحسن لـ«الشرق الأوسط» أن سوريا «تبقى الدولة العربية الوحيدة التي تربطها حدود مباشرة بلبنان، وأن القيادة السورية الحالية تسعى إلى إعادة صياغة هذه العلاقة انطلاقاً من واقع جديد، حيث انتهى زمن الوصاية السورية مع رحيل بشار الأسد»، مشيراً إلى أن «بعض الأطراف في سوريا وإسرائيل تحاول إحياء ما يُعرف بـ(حلف الأقليات)، إلا أن هذا الطرح لم يعد قائماً في نظر القيادة السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد، كما أن دمشق تركّز على مصالحها الاستراتيجية ضمن محيطها العربي».

نوايا إسرائيلية بإقامة «خط أصفر»

وبتقاسم لبنان وسوريا خطر الاعتداءات الإسرائيلية على سيادة البلدين، شدد أبو الحسن على أن المحادثات بين الشرع وجنبلاط «تناولت خطر التصعيد الإسرائيلي ضدّ لبنان وسوريا، ووجود هواجس مشتركة من نوايا إسرائيلية بإقامة (خط أصفر) في جنوب لبنان يمتد من الناقورة إلى جبل الشيخ، مع احتمالات توسعه ليشمل مناطق في جنوب سوريا».

وقال: «هذا التوجه يعكس قلقاً مشتركاً من وجود مخطط إسرائيلي خطير، ما يستدعي تنسيقاً وجهداً مشتركاً لمواجهته واستثمار علاقات البلدين بالدول الشقيقة والصديقة».

أحداث السويداء

واستأثرت أحداث السويداء بجانب كبير من المحادثات بين الشرع وجنبلاط، خصوصاً أن الأخير لعب دوراً بارزاً في معالجة تداعياتها والحدّ من خطر تمددها، ورفضه المطلق لمطلب ضمّ السويداء إلى إسرائيل أو المطالبة بتأمين حماية إسرائيلية للمنطقة.

أمين سر كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب هادي أبو الحسن شارك في لقاء جنبلاط والشرع في دمشق السبت (سانا)

وقال أبو الحسن: «ركّزت المباحثات على ضرورة معالجة تداعيات أحداث السويداء الأليمة، والعمل على استكمال نتائج اللقاء الذي عُقد في عمّان بمشاركة سوريا والأردن والولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن النائب السابق وليد جنبلاط «جدد التأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا وتعزيز دور الدولة المركزية، بما يضمن المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، ويحول دون بروز أي قوى تنازع الدولة على سيادتها».

وشهدت العلاقات اللبنانية السورية تحسناً ملحوظاً، برزت من خلال التنسيق بينهما لضبط الحدود ومنع التهريب بالاتجاهين، إلّا أن هناك قلقاً سورياً بعد المعلومات عن ضبط أنفاق في الداخل السوري لتهريب السلاح إلى لبنان، والمعلومات التي تحدثت عن توقيف خلية أمنية في دمشق مرتبطة بـ«حزب الله». وتحدث أبو الحسن عن ضرورة «تبديد الهواجس لدى البلدين بما يحفظ أمنهما، والعمل على بناء الثقة بين المؤسسات الرسمية لديهما».


هل أسهمت الحرب الإسرائيلية على لبنان في عودة السوريين إلى بلدهم؟

نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر «المصنع» بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)
نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر «المصنع» بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

هل أسهمت الحرب الإسرائيلية على لبنان في عودة السوريين إلى بلدهم؟

نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر «المصنع» بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)
نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر «المصنع» بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

لا يزال نحو مليون لاجئ سوري في لبنان يرفضون العودة إلى بلادهم رغم جولات الحرب الإسرائيلية المتتالية التي تشهدها البلاد وعدم استقرار الأوضاع الأمنية منذ قرار «حزب الله» إسناد غزة عام 2023.

صحيح أن هذه الأحوال دفعت مئات الآلاف للهروب عائدين إلى سوريا، إلا إن آخرين لا يزالون يعدّون أن أحوالهم في لبنان، رغم المخاطر الأمنية المحيطة، تبقى أفضل من العودة إلى سوريا حيث بالنسبة إلى كثيرين لا منازل ولا أعمال.

سوريون ولبنانيون على معبر «المصنع» بين لبنان وسوريا هرباً من القصف الإسرائيلي (أرشيفية - الشرق الأوسط)

ويقول فيصل (41 عاماً)، المتحدر من دير الزور، وهو رب أسرة مكونة من 5 أفراد استقروا في لبنان منذ نحو 10 أعوام: «رغم الحروب المتتالية في لبنان خلال السنوات الماضية، فإننا نشعر بحد أدنى من الأمان والاستقرار كوننا نسكن في بلدة محيدة وآمنة في جبل لبنان». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أنا أعمل في البناء. صحيح أن أعمالنا تأثرت بالحرب، لكن لا أزال أستطيع تأمين حاجيات عائلتي. العودة إلى سوريا اليوم تشبه العودة إلى المجهول؛ لأنه سيكون علينا البدء من الصفر. ربما عندما تتحسن الأوضاع الاقتصادية هناك وتبدأ عملية الإعمار الفعلية... عندها نعود».

ماذا تقول الأرقام؟

ووفق الأرقام الرسمية، فإن 95 سورياً قتلوا في جولة الحرب الأخيرة (بين 2 مارس/ آذار و17 أبريل/ نيسان 2026) وأصيب 130.

وتشير أرقام «مفوضية اللاجئين» إلى أنه «منذ يناير (كانون الثاني) 2025، عاد أكثر من 593 ألف لاجئ سوري من لبنان إلى سوريا. ومع تصاعد الأعمال العدائية مؤخراً، تُقدّر السلطات السورية أن نحو 260 ألف سوري عبروا من لبنان إلى سوريا بين 2 مارس و20 أبريل 2026».

وزيرة الشؤون الاجتماعية

وتَعدّ وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيد، أنه «لا يمكن القول إن الحرب الحالية هي التي أسهمت في حل أزمة النزوح»، لافتة إلى أن «إقرار الحكومة اللبنانية بتاريخ 16 يونيو (حزيران) 2025 خطة العودة، شكّل نقطة تحوّل أساسية في مسار معالجة هذا الملف، حيث أسهمت التسهيلات الإدارية والإعفاءات التي اعتمدها الأمن العام، إلى جانب الحوافز المالية الناتجة عن الشراكة بين الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي، في تعزيز العودة الآمنة والمستدامة. كما لعب تبادل قواعد البيانات بين الأمن العام اللبناني و(مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) دوراً مهماً في شطب العائدين من سجلات (المفوضية)، بما يعزز دقة الأرقام ويؤدي إلى حسن إدارة هذا الملف الوطني الحساس بغية إقفاله بشكل منظم».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (الرئاسة اللبنانية)

وتضيف السيد: «إلى جانب ذلك، جاء طلب الحكومة اللبنانية من المجتمع الدولي دعم العائدين داخل سوريا، وتفعيل برامج إعادة الاندماج، في جزء من مقاربة متكاملة تهدف إلى جعل العودة مستدامة وليست ظرفية. وقد انعكست هذه الإجراءات بشكل واضح على أرقام العودة؛ إذ بلغ عدد العائدين حتى فبراير (شباط) 2026 نحو 581 ألفاً و107 أشخاص، وذلك قبل اندلاع الحرب الأخيرة. أما خلال فترة الحرب، ومنذ 2 مارس وحتى اليوم، فقد بلغ مجموع السوريين الذين غادروا إلى سوريا 198 ألفاً و404 أشخاص، حيث يستمر التعاون بين (المفوضية) والأمن العام اللبناني لغربلة المسجلين وشطب العائدين من سجلاتها».

حل مستدام؟

وترى السيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بناء على ما سبق، لا يمكن القول إن الحرب الحالية هي التي أسهمت في حل أزمة النزوح؛ إذ كان بإمكان كثير من النازحين الانتقال من مناطق الاستهداف إلى مناطق أعلى أماناً داخل لبنان، إلا إن اختيار العودة إلى سوريا يؤكد أن مسار العودة الذي عززته خطة الحكومة اللبنانية قد أثبت فاعليته ونجاحه. كما لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته السلطات السورية من خلال سياسات مرتبطة بإقفال ملف النزوح الداخلي، والتعهدات الرسمية بتسهيل العودة نتيجة المناخ الإيجابي الذي يحكم العلاقات اللبنانية - السورية في هذا المجال».

أما بشأن ما إذا كان ما يحدث اليوم يمثل بداية حل مستدام، فإن السيد تقول إن «أزمة النزوح السوري دخلت فعلياً في مسار الحل، لكنها لم تصل بعد إلى تسوية نهائية بشكل كامل. ونحن بصدد إجراء تقييم شامل في نهاية شهر يونيو (حزيران) المقبل، مع اكتمال سنة كاملة على تنفيذ خطة الحكومة اللبنانية، بما يسمح بإجراء مراجعة دقيقة للنتائج المحققة وتحديد الخطوات اللاحقة»، مضيفة: «لكن المفارقة المؤلمة اليوم تكمن في أننا، بينما نقترب تدريجياً من معالجة أزمة النزوح السوري، نجد أنفسنا أمام أزمة نزوح داخلي لبناني جديدة فرضتها الحرب الأخيرة، بما تحمله من تحديات إنسانية واجتماعية واقتصادية كبيرة».

موقف المفوضية

من جهتها، توضح الناطقة باسم «مفوضية اللاجئين» لدى لبنان، ليزا أبو خالد، أنه رغم الأوضاع الأمنية في لبنان، فإن «قرار عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم يعتمد على مجموعة من العوامل، أبرزها توفّر المأوى والخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية، والتعليم، وفرص كسب العيش، داخل سوريا. كما تختلف الظروف والاعتبارات من عائلة إلى أخرى».

وتعدّ «المفوضية» أن الظروف الراهنة؛ نتيجة تصاعد الأعمال العدائية، بمثابة قوة قاهرة؛ مما يؤدي إلى تسريع كثير من اللاجئين عودتهم بحثاً عن ملاذ آمن.

نازحون سوريون عند معبر «وادي حميد» في عرسال (أرشيفية - المركزية)

وتشير أبو خالد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «عندما لا يجد اللاجئون خياراً آخر سوى العودة بسبب الأوضاع الراهنة في لبنان، يتمثل دور (المفوضية) في الحد من المخاطر والتخفيف من الأضرار خلال رحلة العودة، ليشمل ذلك تزويدهم بمعلومات أساسية بشأن وثائق الهوية والوثائق المدنية، وما يجب اصطحابه، إضافة إلى معلومات عن الخدمات والمساعدات المتاحة داخل سوريا. كما تقدّم (المفوضية) منحة نقدية لمرة واحدة للمساعدة في تغطية تكاليف النقل والسفر».

وتضيف: «كما هي الحال في برنامج العودة الطوعية المنظّمة المدعوم من المفوضية، يحصل اللاجئون العائدون من لبنان إلى سوريا على مبلغ قدره 100 دولار أميركي لكل شخص؛ وذلك لدعم تكاليف النقل إلى المعابر الحدودية، وتأمين الغذاء والمستلزمات الأساسية أثناء الرحلة، وتغطية الاحتياجات الفورية عند الوصول إلى سوريا. كما ستجري أيضاً مشاركة بيانات العائدين مع الأمن العام لتسهيل إجراءات الحدود، ومع فرق (المفوضية) في سوريا؛ بهدف متابعة أوضاعهم وتقديم الدعم اللازم بعد وصولهم».

Your Premium trial has ended