«حماس» أخفت الأسرى عند عائلات... والإسرائيليون دخلوا بملابس نازحين ونساء

«الشرق الأوسط» تكشف بعض تفاصيل عملية النصيرات

طفلتان وسط الركام الذي خلفته أحداث مخيم النصيرات الدموية في أثناء تحرير 4 أسرى إسرائيليين (أ.ف.ب)
طفلتان وسط الركام الذي خلفته أحداث مخيم النصيرات الدموية في أثناء تحرير 4 أسرى إسرائيليين (أ.ف.ب)
TT

«حماس» أخفت الأسرى عند عائلات... والإسرائيليون دخلوا بملابس نازحين ونساء

طفلتان وسط الركام الذي خلفته أحداث مخيم النصيرات الدموية في أثناء تحرير 4 أسرى إسرائيليين (أ.ف.ب)
طفلتان وسط الركام الذي خلفته أحداث مخيم النصيرات الدموية في أثناء تحرير 4 أسرى إسرائيليين (أ.ف.ب)

العملية التي نفّذتها إسرائيل في قلب مخيم النصيرات بقطاع غزة، وتحولت إلى حمام دم، نُفّذت في النهار بهدف مفاجأة حركة «حماس»، ما يعكس «حرب الأدمغة» التي ينخرط فيها كل من إسرائيل والحركة الفلسطينية، وتظهر تكتيكات جديدة اعتمدتها إسرائيل للوصول إلى الأسرى وتحريرهم، في مقابل تكتيكات «حماس» التي نجحت، لأكثر من 8 أشهر، في إخفاء معظم المحتجَزين.

والهجوم المُباغت، الذي حرَّر 4 أسرى إسرائيليين، بعد قتل 274 فلسطينياً في مجرزة جديدة بمخيم النصيرات، لم يكن الأول من نوعه في المخيم، بل هو الثاني بعد فشل محاولة، في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مما يكشف حجم التعقيدات المتعلقة بإخفاء الأسرى، وأيضاً محاولة تحريرهم، فما الذي حدث في مخيم النصيرات؟

البداية كانت بالتسلل

دون سابق إنذار، عند الساعة 11 صباح يوم السبت، تغيَّر كل شيء عندما سيطرت أصوات الاشتبكات المسلّحة على المخيم. وفي حين كان الناس يحاولون فهم ما يجري، وجدوا أنفسهم تحت قصف مكثف بري وبحري وجوي، وانفجارات لا تتوقف، وطائرات مُسيّرة تقتل كل جسم حي متحرك، ووجدوا أنفسهم يموتون بلا مقدمات في عملية سريعة نسبياً. وقبل ذلك كانت قوة إسرائيلية خاصة تضم عدداً كبيراً من الجنود، الذين تخفّوا بلباس مدني فلسطيني، وتنكّروا بملابس رجالية ونسائية، وبعضهم وضع النقاب على وجهه، تسللوا إلى المخيم؛ في محاولة لتنفيذ عملية خاطفة وسريعة، قبل أن يجري اكتشافها، ويتغير كل شيء.

وقالت مصادر ميدانية في المخيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن القوة الخاصة وصلت إلى مسرح العملية منقسمة إلى فرقتين؛ الأولى من خلال شاحنتين تجاريتين تحملان علامات لشركات فلسطينية محلية تعمل في غزة، والثانية من خلال سيارات مدنية إحداها كانت تحمل اسم منظمة دولية تُعنى بالمساعدات، والثانية كأنها تنقل نازحين من مكان إلى آخر. ووفق المصادر، فقد تقدمت السيارة التي تحمل أفراداً من القوة الخاصة، وكانوا يرتدون ملابس رجالية ونسائية، وبحوزتهم أمتعة محمولة، للإيهام بأنهم نازحون إلى مكان الشقق المستهدفة، بينما عملت المركبة التي كانت تحمل شعار منظمة دولية للتمويه، ووقفت شاحنة ثالثة في منطقة قريبة وكأنها جزء من عملية مساعدات يجري نقلها للمخيم، وسيارة رابعة تمركزت في مكان آخر بهدف وضع الأسرى بداخلها بعد تحريرهم.

وكشفت التحقيقات الداخلية أن المركبات المدنية، التي تسللت بها القوة الخاصة، وصلت من محور نتساريم عبر طريقين؛ الأولى من منطقة محيط المغراقة، والثانية من محيط الطريق الساحلية، وشقت طريقها باتجاه منطقة محيط مستشفى العودة، ثم إلى وسط مخيم النصيرات.

أطفال يبحثون في ركام منزلهم اليوم التالي للعملية التي نفذتها القوات الخاصة الإسرائيلية في النصيرات (أ.ف.ب)

اشتباكات في المنازل

بعد وصول المركبات، داهمت قوات خاصة مدعومة بالكلاب البوليسية بشكل سريع مبنى مكوناً من طابقين يعود للدكتور في الجامعة الإسلامية محمد الجمل، في حين داهمت قوات أخرى، بالتزامن على بُعد 300 متر، مبنى آخر لعائلة وشاح. وأكدت المصادر أن المداهمات كانت متزامنة، وجرت بأكثر من طريقة، من بينها تسلق سلالم وحبال. وفي مبنى عائلة الجمل، كان هناك 3 من الأسرى الإسرائيليين، في حين كانت الأسيرة الوحيدة في مبنى عائلة وشاح، محروسين من قِبل عائلات تنتمي إلى «حماس».

وقالت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن ذلك كان جزءاً من تكتيكات «حماس»، إذ عمدت «كتائب القسام» إلى وضع الأسرى مع عائلات عناصرها، دون لباس عسكري ودون أسلحة، وليسوا في أنفاق، كما كانت تعتقد إسرائيل. وأضافت المصادر: «كانت مهمة هذه العائلات الموثوق بها في تأمين الحراسة والطعام وأي احتياجات، وإبقاء الأسرى وسط المدنيين؛ لمنع لفت الانتباه». وأضافت المصادر أن عناصر «القسام» انتبهوا للأمر، لكن كان ذلك متأخراً، فدارت اشتباكات خفيفة داخل مبنى عائلة الجمل، قبل أن تقوم القوة الخاصة بإعدام عدد من أفراد العائلة؛ بينهم طفلان ووالدتهما، ومسلحون.

ومع سماع دويّ الاشتباكات داخل المنزل، وتحليق الطائرات المكثف، تيقّظ بعض المسلحين خارج المبنى، ممن يقطنون بالقرب منه لما يجري، ودخلوا في اشتباكات عنيفة مع القوات الإسرائيلية داخل الأبنية وخارجها، استُخدمت فيها كل أنواع الأسلحة، الخفيفة وقاذفات «آر بي جي» ومضادات دروع وأفراد وصاروخ لإسقاط طائرة مروحية طراز «أباتشي»، ما دفع الطائرات الحربية والمروحية والدبابات للتدخل؛ من أجل تأمين خروج القوات الخاصة. ووفق المصادر، «كانت العملية أسهل نسبياً في منزل عائلة وشاح، الذي قُتل فيه مسلّح واحد من العائلة كان يقوم بحراسة الأسيرة».

وسرعان ما تحوَّل المخيم إلى ساحة دم شهدت قصفاً من كل مكان، في حين بدأت الدبابات الإسرائيلية التوغل على طريق صلاح الدين الرئيسية من أجل قطع كل الطرق إلى مخيم النصيرات. وكانت تلك الدبابات بالأساس قد توغلت، عدة مرات، قبل أيام من العملية في منطقة شرق مخيم البريج، وكذلك في منطقة شرق دير البلح، في إطار التمويه والتضليل لتنفيذ العملية الأساسية. واتضح لاحقاً أن هذه القوات، التي وصلت من محور نتساريم، هي التي نجحت في تخليص مركبة الأسرى، بعدما تعطلت خلال انسحابها.

إطفائيون يخمدون ناراً أشعلها القصف الإسرائيلي على المخيم في أثناء عملية تحرير بعض الأسرى (أ.ف.ب)

الانسحاب الدموي ولحظات ارتباك

كانت لحظة الانسحاب هي الأكثر دموية، إذ عمدت إسرائيل إلى إلقاء أطنان المتفجرات فهدمت عدداً من المنازل والمباني، واستهدفت كل سيارة وشخص كان يتحرك في المنطقة، وقصفت كل الشوارع التي مرت من خلالها سيارة الأسرى، وكانت تحدث فجوات ضخمة فيها؛ لمنع المسلّحين من ملاحقتها قبل أن تتعطل السيارة، فتزيد إسرائيل حِمم النار، حتى تمكنت كتائب من «الفرقة 98» التي تقدمت مع الدبابات، من نقل الأسرى من المركبة التي علقت إلى مركبة أخرى، ثم إلى الطائرات.

أما الضربة الأخيرة، التي نفذتها إسرائيل بعد إخراج الأسرى سالمين، فاستهدفت فيها المركبة المتعطلة، وجميع الشاحنات والمركبات التي استُخدمت في العملية وتركتها خلفها، ثم قصفت المبنيين على كل مَن كان بداخلهما. ومع نجاح إسرائيل في تحرير 4 أسرى تكون هذه العملية هي الثالثة الناجحة، وهي أكبر عملية تحرير لأسرى، منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وكانت العملية الأولى هي إنقاذ المجنّدة أوري مغيديش، في أواخر أكتوبر، ثم في أوائل ديسمبر الماضي حاول الجيش الإسرائيلي إنقاذ رهينة أخرى، لكنه قُتل. وفي فبراير (شباط) الماضي، جرى تحرير فرناندو مارمان (61 عاماً)، ولويس هار (70 عاماً)، من مدينة رفح في جنوب غزة. ويلاحظ أن جميع المحتجَزين الذين حرَّرهم الجيش الإسرائيلي من غزة، جرى إنقاذهم من مبان، وليس من أنفاق.

ونجح الجيش في ذلك، بعدما بدأ يركز على الشقق وليس الأنفاق، وبدأ يغير أساليب التسلل كذلك.

واحتفت إسرائيل بالعملية، ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية بعض التفاصيل، مؤكدةً أن القوة التي نفَّذت العملية واجهت مقاومة شديدة، ما أدى إلى مقتل ضابط إسرائيلي. وأشارت إذاعة الجيش إلى أن قوات من «الفرقة 98» عملت على إسناد القوات التي نفذت العملية، خصوصاً عندما علقت مركبة كان على متنها الأسرى بعد تحريرهم من المبنيين، في حين شاركت 10 طائرات حربية في العملية؛ لتوفير غطاء جوي كثيف.

دمار واسع في النصيرات جراء مجزرة السبت 8 يونيو 2024 (أ.ف.ب)

روايات إسرائيلية

نقلت الإذاعة عن ضابط إسرائيلي كبير قوله إنه جرى استخدام وسائل تكنولوجية آمنة وفريدة في العملية التي شابها كثير من التوتر، خصوصاً في اللحظة التي تعطلت فيها المركبة التي كان على متنها الأسرى بسبب كثافة النيران. ونشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، تقريراً شمل مقابلة مع ضباط شاركوا في العملية، وأكدوا أنه جرى إخفاء المعلومات عن الجنود حول حقيقة المهمة التي سيشاركون فيها، حتى ساعة الصفر.

وقال ضابط أشرف على عملية الإسناد: «وضعنا قناصة في أماكن كثيرة واقتحمنا عدداً من المباني، وكنا نقوم بتحييد كل مسلَّح وكل خطر يحدق بقواتنا العاملة»، واصفاً تلك اللحظات بأنها كانت معقدة وصعبة، وزادت جنوناً بعد أن علقت مركبة الإنقاذ بالمخيم. ووصف العملية بأنها من «عالم الخيال»، وأنها بدت وكأنها من أفلام هوليود. وقال ضابط آخر شارك في إنقاذ المركبة المتعطلة: «شكلنا حلقة نارية كبيرة ونجحنا في تضليل المسلَّحين، رغم أننا واجهنا قوة نارية كبيرة، وعملنا في أجواء صعبة، لكننا نجحنا في تحييد عدد كبير من المسلّحين كانوا يحاولون استهداف المركبة».

وأكدت عائلة الأسيرة الإسرائيلية، نوعا أرغماني، وفق «قناة 13» العبرية، أنها كانت برفقة أسيرين آخرين قبل أن يُقتلا في غارة إسرائيلية بالقرب من المكان الذي كانوا يوجَدون فيه. وأضافت: «لقد رأيت الصاروخ يدخل المنزل، كنت متأكدة من أنني سأموت، واعتقدت أن هذا كل شيء، لكنني بقيت على قيد الحياة».

وتحدثت الأسيرة كيف كانت طوال فترة أَسرها تتنقل بين عدة شقق، ولم تُحتجز في الأنفاق، وكانت من وقت لآخر تخرج لاستنشاق الهواء وهي متنكرة في زي امرأة عربية. والأسير أندري كوزلوف، كان يكتب مذكرات في دفتر كان بحوزته في مكان أَسْره، بينما أبلغ الأسير ألموغ مئير عائلته بأن «حماس» صوَّرته في يوم عيد ميلاده، وسألهم فيما إذا شاهدوا الفيديو حديثاً، لكن العائلة أبلغته بأن الحركة لم تنشر شيئاً. وفي السياق نفسه، قالت صحيفة «هآرتس» إن نجاح العملية لا يعني أن جميع الأسرى سيحرَّرون بالطريقة نفسها، وأنه يجب أن تكون هناك صفقة سريعة لاستعادة مَن تبقّى منهم.


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع الفلسطيني، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحظي قرار سلطات كوسوفو بموافقة البرلمان الذي صوّت بالإجماع على تشريع يجيز انضمام عناصر من قوى الأمن في كوسوفو إلى قوّة دولية لإرساء الاستقرار بقيادة أميركية، في حال تشكّلها.

وقد تضمّ هذه البعثة في المجموع نحو 20 ألف جندي، بينهم 8 آلاف إندونيسي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا يحدّد التشريع عدد العناصر الذين يمكن إرسالهم إلى غزة. وحسب وسائل الإعلام، تعتزم الحكومة إرسال 22 عنصراً.

أما في البوسنة فقد تطرّق وزير الدفاع، زوكان هيليز، إلى هذه المسألة خلال اجتماع في واشنطن مع المسؤول عن الشؤون السياسية العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية، ستانلي براون.

وقال هيليز في بيان: «بلغت التحضيرات لهذه المهمّة مرحلة متقدّمة، ونتوقّع أن يشارك فيها أكثر من 60 عنصراً من القوّات المسلّحة في البوسنة والهرسك. وهذا إسهام ملحوظ من بلدنا في السلم والأمن الدوليين».

وقد حظيت مشاركة البوسنة في هذه القوّة بموافقة السلطات في يناير (كانون الثاني).

والتأم «مجلس السلام» الذي أُنشئ أساساً للمساعدة في إعمار غزة بعد الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، للمرّة الأولى في واشنطن في فبراير (شباط)، بغية مناقشة سبل تمويل هذه المبادرة وإيفاد عسكريين أجانب إلى القطاع.

وتعهّدت، حينها، إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، المشاركة في القوة.

وما زال تنفيذ هذه المرحلة من خطّة السلام الأميركية في النطاق الافتراضي، مع تمسّك كلّ من إسرائيل و«حماس» بمطالب متناقضة، وتبادلهما التهم بخرق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد سنتين من حرب طاحنة شهدها القطاع الفلسطيني، إثر هجوم غير مسبوق لـ«حماس» على الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023.


عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».